قراءة نفسية لإبداع يحيى الطاهر عبد الله

بروفايلات, فنون

23  إبريل  2018

لمّا كان الشخص المُبدع/  person أحد أهم عناصر الإبداع/ creativity، ولمّا كانت القصة القصيرة أحد أنواع العمل الإبداعي، نحاول هنا الإشارة إلى عوامل الإبداع عند واحد من أبرز كتاب القصة القصيرة في مصر والعالم العربي، القاص يحيى الطاهر عبد الله (30 أبريل 1938-  9 أبريل 1981) من زاوية علم نفس الإبداع، باعتبار أن أي نواتج إبداعية ترتكن إلى جوانب نفسية، منها جانب دافعي خاص، وسمات خاصة في الشخص المُبدع /  وضغوط متبادلة مع البيئة المحيطة، تؤثر جميعها على طبيعة وتأثير الناتج الإبداعي.

وإذا كان الإبداع يعني القدرة العامة الخاصة بالإنتاج لشيء مفيد جديد أو أصيل أو غير عادي، فإن أعمال القاص الجنوبي، التي تنوعت ما بين القصة القصيرة والرواية، تنحاز إلى هذا التعريف. فيحيى الطاهر استطاع أن يخلق قوالب سرد جديدة في مجال القصة والرواية، متكئًا على خصوصية عالم الجنوب (قرية الكرنك في محافظة الأقصر)، ليكشف مناطق كانت غير معروفة للكثيرين وقتها (الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي). وإذا كانت الموهبة صفة لهؤلاء الأفراد الذين يُظهرون مستويات مرتفعة من الاستعداد، فإن هذه الصفة تنطبق على يحيى الطاهر عبدالله. فهو كان يدوّن في رأسه ما يؤلفه من قصص، ويقرأها من دون استناد إلى ورقة، دون أن يُزيد عبارة أو يُنقص أخرى من جسم القصة القصيرة.

الضغط الاجتماعي أو المكان place/press   أحد عناصر العملية الإبداعية، وهو يشير إلى تلك العلاقات بين البشر وبيئتهم، وذلك لأنه غالبًا ما يكون الناتج الإبداعي محصلة لأنواع معينة من القوى التي تمارس تأثيرها على أنواع معينة من الأفراد في أثناء نموهم ونشاطهم. وهنا نستطيع القول إن الأفكار التي اشتملت عليها أعمال القاص يحيى الطاهر عبد الله، كانت بدرجة كبيرة تعكس حساسيته للمشكلات التي تعانيها هذه البيئة (الجنوب). ومن عوامل الجاذبية لموقع أو مكان ما أيضًا ذلك المعنى الرمزي المتعلق به، شهرته وجاذبيته ودلالته التاريخية والثقافية والوطنية، وكلها أمور لا تتعلق فقط بجدارته أو قيمته الحالية بل بقيمته الماضية والمتراكمة عبر الأجيال.

عندما نقترب أكثر من يحيى الطاهر عبد الله، نجد أنه انجذب وانحاز لعالم الجنوب المنسي في مصر، الذي ولد فيه، وشكّل جانب أساسي من وعيه، وهو استطاع أن يستخدم الرمز في أعماله، ويوظف الحبكة الأسطورية والموروث الشفاهي (الموّال، والعديد والأغاني الشعبية) للتعبير عن إنسان الجنوب المهمّش الذي يعاني من قهر الواقع، فيلجأ إلى الميتافيزيقيا هربًا، فتركله الأخيرة وتقهره أيضًا.

لم يغادر الجنوب/الهامش، مخيلة يحيى الطاهر عبد الله. ظل حارسًا لحكاياته وأحلام ناسه، وغاضبًا بوعي من أجله. انعكس هذا كله في أعماله. يقول في حوار منسوب له نشرته مجلة المستقبل في العام 1981 “أنا ابن القرية وسأظل. تجربتي تكاد تكون كلها في القرية، والقرية حياة قائمة، هي الكرنك في الأقصر، أي طيبة القديمة، وأرى أن ما وقع على الوطن وقع عليها، وهى قرية منسية منفية كما أنا منفي ومنسي. وعندما أبتعد عن قريتي أسعى إليها في المدينة، وأبحث عن أهلي وأقربائي وناسي الذين يعيشون معي، وأنا لا أحيا إلا في عالمها السفلي، فحين ألتقي بهم نلتقي كصعايدة وكأبناء كرنك، ونحيا معا ألمنا المصري وفجيعتنا العربية، وبُعدنا عن العصر كشخوص مغتربة”.

في رواية “الطوق والأسورة” على سبيل المثال، نجد ارتباط المُبدع بالمكان، ورغم أنّ لفظتي “الطوق والأسورة” لا وجود لهما في المتن الروائي، لكن دلالاتهما بائنة في كل التحولات الدرامية داخل العمل الأدبي. فالشخصيات التي تعيش في النصف الأول من القرن العشرين، تعاني الفقر على الأرض، وتقسو عليها الخرافة التي استنجد بها أبطال النص لمواجهة تبجُّح هذا الواقع. فالأم يعذبها انتظار ابنها (مصطفى) الذي تغرب إلى السودان بحثًا عن لقمة عيش، ومن السودان ينتقل إلى فلسطين وبلاد الشام، إلى أن يعود في النهاية إلى مسقط رأسه، ليجد أن دورة جديدة من القهر تبدأ في الدوران. في هذه الرواية يظهر أن يحيى الطاهر استلهم الموروث الشفاهي الخاص بمفاهيم وقيم الشرف ونخوة الرجال وأسقطه على المرأة المقهورة (نبوية وفهيمة) في صورة مواويل وبكائيات من تراب ورائحة الصعيد.

يمتلك يحيى الطاهر عبد الله كشخص مُبدع عقلا متعدد الأبعاد والعوامل، يحتوي على القدرات الخاصة بتخزين مكونات الذاكرة واستدعاء الأفكار والترتيب بينها (الموروث الشعبي من الحكي والمواويل والأساطير). وتميز كشخص مبدع بعدد من القدرات كالطلاقة والمرونة والحساسية للمشكلات، وعكست أعماله نسقًا من القيم والمعتقدات الموجودة في بيئته الجنوبية، كما عكست أين يقف منها بالضبط: وهو اختار أن يدافع عن الإنسان المحبوس داخلها متوسلا النص المكتوب (قصة ورواية). وأعماله اعتبرت جزءًا من”تيار الوعي”، حيث تعكس الشخوص في نصوصه مشاعر الاغتراب والإحساس بالقهر والحرمان والخوف والإحباط، واستخدم في ذلك تتابع عنصر الزمن الذي تأرجح بين الماضي والحاضر والمستقبل كي يُدخل القارئ في النص، يتفاعل ويقرر انحيازاته.

عمومًا، مرّ إبداع القصة القصيرة في وطننا العربي بفترات سادت فيها إلى الجدّة على الحاجة إلى الكفاءة أحيانا، فظهرت إبداعات عديدة لمبدعين متأثرة بأنطون تشيكوف وموباسان وإدجار ألان بو (خلال الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي) ثم بعد ذلك إبداعات شديدة التأثر بهيمنجواي وناتالي ساروت وجيمس جويس وآلان روب جرييه وميشيل بورتور وغيرهم في ستينيات القرن المنصرم، والتأثر الواضح بأدب أمريكا اللاتينية بعد ذلك بفترة. على أن بعض الأدباء خلال هذه الفترة حاولوا نحت طريقهم الخاص من خلال العودة إلى جذور القصة في التراث العربي. وهنا كانت الحاجة إلى التجديد في معناها العام هي السائدة، كراهية للمألوف ورغبة في التحرر من أسر القوالب الجامدة في التفكير والكتابة والحياة.

ويُعد يحيى الطاهر عبد الله واحدًا من الذين نحتوا طريقهم الخاص في مجال الكتابة الأدبية، فأعماله تسير في اتجاه التجديد، وتتسم بالأصالة والجدّة الثورية، وتفتح أرضًا جديدة في التجريب. فالشعر فيها يتداخل مع النثر، والعكس صحيح حتى أن كثيرين أطلقوا عليه اسم “شاعر القصة”. فأعماله لا تمضي في مسار واحد ولا ترتبط بتصاعد في اتجاه واحد ولا تتحقق من خلال اعتماد أسلوب واحد، مُطرد، يمضى قدمًا إلى الأمام دائمًا، فكلها مسارات ترتبط بتجريب الكاتب ومحاولاته المستمرة الدائبة، لاستكشاف مناطق جديدة في الكتابة الروائية والقصيرة بوجه خاص، ولتجاوز السائد في هذه الكتابة. ويرتبط التجريب في مشروع الكاتب بمحور أساسي، يتمثل في مراوحة متصلة بين الإفادة من التقنيات والمُنجزات المتحققة في الأعمال الإبداعية الفردية، وبين جماليات الإبداع الجماعي الموروث، بحيث يُمكن القول أن أعمال يحيى الطاهر تتوزع بين هذين المنحيين، وإن كان القطاع الأكبر من هذه الأعمال يرتبط بالمنحى الثاني منهما.

وفيما عدا بعض قصص الكاتب الأولى “ثلاث شجرات كبيرة تُثمر برتقالا” والقسم الأول من مجموعته “أنا وهي وزهور العالم”، والقصص القصيرة جدا في مجموعته الأخيرة “الرقصة المُباحة” – وكلها تشغل على مستوى الحجم جزءًا محدودًا من أعمال الكاتب- فإن بقية أعماله كلها (بعض قصص مجموعته الأولى، وقصص مجموعته الثانية “الدف والصندوق”، وروايته”الطوق والأسورة”، والقسم الثاني من “أنا وهي وزهور العالم”، ومجموعته “حكايات للأمير”، وقصته الطويلة “حكاية على لسان كلب”، وروايته “تصاوير من التراب والماء والشمس “، وبعض قصص مجموعته “الرقصة المُباحة”) تنتمي إلى الجانب الذي يستكشف فيه الكاتب مساحات جديدة في الكتابة القصصية والروائية، تنهل فيها القصة القصيرة من جماليات وتقنيات الحكاية الشعبية، وفيها تنهض الرواية على تعدد واضح على مستويات عدة وتخوض منطقة محرمة تقع بين تخوم القصة القصيرة والرواية (رواية الطوق والأسورة)، أو تتمثل بنية الاحتفالات الجماعية القديمة التي تحولت إلى تقاليد أدبية (“الحقائق القديمة صالحة لإثارة الدهشة”، و”تصاوير من التراب والماء والشمس”) وفي كل هذه المساحات، تتحقق صياغات فنية جديدة على مستوى العديد من العناصر القصصية والروائية: الراوي، السرد، المكان، الزمن، الحدث، واللغة القصصية، والروائية بوجه عام.

ويحيى الطاهر عبد الله، يتسم بسمات شخصية ومزاجية تميل إلى الاندفاع والجموح، و”قد انتسب يحيى الطاهر إلى هذا الجيل الغاضب الذي تمرد على أشكال الكتابة القائمة والموروثة، مستعيناً بالتجريب الذي اقترن بالبحث عن أشكال جديدة وخرائط إبداعية مختلفة، وذلك بهدف مجاوزة الثنائية التقليدية بين الأصالة والمعاصرة، وبين الطليعة المهمشة والجماهير العريضة التي حلمت الطليعة بتحريكها. وأتصور أن هذا هو السبب الذي جعل يحيى الطاهر عبدالله يختار الحكي الشفاهي لتوصيل قصصه التي احتفت بها الحياة الثقافية. وكان يبرر محاولته نقل فن الكتابة إلى فن القول بأنها بحث عن قاسم مشترك بينه وبين المجتمع، مؤكداً – في حديث صحافي له – أنه إذا قال وأجاد القول سيجد من يسمعه، ومن يتأثر به، فهو يتعمد عدم الكتابة لأن أمته لا تقرأ.”وحين أقول يكثر مستمعيّ لأن الناس ليسوا صمّاً”. ولذلك كان يعلن، دائماً، عن عدم إيمانه بمخاطبة المثقفين أو الاقتصار عليهم، فما معنى أن يكتب بورجوازي صغير لحفنة صغيرة من أمثاله. وما دامت الجماهير العريضة التي يكتب عنها الكاتب ويتوجه إليها لا تقرأ ما يكتبه لأنها منفية ومغتربة ومستلبة، مثل الكاتب المتمرد على شروط الضرورة، فمن الأجدى للكاتب أن يقول وأن يحكي شفاهة، حتى لو اضطر إلى تكرار هذا الفعل آلاف المرات بل”مائة ألف مرة لمائة ألف شخص” في ما قال بالنص”.

لم يتوقف يحيى الطاهر عبد الله عن التمرد على أشكال الكتابة والحياة. في نوفمبر 2005 كتب جابر عصفور مقالا نُشر في جريدة الحياة تحت عنوان “هوامش للكتابة- ذكريات يحيى الطاهر عبد الله”، نقتبس منها عبارات ختامية دالة:

“لا أزال أذكر مناقشاتي مع يحيى في هذا الموقف، وسخريتي منه بقولي: ولكنك تكتب – في النهاية – ما تقرأ علينا وعلى غيرنا، ولا سبيل إلى وصولك إلى الناس حقاً إلا عبر الكتابة التي تنشرها الصحيفة أو المجلة أو يجمعها الكتاب. وكنت أتّهمه بالمراهقة الفكرية بقدر ما كان يتّهمني بالرجعية في هذا الموقف تحديداً. لكنني أتصور أن النقاش حول مسألة التوصيل هذه قد قاده إلى آفاق جديدة لم تكن تخطر على باله في بداية حماسته لاستبدال القول بالكتابة. وأظن أن ما انطوى عليه من رغبة في التجريب، مقترنة بعدم الاستكانة إلى شكل واحد، قاده إلى ما رآه حلاً لمشكلة العلاقة بين الكاتب وجمهوره الذي تغلب عليه الأمية. وكان الحل قرين تركيز عدسة الكتابة على الفئات المهمشة المسحوقة في المجتمع الطبقي الذي لا يعرف عدالة توزيع الثروة أو حقوق الإنسان، كما كان الحل متصلاً باستلهام الخرافة الشعبية من ناحية ثانية، والإفادة من طرائق القص الشعبي من ناحية ثالثة. وأخيراً، ابتداع صيغ جديدة من الحكي، لا تخلو من معنى المعارضة، ولا تتردد في التحطيم المتعمد لحدود الزمان والمكان قصداً إلى خلق عوالم من التحولات التي يتبادل فيها الإنسان والحيوان المكانة والموضع. وقد تجلت هذه الحلول متتابعة، متصاعدة في أعماله التي تبدأ بمجموعته الأولى “ثلاث شجرات كبيرة تُثمر برتقالاً” وانتهاءً بمجموعة “الرقصة المباحة” المنشورة بعد موته، ضمن أعماله الكاملة التي أصدرها أصدقاؤه عن دار المستقبل بالقاهرة (1983)”.

______________________________________

أسانيد:

   (1) الدكتور شاكر عبد الحميد، الأسس النفسية للإبداع الأدبي (في القصة القصيرة خاصة)، دراسات أدبية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الأولى 1992.

(2)   حسين حمودة، شجو الطائر شدو السرب، قراءة في أعمال يحيى الطاهر عبد الله، الهيئة العامة لقصور الثقافة، الطبعة الأولى، سبتمبر 1996.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

هانيبال ليكتر ونصوص أخرى لم يبق للجنرال –مع كل هذا الخمول- سوى أن يعلنَ إلوهيته.

أحمد عبد الحميد حسين

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة ليست السطور التالية مقالا تقليديا عن الطائفية وأسبابها، بل هي مزيج من تأملات وانطباعات ذاتية، وقراءة من وجهة نظر علم النفس وعلم الاجتماع، وتلخيص لنقاشات موسعة داخل الحركة الديمقراطية، أتمنى أن تكون مفيدة في إثراء النقاشات حول الموضوع.

سالي توما

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… ما يعنينا أن التنظيم الأكبر داخل التيار الإسلامي وصاحب الأغلبية البرلمانية الصريحة والأغلبية داخل الجمعية التأسيسية سوف يقبل بشكل شبه كامل بالأطروحات السلفية وسيصوت عليها نوابه داخل الجمعية بالإجماع دون إثبات تحفظ واحد.

عمرو عبد الرحمن