أنتِ حامل .. مبروك أنتِ مطرودة!

قضايا

03  مايو  2018

اختبرت التمييز على أساس النوع لأول مرة حين كنت أنتظر مولودتي الأولى. تزامن إغلاق مكان عملي مع معرفتي بخبر الحمل لأبدأ في رحلة البحث عن “إبرة في كوم قش”، في ظل قلة الفرص المتاحة أمام الصحفيين، وقلة فرص التوظيف في مصر عموما.

ومرت الأيام ورشحني رئيسي السابق لوظيفة محررة بجريدة عربية معروفة وقابلت رئيسها، وطلب رؤية نماذج لموضوعات سابقة لي والخضوع لاختبار في الترجمة سيتحدد على أساسه قبولي بالوظيفة. نالت الموضوعات إعجابه وأبليت حسنا في الاختبار، ثم اتفقنا على الراتب وأن أباشر العمل على الفور، وقبل أن أغادر مكتبه أخبرته أنني حامل. كنت أظنها ملحوظة عابرة، ولم أتخيل أنه صباح اليوم التالي سيكلف أحد الزملاء بالجريدة بالاتصال بي والاعتذار لي عن العمل معهم، ليس لأني لست كفاءً، لا سمح الله مثلما قال لي، ولكن لأنهم لا يمكنهم توظيفي الآن وإعطائي إجازة وضع بعد عدة أشهر، وطلب أن أتواصل معهم مرة ثانية بعد أن “أقوم بالسلامة إن شاء الله”!

تذكرت وقتها زميلة عمل سابق فُصلت دون سبب في أواخر حملها رغم كونها مُعينة في الجريدة، لكن عقد العمل لم يحميها من التمييز.

تزايد شعوري بالإحباط مع استمرار جلوسي في المنزل بلا عمل، ووجدت إعلان لوظيفة بموقع صحفي، ورغم أنها أقل من مستوى توقعاتي، إلا أنني ذهبت لمقابلة العمل، وكانت رئيسة القسم منبهرة بخبراتي السابقة، ولكن بمجرد أن أخبرتها بحملي اعتذرت على الفور لأن لديهم تعليمات بعدم توظيف الحوامل!

بعدها بأيام اتصل بي زميل عمل يشارك في تأسيس موقع صحفي جديد وعرض عليّ أن أكون جزءاً من فريق العمل، وقبل أن يسترسل في التفاصيل قلت له “الخبر السعيد” وأن يخبر رؤسائه، وإن لم يكن لديهم مشكلة نعود لاستكمال الحديث، وبالطبع لم يعد.

مرت الأيام ووصلت إلى الثلث الأخير من الحمل، وجاءتني فرصة لتنفيذ تحقيق استقصائي بالتعاون مع مؤسسة عربية مكتبها في الخارج. لم أخبرهم هذه المرة بحملي لأنني كنت يائسة للحصول على عمل، ليس لحاجتي للمال ولكن لرغبتي في استئناف عملي الذي أحب، وكان تحديا كبيرا أن أنجز تحقيقا يتطلب مجهودا وسفرا لعدة محافظات وبطني ممتدة أمامي. لكن الطبيب أخبرني أنني تجاوزت مرحلة الخطر وبإمكاني السفر مع أخذ الحيطة.

 وانطلاقا من رغبتي في أن أثبت لنفسي قبل الآخرين أنني لازلت مؤهلة للعمل بالصحافة رغم حملي وأن أستعيد ثقتي التي تزعزعت من كثرة الرفض أنجزت التحقيق في وقت قياسي قبل أن أضع مولودتي.

التمييز في مصر

بحكم عملي في مجال الصحافة قابلت الكثير من قصص التمييز ضد النساء، وخاصة الأمهات العاملات، ولم أفكر أنني سأصبح يوما بطلة لإحداها. والتمييز على أساس الحمل في مصر مجرد دائرة صغيرة بداخل العشرات من دوائر التمييز على أساس النوع، إذ تصنف مصر ضمن أسوأ 10 دول في مجال المساواة بين الجنسين، وتحل في المرتبة 134 عالميا من بين 144 دولة بحسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2017، في حين تحوز منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أدنى ترتيب في مؤشر الفجوة بين الجنسين ويبلغ حجم الفجوة 40%، بحسب نفس التقرير.

وتبلغ الفجوة في الأجور بين الجنسين في مصر في القطاع العام وقطاع الأعمال العام 25.5% لصالح الرجل وفقا لأحدث إحصاء صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام  2014، في حين بلغت نسبة الرجال في المناصب القيادية ضعف نسبة النساء.

يحدث هذا في الوقت الذي تؤكد فيه الدراسات أن سد الفجوة بين الجنسين في سوق العمل يزيد الناتج المحلي الإجمالي في مصر بنسبة 34%، ولكن غياب الوعي لدى أصحاب العمل بعواقب التمييز ضد النساء يساهم في اتساع الفجوة.

وتنص المادة 53 من الدستور على أن “المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر. وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز، وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض”.

ورغم مرور 4 سنوات على اعتماد دستور مصر لسنة 2014، وتقدم جهات حقوقية بمشاريع قوانين لإنشاء المفوضية، منها الاتحاد العام لنساء مصر، لا يزال إنشاء مفوضية للقضاء على التمييز مجرد حبر على ورق.

أشكال التمييز بسبب الحمل

تتراوح أشكال التمييز بسبب الحمل بين فصل المرأة الحامل عن العمل أو عدم توظيفها بسبب الحمل الظاهر أثره أو احتمال حدوث الحمل أو الفصل بعد أن يعرف صاحب العمل بحملها أو الفصل بعد الرجوع من إجازة الوضع والخصم من الراتب بسبب الحمل أو التمييز ضدها بأي شكل آخر بسبب حملها أو النية للحمل.

ويحدث التمييز جراء الحمل بسبب التحامل على المرأة العاملة والأمهات العاملات خوفا من نقص الإنتاجية نتيجة غياب العاملة، أو تقديم أجر إضافي لعمال آخرين لإنجاز الأعمال أثناء الإجازة، والاعتقاد بأن الموظفة سوف تحتاج إلى الكثير من وسائل المواءمة حتى بعد عودتها.

ويصل التمييز ضد النساء العاملات إلى حرمانهن من حقوقهن المنصوص عليها في قانون العمل في باب تشغيل النساء (المواد من 88 وحتى 97) ومنها الحصول على إجازة وضع مدفوعة الأجر لمدة 4 أشهر، وحظر فصل العاملة أثناء إجازة الوضع، والحصول على فترتين للرضاعة بشكل يومي لمدة ساعة، والحق في الحصول على إجازة بدون أجر لا تتجاوز السنتين لرعاية الطفل في المنشأة التي تستخدم 50 عاملا فأكثر، وأن ينشىء صاحب العمل الذي تعمل لديه 100 عاملة فأكثر دار حضانة لأبناء العاملات.

 وتحرم العاملات من أكثر هذه الحقوق سواء كانت تابعة للقطاع العام أو الخاص لاسيما إن كانت تعمل دون حماية تعاقدية، ويعود ذلك بشكل أساسي لقلة وعي العاملات بالحقوق المنصوص عليها في القانون وبسبب تدني قيمة الغرامات لمن يخالف هذه النصوص، حيث لا تتجاوز بضع مئات من الجنيهات وهو ما يشجع أصحاب العمل على عدم الالتزام.

ويؤثر تقاعس أصحاب العمل عن التزاماتهم تجاه العاملات سلبا على خروج المرأة للعمل أو إرهاق ميزانية الأسرة بتحمل تكلفة دور الحضانة الخاصة.

ظاهرة عالمية

وبالعودة إلى التمييز ضد الحوامل نجد أنها ظاهرة منتشرة عالميا، حتى أن هناك جدلا مثار حول ما إذا كانت المرأة ملزمة بالتصريح بأنها حامل أو حتى تخطط للإنجاب عند التقديم لشغل وظيفة. فبحسب إحصائية بريطانية نقلتها صحيفة الديلي ميل البريطانية عام 2016، يرى 7 من بين  كل 10 مديرين أنه يتعين على النساء المتقدمات لشغل وظائف إعلان ما إذا كن حوامل عند التقديم لشغل الوظيفة.

وبحسب الإحصائية، التي أجرتها لجنة المساواة وحقوق الإنسان بالحكومة البريطانية، فإن واحدا من بين 4 مديرين يعتقد أنه من العدل أن يسأل النساء المتقدمات لشغل وظائف ما إذا كانت هناك خطط لديهن للإنجاب. ويبررون ذلك بأن عدم إعلان السيدات عن حملهن قد يسبب تعطل في أعمال الشركة وموظفيها.

وأظهر بحث أجرته لجنة المساواة وحقوق الإنسان في بريطانيا عام 2015 أن هناك 30 ألف امرأة تمت إقالتهن أو تهميشهن أو تلقين معاملة غير عادلة بسبب الحمل والأمومة.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، ورغم الحماية القانونية للحوامل بموجب قانون مناهضة التمييز بسبب الحمل الذي أقره الكونغرس الأمريكي عام 1978، بلغ عدد قضايا التمييز بسبب الحمل التي قُدمت للجنة تكافؤ الفرص 31 ألف قضية في الفترة من 2010 وحتى سبتمبر 2015، بحسب دراسة لمؤسسة الشراكة الوطنية للنساء والأسر نشرت عام 2016.

هناك كثير من الدول الأخرى تجرم التمييز بسبب الحمل في محاولة لتحجيمه، ويعتبر الاتحاد الأوروبي المعاملة “الأقل من المناسبة على أساس الحمل” أمرًا غير قانوني وأيضًا تمييزًا على أساس الجنس، ولا يدين المرأة الحامل إذا لم تفصح عن حملها عند التقدم لشغل وظيفة.

ويفرض القانون الكندي غرامة كبيرة على الشركات، إذا ثبت أنها تمارس أعمال التمييز بسبب الحمل؛ وتتمتع المكسيك واليابان بقوانين مكافحة التمييز بسبب الحمل.

الحماية القانونية ربما تكون الحل

ربما نشهد نهاية للتمييز ضد الحوامل إذا وضع أصحاب العمل، الذين يدعون أن العاملات الحوامل يكلفن “نفقات غير ضرورية”، في اعتبارهم أن التعويضات المالية في قضايا التمييز غير القانوني، ستكلفهم أكثر بكثير، فيعيدون النظر في قرار فصل العاملة التي تخبر عن حملها أو تظهر عليها آثار الحمل ولا يمارسون التمييز ضدها بأي شكل آخر، وهو ما يوجب على الدول أن توفر الحماية القانونية للعاملات الحوامل بإقرار التشريعات المجرمة للتمييز على أساس الحمل، ورفع قيمة الغرامات المفروضة على الشركات التي تمارس التمييز حتى لا تستقبل العاملة خبر حملها السعيد مصحوبا بقرار فصلها من العمل.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… ما يعنينا أن التنظيم الأكبر داخل التيار الإسلامي وصاحب الأغلبية البرلمانية الصريحة والأغلبية داخل الجمعية التأسيسية سوف يقبل بشكل شبه كامل بالأطروحات السلفية وسيصوت عليها نوابه داخل الجمعية بالإجماع دون إثبات تحفظ واحد.

عمرو عبد الرحمن

من التحرير إليكم: انتزاع الديمقراطية فيما يتجاوز ترامب ربما يكون التشابه الأكثر إثارة للقلق بين ما يتعرض له المصريون الآن تحت النظام العسكري الفاشي وبين لحظة ترامب في الولايات المتحدة هو عدم استعداد أصحاب الخبرة التنظيمية والمواطنين العاديين للمواجهة.

عاطف سعيد

موازنة مصر 2018.. الاقتصاد في خدمة الدائنين في مقابل كل جنيه ستنفقه الحكومة على الاستثمارات العامة، التي تستشعر آثارها عزيزي المواطن في خدمات مثل التعليم والصحة وغيرها، ستمنح الحكومة ثلاثة جنيهات أو أكثر قليلا لدائنيها، هذه هي الحقيقة التي تُظهرها بيانات مشروع الموازنة العامة 2017-2018.

محمد جاد

قراءات في ثورة يناير 2011: يناير كانت السؤال الذي أُخذ بخفة مقابل ما طرحه من أسئلة حاسمة وعاجلة وعميقة، ويوليو كانت العقاب على عدم الإجابة.

محمد نعيم