مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية (6)

قراءات, قضايا

22  إبريل  2018

عودة للعمال وحزب العمال

1975 يشهد ما أطلقت عليه ساخرا (من نفسي أساسا) بعدها بسنوات “الهروب الكبير” (نسبة للفيلم الهوليودي الشهير)، فكنت، مع الأسف، من بين المسؤولين مباشرةعنه – تنظيرا وممارسة وقيادة عملية، فضلا عن انني كنت بطبيعة الحال من بين “الهاربين”.

بردت سخونة المسألة الوطنية سريعا بعد حرب أكتوبر، وواجهت الحركة الطلابية خلال العام الدراسي 73-74 انحسارا شديدا، وهجوما ضاريا من قبل حلف عملاء الأمن والاسلاميين، وهو الذي كان نظام السادات قد عمل على البدء في تشكيله عقب الانتفاضة الطلابية الأولى في يناير 72 مباشرة. غير أن الزخم الذي أطلقته عدة سنوات من النضالات الطلابية المتواصلة، وصولا للانتفاضتين الطلابيتين الكبيرتين في 72 و73، لم يكن له أن يذهب أدراج الرياح تماما، وقد صار متجسدا في مئات من الطلاب اليساريين المناضلين المنتشرين في شتى جامعات مصر. وفي العام الدراسي 74/75 بدأت الحركة الطلابية تستعيد بعضا من عافيتها، تواجه الحلف الأمني-الإسلامي باستماتة، وتتفجر في انتفاضات طلابية جديدة، تشعلها هذه المرة انتفاضة عمالية كبرى تنطلق من الضاحية الصناعية في حلوان وتصل بمظاهراتها لقلب العاصمة.

وكما جرت العادة، فلا انتفاضة شعبية، كبرت أو صغرت (وكانت انتفاضة 75 الطلابية أقل اتساعا وعنفوانا بشكل ملحوظ من سابقاتها) إلا وتفضي بالضرورة لحملة اعتقالات موسعة.

جاء “التوجيه” الحزبي وقتها بتجنب الاعتقال بأي ثمن، بالهروب. ورغم أنني – كما سبق القول – كنت من بين من لعبوا دورا أساسيا في صياغة ذلك “التوجيه” والإشراف المباشر على تنفيذه عملياتيا، إلا أنني مازلت حتى يومنا هذا، وبعدها بعقود، حائرا في تفسير مبرراته.

كنا قد خرجنا بتنظيرة مؤداها أن الضربة الأمنية هذه المرة لن تكون كسابقاتها (بضعة شهور حبس رقيق نسبيا ويتم الافراج عن الجميع) ولكنها ستكون أشبه بضربة 59 للحركة الشيوعية المصرية في عهد عبد الناصر (بما شملته من تعذيب وحشي، وسجن في معتقل الواحات لم ينته إلا بموافقة المنظمات الشيوعية على حل نفسها والانضمام إلى الحزب الحاكم، الاتحاد الاشتراكي، بعدها بخمس سنوات)، وهو ما كنا نصفه وقتها بـ”الخيانة”. كما أن “نصر أكتوبر” قد جعل من السادات “بطلا للحرب والسلام”، وثبت أركان نظامه، فيما هو في رأينا يسير بسرعة صاروخية في طريق الاستسلام والخيانة الوطنية. وكان تحليلنا لحرب أكتوبر انها حرب لم تستهدف التحرير وإنما “تحريك” التسوية السياسية مع إسرائيل، وخيانة القضية الفلسطينية و”الانتقال لصفوف الأعداء التاريخيين”، وهو ما ارتبط بدوره بتوطيد تحالف نظام السادات (وقد صار “رئيسا مؤمنا” مع الحركة الإسلامية الصاعدة، وإضفاء طابعا دينيا وظائفيا متناميا على الأيديولوجية والثقافة السائدة، وذلك في اطار بناء أواصر تحالف وطيد مع “الرجعيات العربية”، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية).

التنظيرة تبدو متماسكة “نظريا”، ولكن لم يكن هناك في الحقيقة مؤشرات ملموسة على الأرض تبرهن على أن تلك المقدمات تقود بالضرورة لاستنتاج الضربة الأمنية القاتلة، أي 59 جديدة.

أغلب ظني، وأنا أستدعي ذكرى تلك الأيام، أن ربما كان الدافع الأهم لقرار “تجنب الاعتقال بأي ثمن” هو إثبات قدرتنا على تحدي النظام وأجهزته الأمنية المضطلعة بقمع حركتنا:”نفعلها لأن بمقدورنا أن نفعلها”، وهو ما كان ينطوي بدوره على قدر لا بأس به من الغرور التنظيمي. فرغم التراجعات التي ارتبطت بمرحلة ما بعد حرب أكتوبر، كنا نحصد ثمار سنوات النضال العارم قبلها. (على سبيل المثال، نستهل العام الدراسي 74/75، بـ”خطة تجنيد” شملت، في جامعة القاهرة وحدها، ضم حوالي 50 عضوا جديدا للتنظيم)، وجلهم “أسياخ”، وهي الصفة التي كان يطلقها أخرون على أعضاء ت.ش.م تهكما، وتبنيناها افتخارا وزهوا.

قمنا فعلا بتهريب العشرات من الكوادر الحزبية، (ومن بينهم من لم يكن مطلوب القبض عليهموإنما على سبيل الاحتياط)، موزعين على عدد كبير من “الشقق السرية”، بهويات مختلقة، وزيجات وهمية، والكل في حالة حركة كثيفة دائبة: لقاءات واجتماعات حزبية وتواصل مستمر بين المنظمات الحزبية وبين الكوادر الهاربة وصلاتهم الجماهيرية، وبينهم وبين “المتعاطفين” الذين وفرت تبرعاتهم امكانية تحقيق ومواصلة “الهروب الكبير”، وهذا كله دون خسائر تذكر.

لا داع هنا للخوض في آليات ولوجستيات “الهروب الكبير”، ولكنه كشف عن أن ت.ش.م. كان قد وصل وقتها، وفي غضون سنوات معدودة، لمستوى رفيع من الحنكة والكفاءة التنظيمية، وعن أن المنظمة الصغيرة قد نجحت مع ذلك في بناء “كتلة حرجة” من الكادر والأصدقاء والمتعاطفين، وفي الجمع بين العمل السري والعمل الجماهيري، إلى حد يمكنها من ادارة مثل تلك العملية بالغة التعقيد بنجاح.

غير أن ليس كل ما يلمع ذهبا، كما يقال. أذكر أنني شخصيا، ورغم توافقي التام مع “الخط التنظيمي” للحزب، بل واسهامي المباشر في صياغته وتحقيقه عمليا، كنت أنزعج بشدة لبعض ما كان يخرج من “الشقق السرية” من تنظيرات مستحدثة تذهب إلى إننا بصدد بناء “الأرض السرية” للحزب، وتصل أحيانا لحد ما كنت حتى وقتها أعتبره خرافات حمقاء من نوع القول بإننا “نخلق جنين المجتمع الشيوعي في رحم المجتمع الرأسمالي”.

30 ابريل 75 تسقط سايجون، ومشهد أخر الجنود الأمريكيين يفرون بطائرات الهليكوبتر على شاشات التلفزيون يثلج القلوب. انتصرت حرب الشعب! ويتزامن احتفالنا بانتصار الشعب الفيتنامي مع احتفالنا بخبر الإفراج الوشيك عن الرفاق المؤسسين، بعد أكثر من عامين من اعتقال كنا نظنه بلا نهاية.

قبلها يصلنا، مهربا من داخل السجن، مؤلف للرفيق “صالح محمد صالح” ب

ع ط. ث. شاكر وآخرين”، ولعلي كنت من أول من أتيح لهم الاطلاع عليه بعد وصوله لأيدينا. قرأته في جلسة واحدة وتملكني شعور بالبهجة والنشوة والفخار. فلم يكن نصا موجزا في حقيقة الأمر، وتضمن هجوما ساحقا على كتاب “قضايا التحرر الوطني والثورة الاشتراكية في مصر” الموقع بالاسم الحركي ط. ث. شاكر، وكان النص الأخير بمثابة الوثيقة التأسيسية للحزب الشيوعي المصري، الذي أُعلن عن تأسيسه في العام نفسه، وقد نتج عن وحدة منظمة ماركسية عرفت باسم جريدتها “شروق” (وكنا رغم خلافاتنا الأيديولوجية نعمل معا كتفا بكتف في الحركة الطلابية وغيرها من المجالات) ومجموعة أخرى من كوادر حركة الأربعينيات عرفت بأسم مجموعة “حدتو”، وقد تشكلت متأخرة من عدد من الكادر القديم للحركة الديمقراطية للتحرر الوطني، المنظمة الماركسية الأكبر والأكثر يمينية في الاربعينات.

جاء نص صالح محمد صالح (ونشرناه وقتها بتوقيع “شيوعي مصري”) حادا، حاسما، قاسيا، مبهرا، لم يترك أطروحة في مؤلف ط. ث. شاكر إلا وأخضعها لنقد عميق، بليغ، بالغ العنف، شديد السخرية، حتى الأخطاء اللغوية لم تنج من سخرية ماضية.

كنا نعرف أن الرفيق “حداد” (إبراهيم فتحي)، القيادة الفكرية والسياسية الأهم اطلاقا في المنظمة، ومؤلف وثائقها التأسيسية، لن يعود لصفوفنا بعد خروجه من المعتقل، لأسباب شخصية وصحية. فقدنا “لينينا”، ولكن ها هو لينين جديد يظهر في الأفق، ننتظر وصوله بفارغ الصبر لنسلمه مفاتيح قيادة المنظمة.

الطريق إلى 5/9

يخرج الرفاق من المعتقل ليجدوا منظمة شديدة الاختلاف عن تلك التي تركوها مكرهين عام 73؛ مكتظة بمئات الكوادر من المناضلين “الأسياخ”، جلهم من الطلاب والمثقفين (بما فيهم عدد من الأدباء والفنانين البارزين)، وأغلبيتهم الساحقة في العشرينات من عمرهم، بينما يكشف “الهروب الكبير” عن مستوى يبدو فائقا من الاحترافية والتدرب على العمل السري وعن كفاءة تنظيمية ولوجستية عالية التبلور، وعن شبكة واسعة من المتعاطفين، وكأننا نتبع خطى “ما العمل” سير مسطرة، كما يقولون.

ويبقى مع ذلك أن هناك اختلالات كبيرة في مسعانا لبناء حزب شيوعي، لم يكن لأحد منا وقتها أن يشك في وجوب بناءه كحزب من الطراز اللينيني. كما حاولت أن أبين في تناولي أعلاه لمسيرة التنظيم الشيوعي المصري، كان الاختلال الأهم إطلاقا هو الاختلال في طبيعة العضوية، وهو اختلال لم نختره، ولكن فرضته علينا الأحداث، لتطيح ضربة 73 التنظيمية بمعظم العضوية العمالية، في حين تشهد الفترة نفسها توسعا هائلا في العضوية من بين صفوف الطلبة والمثقفين.

لم يكن هذا الاختلال مع ذلك هو ما عنيت به القيادة الجديدة للمنظمة بعد خروج الرفاق المؤسسين من المعتقل، وبعد أن نصبنا بإجماع متوقد حماسا الرفيق ص.م.ص قائدا للحزب “لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه”. ولعلي أضيف هنا، خاصة وأن الرفيق المذكور قد رحل عن عالمنا، اننا بهذا جنينا على رفيق لا يمكن لأحد أن يشك في كفاحيته واخلاصه ولمعانه، بأكثر كثيرا مما جنى هو علينا، ولعل في ذلك درسابليغا، بالغ الأهمية. فلم يكن الرفيق يملك جيشا أو شرطة أو سجونا ينصب بها نفسه ديكتاتورا، وكل ما تمتع به من نفوذ وسلطات فائقة قدمناه نحن له بملئ ارادتنا.

ما عنيت به القيادة الجديدة بشكل أساسي كان ما أطلقنا عليه  (بعدها ببضعة سنوات، وفي اطار أعنف صراع داخلي واجهه حزب العمال في تاريخه)، “هندسة التنظيم”، وكان لها ما يبررها.. يغري بها “الهروب الكبير” بما أسفر عنه من بنية تحتية سرية بالغة التعقيد، شديدة التبلور، ويغري بها توفر عدد كبير من الكوادر المتفرغين تماما للعمل الحزبي، ويغري بها المزاج التلقائي لدى عدد لا بأس من الكادر وهو الذي خرجت في اطاره أقاويل من نوع “بناء الأرض السرية” للحزب، وفظائع من نوع “خلق جنين المجتمع الشيوعي في رحم المجتمع الرأسمالي”، ويغري بها في المحل الأول اكتظاظ المنظمة بأعداد كبيرة من الطلاب، هم بحكم طبيعتهم نفسها لن يبقوا طلابا إلى الأبد، فماذا تفعل بهم؟

وفي مقابل الإغراءات، كانت هناك أيضا دوافع قوية تدفع في الاتجاه نفسه. فرغم كل ما سبق بقيت بنية التنظيم تتسم بقدر كبير من البدائية، تقودها لجنة مركزية صغيرة العدد جدا (بقيت هي نفسها بعد ضربة 73 التنظيمية)، لا قِبل لها بتوفير قيادة سياسية وتنظيمية منتظمة وكفؤة للأعداد الكبيرة من الكادر الذين أكتظت بهم المنظمة خلال سنوات معدودة، بل ويكاد رفيق واحد من بين أعضائها (الرفيق ابراهيم) يحمل كامل القيادة التنظيمية للحزب على كتفيه منفردا. أدبيات المنظمة محدودة وغير منتظمة، بما فيها جريدتها “الانتفاضة” (وأعيد تسميتها “الانتفاض”) وكذا نشرتها الداخلية “الصراع”.

هو إذن موسم الحصاد: ت.ش.م. يطوي صفحة التأسيس، ويصبح “حزب العمال الشيوعي المصري”.

أو هكذا بدت الأمور! فسرعان ما يتكشف موسم الحصاد هذا عن انه هو نفسه لحظة أقصى تكثيفلتناقضات صيرورةالحزب والصراع الطبقي والسياسي، لا في بلادنا وحدها ولكن أيضا على الصعيدين الإقليمي والعالمي. ولعلي أضيف بصورة عابرة، أن التناقضات لا تواجهنا أبدا بسيطة، جلية، يمكن اختزالها (وفقا لديالكتيك تشيرمان ماو) في تناقض رئيسي وأخر ثانوي (تلك الآفة التي أصابت الحركة الشيوعية المصرية والعربيةبمصائب لا تعد ولا تحصى لعقود من الزمان، ومازالت)، ولكن تأتي مكثفة، شديدة التكثيف، متشابكة ومتفاعلة إلى أبعد حد، فلا تعود محاولة فهم ظاهرة ما أمرا يتعلق بتبسيط واختزال ما تنطوي عليه من تناقضات، ولكن بالسعي لتفكيكها والكشف عن ترابطاتها وتفاعلاتها المتبادلة.

الوطني والطبقي

التناقض بين الوطني والطبقي تناقض حقيقي؛ على الأرض، يفعل فعله من خلال عمليات تحقق بالغة التعقيد، تحفل بالالتباسات. والموقف الثوري هو إجادة معالجته، تكتيكا واستراتيجية، وليس قط محاولة تبسيطه واختزاله. ولعل في تلك المحاولة العبثية في حقيقة الأمر الأساس الوطيد لما أطلقت عليه منذ سنوات “عصر الخيارات القبيحة” في منطقتنا العربية: اسلاميون أم عسكر، أو عسكر أم إسلاميين. ومن المضحكات المبكيات في تاريخنا المعاصر أن أكثر من احتفوا بالهجوم الإرهابي من إسلاميي القاعدة على برجي التجارة العالمية في نيويورك في 2001، باعتباره “ضربة في قلب الامبريالية”، احتفوا أيضا بذبح الإخوان المسلمين في مصر في 2013، كضربة لعملاء الامبريالية على الأرض المصرية. والأمثلة في العقود الماضية تكاد لا تعد ولا تحصى، لتبلغ المفارقة الحزينة ذروة مروعة في “الاختيار” بين ذبح السوريين على أيدي بشار أم على أيدي الدواعش والنصرة.

لم يكن التناقض بين الوطني والطبقي الذي واجهنا في حزب العمال، وفي الوطن بأسره، في أواخر 75 قد وصل بعد لمثل هذا الانحطاط. كنا ازاء معركتين تاريخيتين كبريتين، كل منهما معركة دفاعية قابلة – من الناحية النظرية – لأن تتطور من الدفاع إلى الهجوم: معركة “قطع الطريق على مسيرة الخيانة الوطنية”، كما أطلقنا عليها وقتها، ومعركة أخرى تستهدف مواجهة العدوان المتنامي للبرجوازية البيروقراطية في طور التحول على المصالح والمكتسبات الأساسية للطبقة العاملة وجماهير الكادحين بمختلف فئاتهم الطبقية في أنحاء البلاد.

المعركتان معارك سياسية كبرى من الطراز الأول، تتعلق كل منهما بتعديل موازين القوى الطبقية بين البرجوازية الحاكمة والطبقات الشعبية. والمفارقة الحزينة هنا هي أن حزب العمال كان يمتلك ومنذ لحظة التأسيس (في عهد عبد الناصر نفسه)، موقفا فكريا وسياسيا ونبوءة تاريخية تؤكدحتمية توجه البرجوازية البيروقراطية السائدة للتخلي عن الصدام مع أسرائيل والمراكز الامبريالية الكبرى، والعودة للاندماج في السوق الرأسمالي العالمي من مواقع الخضوع والتبعية، وتحويل ملكيتها “العامة” لوسائل الانتاج الأساسية لملكية خاصة لأفرادها ومجموعاتها مع رأس المال الخاص، المحلي والاقليمي والعالمي، وهو ما يقتضي بدوره عدوانا متصاعدا على المصالح والمكتسبات الأساسية للطبقة العاملة وجماهير الكادحين، تعظيما لفائض القيمة المطلق، وتكثيفا للاستغلال ودفعا بهذه الطبقات لحد الكفاف وما هو أدنى– أي أننا كنا نذهب إلى أن هذا المسار ما هو إلا تحقق لأسلوب الانتاج الرأسمالي في بلادنا، وللطبيعة الطبقية للبرجوازية البيروقراطية الحاكمة. فلم نر في “انقلاب” 15 مايو الساداتي ثورة مضادة على “تحول لا رأسمالي” مزعوم، أو اطاحة بـ”مجموعة اشتراكية” موهومة، بل محض انقباضة ضرورية في مسار حافل بالانقباضات بقدر ما هو محتوم، لا يقطع الطريق على استكماله غير الثورة الاشتراكية.

على صعيد الفكر، المعركتان مترابطتان، لا تقل أحدهما أهمية عن الأخرى، ولكن الممارسة شيءآخر. يطرح حزب العمال صراحة وتصريحا مهمة “قطع الطريق على الخيانة الوطنية” باعتبارها “المهمة المركزية”للنضال الثوري في تلك اللحظة الفاصلة في مسار الصراع الطبقي والسياسي في بلادنا. أما المعركة التاريخية الكبرى التي أطلقتها الحركة العمالية منذ بداية السبعينات، وقد تفجرت صاخبة، متصاعدة، متواترة في أعقاب حرب أكتوبر 73 (وأعلنها أنور السادات أخر الحروب مع اسرائيل) وقد تحررت جزئيا من ابتزاز “الجبهة الداخلية”، فنعيد صياغتها في ظل القيادة الجديدة كـ”نضالات اقتصادية” لا ترقى بعد لمستوى النضال السياسي، ولا تحظى في وعينا الحزبي بصفة “المهمة المركزية” التي تتبوأها بلا منازع مهمة “قطع الطريق على الخيانة الوطنية”.

تندلع الحرب الأهلية في لبنان، وهي عندنا القاعدة الأخيرة للثورة الفلسطينية ولحرب التحرير الشعبية طويلة الأمد لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، فيم يندفع السادات وحلفاؤه الجدد في المنطقة بسرعة صاروخية في تسوياته “السياسية” مع إسرائيل وتعميق أواصر صداقته المستجدة، متنامية الحميمية مع الولايات المتحدة وحلفها الاستعماري؛ والبرجوازية المصرية، بيروقراطية وخاصة، تفيض بنشوة الوصال مع معشوق طال غيابه. أعيننا مركزة على الحرب الأهلية في لبنان وعلى مسار “التسوية السياسية”، ونتحول لخبراء مفوهين في كليهما؛نُكَلف أنا ورفيق آخر بالذهاب لبيروت لتأسيس “فرع الخارج” لحزب العمال (وتبقى هذه مع كل ما شابها من مآسي من أخصب سنوات عمري)؛ أقرب رفاق حزب العمال إلى عقلي، الرفيق الراحل صلاح العمروسي يفتتح مناظرة عنيفة، بالغة الحدة كعادتنا، مع قائد الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، الرفيق نايف حواتمة، في كتاب بعنوان “موقف من مهمات النضال الوطني الفلسطيني” يعرب فيه عن رفضنا الحاسم لأطروحة “الحل المرحلي” وتمسكنا بشعار “الدولة الديمقراطية العلمانية على كامل التراب الوطني الفلسطيني”؛ جريدة الحزب، “الانتفاض”، أسبوعية، شديدة الانتظام، وتوزع آلاف النسخ (حوالي مائة نسخة في شركة الحديد والصلب في حلوان وحدها)، ومع ذلك تتصفح مئات الأعداد منها ويندر أن تقع على مقال عن الحركة العمالية المصرية وهي في أوج فورانها ونهضتها.

رفيق عامل شاب، نشأ وتربى في النضال العمالي في حركة الغزل والنسيج في الإسكندرية، بقيادة فتح الله محروس، وكان من بين المعتقلين في “ضربة 73″، مثقف، حاد الذكاء، وقارئ نهم، يكلف برئاسة تحرير “الانتفاض”، وعادة ما يكتب “افتتاحية” العدد، ولكن يندر أن تجد من بين افتتاحياته ما يعنى بالنضال العمالي، فالأغلبية الساحقة منها معنية بـ”مسيرة الخيانة الوطنية”.

يصل الغرور “الطليعي” والانغماس في “مركزية” مقاومة “الخيانة الوطنية” وقطع الطريق عليها لحد أشبه ما يكون بالهوس، فيشرع حزب العمال في تأسيس ما يبدو تنظيما عربيا، فيحدث انشقاقا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (الحليف الفلسطيني الأقرب للحزب، شملت صداقة عميقة أعتز بها متى حييت مع “الحكيم”، الرفيق جورج حبش)، ويعقبه بتأسيس حزب عمال شيوعي لبناني (رغم علاقة وطيدة مع منظمة العمل الشيوعي اللبناني، وكان الرفيق فواز طرابلسي هو أول من التقيناه لدى وصولنا لبيروت)، ثم سوريا (رغم علاقة وطيدة مع “رابطة العمل الشيوعي السوري”)، وذلك كله في استخفاف تام بالرفض الحاسم من قيادة “فرع الخارج” في بيروت(المشكلة وقتها مني ورفيق أخر، وكلانا عضو في اللجنة المركزية للحزب)، لما كان في نظرنا محض حماقة وجنون.

الوعي والعفوية وبناء الحزب

“ما العمل؟” لينين من بين القراءات الاجبارية للترشح لعضوية حزب العمال، وقراءته ونقاشه شرط لا غنى عنه للانضمام للحزب، وقد أضفيت مسوح القداسة على كتابات الأولين، فهي موضوع للاستيعاب والفهم والتأويل، ولكنها وبكل تأكيد غير قابلة للانتقاد أو، والعياذ بالله، الشك. ولكن كل قراءة هي في الوقت نفسه اعادة تأليف إلى حد ما، فعقولنا ليست صفحات بيضاء، ولعله كان من المستحيل ألا تمتزج نظرية لينين في “الوعي والعفوية” – خاصة في أذهان الطلاب والمثقفين – بميراث الفكر النهضوي الذي نشأنا عليه أجيالا متعاقبة منذ محمد عبده والأفغاني، وبالمهمة التاريخية لطبقة الأفندية (والالتحاق بالجامعة يعد نقلا أوتوماتيكيا لمصافها) في “تنوير” و”ايقاظ” شعب يتملكه، ويمسك بخناقه “الفقر والجهل والمرض”. ولا عجب أيضا في أن يختلط هذا وذاك بالفكر التنموي وبنظرايات التبعية الشائعة شيوعا طاغيا وقتها، وتبدو الماركسية وأحزابها الثورية في إطارها كما لو كانت معبرة لا عن مصالح طبقية بعينها، ولكن عن “القوى المنتجة” نفسها،ولتبدو قضية الثورة الاشتراكية أحيانا ليست مشروعا للانعتاق الاجتماعي، للحرية والعدالة الاجتماعية، ولكن خطة بديلة لمعالجة التخلف، للحاق بالغرب المتقدم، للنهضة، واستعادة أمجاد الماضي الغابرة.

اللحظة الراهنة وكيف تضيعها

تبقى حدة المسألة الوطنية هي المحور الأهم، والأرضية الراسخة لانتاج واعادة انتاج الفكر النهضوي بكل ما يختلط به من بنى فكرية وسياسية محدثة، وهي التي تقدم التفسير الجوهري لمسيرة حزب العمال خلال تلك السنوات الحاسمة في مجرى الصراع الطبقي في مصر خلال النصف الثاني من السبعينات.

كنا، كما سبقت الاشارة، ازاء معركتين تاريخيتين مترابطتين، أحدهما تتعلق بالمسألة الوطنية، وقد اتخذت طابع مقاومة “الخيانة الوطنية”، والأخرى تتعلق بمقاومة العدوان المتنامي على المصالح والمكتسبات الاجتماعية الأساسية للطبقة العاملة وجماهير الكادحين في أنحاء البلاد. من الناحية الإستراتيجية لا يمكن إعلاء أحدهما على الأخرى، خاصة فيما يتعلق بحزب يرفض مقولة “استكمال الثورة الوطنية الديمقراطية” ويصر على أن “الثورة الديمقراطية” لم تعد شأنا يخص البرجوازية “ليبرالية” كانت أم “وطنية”، وانما شأن الطبقة العاملة وجماهير الكادحين في مجرى الثورة الاشتراكية.

نحن إذن إزاء منظمة ثورية سرية، تتعرض لضربات بوليسية متلاحقة، وتنمو مع ذلك بسرعة صاروخية خلال سنوات معدودة لتجد نفسها مكتظة بمئات من الكوادر المناضلة”أسياخ”، ولكن تعانيفي الوقت نفسه من اختلال فادح في الطبيعة الاجتماعية لتكوينها، حيث الأغلبية الساحقة طلاب في العشرينات من عمرهم، بينما يكشف “الهروب الكبير” عن قدرات تنظيمية ولوجستية شديدة التميز، وإن اتسم تطورها ونموها بقدركبير من التلقائية، يعتمد على الروح الثورية والإصرار على التحدي والمقاومة بأكثر كثيرا مما يعتمد على التخطيط والرشادة. هذه المنظمة تجد نفسها في النصف الثاني من عام 75، وقد استعادت القسم الأكبر من قيادتها التاريخية، فضلا عن “لينينا” جديدا،  تواجه منعطفا تاريخيا على كافة الأصعدة: مسألة وطنية تتضاعف حدتها أضعافا مضاعفة في عقول وقلوب عضويتها، ومحيطهم المباشر من المثقفين، وقد ارتدت شكل “الخيانة الوطنية” ولكن تخبو بمعدلات فائقة في قلوب وعقول محيطها الجماهيري الواسع، سواء في صفوف البرجوازية الصغيرة “المثقفة” (بما فيهم جماهير الطلاب) أو الطبقات الكادحة، وقد أشفى “انتصار أكتوبر” قدرا كبيرا من غليل كرامتها الوطنية المجروحة، وأرهقتها حالة الحرب المتواصلة، والتجنيد في القوات المسلحة لسنوات لم يبدو لها من نهاية، وشد الأحزمة على البطون، والاستبداد بذريعة “الوحدة الوطنية”.

وفي المقابل، حركة عمالية في صعود متواصل من بداية السبعينات، تتفجر مبشرة بنهوض عارم، وبنقلة نوعية في مستوى وعيها وتضامنها الطبقي، في أعقاب حرب أكتوبر بالتحديد، متحررة إلى هذا الحد أو ذاك من ابتزاز “الجبهة الداخلية الموحدة”، من جهة، ومدفوعة بالهجوم المتصاعد على مكتسباتها الاقتصادية والاجتماعية من قبل برجوازية بيروقراطية تعمل هي وشبكتها المتنامية في القطاع الخاص على أقصى تعظيم لنصيبها من فائض القيمة الاجتماعي، وتتطلع لوراثة واقتسام وإعادة توزيع التراكم الرأسمالي العام بين أفرادها ومجموعاتها، من جهة أخرى، وتحريرها لنهم استهلاكي طال كبته من جهة ثالثة.

ليس هذا فحسب، بل وتكشف تلك المرحلة الفاصلة من تاريخ الكفاح العمالي عن ارتباط وثيق، يكاد يكون تلازما، بين مستوى تطور وتبلور النضال العمالي في موقع ما، وبين وجود كوادر عمالية ماركسية ثورية بين صفوفهم، يحرثون الأرض أمام حركتهم المتصاعدة، ويدفعون بهم في قيادتها. عند كل لحظة انتفاضية، تبتدع الحركة العمالية في مجراها أشكالا جديدة للتنظيم العمالي مثل لجان مندوبي الأقسام، وتناضل من أجل انتزاع المستوى القاعدي في النقابات الحكومية من قبضة الدولة الاستبدادية وعملائها من النقابيين الصفر. ولم يقتصر ذلك التلازم على الكوادر العمالية الماركسية في حزب العمال، ولكن شمل قيادات عمالية ثورية من شتى المجموعات الماركسية الراديكالية، رغم اختلافاتها.

لم يكن التناقض بين الوطني والطبقي تناقضا غير قابل للمعالجة، ولكنه لم يكن ليعالج على المستوى النظري وحده، كما تبين بشكل خاص تجربة حزب العمال.

فماذا حدث؟

مئات من الكوادر الراديكالية، أكثرهم طلاب في العشرينيات من عمرهم؛ قيادة جديدة، وقائد جديد للحزب لا يكاد “يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه”؛ “أرض سرية” متسعة ومعقدة وعشرات من “الهاربين” يتصور بعضهم أنفسهم “جنينا للمجتمع الشيوعي”؛ لينين “ما العمل؟” كتابا مقدسا، والمرشد الأهم لبناء الحزب؛ قيادة التنظيم عقب “ضربة 73 التنظيمية”، وبخاصة “الرفيق ابراهيم” تُتهم بـ”الانحراف التلقائي”، تُنتقد بشراسة،ورغم ما اتسمت به من بسالة واستماتة في الحفاظ على التنظيم وتطوير نضاله، تقبل النقد وتنتقد نفسها؛ “مقاومة الخيانة الوطنية وقطع الطريق عليها” تنَصّب “المهمة المركزية” للنضال الحزبي، بينما النضال العمالي المتصاعد فيصاغ نضالا “عفويا”، “اقتصادويا”، “جنين وعي” (وجنين الوعي هذا، على حد قول لينين نفسه في “ما العمل”، ليس غير وعي برجوازي)؛ يُختزل “الوعي” الثوري والنضال السياسي في القضية الوطنية، والحزب حامله ومختزنه ومطوره، وعليه تصديره للحركة العمالية للنهوض بها من “الاقتصادوية” للنضال السياسي الثوري.

في التاسع من مايو 1976 يصدر عن اللجنة المركزية تقرير بقلم الرفيق صالح محمد صالح سيعرف باسم “تقرير 5/9″، يتحول بين عشية وضحاها لقانون إيمان حزب العمال، فهو يقدم الحل الناجع فيما يبدو لكافة تناقضات نمو وتطور العمل الحزبي: ماذا تفعل بمئات الكوادر طلابية المنشأ والحركة الطلابية في أفول سريع، والطلاب بطبيعتهم لا يبقون طلابا مدى الحياة؟ ماذا تفعل والحركة العمالية الصاعدة “اقتصادوية” وغير معنية بقضيتك المركزية في قطع الطريق على الخيانة الوطنية؟ ماذا تفعل وانت تختزن “الوعي الثوري” وحدك، وقد بات متجسدا في راديكاليتك الوطنية، وكل ما هو خارجك عفوية ونصف وعي ومن ثم وعي برجوازي في نهاية المطاف؟ الحل في التنظيم: بناء وتوسيع المنظمات الحزبية، هرمية ومتخصصة، توسيع الاحتراف الثوري، وانتزاع الكوادر من مجالاتهم الحيوية وتخزينهم شبه هاربين في “شقق سرية” بالعشرات، تسمى بـ”الأرض السرية” للحزب وتشمل أماكن سرية للطباعة ولجهاز الاتصال ولتخزين المطبوعات وأرشفتها ومنصات توزيعها.

لا تعود مهمة بناء الحزب وفقا لتقرير 5/9 شأنا يتعلق بالارتباط بالكفاح الجماهيري من الناحية الأساسية ولكن بتشييد مخزنا هائلا حافلابالتعقيد للـ”وعي”، ومنصة لاطلاقه عبر الصحافة الحزبية، التي تكتسب بدورها قداسة خاصة تكاد تختزل الحزب في صحافته. ولا أبالغ في هذا. فلطالما سمعت رفاقا يرددون ببساطة وكأنها بديهية أن “الحزب هو جريدته”. ولا أبالغ أيضا حين أقول أن تقرير 5/9 تحول في تلك الفترة إلى “قانون إيمان” حزب العمال. وقانون الإيمان عند المسيحيين – وبالمناسبة، كتبه صعيدي مصري أسمه القديس أثاناسيوس – هو مقابل قول الشهادتين عند المسلمين، فلا تكون مسيحيا بدونه. وكذا كان التقرير الشهير في حزب العمال في تلك الفترة، فلا يكفي مجرد الإعلان عن “ايمانك” بالتقرير ولكن تحاسب وتخضع للتقييم النقدي وفقا لمستوى “استيعابك” للتقرير. وأذكر أنني شخصيا تعرضت بعد صدور التقرير بعامين تقريبا للتهمة نفسها: “مشكلة “عصام” (أنا) هي عدم استيعابه لتقرير 5/9″ قيلت لأحد الرفاق تفسيرا لخلافاتي مع أغلبية اللجنة المركزية وقتها.

حاولت أعلاه تقديم تفسيرا مركبا بالضرورة لمجموعة العناصر التي تكثفت لتدفع بنا في اتجاه إضاعة ما أتصور، حتى يومناهذا انها كانت لحظة تاريخية مؤهلة تماما لإحداث نقلة نوعية في وضع الكفاح الطبقي والسياسي في بلادنا، لربما غيرت المسار التاريخي لعمليات التحول الاجتماعي والسياسي والفكري خلال العقود اللاحقة، وبكل تأكيد كان من شأنها أن تجعلنا والأجيال التالية لنا أكثر استعدادا لملاقاة اللحظة الثورية الأعظم في تاريخنا الحديث كله، سواء آتت في 2011 أو قبلها أو بعدها.

وفي واقع الأمر لم يمر مسار 5/9 بسهولة، رغم كل ما تعرضت له أعلاه من العناصر المتداخلة في الدفع في اتجاهه. ففي الوقت نفسه الذي كان يتبلور فيه “قانون الإيمان” هذا، كان عدد غير قليل من كوادر الحزب يرنون ببصرهم في اتجاه أخر. تحت شعار “التوجه للطبقة العاملة” يكتب الرفيق “بشير” – وهو أحد الرفاق المؤسسين للحزب – ما أعده اليوم وثيقة تاريخية بحق، ينتقد فيها تقرير 5/9 داعيا لصياغة الارتباط الوثيق بالحركة العمالية باعتباره المهمة المركزية لنضال حزب العمال في تلك المرحلة. ومن المدهش أن دعوة “التوجه” وقتها لم تكن صعبة أو بعيدة المنال بحال من الأحوال، فهي لا تقتضي اقامة الصلات بالحركة العمالية، فهذه الصلات قائمة بالفعل، وصفوف الحزب تشمل عددا من أبرز القيادات العمالية الثورية في البلاد. ما كانت تقتضيه هو توجيه القسم الأكبر من طاقة الحزب وكوادره لدعم نضال عمالي متصاعد بقوة، متحرق للتسلح بالمزيد من الوعي والتجربة والتنظيم، فيم الحزب في ظل التقرير الكارثة يسحب القيادات العمالية إلى الداخل، ولا يقدم دعما ما للقيادات العمالية الحزبية المناضلة وإنما “يدورهم مكتب” في كل اجتماع حزبي،متهما إياهم بالنزعة الاقتصادية لأنهم لا يطرحون القضية الوطنية بما فيه الكفاية بين صفوف الحركة العمالية. بل ويصل الأمر حد المهزلة حين تُطالب تلك القيادات، تحت طائلة النقد العنيف، بتضمين بياناتها وبرامجها النقابية رفض قراري الأمم المتحدة 242 و338 المتعلقة بالصراع العربي الاسرائيلي بعد هزيمة 67. جحافل الطلاب والخريجين الجدد لا تُوَجَه طاقتها الكفاحية لخدمة الحركة العمالية وانما تخزن في “الأرض السرية” للحزب؛ قيادات عمالية شديدة التميز والخبرة تُهدَر بسخاء مذهل، بل وتتعرض للنقد الجارح المتواصل من الكادر الطلابي الذي بات بلا عمل، بدلا من أن يقومون هم بتثقيف تلك الجحافل الطلابية بالقضايا العمالية وتوجيههم لدعم الحركة العمالية والارتباط بها.

يلتف عدد من الكوادر المكافحة، طلاب وعمال، حول تقرير الرفيق “بشير” ودعوة “التوجه للطبقة العاملة” فيبدأ عصر المذابح. النشرة الداخلية “الصراع”، والمفترض انها أداة للحوار الداخلي، تتحول إلى جزارة لذبح الرفاق المختلفين مع خط الأغلبية والرفيق الأمين العام على رأسها؛ و”ما العمل” لينين يطوع سكينا للذبح، بالصفاقة والسخرية والتحقير وبطبيعة الحال، بتهمة الوقوع في النزعة الاقتصادية، وتلك، وفقا لـ”ما العمل”، ما هي إلا فكر برجوازي؛ أما وقد اختُزلت السياسة في القضية الوطنية واختُزلت القضية الوطنية في “مهمة قطع الطريق على الخيانة الوطنية”، واختُزل “الوعي” في الحزب، واختُزل الحزب في الجريدة، وكلاهما في الأمين العام والمحيطين به من قيادات حزبية، ليشكل مطلع “ما العمل” المقتبس من لاسال (“الحزب يقوى بتطهير نفسه”) الشعار النظيمي الأهم والمبرر الأساسي لسياسة المذابح. يتهم الرفاق الملتفون حول وثيقة الرفيق “بشير” بالتكتل (وهو في قاموس ما يسمي بالنظرية اللينينية في الحزب، خاصة في طبعتها الستالينيةجريمة كبرى لا تغتفر) فتصدر اللجنة المركزية قرارا بفصل الرفيق “بشير” ومجموعة غير قليلة من أفضل كوادر الحزب وأكثرهم كفاحية، من قيادات عمالية وطلابية. فتقوم مجموعة أخرى من الكوادر، تشمل رفيقا آخر من الرفاق المؤسسين، بالإنشقاق اعتراضا على المذبحة التنظيمية. وفي غضون شهور معدودة يخسر الحزب عددا كبيرا من أهم كوادره، في نفس الوقت الذي يتحول فيه تقرير 5/9 إلى وثيقة مقدسة، ويتحول التنظيم تدريجيا إلى “أرضه السرية”، والكفاح الحزبي لترتيبات تنظيمية داخلية لا تنتهي. أما القول بالارتباط بالكفاحات المتصاعدة، شديدة الكثافة والعنفوان، للطبقة العاملة فيعدو خطيئة قاتلة.

لحظة تاريخية كان من شأنها أن تغير مسار الصراع الطبقي والسياسي في البلاد توطئ تحت الأقدام وتضاع إلى الأبد.

 بعد فوات الآوان

لست هنا بصدد تأريخ مسيرة حزب العمال التي انقضيت عام 2001 – وهو مشروع قائم، اتفقت على محاولة تحقيقه مجموعة من الكادر القديم للحزب وأتمنى أن يتيح لنا العمر انجازه – ولكني استهدفت من هذه القراءة النقدية لتجربة عشتها وشاركت في صياغتها بحلوها ومرها، وأتحمل مسئولية أخطائها القاتلة بقدر ما أعتز بانجازاتها، وفي نهاية المطاف بمجرد انتمائي لتلك التجربة بكل من حلوها ومرها، استهدفت من هذه القراءة المساهمة في الاقتراب من مشكلة التنظيم الثوري في بلادنا، ومن الناحية الأخلاقية البحتة، لم يكن بوسعي انتقاد تجربة الأجيال التي جاءت بعدنا، وعلى الأخص جيل ثورة يناير، دون أن اقرن ذلك بانتقاد تجربة جيلي عموما، وتجربتي الشخصية على وجه الخصوص.

ومع ذلك لا يمكننا التوقف هنا. مذبحة 76 لم تكن نهاية المطاف، فما أن يأتي عام 78 حتى يندلع الصراع الداخلي مستعرا مرة أخرى، مهددا هذه المرة بتدمير الحزب تماما. أقلية جديدة تنبثق داخل اللجنة المركزية (وكانت قد توسعت عضويتها بشكل هائل وغير مبرر) تشمل كافة الكوادر المؤسسة باستثناء الرفيق الأمين العام، بما فيهم الرفيقين الرائعين الراحلين، صلاح العمروسي وفتح الله محروس، كما تنبثق أقلية أخرى في “فرع الخارج” شملتني أنا شخصيا ورفيق أخر من أعضاء اللجنة المركزية. ومرة أخرى، يُعد لمذبحة تنظيمية جديدة ليصل الأمر في عام 79 لتدبيج صيغة انذار بالفصل للأقلية المستجدة، والجميع يعرفون انه ليس أكثر من تمهيد للفصل، سنا لسكين الذبح. من ناحيتي أقرر العودة للوطن مهما كان الثمن، مخالفا للمرة الأولى في حياتي الحزبية قرارا من الأغلبية المركزية بعدم العودة “حفاظا على أمني الشخصي”. الهدف المباشر هو قطع الطريق على المذبحة التنظيمية الجديدة، والهدف الأشمل والأبعد هو هزيمة ما أعددناه “انحرافا بيروقراطيا انعزاليا” من شأن استمرار هيمنته على الممارسة الحزبية تصفية كل دور ثوري للحزب.

يتبين أن الأمر مختلف هذه المرة، فـ”الأغلبية” تشهد بدورها بدايات تصدعات مهمة، تتمثل بشكل جوهري في أن رفيقين من أبرز أعضائها وأكثرهم نفوذا داخل اللجنة المركزية (الرفيق “جو” والرفيقة الرائعة الراحلة أروى صالح)، يختزنان تحفظات مهمة على ما أطلقا عليه وقتها “الأسلوب القيادي للأمين العام”، ويتفقان معي على ضرورة الحول دون تحقيق المذبحة التنظيمية المزمعة. من ناحيتي كانت خلافاتي مع “الخط السائد” أعمق وأوسع كثيرا من مجرد الخلاف حول “أسلوب قيادي” ما، وإنما مع مجمل ذلك “الخط” والممارسة الحزبية المبنية عليه، وكنت في هذا أقرب كثيرا من موقف “الأقلية” – رغم اختلافي معه في بعض الجوانب.

حين أسترجع تلك الفترة، واتصالاتي بكل من الرفيقين المؤثرين في “الأغلبية”، من ناحية، والرفاق في “الأقلية” (خاصة الرفيق صلاح العمروسي)، من ناحية أخرى، مازلت أندهش مما انطوت عليه تلك الاتصالات والحوارات في البداية من حرص شديد على التدريجية في الإفصاح عن كامل مكنون صدري وعقلي؛ مجرد دليل أخر على وطأة آليات الاستبداد في كيان طوعي لا يملك أي من أطرافه أدوات قهر مادية من قبيل بوليس وسجون وسلاح.

كان نفسه الحرص الذي لجأ اليه الرفيقان في حواراتهما مع بقية أعضاء “الأغلبية”. في غضون شهور معدودة ننجح في  منع المذبحة، ويتسع نطاق النقد ليشمل نقدا جذريالتقرير 5/9 ولكامل الممارسة الحزبية التي بُنيت عليه، ويُعاد صياغة الأغلبية. ينعقد اجتماع للجنة المركزية يتم فيه اقصاء الأمين العام من منصبه وتجميد عضويته، يتلوه في عام 1990 “كونفرنس” للكادر يشمل كل من الأغلبية والأقلية السابقين، تُقدم فيه ورقتان، أكتب احداهما والأخرى يكتبها الرفيق صلاح العمروسي. ورقتي حوال 150 صفحة وورقة صلاح (كما قد يتوقع كل من عرفه عن قرب) تتجاوز 250 صفحة.

نتفق على انه من الحماقة أن نطلب من كونفرنس يشمل نحو 50 كادرا حزبيا أن يصوت على 400 صفحة، خاصة والاختلافات بينهما تكاد تكون غير ذات أهمية. نتفق على أن يقوم كل مني وصلاح العمروسي بصياغة مشتركة ومكثفة لقرارات تعرض على الكونفرنس للتصويت، لتكون تلك بداية لقاء عقلي وروحي فيما بيننا كان هو الأعمق في حياتي كلها، ومازلت لا أكتب شيئا إلا وأتمنى أن يكون بوسعي عرضه على صلاح والنقاش معه حوله. كما يُعرض على الكونفرنس قرار بفصل الأمين العام من عضوية الحزب (وهو قرار مازلت أشعر بذنب كبير نحوه)، ويعاد تشكيل اللجنة المركزية والمكتب السياسي.

ظني اننا عند تلك اللحظة كنا قد وضعنا أقدامنا على الطريق الأكثر صوابا، ولكن، وبأثر رجعي، يتبين أن ذلك جاء بعد فوات الآوان.

انتفاضة يناير 77 تمثل ذروة يعقبها عقود انحسار كبير، تتعدد أسبابه والموت واحد: موجات الهجرة للنفط، التحول الأليجاركي للنظام وما يرتبط به من تصفية تدريجية للمجال السياسي بأسره، الصعود الساحق للأيديولوجيا الدينية وللحركة الإسلامية، الإرهاب المتبادل بين الدولة والحركة الإسلامية الراديكالية، فيم يدخل الإخوان المسلمون والدولة في لعبة قط وفأر متواصلة تستمر حتى انتخابات 2009 البرلمانية، تشمل الصدامات المحكومة والتفاهمات وحلول الوسط المتعددة، ويأتي انهيار الاتحاد السوفيتي ليدق ناقوس الموت لتجربتنا الحزبية.

عام 87 نعقد المؤتمر الأول لحزب العمال، وهو أول مؤتمر للحزب يقوم على انتخاب مندوبيه من المنظمات الحزبية، ورغم ضياع الفرصة التاريخية في السبعينات، ورغم التآكل المتواصل منذ 76، يحضر المؤتمر 50 مندوبا، كل منهم ممثلا لعشرة أعضاء، أي أن عضوية الحزب حتى ذلك الوقت كانت نحو الخمسمائة. مرة أخرى نقوم أنا وصلاح العمروسي بصياغة قرارات المؤتمر، بما فيها قرار توحيد الشيوعيين الراديكاليين، يتلوه الوحدة مع بقايا “8 يناير” و”المؤتمر”و”المطرقة” والشروع في حوارات وحدة مع “حزب الشعب”. مع الوحدة مع “8 يناير” نتفق على إعادة تسمية الحزب ليصبح “حزب العمال الموحد” بدلا من حزب العمال الشيوعي المصري.

ومع ذلك، وخلال عقد التسعينات، وتحت وطأة كل من انهيار الاتحاد السوفيتي من ناحية وتصفية المجال السياسي في مصر من ناحية أخرى، ويسبقها تصفية الثورة الفلسطينية المصاحبة لغزو لبنان في 82، والتحولات الرجعية الشاملة في الإقليم والعالم، وسطوة نفوذ كل من الليبرالية والنزعة الاسلامية/القومية داخل صفوف اليسار المصري والعربي، يجري التآكل متسارعا خلال العقد الأخير للقرن العشرين، حتى نبلغ العام الأول من الألفية الثانية وحزب العمل قد انتهى تلقائيا ودون قرار.

حزب “الطليعة” تحول إلى يسار “النخبة”.

___________________________

لقراءة الجزء الأول

لقراءة الجزء الثاني

لقراءة الجزء الثالث

لقراءة الجزء الرابع

لقراءة الجزء الخامس

 

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. Moustafa Ateya

    ي أخر سطر ..”حزب العمل قد انتهى تلقائيا ودون قرار”.. كيف ؟ لابد أن يكون هناك من قرر .. فمن قرر ؟ وما المبررات وكيف أعلن ذلك للمئات من الأعضاء الفاعلين والملتفين حولهم ؟ لكم تساءلت ولم أتلق أبدا جوابا ! تحياتي للجهد العظيم الذي تقوم به للتأريخ لهذا الحزب الذي كان واعدا.

موضوعات ذات صلة

وهــج الصـلـب كان المشهد مهيباً وصاحبنا آلاف العمال تتقدمهم القيادات العمالية اليسارية وعضوي مجلس الإدارة والهتافات العمالية يتردد صدها في الأجواء. مشهد جليل لم يتكرر في حياتى إلا في الثامن والعشرين من يناير2011- يوم جمعة الغضب.

كمال عباس

ذكريات أغسطس: عن الزنزانة والجلاد ومحمد السيد سعيد لم يمضي أكثر من أسبوعين إلا وأصبحنا مطلقي السراح تحتفل بنا نقابة الصحفيين وجمعيات حقوق الإنسان والأحزاب، بينما تمت إقالة زكي بدر بعدها بشهور.. لنواصل نحن الاجتهاد دفاعا عن حق الشعب، بينما يحفظ له التاريخ، و لامثاله، لقب الجلاد!

مدحت الزاهد

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… اقتصر سعي هذه الورقة على إعادة تقديم وتحرير الإشكاليات المتعلقة بموقع ما تعارف الفقهاء على تسميته بالشريعة في البناء الدستوري والقانوني المنظم لعمل أجهزة الدولة الحديثة كما كشف عنها الجدل الدستوري التالي لتحولات يناير ٢٠١١ عبر منهجية ماركسية مطورة. ولم تتجاوز ذلك إلى التفكير في مخارج لهذه الإشكاليات، إلا عرضا بالطبع وفي معرض إشارتها لاجتهادات قائمة بالفعل كوثيقة الأزهر الصادرة في يونيو ٢٠١١.

عمرو عبد الرحمن

إلتزم الجميع الصمت نظر لي أحدهم حاقدًا، لأنني لست موثق اليدين مثلهما، ضحكت على نظرته بصوت عال، ضحكت على أنه يحسدني لأنني سجين ولكن لست مكبل اليدين مثله.

أحمد جمال زيادة

الثورة السورية والتشارك الدولي والإقليمي لإجهاضها بات معظم اليسار العالمي جزءا من الحرب على الثورة السورية، يتداخل موقفه مع سياسات كل الدول التي يتهمها بأنها تتآمر على "النظام الوطني"، ومع المجموعات "الجهادية" والسلفية، ومع "المؤامرة الإمبريالية".

سلامة كيلة