معنى أن يسُجن لولا

قراءات, قضايا

26  إبريل  2018

يظهر الانقلاب الناعم الذي يجري الآن في البرازيل مدى سرعة تحول الرأسماليين ضد الديمقراطية.

في هذا الأسبوع (الأسبوع الأول من أبريل)، كان كل من طرفي استقطاب البرازيل متوترين في انتظار حكم المحكمة العليا على استئناف  الرئيس السابق لويز إيناسيو لولا دا سيلفا بحق المثول أمام المحكمة – وهو حقه في أن يبقى حراً حتى يتم استنفاد جميع استئنافاته وطعونه على الحكم الصادر ضد بالسجن. وحيث أنه أُدين بالفعل في الدرجة الثانية – وبعد أن كان حكمه لمدة تسع سنوات ارتفع إلى اثني عشر – بدت فرصه قاتمة. هذا، على الرغم من أن لديه مرحلتي استئناف قد تستغرقان شهورا أو سنوات.

وكم يثير الدهشة ذلك السياق الذي سار فيه كبار القادة العسكريين. في عشية الحكم، كتب قائد قوات الاحتياط في الجيش في صحيفة Estado de São Paulo أنه إذا ترك لولا حرا وترشح للرئاسة وفاز، فلن يكون هناك خيار سوى التدخل العسكري. وقد تلت تعليقاته بعد فترة قصيرة تلك التي أدلى بها قائد الجيش البرازيلي، إدواردو فيلاس بواس، الذي استخدم تويتر ليسأل الجمهور – نظريا بالطبع – من يعتقدون يفكر في مصلحة البلاد،ومن يسعى لمصلحته فقط؟ وتابع قائلاً إن الجيش البرازيلي “يشاطر جميع المواطنين الصالحين الشوق إلى نبذ الإفلات من العقاب” وهو “منتبه لمهامه المؤسسية”.

وكما علّقت الخبيرة الاقتصادية اليسارية لورا كارفاليو، “فإن الثورة لن تُبث على التلفاز، ولكن الانقلاب سيتم التغريد به عبر تويتر”.

وقد رفضت المحكمة طلب لولا في اليوم التالي. ولازال من غير المعلوم ما إذا كان لولا سوف يسلم نفسه أم لا (قام لولا بتسليم نفسه بالفعل بعد ذلك بأيام – المترجم)، حيث تشير بعض الأصوات من معسكره إلى أنه قد يقاوم الاعتقال. في ليلة صدور الحكم، احتشد المؤيدون في مقر نقابة عمال المعادن في ضواحي ساو باولو، مع وعد بمزيد من المقاومة من اليسار.

ما جعل الأحداث تصل إلى هذا الحد الآن هو قرار قاضي التحقيق سيرجيو مورو بتجاوز القاعدة الدستورية والأمر بسجن لولا قبل استنفاد عمليات الاستئناف. بالنسبة إلى “مورو”، هذه هي لحظةانصاره؛لحظة أسر الوحش الذي كان يطارده منذ سنوات. وفقا لمنطقمورو، فإن هزيمة لولا هي إعلان عن نهاية الإفلات السياسي من العقاب،فبالنسبة لمؤيدي مورو ـ وهممناهضون لحزب العمال أكثر من معاداتهم للفساد ـ يمثل هذا الحكم بالسجن المسمار الأخير في نعش الفساد.

يذكرنا ذلك بمقولة جورج بوش “تم انجاز المهمة” على متن حاملة طائرات في عام 2003: كان ذلك اعلان لنصر سابقلأوانه بدرجة مذهلة،وخاتمة لحملة عسكرية غير شرعية شنها رجل متغطرس، لم ينتج عنها سوى فوضى مؤسسية ودولة أكثر فساداً. ورغم التشابه بين الموقفين إلا أن الوضع في البرازيل، مع الأسف، ملوث بمستويات العنف سابقة على الحملة.

أيًا كان ما سيحدث بعد ذلك – وإطلاق النار في الأسبوع الماضي على جولة لولا الدعائية في ما قبل الانتخابات يحمل نذرا كئيبا بعنف سياسي متزايد – يبدو الأمر وكأن اللحظة حاسمة.

هكذا يجادل العالم السياسي فيليبي ديميير في المقالالمترجم أدناه، والذي نشر أصلا على موقع Esquerda Online. يتأمل مقال ديمير في مسألة سجن لولا،ويتخذ موقفا بين دفاع انفعالي عن سياسة لولا واحتفاء اليسار المتطرف بمحاكمته. كما يناقش الطبيعة الشائكة للقبول البورجوازي للديمقراطية – وهي مصالحة وجب التخلي عنها الآن من خلال سجن حليف سياسي سابق، باسم الحفاظ على “الديمقراطية” والدستور.

رغم أصوله من بين صفوف ونضالات العمال، لم يقترح لولا أثناء توليه منصب الرئاسةفي أي لحظة إجراء إصلاحات جذرية على البنية الاجتماعية غير المتساوية في البرازيل. من خلال التزامه الشديد بالاستمرار في سداد الديون الخارجية، وإعادة إنتاج تركيز الدخل، ووضع الفرامل على الإصلاح الزراعي، وعسكرة الحياة الاجتماعية،وإضعاف الخدمات العامة (لضمان الأرباح للشركات الكبرى المالية والصناعية والزراعية)،حققت حكوماته – مثلما فعلت في المدة الأولى لخليفته، ديلما روسيف – ما كان يجب القيام به، من وجهة نظر الطبقات الأعلى.

في الوقت نفسه،أثناء وجود لولا في السلطة حققخفضا كبيرا في البطالة، وزيادة الرواتب والائتمان للسوق الاستهلاكية، وزاد عمدا السياسات الاجتماعية المستهدفة / التعويضية لفئات بعينها، وفتح امتحانات القبول في القطاع العام، وحقق تقدما في تفعيل سياسات تستهدف التغيير. من خلال هذه الشراكة الاجتماعية، من خلال هذه الهندسة الاجتماعية والسياسية، أقام لولا آلة حزبية أظهرت نفسها قادرة على إدارة الرأسمالية البرازيلية بشكل أفضل وأكثر أماناً من الممثلين السياسيين البورجوازيين التقليديين أنفسهم؛ ولهذا السبب، أصبح تقريبا لا يقهر في اللعبة الانتخابية خاصية ديمقراطيتنا الليبرالية المدرعة. لم يكن هناك، حتى تلك اللحظة، في هذا الإطار، شكل أفضل لإدارة النظام الرأسمالي في بلد متخلف،هامشي، وممزق اجتماعياً مثل البرازيل.

إلا أن ما حدث هو أنه أثناء النصف الثاني من ولاية دلما روسيف الأولى، بدأت المؤشرات الاقتصادية فجأة في الانخفاض. كانت المعارضة اليمينية، التي اكتسبت حديثا ثقة بالنفس، قادرة على استعادة حب جزء كبير من “الكتلة البرجوازية خارج البرلمان”والتى كانت قد استسلمت لقبول وجود حزب العمال في صدارة الدولة، بعد أن أبهرتها دوائر المال المنفلتة. ولكن وبعد أن انجذبت لليمين النيوليبرالي،بل وحتى مع مغازلتها للميول السياسية الأوتوقراطية، تمكن جزء كبير من البورجوازية البرازيلية من الانسحاب سريعا من العلاقة المفتقدة لأي محبة التي انخرطت فيها مع كائنات مستأنسة  خلال السنوات العشر السابقة. في غضون ذلك،يحافظ قادة حزب العمال دائما على حلمهم حيا بالانفصال عن هذا الاتحاد المستقر مع ذلك القطاع من البرجوازية. بعد أن انسحبت البرجوازية،سكبت كل كراهيتها المتراكمة لحزب العمال، وهي كراهية يمكن تفسيرها على نحو أفضل باعتبارها تجاه ما كان حزب العمال يمثله ذات يوم أكثر مما هي تجاه ما أصبح عليه أثناء وجوده في السلطة.

لا شك أن خلعحكومة ديلما روسيف تعتبر مؤشرا على نجاح مؤامرة الانقلاب، التي خطط لها أكثر القطاعات الرجعية في المجتمع البرازيلي، بقيادة المعارضة اليمينية السابقة وحلفائها في الإعلام والقضاء. خلال التعبئة في اتجاه العزل، تخلت افتتاحيات الصحافة عن أي حذر سابق. كان الهدف الرئيسي للانقلاب،المشبع بكراهية طبقية قديمة، خاصة تلك التي تغذيها الطبقات الوسطى الكارهة للديمقراطية،هو المجيء بفريق حكومي أكثر رجعية –فريق غير مقيد بماض نضالي أو نقابي قادر على تنفيذ تعديلات في السياسة المالية، وسياسات مضادة للإصلاح وإسكات الحركات الاجتماعية. كل هذا كان يجب القيام به بالإيقاع والكثافة اللذين طالبت بهما الرأسمالية البرازيلية المأزومة. في هذا، وعلى النقيض من البرجوازية الأوروبية، أثبتت الطبقة المهيمنة في البرازيل أنها، في لحظات الأزمة الاقتصادية،غير قادرة حتى على تحمل “الجناح اليساري” لحزب النظام. أي أنها لم تتحمل وجود المعتدلين ضمن حزبها ذاته في السلطة؟

كان يجب للهجوم الانقلابي أن يستمر، بمعنى تراجع واضح عن الحقوق وزيادة سياسات التقشف المالي إلى أقصى درجة ممكنة ومع ذلك، في مسيرتها الإصلاحية المضادة التي لا ترتوي، تواجه البرجوازية البرازيلية أمرا لا يتجاوز كونه مسجلا على صفحات التقويم، أمرا يمثل عقبة متواضعة، وأحد العناصر التأسيسية لشكلها الخاص من الهيمنة السياسية: ألا وهو الانتخابات. من المعروف جيدا، حتى بالنسبة للديمقراطيين الليبراليين المحدودين،أن وجود انتخابات دورية تسمح باختيار الحكام هو معيار غير قابل للتنازل عنه لأي ديمقراطية ليبرالية – بما في ذلك أكثر نسخها محدودية ورداءة. هذه هي سبل السيطرة المعتادة على العمليات الانتخابية من قبل القوى الاقتصادية والإعلامية، وهذا هيترسانة الأسلحة المعادية للديمقراطية البرازيلية المعاصرة. لقد كان هذا الاقتراع العام، بعيداً عن كونه مشكلة، طيلة العقود الماضية الطريقة التي ضمنت الشرعية السياسية للطبقات المهيمنةفي البلاد. والآن، بشكل استثنائي، تغيرت الأمور،ويبدو أنها تتطلب حلولاً استثنائية، من وجهة نظر رأس المال.

إلا أن الاستمرار في تنفيذ برنامج الانقلاب يجب أن يكون من خلال حكومة مدعومة بصندوق الاقتراع. وهنا تكمن المعضلة. فالبرجوازية لا تعتبرفحسب أن لولا غير قادرعلى تطبيق مثل هذا البرنامج وفقا للمعايير المطلوبة من قبلها ، ولكنها أيضا لا تستطيع العثور على أي مرشح جدير بالثقة قادر على هزيمة رجل حزب العمال في صندوق الاقتراع. إن المعيار الأساسي الخاص بـ “شخص واحد، صوت واحد” (سواء كان أحد سكان حي جاردينز الفاخر في ساو باولو أو أحد الأشخاص في الشمال الشرقي شبه القاسي)، والذي قبل به أهل القمة على مدى أربعين عاما، أصبح اليوم يستدعي خيالا مرعبا. على هذا النحو،وفي تناقض تاريخي غريب للغاية،تبدو الاستمرارية البسيطة للنظام الليبرالي الديمقراطي – أي الانتخابات العادية –مشكلة أمام استمرارية النظام الليبرالي الديمقراطي. إن الحالة الطبيعية البسيطة للنظام – أي الامتثال لقوانينه الخاصة، المصممة لضمان استمراره–أصبحت الآن نشازا سياسيا.

من المفارقات الحالية، أن طاعة القواعد الدستورية تبدو وكأنها تؤدي إلى القضاء على هذه القواعد نفسها ؛ يبدو أن الامتثال للدستور سيؤدي بلا شك إلى نهاية هذا الدستور نفسه ؛ وأخيرًا، يبدو أن تحقيق محاكاة للانتخابات (بدون لولا) – أو حتى تعليقها – هو اليوم الوسيلة الوحيدة للحفاظ على نظام سياسي قائم على أساس الانتخابات. في عصر التفكك الاجتماعي وفي غياب إصلاحات مضادة تتسم بالتقدمية والجذرية ، يبدو الحفاظ على نظام الاقتراع العام ممكناً فقط، بالنسبة للبرجوازية، إذا كان الاقتراع العام بحد ذاته فاسدا وغير صالح، وإذا تحولت الانتخابات إلى تزييف ولا شيء أكثر من ذلك. وهو ما يفسر، في الأساس، إدانة لولا وسجنه، الذي حكم به القاضي سيرجيو مورو. كانت الفيلات ثلاثية الأدوار، والمزارع، والمناورات الضريبية الضئيلة حاسمة بالنسبة للحكم القضائي، مثلما يكون ترك غطاء معجون الأسنان أو الملابس القذرة على الأرضبالنسبة لنهاية علاقة.

البرجوازي العادي في حد ذاته، بعقليته الضيقة والخسيسة والمشحون بافتتاحيات الصحف، لم يتصالح على الإطلاق مع صورة الإداري اليساري للرأسمالية النيوليبرالية، التي لوح ذات مرة بالأعلام الحمراء وقاد الإضرابات. الآن أًصبح لا يمكنه مجرد احتماله. البرجوازي العادي يعامل لولا مثلما يفعل النبيل مع أحد العوام الذين فازوا بقلب ابنته الجميلة: الذي قد يقبله ضيفا في منزله إن لم يكن هناك بديل آخر لكنه أبدا لن يقبله فردا في الأسرة، ومع أول أزمة زوجية، يُطرد الشاب من المكان الذي ما كان يجب أن يسمح له بدخوله في المقام الأول.

على الرغم من أنه ربما قد قدم خدمات هائلة للبرجوازية البرازيلية،إلا أن لولا ليس ابنًا شرعيًا لها ولن يكون أبدًا. بنفس الطريقة التي قد يسمح بها للخادمة المنزلية أن تدخل إلى غرفة الطعام،لكن لا ينبغي لها أبداً أن تجرؤ على التحدث مع الناس المنشغلينبحياتهم ومصالحهم هم فقط. وبنفس الطريقة، ما كان ينبغي أن يجرؤ لولا على أن يظهر لطبقة رأس المال المسيطرة أنه يمكن الجمع بين أرباح عالية مع الحد من الفقر المدقع. أما بالنسبة للطبقة المتوسطة المحافظة “اللامعة”، “رجالنا ذوي السمعة الطيبة”، و”شركائنا الاجتماعيين القدامى”،ما كان ينبغي للميكانيكي السابق أن يسمح لمراكز التسوق الخاصة بهم بأن تصبح أماكن ترفيه واستهلاك للسود، وأن تصبح مطاراتهم محطات حافلات،وأن تفتح جامعاتهم أبوابها للرعاع الجُهل.

سوف يدخل لولا زنزانته كسياسي ورجل دولة،مرفوضا من نفس البرجوازية التي غازلها، وفي نهاية المطاف، ساعدها. في أوقاتنا القاتمة، كشفت البرجوازية البرازيلية عن نفسها بأنها ليست جاحدة فحسب، بل أنها أيضا انتقامية ونابذة لما هو مختلف عنها. ومن الآن فصاعدا،لن ترغب سوى فيمن يحقق لها مصلحتها. إن لولا الذي سيذهب قريبا إلى السجن ليس هو الشخص الذي نأى بنفسه عن مشروع الطبقة العاملة التحرري، بل هو الذي حاول مرة أخرى تزويد الطبقة العاملة بثلاث وجبات كاملة كل يوم في إطار النظام الرأسمالي. إن لولا الذي سيجد نفسه خلف القضبان هو ليس خصما للمشروع اشتراكي بقدر ما هو مدافع عن رأسمالية مع عدد أقل من الفقراء. إن من يعاقب لولا ليس العمال في نضالهم من أجل التحرر الاجتماعي، بل هو تحديدا العدو الأكثر قسوة لهذا النضال.

على هذا النحو،فإن اللحظة بالنسبة لليسار الاشتراكي هي لحظة هزيمة، وبالتالي فهي اللحظة التي يتم فيها إعداد الرد والمقاومة. دعونا نترك الأمر لميرفال بيريراوأتباعه اليمينيين ليعيشوا هستيريتهم في القاعات العظيمة. إن التوق إلى عالم خالٍ من الفساد أو مخططات المافيا لا يمكن أن يتحقق من قبل نفس القضاة الذين يتركون كولور وسارني [الرؤساء السابقين الفاسدين]، وتامر[الرئيس الحالي غير الشرعي والفاسد]،وأيشيو [مرشح الرئاسة الفاسد من اليمين الوسط عام 2014] وأمثالهم أحرارا. لا يمكن خلط رغباتنا مع رغبات الآخرين، وإلا فقدنا هويتنا الخاصة. ولا يمكن أن يكون هناك بدائل سياسية – قضائية هنا. إن غسل يدنا من عقاب غريم على يد عدو – مثلما تفعل بعض الأنواع المتهورة من اليسار – ليس سوى تغذية لغضب رجعي،انتقامي ،يستهدفنا نحن بشكل رئيسي في نهاية المطاف.

رابط المقال الأصلي

https://www.jacobinmag.com/2018/04/lula-jail-sentence-brazil-coup-democracy

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (5) شهدت الثورة المصرية اللحظة الرابعة لبزوغ مجال سياسي حي وحيوي من شأنه أن يفتح آفاقا واسعة، رحبة لتطور ديمقراطي غير مسبوق في تاريخنا الحديث كله، مجال سياسي يصنع صنعا في الشوارع والميداين، يصنعه فقراء الوطن وكادحيه في مواجهة صريحة وضارية مع البرجوازية المصرية ودولتها.

هاني شكر الله