عمال بلا أجر

البقشيش من جيوب المواطنين لجيوب أصحاب الأعمال

أفكار, قضايا

27  مايو  2018

عملت الحكومة عبر سنوات طوال علي التأسيس لعمالة بلا أجر في الكثير من القطاعات، أو بأجر ضئيل يجعل العاملين بهذه المهن في انتظار دائم لما يخرج من جيوب مواطنين آخرين ربما لا يقلون عنهم بؤساً، ليسد رمقهم ورمق أسرهم.

ففي المستشفيات الحكومية، خاصة الاقتصادية منها والتي تكون تكلفة العلاج فيها كبيرة، مثل القصر العيني الفرنسي، نجد أجور العاملين ضعيفة، وحتى في الشهور الأخيرة تتأخر أجورهم، لذا أصبح البقشيش مقابل تقديم خدمة جيدة، هي من حق المريض لأنه قد دفع ثمنها بالفعل. منذ فترة استبدل القصر العيني الفرنسي عمال النظافة والأمن وغيرهم من عمال الخدمات بعمال عبر شركات توريد العمالة، حيث تعمل عاملة النظافة طوال عشرة ساعات متصلة يومياً مقابل أجر 700 جنيه، وعليها لو أرادت زيادة دخلها أن تأخذ وردية آخري، ولا أعرف كيف تستطيع أصلاً الاستمرار لمدة عشرة ساعات حتى يكون مطلوبا منها أن تعمل وقتا إضافيا حتى تستطيع العيش؟ البديل هو البقشيش من جيوب المرضي أو مرافقيهم، والمرضي يدفعون هذه النقود سواء لمساعدتهم علي العيش أو من أجل خدمة جيدة. فلكي يهتم بك أحد ويأتي بسرعة لفرش سرير المريض المتعب والذي أتي ليستريح ويأخذ علاجه، عليك أن تكون كريما، وإذا رغبت في كيس مخدة – حيث النقص في الفرش والأدوات – لكي تبحث لك عنه، وربما يحرم منه آخرين، عليك أن تكون كريما. إذا كان المريض متعبا ويريد مخدة أخرى يستند عليها، إذا  كان لا يستطيع النوم إلا على مخدة عاليه، عليك بالدفع. وفي الشتاء ربما بقي المريض بدون بطانية حتى المساء لنقص في البطاطين، فلا بد من دفع بدل البحث والنزول للمغسلة لكي تأتيك بطانية. وفي حال نقص التمريض والمجهود المضاعف عليهم عليك بالدفع لكي تكون استجابتهم سريعة. وهكذا أصبح البقشيش هو البديل لأجور عادلة للعاملين بالمستشفيات.

البقشيش له أشكال كثيرة حتى لو لم يكن اسمه بقشيش،  ففي المدارس الخاصة، كبيرها وصغيرها، يعمل المعلمون بها مقابل أجور وهمية في ضآلتها – اللهم إلا المدارس الأجنبية في مصر وربما عدد قليل من المدارس الخاصة والتي تعطي المدرس أجرا حقيقيا-  فقد نشرت الوفد شكوى مدرس في مدرسة خاصة في طنطا في عام 2016 من أن أجره الشهري 200 جنيه. أصحاب المدارس يقولونها صراحة “ما أنت هتدي دروس”. ويعتبر أجر الدروس الخصوصية في هذه الحالة بديلاً عن الأجر الذي من المفترض أن يدفعه صاحب المدرسة ليكفل للمدرس حياة كريمة بدون اللجوء للدروس. كما أن المدارس الحكومية التي عانت لسنوات طوال من نقص المعلمين لديها ابتدعت العديد من المسميات لتشغيل المعلمين بأجور ضئيلة جدا، كان الأجر الشهري لهم حتى وقت قريب 104 جنيه، وهؤلاء يقبلون آملين أن يأتي يوم ويعينون، ويعتمدون في تسيير حياتهم علي الدروس الخصوصية.

العاملون في البنزينات الخاصة يعملون بدون أن تدفع لهم إدارة المحطة أي أجر، فهم يعملون مقابل الدخان (البقشيش الذي يجود به الزبائن علي العاملين). ليس هذا فقط، بل أنه إذا حدث عجز في المواد البترولية التي يقومون بتعبئتها، تحملهم الإدارة هذا العجز من البقشيش الذي يتقاسمونه بينهم في نهاية الوردية. لذا فهم يعملون ساعات طويلة بدون إجازات، يعملون 12 ساعة يومياً، أو 24 ساعة بشكل متواصل كل يومين.

وفي مجال العاملين بالسياحة فحدث ولا حرج، إذ تضاف بشكل رسمي إلى كل فاتورة 12% خدمة، ولما كان أصحاب العمل لا يوزعونها علي العمال، أو في حال توزيعها توزع منقوصة، أو كان أصحاب الأعمال يستخدمونها في دفع أجور العمال، لذا فعلي الزبون أن يدفع بقشيش إضافي للعاملين.

بالنظر في اتفاقيات العمل الجماعية منذ صدور قانون 12 لسنة 2003 حتى الآن، وجدنا أن هناك الكثير من اتفاقيات العمل الجماعية والمنشورة في الوقائع المصرية للعاملين في الفنادق والمنشآت السياحية، خاصة في الأعوام من 2010 حتى 2013. ففي الأعوام من 2003 وحتى 2005، كذلك عام 2008 لم يكن هناك أي اتفاقيات عمل جماعية لا في السياحة ولا في غيرها. وفي الأعوام 2006، و2007 كان هناك ثلاثة اتفاقيات عمل فقط في قطاعات غير السياحة. وفي عام 2009 كان هناك اتفاقيتان في مجال السياحة وواحدة في مجالات آخري. وفي عام 2010 كان هناك 11 اتفاقية عمل في مجال السياحة، وأربع اتفاقيات فقط في مجالات آخري. وكان عدد اتفاقيات العمل الجماعية في عام 2011 هي 30 اتفاقية في مجال السياحة مقابل 17 اتفاقية فقط في باقي المجالات، وفي عام 2012 كان عدد الاتفاقيات في مجال السياحة 37 اتفاقية، في مقابل 30 اتفاقية في باقي المجالات. انخفض عدد اتفاقيات العمل بداية من عام 2013 حيث كانت في مجال السياحة 7، بالإضافة لاتفاقية علي مستوي الجمهورية، وفي المجالات الأخرى كان عددها 15 اتفاقية. وفي عام 2014 لم يكن هناك سوي 4 اتفاقيات فقط في مجال السياحة و17 اتفاقية في المجالات الأخرى.

وبالبحث تبين أنه كان هناك سجال دائر بين العاملين في السياحة والنقابات من جهة وأصحاب الأعمال ممثلين في غرفة المنشآت الفندقية من جهة آخري منذ عام 2006 علي نسبة 12%. والتي أشار الاستاذ‏/‏ فتحي نور رئيس غرفة الفنادق، إلي قرارات بالجمعية العمومية غير العادية لغرفة المنشآت الفندقية والتي أقرت طبقاً للمادة 684 من  القانون المدني بشرعية سداد مرتبات العاملين بالفنادق من رسم الخدمة وأن ذلك لا يمثل مخالفة قانونية. ردت النقابة العامة للعاملين بالسياحة علي هذه النقطة بـ “أن القول بإمكانية قيام العامل بعمله في القطاع السياحي دون أجر ثابت يتحمله صاحب العمل‏،‏ كان من الممكن قبوله منذ نيف ونصف قرن ‏(تاريخ صدور القانون المدني‏)‏ ولكنه لم يعد مقبولا ولا متفقا مع مستويات العمل الدولية ولا أحكام القانون المقارن بشأن كيفية توزيع حصيلة عمولة الخدمة”‏.

وقد عرف قانون العمل 12 لسنة 2003 في مادته الأولى الأجر كما يلي: “الأجر: كل ما يحصل عليه العامل لقاء عمله، ثابتا كان أو متغيرا، نقداً أو عينيا، ويعتبر أجرا على الأخص ما يلي :العمولة، التي تدخل في إطار علاقة العمل – النسبة المئوية، وهى ما قد يدفع للعامل مقابل ما يقوم بإنتاجه أو بيعه أو تحصيله طوال قيامه بالعمل المقرر له هذه النسبة – العلاوات أيا كان سبب استحقاقها أو نوعها – المزايا العينية التي يلتزم بها صاحب العمل دون أن تستلزمها مقتضيات العمل – المنح، وهى ما يعطى للعامل علاوة على أجره وما يصرف له جـزاء أمانته أو كفاءته متى كانت هـذه المنح مقـررة في عقـود العمـل الفرديـة أو الجماعية أو في الأنظمة الأساسية للعمل وكذلك ما جرت العادة بمنحه متى توافرت لها صفات العمومية و الدوام و الثبات – البدل، وهو ما يعطى للعامل لقاء ظروف أو مخاطر معينة في أداء عمله-  نصيب العامل في الأرباح – الوهبة التي يحصل عليها العامل إذا جرت العادة بدفعها وكانت لها قواعد تسمح بتحديدها، وتعتبر في حكم الوهبة النسبة المئوية التي يدفعها العملاء مقابل الخدمة في المنشآت السياحية، يصدر قرار من الوزير المختص بالاتفاق مع المنظمة النقابية المعنية بكيفية توزيعها على العاملين وذلك بالتشاور مع الوزير المعنى”.

كما جاء في المادة 32 من القانون إلزام صاحب العمل بتحرير عقد عمل للعامل يتضمن كل بيانات العامل وصاحب العمل، والمهنة، وكذلك الأجر المتفق عليه وطريقة وموعد أدائه، وكذلك سائر المزايا العينية والنقدية المتفق عليها. كما هو واضح أن القانون لم يتح لأصحاب الأعمال أن يستخدموا أياً من المزايا العينية كبديل للأجر، وإنما بالإضافة إليه. وقد أفردها القانون ليؤكد علي حق العامل فيها، وكذلك احتساب الأجر الشامل في حال بدل الإجازات أو التعويضات في حالة الفصل، أو مكافئة نهاية الخدمة وغيرها من الأمور.

واتضح من الكثير من اتفاقيات العمل في عام 2010 أن الفنادق لم تكن تعطي العاملين نسبتهم في الـ 12%، وفي أحسن الأحوال كانت تعطيها منقوصة بشدة، ففي الاتفاقية الموقعة بين إدارة فندق مينا هاوس أوبروي، والنقابة العامة للعاملين بالسياحة في حضور رئيس اللجنة النقابية للعاملين بالفندق، بتاريخ 11-9-2010 ونشرت بالوقائع المصرية في عددها رقم 219 بتاريخ 24-9-2010، تم منح العاملين منحة تعويضية عن رسم الخدمة قدره 4 مليون جنيه لتبرئ ذمة الفندق من ‏حقوقهم في رسم الخدمة حتى 31-12-2010. وبشأن الاتفاقية ذكر حمدي خليفة، رئيس النقابة المستقلة التي تأسست بعد الثورة، والتي لم يستطع توفيق أوضاعها، بأن مراجعة عمولة الخدمة عن هذه الفترة هو 45 مليون جنيه، ضمنها 30 مليون أجور العاملين والتي تم دفعها من العمولة. وأنه عندما تحدث مع رئيس النقابة العامة محمد هلال الشرقاوي وقتها في هذا الأمر قال له “عمركم ما هتخدوا الفلوس دي، خدوا اللي تطولوه أحسن ما تطولوش حاجه”.

وذكر “خليفة” أنه فيما بعد قام برفع دعوي قضائية بصفته النقابية لم يبت فيها بعد، برقم 1213 لسنة 2014، مطالباً بالعلاوات والأرباح للعاملين عن عام 2012 والتي بلغت أكثر من 70 مليون، في حين أنه يتقاضي سنوياً حوالي 700 جنيه فقط. هذا في الوقت الذي لو تم حساب 7 مليون علي 600 عامل سيكون المتوسط أكثر من 11 ألف.

بالمثل حال العاملين بفندق الواحة حصلوا علي منحة تعويضية قدرها 300 ألف جنيه عن الفترة من بداية 2006 حتى نهاية 2011، ورمسيس هيلتون 4 مليون جنيه عن نفس الفترة. فيما حصل العاملون في الشركة المصرية الفرعونية على مليون و200 ألف عن الفترة من بداية 2003 وحتى نهاية 2008. وفي يناير 2011 حصل العاملون في فندق كونراد القاهرة على 7 ونصف مليون جنيه عن الفترة 2007-2009، والعاملون في هلنان بورسعيد على 850 ألف جنيه عن الفترة 2005-2009، وهيلتون ومينا هاوس وميريديان الهرم ونوفتيل المطار، والفندق العائم أوبري فيلة وأوبري زهرة والروشة وكندهار….. وكل ذلك مقابل تبؤئة ذمة الفنادق من حقوق العمال في هذه النسبة.

من الواضح أن حركة العمال في هذه الفنادق كانت هي السبب الأساسي في تحريك المفاوضات، خصوصا بعد الثورة، لما أتاحته من حرية الاحتجاج. كذلك بسبب تأثر السياحة، مما جعل أجور العاملين ضئيلة مع استمرار استيلاء أصحاب الفنادق علي رسم الخدمة. وكذلك استخدم بعض العاملين وممثلوهم من النقابات طريق التقاضي للحصول علي حقوقهم. فقد جاء في اتفاقية عمل جماعية بين نقابة العاملين بفندق موفنبيك القصير، المنشورة في الوقائع المصرية العدد 181 -بتاريخ 12-8-2014 – والتي كان فيها 2 ممثلين للعاملين بالإضافة لرئيس النقابة ونائبهأعربت الإدارة عن مدى استيائها من استمرار حالات التقاضي حتى الآن بين الفندق والعاملين على الرغم من سعي إدارة الفندق لتنفيذ كافة طلبات العاملين وإعطائهم مزايا إضافية عديدة، حيث قام محامي النقابة بإضافة طلبات بدعوى الأرباح، وهذه الطلبات قد تم صرفها للعاملين في مواعيد استحقاقها الشهرية دون تأخر مما أضحى معه وجود تعسف من جهة العاملين وهو أمر غير مقبول. ولا تستطيع الإدارة مناقشة الطلبات المشار إليها عاليه وهناك قضايا معلقة بين الطرفين. “

من الواضح أن هذه الاتفاقيات كانت تشمل منفعة كبيرة للنقابة العامة ورجالها، فقد نصت كل الاتفاقيات علي نسبة لا تقل عن 10% من المنحة التعويضية يدفعها في معظم الأحوال العمال، بالإضافة للضريبة، وفي مرات قليلة يتم النص علي أن يدفعها الفندق، للجنة المشكلة من النقابة العامة للسياحيين لمراجعة هذه النسبة والمكونة من محاسب قانوني ومحامي.

بعد الثورة، أبرمت الكثير من الاتفاقيات خاصة لتعيد توزيع نسبة عمولة الخدمة علي العاملين لتصبح نسبة العاملين منها 90% (27% للعاملين المتصلين بالعملاء بحد أقصي أجر 12 شهر ونصت الاتفاقيات علي إلزام المنشأة بتوزيع الفائض من هذه النسبة علي باقي العاملين بعد أن كانت جائزة في اتفاقيات ما قبل 2011، 63% توزع بالتساوي علي العاملين متصلين وغير متصلين) وأصبحت نسبة مقابل الكسر والفقد 10% فقط، بعد أن كانت في قرار وزير القوي العاملة رقم‏125‏ لسنة‏2003‏ بشأن توزيع حصيلة نسبة رسم الخدمة‏ (12%)‏ علي العاملين في المنشآت الفندقية والسياحية، و‏الذي ما زال سارياً 20%. كما نصت معظم الاتفاقيات علي تحميل مرتبات العاملين المتصلين علي مصاريف التشغيل، وليس علي نسبة الخدمة. وقد نصت اتفاقية فندق سميراميس إنتركونتننتال في يناير 2012 على تحميل أجور كل العاملين متصلين وغير متصلين علي مصاريف التشغيل.

وفي مارس 2013 في عهد خالد الأزهري كوزير للقوي العاملة تم توقيع اتفاقية علي المستوي القومي بين الاتحاد المصري للغرف السياحية، والنقابة العامة للسياحة والفنادق وائتلاف العاملين بالسياحة والفنادق والنقابة العامة للسياحيين (مستقلة) من جهة أخري بشأن توزيع رسم الخدمة، والتي رفعت نسبة الكسر إلي 15%، 10% للعاملين المتصلين، و65% لكل العاملين، وذلك لمدة 6 أشهر، بعدها يتم توزيع نسبة العاملين 85% علي كل العاملين بالتساوي. وهو ما جعل الاتفاقيات التي تبرم بعد ذلك تلتزم بنفس التقسيم، ففي عام 2015 كان هناك 16 اتفاقية في مجالات غير السياحة وكان نصيب السياحة اتفاقية واحدة في مطعم خان الخليلي، حيث تم التوصل لرفع أجور العاملين ما بين 100-350، وصرف العلاوة في مقابل تنازل العمال عن المطالبة بالأرباح. وفي عام 2016 كان هناك 15 اتفاقية في مجالات آخري بخلاف السياحة التي كان بها 5 اتفاقيات فقط تم الاتفاق علي نسبة 15% بدل فاقد، 85% للعمال بالتساوي، وفي فندق هوليداي (سوفتيل المعادي سابقاً) كانت النقابة العامة قد قامت برفع دعوي بخصوص نسبة الخدمة 2009-2013، فتم الاتفاق علي دفع مبلغ تعويضي قيمته مليون وربع، واتفاق آخر بخصوص التوزيع فيما بعد. وفي عام 2018 حتى الآن لا يوجد سوي اتفاقية واحدة في مجال مختلف عن السياحة. ولا نعرف الاتفاقيات التي وقعت ما بين عامي 2010 و2013 وهل  انتهت إلى الالتزام بما تم الاتفاق عليه سابقاً، أم عاد أصحاب الفنادق لسابق عهدهم في الاستيلاء على نسبة الخدمة وحرمان العاملين منها.

هكذا رأينا أن هناك الكثير من فئات العاملين تعمل بدون أجر يدفعه لها صاحب العمل، أو أجر ضئيل جدا، ويعد البقشيش أو الإكرامية أو الدرس الخصوصي هو مصدر الدخل. نستطيع أن نقول بأن البقشيش أو الإكرامية تخرج من جيوب المواطنين لتدخل في جيوب أصحاب الأعمال لأنها تحل محل الأجر الذي من المفروض أن يدفعه صاحب العمل للعاملين لديه.

اضافة تعليق جديد