نقابة الأطباء بين قيود الماضي وفرص المستقبل

قراءات, قضايا

03  يونيو  2018

كتب :

خالد عبد الرحمن

محمد شفيق

عمرو الشورى

بعد ثلاثة إضرابات كبيرة للأطباء البشريين استمرت لشهور و تعاون في آخرها الأطباء البشريين وأطباء الأسنان و الصيادلة، وبعد جمعية عمومية حاشدة حضرها ما يزيد عن 10 آلاف طبيب بشري في شهر فبراير ٢٠١٦، لماذا وصل الأن حال الأطباء والمهنة إلى هذا التردي غير المسبوق؟

ولماذا تسود اليوم حالة عامة من الإحباط وفقدان الأمل في التغيير لهذا الحال بين قطاعات كبيرة من الأطباء؟

و ما هو السبب الأدق لهذه الحاله في ظل تضارب الآراء بين الأطباء، فالبعض يلقي بالتهمة على سلبية جيوش الأطباء، والبعض يلقي باللوم علي الطبيعة الإصلاحية والبيروقراطية لعضوية مجلس النقابة، والبعض يشكك في قدرة نقابة الأطباء والنقابات المهنية عموما على الدفاع عن عضويتها في ظل حالة القمع التي نعيشها اليوم.

ولو كان هناك دور لطبيعة تركيبة النقابة في هذا الشلل والعجز فهل الحل في مشاركة النقابة في الشأن السياسي أم في عزوفها عنها؟ وهل هناك بالفعل انفصال بين ما هو شأن نقابي وما هو شأن سياسي؟ و ما هي حدود هذا الانفصال؟

للإجابة علي هذه الأسئلة وغيرها كان لابد لنا من الخوض عميقاً في جذور نشأة نقابة الأطباء والسياق التاريخي لتطورها، ليس فقط من أجل الإجابة على هذه الأسئلة بخصوص ما حدث في الماضي وأسبابه، ولكن الأهم لتوضيح مدى التداخل التاريخي بين ما هو اقتصادي وما هو سياسي في دار الحكمة، و الأهم استشراف حلول تعين الحراك النقابي الطبي في المستقبل و تستفيد من هزائم الماضي.

نبذة عن النقابات المهنية والعمالية

النقابات هى تنظيمات جماعية يشكلها العاملون بأجر فى حرفه ما أو مكان ما للدفاع عن مصالحهم وتحسين شروط العمل والأجور فى مواجهة صاحب العمل، و تاريخياً.

عانت النقابات فى مصر من المركزية الشديدة للدولة المصرية وانحيازها شبه المطلق لأصحاب الأعمال ضد العاملين بأجر ونقاباتهم المتعددة، وكنتيجة للصراع المستمر بين الدولة والنقابات، و الذي تميل فيه الكفة معظم الأحيان لصالح الدولة، حدثت الكثير من التشوهات فى الحركات النقابية المصرية، لعل من أهمها الإنقسام الحاد وغير المبرر بين التنظيمات النقابية العمالية والتنظيمات النقابية المهنية، نشأت الأولى من رحم طوائف المهنيين الموروثة من العصور الوسطى، بينما نشأت الثانية من تطورات وتحديثات دولة محمد على والتى خلقت الطبقة الوسطى الحديثة وعموم الموظفين والمهنيين.

وأدى هذا الإختلاف في النشأة الى اختلاف التنظيمات العمالية عن النقابات المهنية في مدى التجانس الطبقي لعضويتها، فبينما نشأت التنظيمات والنقابات العمالية من أسفل بإرادة مكونيها كمحاولة من العمال، لإعادة تنظيم أنفسهم في مواجهة مبدأ المنافسة المفروض عليهم من الإدارة، وتوحيد صفوفهم بهدف الدفاع عن حقوقهم، والسعي لتحسين شروط العمل في مواجهة أصحاب العمل وفقًا لمبدأ الحرية النقابية، نشأت النقابات المهنية بحكم إرتباط نشأتها بجهاز الدولة، والتحديث الذى تم فرضه من أعلى بشكل غير متجانس لعضويتها، بشكل شبه مطلق من السلطات التنفيذية والتشريعية للدولة بقانون لتتسع مظلتها وتشمل العاملين بأجر وأصحاب العمل معا، حيث تم التعسف لجعل الانضمام لها شرط أساسي لممارسة المهنة.

وتعود بداية محاولات تأسيس النقابات المهنية في مصر إلى العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، بإنشاء المحامين أمام المحاكم المختلطة في مارس 1876 أول نقابة لهم، تبعهم المحامون أمام المحاكم الأهلية، إلى أن أنشأت نقابة المحامين بشكلها الحالي عام 1912، وتبعهم الأطباء في عام 1940.

نقابة الأطباء

من النماذج المهمة للنقابات المهنية في مصر نقابة الأطباء “دار الحكمة” التي تضم عضويتها كافة ممتهني الطب بداية من وزير الصحة والأستاذ الجامعي ومدير المستشفى العام وصاحب المستشفى الخاصة وأصحاب العيادات وحتى ممارسي المهنة من العاملين بأجر في القطاعين العام والخاص، وكان لهذا التركيبة غير المتجانسة أكبر الأثر في إضعاف أي إمكانية لخلق تماسك علي مجموعة من المطالب الواضحة و الناجزة والتوافق على آليات لتنفيذها نظرًا للتناقض في المصالح بين مكوناتها فمثلًا صاحب المستشفى الخاص لن يقبل بتحسين مستوى الخدمة بالقطاع الحكومي أو عمل تأمين صحي شامل بالمجان أو عمل كادر خاص للأطباء العاملين بأجر فهذا يتعارض مع مصالحه المباشرة ويقتطع جزءًا من أرباحه و كذلك تتعارض مصالح الأطباء ذوى المناصب الإدارية العليا مع الأطباء الشبان فى المستشفيات والمراكز الصحية حيث يكون ولاء الأولون و مصالحهم مع السلطة التنفيذية أكثر بكثير من ولائهم و مصالحهم مع زملائهم الأطباء.

وتاريخيًّا نشأت نقابة الأطباء على يد علي باشا إبراهيم وزير الصحة عام 1940، وكان هو أول نقيب لها ويوضح هذا مدى التداخل بين نقابة الأطباء ومؤسسات الدولة، وفي الحقبة الناصرية جرى التأطير القانوني لهذا التشوه بالقانون رقم 45 لسنة 1969، واللائحة المنظمة رقم 235 لسنة 1974، لذا كان من الطبيعي أن ينحاز هذا القانون وهذه اللائحة للدولة التي أصدرتها ليجعلا منها مرجعية دائمة للنقابة، ويضمنا رقابة صارمة منها على أداء مجلسها وسيطرة كبيرة على عضويتها وبالفعل حمل القانون 45 الكثير من ملامح المرحلة التي أنتجته.

 فهو يشترط في مادته (1) على أن النقابة تباشر نشاطاتها في إطار السياسات العامة للاتحاد الاشتراكي، ووفقًا للمادة (3) لا يجوز مزاولة المهنة بأية صورة من الصور، إلا بعد القيد في الجدول العام للنقابة والتسجيل بالنقابة الفرعية كما أن استمرار القيد شرط من شروط مزاولة المهنة، ولا يمكن تعديل هذا القانون سوى من الجهة التشريعية، كما أن اللائحة المنظمة رقم 235 تنص على عدم جواز تعديلها إلا بعد موافقة وزير الصحة؛ مما يعطي للدولة الوصاية الكاملة على قرارات الجمعية العمومية والتي يفترض أنها السلطة العليا داخل أي تنظيم نقابي.

وكما قامت الدولة عبر القانون واللائحة بتحديد الإطار القانوني العام لأداء نقابة الأطباء قامت بدور أكبر في رسم القالب القانوني الذي تجري في إطاره الانتخابات النقابية عبر نفس اللائحة والقانون بما يصب في صالحها، فوفقًا للمادة (18) من قانون 45 “يشترط على المرشحين في النقابة العامة وعددهم 6 أعضاء فقط كل تجديد نصفي الترشح في كل أنحاء الجمهورية”، بما يعني الوصول لما يزيد عن 230 ألف طبيب موزعين على 29 محافظة من الإسكندرية وحتى أسوان؛ مما يعني استحالة الوصول لجموع الناخبين دون تنظيم قوي وقدرات مالية عالية.

وكذلك مندوبي القطاعات، فمندوب قطاع شرق الدلتا مثلًا وهو واحد فقط في كل تجديد نصفي يجب عليه الوصول للأطباء في 8 محافظات وهي (دمياط – الدقهلية – الشرقية – بورسعيد – الإسماعيلية – السويس – شمال وجنوب سيناء – البحر الأحمر) كما أن المرشحين بالنقابة الفرعية وعددهم أربعة أعضاء كل تجديد نصفي لم يراع أثناء تحديد أعدادهم وآلية اختيارهم لتمثيل الإدارات الصحية والمستشفيات الكبيرة ودون حتى مراعاة للفارق بين المحافظات الصغيرة والمحافظات الكبيرة.

كما تنص المادة رقم (41) من اللائحة المنظمة على إقامة الانتخابات بصناديق اقتراع في النقابة الفرعية فقط مما يضع عقبات أمام التصويت خاصة في المحافظات الكبيرة، كما يسمح للقوائم المدعومة من التنظيمات الكبيرة أو المدعومة من الدولة بالحشد بالأتوبيسات يوم الانتخاب، مما يخلق حالة رهيبة من الزحام والتكدس أمام صناديق الاقتراع ويدفع بعض الأطباء خاصة غير المسيسين للملل والنفور من المشاركة.

مما يعني ضمنيًّا أن الأكثر قدرة على الوصول لإدارة النقابة في الغالب هم، إما قوائم المدعومين من الدولة أو من أصحاب المستشفيات الكبرى أو من مديري المستشفيات والمديريات والذين تم اختيارهم للمناصب وفقًا لتقارير أمن الدولة أو تنظيم قوي مثل تنظيم الإخوان المسلمين.

وضع كل هذا عقبات مالية وتنظيمية وجغرافية صعبة أمام المرشحين خاصة غير المدعومين من الدولة أو تنظيم قوي وفتح الباب للتحالفات الانتهازية اللامبدئية كما أنه سهل من إمكانية عزل المرشحين عن ناخبيهم حال فوزهم، مما يجعلهم فريسة سهلة للدولة والبيروقراطية الحكومية والنقابية ويسمح ببقرطة العملية النقابية، خاصة وأن القانون تجاهل متعمدًا حق سحب المندوبين النقابيين في حال عدم رضاء الناخبين عنهم وأيد استمرارهم حتى إكمال مدتهم.

كان لهذه المركزية الشديدة أثر بالغ الحدة فى تحجيم حجم وتأثير الحركة النقابية خاصة في أحقاب زمنية لم تكن فيها وسائل التواصل الإليكترونى من كمبيوتر و انترنت و موبايلات و حتى تليفونات أرضية قد تطورت لما نحن عليه الأن.

و قد كان إقرار هذا القانون وهذه اللائحة في الستينيات والسبعينات جزءًا من سياسة عامة استخدمتها دولة ضباط يوليو لتأميم الحركة النقابية كجزء من تأميم الحراك الجماهيري بالكامل وإلحاقه بالاتحاد الاشتراكي، ولم يجد مقاومة وقتها نظرًا لتمتع الأطباء في تلك المرحلة بدفء الطبقة الوسطى عماد المشروع الناصري، وهكذا حولت السلطة الناصرية النقابات المصرية من هياكل تنظيمية نضالية الى هياكل صفراء ميتة تعيش فى كنف النظام و تعمل فى صفه ضد مصالح أعضائها و حرصت السلطة على ضمان ولاء البيروقراطية النقابية لها بشكل سياسى مباشر وفج.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (3) لم يكن الفريد في التجربة المباركية هو طابعها الأوليجاركي ولكن في طغيانه الشامل إلى حد أن ابتلع كل شئ حوله، حد أن أخضع وأعاد صياغة كافة مكونات وعناصر الدولة الرأسمالية الحديثة على صورته، وفي انه لم يضعف المجال السياسي ويهمشه ولكن قضى عليه قضاءً تاما، محاه من الوجود.

هاني شكر الله

النقابات المهنية والسياسة علاقة التيارات السياسية بالنقابات علاقة مشبوهة، تميزت تاريخياولفترات طويلة وحتى اليوم بالإستخدام، طرف يستخدم – بالمعنى المبتذل للكلمة – الطرف الآخر. طموحات المستخدم "بالفتح" لامكان لها ولا أثر على خريطة الطرف الآخر.

سعيد عبد الفتاح أبو طالب

المقاومة الاجتماعية في “أرض الخوف”… أوجه الضعف والقوة يأتي عيد العمال هذا العام والحركة العمالية في وضع متراجع بسبب عوامل عدة في مقدمتها ارتفاع وتيرة القمع، وبالتالي فالنضال في فترات المد الثوري، يختلف عن المقاومة في ظل انتصار ثورة مضادة تسعى لسحق حركة العمال وتنظيماتهم المستقلة، وهو ما انعكس على مطالب الحركة.

هشام فؤاد