من القاهرة: هنا اليمن – قراءة في التاريخ اليمني

قراءات, قضايا

22  مايو  2018

اليمن الحزين الآن والحرب التي تجري على أرضه، وتصاعد دعوات الانفصال بين شمال اليمن وجنوبه، والتعقيدات القبلية على الأرض اليمنية كلها تدفعنا لإعادة قراءة تاريخ هذا الوطن والبحث في العوامل السياسية والاقتصادية التي شكلت الطبيعة الاجتماعية الخاصة لهذا البلد، لنحاول تفسير ما يجري من اقتتال الآن ولنعرف أنه ليس وليد الصدفة أو قرار بإعلان الحرب، إنما تراكم لأحداث سياسية تمتد جذورها خارج اليمن لتمر بعواصم عربية عدة، أبرزها القاهرة والرياض بجانب دول الاستعمار.

فاليمن عبر تاريخه مر بأحداث سياسية متلاحقة أدت إلى تغيرات متسارعة في بنية المجتمع، حيث شهدت البلاد انقلابين مسلحين غير ناجحين، عُرف الأول بحركة 1948 والثاني بانقلاب الثلايا 1955. وظلت المتغيرات الاقتصادية والسياسية في تراكم حتى قيام ثورة 26 سبتمبر 1962، مطيحة بنظام الأمام “البدر” الذي لم يحكم سوى أسبوعا خلفًا لأبيه الإمام “أحمد بن يحيى” المتوفى يوم 19 سبتمبر 1962.

نجحت قوى الثورة المضادة في انقلاب 5 نوفمبر 1967 في الإطاحة بالرئيس عبد الله السلال، وشكل هذا الانقلاب أحد عوامل انتكاسة اليمن، بجانب الانقلاب الذي قام به المقدم إبراهيم الأحمدي في 13 يونيه 1974 والسيطرة على مقاليد الحكم. إلا انه اغتيل في 1977، وتولى السلطة من بعده المقدم أحمد الغشمي وقتل أيضًا في انفجار حقيبة ملغومة، ليتولى بعدهم الرئيس على عبد الله صالح، الذي اغتيل مؤخرًا على يد قوات الحوثي في الصراع الدائر الآن في اليمن. ذلك بالإضافة إلى تصفية العديد من الكوادر الفكرية والسياسية في أحداث دامية شهدتها عدن عام 1986 بتدبير من الرئيس اليمني وقتها ناصر محمد، وصولًا إلى الحرب الأهلية اليمنية عام 1994 والتي قضت على مشروع اليمن التقدمي تمامًا وأنهت على قوى التغيير فيه.

الطريق إلى ثورة 1962

بعد إنشاء قناة السويس عام 1869، ظهرت أهمية استثنائية لمضيق باب المندب والذي صار يستحوذ على 7% من الملاحة العالمية، و13% من تجارة النفط العالمي، والذي يملك اليمن أفضلية التحكم فيه عبر جزيرة “بريم” مما جعلها عرضة للاستعمار من ثلاث دول هي البرتغال وفرنسا وانجلترا. ومنذ تلك اللحظة شهد اليمن تغيرا وانفتاحا على العالم، وتحديدًا في محافظة عدن بالجنوب، والتي لعبت دورًا في تحديث اليمن وخلق مناخ مغاير، غير قبلي، أتسم بالحضارية، فنشأت الغرفة التجارية في عدن عام 1886 كدليل على الازدهار والتنظيم الاقتصادي.

انعكس هذا الازدهار الاقتصادي على الناحية السياسية حيث صارت عدن عاصمة للتغيير ليس في اليمن الجنوبي وحسب، بل في اليمن ككل، فعبر الطبقة الجديدة من التجار تم تمويل الأفكار الإصلاحية والثورية والدفع بعملية تحرر اليمن من رجعية نظام الإمام في الشمال. وعلى أثر هذه المتغيرات نشأت حركات إصلاحية مثل “الأحرار الدستوريين” الذين طالبوا بالإصلاح الاقتصادي والمزيد من الحرية في ظل النظام الإمامي.

منذ عام 1944 بدأت حركة الإصلاح بالدعوة إلى تغيرات جذرية في نظام الإمامة المطلق وتحويله إلى إمامة دستورية، مع التخفيف من الضرائب والمظالم والعمل بنظام الشورى. وفي عام 1947 تداخلت مع دعاوى الإصلاح قوى أخرى أبرزها “الإخوان المسلمين”، فقد أرسلت الجماعة في مصر مندوبها إلى الأراضي اليمنية “فضيل الورتلاني” كمندوب تجاري لشركة محمد سالم، وهو زوج الشخصية الإخوانية الشهيرة “زينب الغزالي”. وبدأ الورتلاني بالانضمام لحركة الأحرار والتنسيق مع بيوت قبائلية أخرى للإطاحة بحكم الإمامة المتوكلية عبر انقلاب 1948، وقتل الإمام يحيى وإنشاء دولة على الشريعة الإسلامية حسب مفهوم الجماعة، ولعل هذا ما أفشل الانقلاب بسبب اختلاف أعضاء حركة الأحرار الإصلاحية على رأسهم “أحمد محمد نعمان” على مسألة قتل الإمام، وتوزيع الحقائب الوزارية والمناصب، في حال نجاح الانقلاب، على القوى الطامعة في الحكم من الإخوان وأسرة “الوزير” التي تكن العداء لأسرة “حميد الدين” التي تتولى الإمامة، خاصة لما أدركه “النعمان” أن بديل الإمام سيقوم بنفس الممارسات من استبداد وترهيب للشعب اليمني.

 كما نشأ الحزب الماركسي تحت قيادة “عبد الله باذيب” والعديد من القيادات السياسية في عدن وحضرموت عام 1961، مطالبين بالجمهورية والإطاحة بنظام الإمام وحمل الحزب اسم “الاتحاد الشعبي الديمقراطي”.

خلال هذه الحقبة الزمنية نمت الأفكار “الثورية والشيوعية” متمثلة في الأعضاء اليمنيين الذين تدربوا في “الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني”،  حدتو، بالقاهرة، والتي مثلت ملاذا آمنا للمعارضين اليمنيين لنظام الإمام في الخمسينات والستينات من القرن الماضي؛ وشكل اليمنيون المقيمون في القاهرة سواء للتعليم أو اللجوء السياسي قوة أساسية للتغيير السياسي في اليمن عبر تأسيس “المؤتمر الدائم للطلاب اليمنيين ولجنته التنفيذية عام 1956” وكان لهذا التجمع السياسي ارتباطه الوثيق بالقوى الثورية داخل الأراضي اليمنية – وتحديدًا في عدن- بالرغم من تواجده في القاهرة.

رحب “عبد الله باذيب” من عدن بأفكار المؤتمر الدائم بالقاهرة واعتبرها تطورًا جوهريًا في الحركة الوطنية، خاصة أن المؤتمر ضم ثلاثة من أهم مؤلفي الشعر الغنائي اليمني وهم سعيد الشيباني، عبده عثمان محمد، وإبراهيم صادق الذي يعرف برائد تجديد الشعر اليمني، بالإضافة إلى محمد أحمد عبد الولي رائد الرواية اليمنية، وجميعهم من أصحاب الأفكار الماركسية، والتي ستلعب دور في إنشاء العديد من مؤسسات اليمن الحديثة.

كما كان لظهور الصحافة  في عدن – على يد “محمد علي لقمان” في يناير 1940 الذي أنشأ جريدة أسبوعية تحت اسم “فتاة الجزيرة”، بجانب جريدة “صوت اليمن” التي أصدرها قائد حركة الإصلاح “أحمد محمد نعمان” بالاشتراك مع القاضي الشرعي “محمد محمود الزبيري” – دورًا محوريًا هامًا في  نشر قرارات ودعوات المؤتمر الدائم من القاهرة حول ضرورة التحرر من الاستعمار في الجنوب والاستبداد في الشمال، وتكوين حكومة وحدة وطنية لشقي اليمن؛ فقد شارك ممثل اليمن الجنوبي شيخان الحبشي في أحد احتفالات ثورة 23 يوليو في مصر، وأثناء حديثه قام الشاب “أبو بكر السقاف” أحد قيادات الحركة الطلابية اليمنية في القاهرة بالهتاف والدعوة ليمن موحد، وشكلت هذه الدعوة أول دعوة لتوحيد اليمن في العصر الحديث.

كما لعبت إذاعة “صوت العرب” التي تُبث من القاهرة دورًا هامًا في إذاعة البيانات الثورية اليمنية. ففي عام 1962 بثت الإذاعة بيانًا موقعًا من كبار حركة الإصلاح، وعلى رأسهم القاضي الشرعي “محمد محمود الزبيري”، مطالبين بالتخلص من الحكم الفردي المطلق في اليمن وإقامة حكم شعبي. كما سمحت الإذاعة ببث برنامج لقائد حركة الإصلاح “أحمد محمد نعمان” من أجل تنظيم صفوف المعارضة وتعريف الشعب اليمني بمطالب الإصلاح.

استمر سقف مطالب الإصلاح بالارتفاع مدعومًا من الأفكار الماركسية الثورية للحركة الطلابية اليمنية، وتم صدور دستور في القاهرة باسم “مطالب الشعب” جاءت أبرز مطالبه كالتالي:

– المحافظة على استقلال ووحدة اليمن.
– إلغاء الاحتكار.
– الإفراج عن المعتقلين السياسيين.
– تحريم قطع الرؤوس.
– تنظيم الضرائب.
– تنظيم الجيش.
– إقامة مجالس إقليمية وبلدية وقروية لتقوم بالشؤون المحلية على أساس لامركزية الحكم.

– العمل بهذا الدستور كوثيقة لتكوين حكومة انتقالية تتولى صلاحيات الإمام مع بقاءه يملك ولا يحكم. لكن الأمام بن يحيى رفض أي مقترح للإصلاح حتى توفى.

ولم يمر على تولي الأمام البدر الحكم أسبوع، حتى تم تكوين مجلس لقيادة الثورة برئاسة العقيد عبد الله السلال، وعلى الطريقة الناصرية قاد السلال تنظيما من الجيش عُرف أيضًا بالضباط الأحرار وقامت ثورة 1962، وأعلنت الجمهورية العربية اليمنية، وأنهت حكم الإمامة الزيدية في اليمن والذي استمر لمدة عشر قرون ونصف، وتولى عبد الله السلال الرئاسة بعد ترقيته إلى رتبة مشير.

  الثورة المضادة

 عقب نجاح الثورة اليمنية 1962 بدأ رجال الإمام بن يحيى والقبائل التي رفضت الحكم المركزي للنظام الجمهوري الناشئ في محاولة قتل الحراك الثوري في اليمن، متحالفين مع الرياض، التي خشيت أن تنتقل الثورة للداخل السعودي، خاصة أن الطبيعة القبلية للشمال اليمني تشبه التكوين القبلي داخل الأرض السعودية مما كان سيشكل خطرا على طبيعة الحكم في السعودية في وقت كان الشرق الأوسط فيه في حالة من الثورة.

لذلك رحب الرئيس السلال بمساعدة مصر والنظام الناصري وقتها للثورة، واعتبر السلال أن عودة النظام الإمامي، بمساعدة قوى الاستعمار والرجعية السعودية، سيهلك الشعب اليمني ويطيح بأحلام التحرر والاستقلال. لكن أحمد النعمان ومحمد الزبيري والقاضي عبد الرحمن الإرياني لم يساعدوا الفكر الثوري بل ارتدوا وفضلوا الصلح مع رجال النظام الإمامي والسعودية.

صمد الرئيس عبد الله السلال أمام محاولات الرجعية، والتي اتخذت شكلها الأكثر عنفًا في حصار صنعاء لمدة سبعين يوما من سبتمبر1967 إلى نوفمبر 1968، ولكن قوى الثورة تمكنت من كسر هذا الحصار تحت شعار “الجمهورية أو الموت”، كما رفض السلال الاقتراح المقدم من القمة العربية في الخرطوم للصلح مع الملكيين والاستعداد لقيام نموذج إسلامي للحكم في اليمن، كما رفض تسليح القبائل وإقامة جيش قبلي بناءًا على دعوة الزبيري الذي سوف يشتهر بمواقفه الرجعية ضد الثورة إلى أن يتم اغتياله.
والجدير بالذكر أنه تم اغتيال الزبيري أثناء قيامه بجولات بين القبائل مع الحليف الجديد المتمثل في الإخوان المسلمين من أجل إنشاء ما يسمى بحزب الله، لإحلال الصلح بين الإماميين ورجال الجمهورية. وقد شهد على واقعة اغتياله الإخواني “عبد المجيد الزنداني” والذي سيصبح فيما بعد زعيما للتيار الإسلامي الأصولي الذي سوف يُعرف باسم “حزب التيار اليمني للإصلاح”.

كما أن أبرز ما دفع القبائل لمعارضة السلال كان موافقته على مشاركة كل الفئات الشعبية في الحكم، حيث سمح للشافعية “السنة” والزيدية “الشيعة” بالاشتراك في الحياة السياسية، وهم من شكلوا قاعدة صلبة للثورة، ولقبتهم القوى الرجعية بأبناء “سوق الملح”، فشيوخ القبائل اليمنية كانوا يتعاملون كرؤساء وأنداد كل منهم للآخر، ولا يمكنهم أن يخضعوا لسيطرة وآراء الجماهير.

ولذلك دعمت القبائل انقلاب 5 نوفمبر 1967، أثناء تواجد السلال خارج البلاد في زيارة رسمية، وقام بهندسة هذا الانقلاب القاضي “عبد الرحمن الإرياني” الذي قام بتسليح القبائل والقضاء على قادة الجيش النظامي، وإجراء تصفيات واسعة في صفوف الثورة ورجال الجمهورية، وعرفت اليمن منذ هذه اللحظة التزاوج بين القبيلة والسلطة.

استفاد من هذا الانقلاب رجال المجلس الانقلابي بقيادة “الإرياني” وبعض رجال الجيش والقبائل، وتحديدًا قبيلة “حاشد” متمثلة في “آل الأحمر”، وهم أحد أضلع الصراع والحرب في اليمن في الوقت الحاضر. وعمد ذلك النظام إلى تصفية قيادات الجيش غير الموالية له والقيادات الشعبية المقاومة، والقضاء على أفكار الحرية والماركسية والمساواة بين اليمنيين بعيدًا عن المذهبية والقبلية، والتي وصفوها بأنها أفكار تخريبية.

بقي الحال على ما هو عليه من الاقتتال بين الإماميين والجمهوريين حتى تمت مصالحة بينهم في عام 1970 برعاية سعودية بعد أن أنجز الانقلاب الكثير من مهامه، حيث دمر البنية الأساسية للدولة الجمهورية الناشئة، وأحل نموذج القبيلة بديلا للمؤسسة الحديثة، وتم تدمير جيش اليمن الجنوبي، وتسريح ما تبقى منه عقب الحرب الأهلية اليمنية عام 1994.  وتم توقيع وثيقة العهد والوفاق بين الفرقاء في اليمن – وقع على الوثيقة 34 طرف في النزاع اليمني- لإنهاء الحرب الأهلية برعاية أردنية تحت قيادة الملك حسين. استقر الحكم بين يدي “على عبد الله صالح” حتى تم خلعه عن الحكم في ثورة 11 فبراير 2011، في موجة الربيع العربي التي شهدتها المنطقة.

ولعل هذه المتغيرات السياسية تفتح لنا أفقا آخر لقراءة الوضع الاجتماعي المتغير في المدن اليمنية تحت وطأة كل هذا العنف والانقلابات والمتغيرات القبلية والاقتصادية، ويرسم لنا معالم الطريق في اليمن وكيف تتحول كل أحلام هذا البلد من التحرر إلى الحرب، حيث تمكنت الرجعية ودول الاستعمار القديم من زرع أساس قوي لها في الأراضي اليمنية التي طالما عرفت الأفكار التقدمية والاشتراكية وحاولت تنفيذها.

أدي الاقتتال الدائر في اليمن على مدى عقود للحد من أثر البرجوازية الناشئة، فلم يسمح مناخ الحرب للمجتمع اليمني بالتطور بل جعله حبيس مرحلة ما قبل الرأسمالية والتي من أبرز سماتها الازدواجية المجتمعية، فنحن أمام شعبين أو وجهين لشعب واحد، الوجه الرسمي الذي يُظهر الشعب اليمني شعبا متزمتا ومسلحا، والوجه الآخر الذي يبيح كل ما يحرمه المظهر الرسمي، محاولًا أن يواكب الحداثة العصرية، وتعود هذه الإشكالية لضعف الطبقة الوسطى غير القبلية والمتمدنة داخل المجتمع، والتي انحسرت تحت ضربات القوى الرجعية والدينية والاستعمارية وانزوت على نفسها، مطبقة قوانينها الخاصة وحداثتها في نطاقها المحدود، دون أي محاولة إجراء أي عمليات تحديث على المجتمع الرسمي ككل.

عدن مهد الطبقة الوسطى

استطاعت عدن، نتيجة النشاط التجاري والحرية السياسية الملموسة التي عرفتها المدينة، أن تحتوي جميع أفراد الشعب اليمني، فكانت ملاذًا للهاربين من استبداد الإمام في الشمال اليمني، ومركزًا للطبقة التجارية الناشئة، حيث ضمت العديد من المنظمات الأهلية والأحزاب السياسية، حيث كانت مركز حركة الأحرار الدستورية 1944 والتي نشأت على يد أحمد النعمان والقاضي محمد الزبيري. وانعكس نشاط المدينة التجاري على مطالب حركة 1948، والتي شملت المطالبة بمنع الاحتكار في شمال اليمن والسماح بالأسواق الحرة، وتخفيض الضرائب، ومنع الامتيازات التي تمنح للمقربين من الإمام.
وبعد فشل حركة 1948 وتزايد النشاط التجاري في عدن تشكلت روابط جديدة منها رابطة “الاتحاد اليمني – 1951” وارتفعت مطالب الأحزاب والجمعيات الأهلية التي تبلورت في دستور “مطالب الشعب” عام 1956 وتمثلت في:

– وضع حد أدنى للأجور.
– منح إجازات مدفوعة الأجر للعمالة.

– تحديد ساعات العمل.
– ضمان الحالة الصحية للعامل ودفع تعويضات عند الإصابة أثناء العمل.

إلا أن هذا سرعان ما تراجع وتوقف أمام رجعية الشمال وعدم التمكن من إجراء عمليات تحديث واسعة للبنية الصناعية والتجارية للمجتمع اليمني ككل، بجانب الاصطدام بالعراقيل القبلية، وسيطرة الثقافة التقليدية والمحافظة على أغلب أبناء المجتمع، وعدم تمكن أبناء الطبقة الوسطى من توصيل ثقافتهم.

صارت الطبقة الوسطى بمرور الوقت لا تعي ذاتها ولا أهميتها في المجتمع لتسمح للقبيلة أن تلعب الدور المحوري في أي عملية تغيير في المجتمع اليمني. وقد استند الفكر القبلي على كتابات “محمد الزبيري” الذي اعتبر أن المجتمع اليمني يستمد شبابه من القبلية كلما بدأ عليه الشيخ والعجز، وتحديدًا اعتبر قبيلة “حاشد” أحد القوى المغيرة في المجتمع اليمني إلى جانب عدة قبائل أخرى، وبذلك لم يعد للطبقة الوسطى أي سند ثقافي وسرعان ما خفت دورها في المجتمع.

شيوخ قبائل أم رجال أعمال؟

عقب انقلاب 5 نوفمبر 1967 بدأ القاضي “عبد الرحمن الإرياني” في عملية تسليح واسعة لرجال القبائل وتكوين جيش قبلي وتوزيع المناصب على القبائل الرجعية التي ساندت انقلابه، ومن هنا نشأ تزويج السلطة بالقبيلة. ومع بدء عملية التحديث داخل المجتمع اليمني اصطدمت البرجوازية الناشئة بصخرة القبائل التي حلت محلها، وبدأ كبار القبائل في الاشتراك في عمليات رأسمالية واضحة والسيطرة على قطاعات هامة مثل الزراعة والبنوك والتوكيلات التجارية، مما مثل ضربة قاصمة للطبقة الوسطى وللمجال الاقتصادي والاجتماعي معًا، خاصة وأن الطبقة الوسطى الناشئة لم تكن قبلية في أغلبها.
كما أن تهميش دور المؤسسة لصالح القبيلة، مكن القبائل من سن قوانين لمصالحهم الشخصية مما منع تداول رأس المال بشكل حر داخل البلاد، وتركيز المشاريع الصناعية والتجارية في تعز – الحديدة – صنعاء للتركز القبلي فيها، بالإضافة إلى ممارسة الضغوط على أصحاب رؤوس الأموال غير القبليين، ووضع الكثير من العقبات على المشاركة في أي عملية استثمارية. وقد أدى هذا إلى إحجام العديد من المغتربين اليمنيين، وتحديدًا في السعودية، عن إرسال مدخراتهم إلى الداخل اليمني أو الاشتراك في أي عملية اقتصادية، مما انعكس سلبًا على اقتصاد البلاد.

الجميع مٌدان

شارك الجميع في أزمة التحديث في اليمن، وشكلت الآراء الرجعية للأحرار الدستوريين متمثلة في “محمد الزبيري”، قاعدة فكرية هامة لنمو القبلية على حساب دولة الجمهورية، فقد وضع “الزبيري”، منذ فشل حركة 1948، منهجا للحكم في اليمن يشابه الحكم في ممالك “سبأ وحمير” التاريخيين. ولعب دورا هاما في ربط أفكار الأحرار بالقبيلة، وتراجع عن دستور القاهرة 1956 “مطالب الشعب”.
كذلك أدى فشل حركة 1948 إلى دعم روابط أغلب القبائل بالأمامية، بعد الانتقام الوحشي الذي قاده الأمام “أحمد” لمقتل أبيه، وقد تم هذا الربط أيضًا بواسطة “الزبيري” عبر إصداره وثيقة عرفت بـ “أمالنا وأمانينا”، لوقف قطع الرؤوس ومصادرة أملاك القبائل التي اشتُبه أنها ساعدت في الانقلاب وقتل الإمام “يحيى”.
كما لم يتمكن التجار من الانفصال عن الإمام بسبب احتكاره لكل التعاملات الاقتصادية، وصار التجار مع مرور الوقت قطاعا أساسيا في طبقة الإمام، وليسوا طبقة مستقلة بذاتها ولها قوانينها الاقتصادية وحالتها الاجتماعية. لذلك لم تتمكن طبقة التجار من الخروج على قوانين القبيلة والتركيبة الإقطاعية والاستفادة من تراكم رأس المال لديها لإنشاء طبقة حديثة.

أدت الحروب الأهلية، أو بمصطلح أدق الحروب بين القبائل اليمنية – فاليمن حتى تحت قيادة الإمام لم يعرف قوة الحكم المركزي- أدت لتقلص القدرات البشرية الحرفية وهدر العنصر البشري. فعلى سبيل المثال شهدت مدينة “المخا”، أشهر مواني العالم في تصدير البن اليمني في القرن التاسع عشر، انخفاضا في عدد سكانها – 20 ألف نسمة عقب حرب دارت فيها بين القبائل في العام 1824 – بينما لم يتجاوز عدد سكانها 5 آلاف نسمة  طبقًا لإحصاء 1975، مما حال دون تكوّن أي طبقة حديثة برجوازية قادرة على إزاحة الفكر الإقطاعي والقبلي في اليمن الحديث.

المُلخص

أدت البيئة الاجتماعية غير المستقرة لليمن، والتي شهدت العديد من الحروب والصراعات الداخلية والخارجية، إلى الكثير من الانقطاعات في التراكم البشري والمعرفي والمادي، حالت دون أن يتقدم هذا البلد نحو طور جديد، وظل حبيس مرحلة ما قبل الرأسمالية والتاريخ اليمني القديم الذي عرضناه، محتفظًا بالتزاوج بين القبيلة والإمامة، وهو ما نجده مكررًا في اليمن الحديث ولكن بتزاوج الدولة والقبيلة.

كما أدى بروز القبيلة وتهميش الطبقة الوسطى، كما عرضنا، إلى نمو تحيزات طائفية، لتزيد من خطورة الوضع القبلي في اليمن الحديث، وتعالي منطق القوة والسلاح أمام منطق المصلحة العامة والفكر الجمعي والمواطنة، وهذا ما أفقد اليمن المفهوم الشامل للدولة، فصار ولاء الإنسان اليمني لقبيلته، التي تقدم له ما عجز المجتمع الواحد والدولة المؤسساتية أن يقدمه له.

وفي ظل هذه الأوضاع التي عرضناها وتأثيراتها المباشرة على اليمن الحديث، لن يتمكن الشعب اليمني بسهولة من الخروج من الأزمة الحالية، والتي تعتبر تكرارا لتاريخ الحروب اليمنية. لكن التكرار في التاريخ يكون في المرة الأولى مأساة، وفي الثانية مهزلة.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

عن ترهيب وإرهاب النظام للـ”الإنسان العادي” بعد أحداث 11 سبتمبر تم التركيز على الإرهاب ذي الأيديولوجية الإسلامية، وتسليط الضوء على وصف كثير من الهجمات التي تفشل المخابرات في منعها بالذئاب المنفردة.

أحمد شهاب الدين