أغاني الضمة: عندما كان الشعب يقاوم بالفولكلور

فنون, قضايا

02  إبريل  2018

النساء اللائي تولول على رؤوس القرى والكفور في الصعيد والوجه البحري يُعيدهن الخفر إلى البيوت ويضربوهن بالكرباج، ويُساق الشباب إلى نقطة محددة في المركز- المدينة، ومنه إلى قطار مصر (القاهرة) ومنها إلى مدينة الزقازيق (منطقة فرز العمال). السُخرة تنتظر الحُفاة السائرين على أقدامهم أربعة أيام متواصلة. يموت من يموت بالعطش وضربات الشمس ويحيا ديليسبس وسعيد باشا.

في نهاية اليوم الرهيب كان الفلاحون المجلوبون من الصعيد والوجه البحري ومناطق أخرى ينضمون إلى بعضهم البعض (الضمّة) وهم يتناولون الخبز الحاف (العشاء). الفوكلور (الثقافة الشعبية) انضم إلى الشقيانين. كان أبناء كل جماعة يتقربون من بعضهم البعض، يتسامرون شفاهة ويُسرون عن أنفسهم بأغانيهم الشعبية وقصص الأمهات التي تُحكى لتنويم الأطفال، وحكايات عن الجان والعفاريت، والألغاز والأمثال، والنوادر والنكت. المُنهكون يوظفون الأدب الشعبي كي يبددوا عناء غربتهم وقسوة ملاحظي الأنفار المغاربة والأتراك. الصعايدة شكلوا ضمّة. الدمايطة شكلوا ضمّة. الشراقوة شكلوا ضمّة. وكل هذه الضمم مثلت شكلا من أشكال التعبير الفني (بوتقة) عكَسَ استعداد وثراء الشخصية الموسيقية الشعبية لدى الإنسان المصري.

“يا أبو المعاطي أنا دخيلك

وفي كل مولد باجي لك

إلا السنة دي.. مانيش فاضي لك”.

………………………..

دور ضمّة دمياطي يحتوي على إشارات صريحة تبين الحنين إلى دمياط والشيخ أبو المعاطي أشهر الأولياء في القرن التاسع عشر

  احتفالية الضمّة

كان الدمايطة، نتيجة قربهم من البحر واحترافهم مهنة الصيد، أكثر الوافدين إلى مناطق حفر القناة دراية بأغاني العمل وألوان أخرى من الغناء المصحوب بتعبير حركي في بعض الأحيان. وقد تطورت الضمّة من كونها سامرًا يتسلى به العاملون في الحفر إلى ظاهرة فنية (احتفالية) لها تقاليد.

والضمّة مصطلح يُطلق على شكل الاحتفالية ولا يعني نوعًا أو شكلا من أشكال الغناء وإنما تتضمن الاحتفالية أشكالا غنائية متعددة منها “الجواب – الدور – الموال والدور الفكاهي” علاوة على ما يصاحب ذلك من أداء حركي يشمل الرقص واللعب بالعصا والسكاكين، وهذا الأداء ليس نبتًا شيطانيًا، إنما هو جزء من حركات العمل في البحر والحقل.

“شوف الخروف اللي انتشى في أرض مصر القاهرة

أصل اللي فحروا القنال أولاد مصر العامرة

لا العيش قوة ولا حتى اللبس، الله يولع ديليسبس

الخزنة فضيت م الفلوس ولا حتى أيام المجوس

شوف الكرم باين عليه.. وربنا يخلف عليه

ويرزقه بميتين جنيه.. يعمل بهم ليلتين سهر”.

دور فكاهي من نصوص أغاني الضمّة اسمه “أنا مُستعان” وهو مجهول المؤلف واللحن

“جبال الكُحل تفنيها المراود .. وكُتر المال تفنيها السنين

جبال الرز تفنيها الدمايطة .. وكتر السردين تصطاده الرشايدة

جبال الفحم تفنيها الصعايدة .. وشرب البوظة تشربها البرابرة

والله لو كان النيل يجري مثل دمعي

ما كان خلى .. ولا أرض شراقي

بأد الكد تكتسب المعالي

ومن طلب العلا سهر الليالي”

دور ضمة “بأد الكد” والمقصود بقدر الكد وهو دور مجهول المؤلف واللحن.

الشفاهية

نصوص الأغاني ذات الطبيعة الشعبية (مجهولة المؤلف واللحن في الغالب) تؤدي وظائف تتجاوز حد الأغنية العاطفية الجزئية، فالأولى تؤدي وظيفتها كأداة للتأمل وكذا كأداة للاحتجاج والنقد الاجتماعي، بل وفي بعض الأحيان تقوم بوظيفة المرشد للسلوك الاجتماعي ووسيلة للرقابة الاجتماعية.

وهناك نوع آخر من السلوك المقترن بالموسيقى، وهو إنشاد أغان للإهانة والانتقاد في مناسبات شعبية خاصة، وقد كانت احتفالات شم النسيم – وما تحتويه من حرق لدمى تُمثل رموزًا للاستعمار- مناسبة مواتية لأداء أغان تتضمن نصوصا تسخر من هذه الرموز الاستعمارية. يظهر ذلك في هذين النصين:

مور هاوس ليه بس إجيت… من لندن هنا واتعديت

وبتظلم آل ولا خليت  …. وأهي موتك جت جوه البيت

………………………………………………….

مورهاوس: كلمات وألحان الدمرداش عبد السلام (الداش)

وكذلك في تجريسة الألمبى (اللورد الإنجليزي إدموند الألمبي):

يا ألمبي يا ابن المبحوحة .. ومراتك عرّة وشرشوحة

وحكايتك صبحت مفضوحة .. يا تربة يا أم بابين

وديتي الألمبي فين؟

………………………………………

مجهول المؤلف واللحن

  قوالب الضمّة

احتفالية الضمّة (الشكل القديم أو الراهن) اشتملت على أشكال غنائية ( قوالب موسيقية) متعددة اتخذت أسماءً مختلفة وهذه الأشكال هي (جواب الضمة- دور الضمّة- الطقطوقة – الموال- الموشح- القصيدة – الدور الفكاهي – دور السمسمية). هذه القوالب شكلت مصدرًا من المصادر الفنية الأساسية لمحتوي احتفالية الضمّة.

وإذا كانت قوالب الغناء المصرية التقليدية تبدو معروفة لغالبية القراء، فإن بعضها غير معروف أو غامض أو جديد على الأسماع. ما هو مثلا دور الضمّة وجواب الضمّة والدور الفكاهي؟ دور الضمّة يُنظم غالبًا باللغة الدارجة، ويكون لحنه غالبا في مقام واحد وفي جملة لحنية واحدة تقريبا تتنوع في أدائها، وتكون البداية دائمًا في أداء حر “adlib” لا يخضع لمصاحبة آلة موسيقية، ويؤدي منشد الضمّة منفردًا ثم يتوزع الأداء بين هذا المُنشد والمجموعة.

ويُطلق على دور الضمّة (وهو مجهول المؤلف واللحن) مسميات أخرى مثل “دور أرضي” حيث يؤدّى والصحبجية يجلسون على الأرض، أو “دور تراث” لكونه قديمًا أو “دور عشق” لارتباط بعض موضوعاته بالنفس والحب وأحواله، والجوانب الصوفية لا يغيب تأثيرها على دور الضمّة. ولمن لا يعرف فإن محمد عثمان وعبده الحامولي (أعلام مدرسة النهضة الموسيقية المصرية) كانت إبداعاتهما متداخلة مع أدوار الضمة.

دور ضمّة : النص الأدبي: “آسي ما آسي”:

آسي ما آسي    ما حد آسي في العشق مثلي

وأنا المتيم      قلبي مولع في حب خلي

من نار غرامه يا رب سلم    وأنا أسأل الله كريم يحنّن قلبه على

يارب حنن قلبه على يا ناس حبيبي مفرح يغني

من رمش عينيه يا رب سلم

النص في الأداء:

المُنشد المنفرد: آسي ما آسي

المجموعة: ما حدآ، ما حدا آسي

المنشد المنفرد: في العشق مثلي

المجموعة: في العشق م، في العشق مثلي

المنشد المنفرد: وآنا المتيم

المجموعة: وأنا المت، وأنا المتيم في العشق وحدي

المنشد المنفرد: قلبي مولع

المجموعة: قلبي مو ، قلبي مولع

المنشد المنفرد: في حب خلي

المجموعة: في حب خ ، في حب خلي

المنشد المنفرد: من نار غرامه

المجموعة: من نار غرا، من نار غرامه يارب سلم

 جواب الضمّة

شكل غنائي مجهول المؤلف، وينظم باللغة الدارجة وفي جملة لحنية بسيطة ويؤدّى في بداية احتفالية الضمّة وقبل غناء كل دور من أدوارها كمقدمة للغناء، وتنبيه السامعين وبث نوع من السلطنة والتهيئة لمغني الدور التالي. ولا يُشترط جواب معين لدور بعينه ويكون الأداء فرديًا أو تبادليًا بين المغني المنفرد والمجموعة، ويمكن أن يُشارك في أداء الجواب أكثر من مغن منفرد، ومغني الجواب ليس بالضرورة هو مغني الدور. ومن جوابات الضمّة القديمة التي تؤديها حتى الآن فرقة الطنبورة “ياقلبُ صلّي”:

      

جواب ضمّة

ياقلبُ صلي على المصطفى

نبي الرسالة يا عيني وبحر الوفا

اللهم صلي وسلم وبارك عليه

 

الدور الفكاهي

هو دور يدخل في عداد أدوار الضمّة، لكن وظيفته مختلفة تقريبا عن باقي الأدوار: فهي اجتماعية في المقام الأول. وقد اُستخدمت أيام حفر قناة السويس ومن بعده الاستعمار الإنجليزي في السخرية من رموز الاستعمار والملوك والعيشة الضّنك.

والدور الفكاهي يأتي في جملة لحنية بسيطة يكون أداؤها تبادليا بين المغني المنفرد والمجموعة. ومثال ذلك دور “أنا مُستعين”، وهو نص طويل يتناول كثيرا من النقاط السياسية ويحتشد بعناصر اعتقادية شعبية تلازم المصريين. ففي هذا الدور نجد الاستعانة بالكريم الواحد الفرد الصمد، الذي يُقسّم أرزاق العباد دون أن ينسى أحدًا منهم، وهو يتوسل بالنبي المصطفى، والمنشد يعبر عن شجنه لأن الشيخ عمر أحد أولياء المنطقة هُدم ضريحه بسبب حفر قناة السويس، ثم يتناول قضايا ذات صبغة سياسية تتناول فترة الحكم الملكي حيث يصور النص رؤية الجماعة الشعبية لافتتاح قناة السويس وما صاحبه من احتفالات ماجنة أُنفقت خلالها أموال طائلة رغم ديون الخزانة المصرية، وما يعانيه الشعب الذي يبيت من غير عشاء.

 محطات الضمّة

مع نشأة مدينة بورسعيد (في النصف الثاني من القرن التاسع عشر) ابتدع عمال المهن الصغيرة: حمالون- باعة متجولون- سعاة- سقاءون وغيرهم،  سامرهم الذي يعينهم على الشقاء والغربة عن الأحباب. وقد استمر فن الضمّة في بورسعيد منذ هذا التاريخ وحتى الآن. وابتدع له الناس وظائف جديدة (احتفالات الزواج- الحج وغيرها). وكانت جلسات الضمة تُعقد في أماكن عديدة اشتهرت وسُمِيَت بأسماء الشوارع التي كانت تُعقد فيها، وذلك في الفترة التي سبقت العدوان الثلاثي على مصر (1956):

ضمّة شارع البحر   …. الريس عبد القادر

ضمّة شارع السرايا …. الريس محمد يوسف

ضمّة شارع البلدية …. الريس محمد الأمريكاني

ضمة قسم أول مع منطقة الصعايدة …. الريس عبد الهادي

أثر التهجير، الذي تعرض له شعب بورسعيد عقب العدوان المذكور، على فن الضمة، وهنا برزت السمسمية كآلة مُعبرة ومصاحبة للأغاني الشعبية والوطنية التي صاحبت تلك المرحلة الزمنية حيث برزت أسماء مثل الدمرداش عبد السلام (الداش) ومحمد يوسف وكامل عيد.

وتشكلت أول ضمّة بعد العودة من التهجير (عام 1976) من امبابي عبد الله وأبو السيد ( محمد الشاذلي) ومحمد يوسف ورشاد بوريا وتميم شومان ومصطفى درويش، ومع تحول بورسعيد إلى منطقة تجارة حرة أيام انفتاح السادات، اختفت الوظائف الاجتماعية (انتزعت من سياقها العفوي) لفن الضمّة والسمسمية، وتحولت إلى مهنة هدفها الربح في يد مجموعة من الفرق. وظهرت فرق السمسمية التجارية وتوارت الضمّة واحتجب بعض ممارسيها في حين تحول البعض الآخر، إلى مجاراة السوق (أكل عيش) بأغان خفيفة ونصوص تناسب الزبائن الذين يدفعون لأجل الانبساط، وفي عام 1986 تكونت فرقة “بورسعيد للآلات الشعبية”، وهنا انتقلت المادة الشعبية (فن الضمّة) من سياق أنه تعبير عن مخزون خبرات وعادات وتقاليد ومعارف شعبية إلى سياق العرض أمام جمهور غريب أو أعضاء لجان تحكيم في مسابقات رسمية حتى وصل الحال الآن باحتفالية الضمّة أن تُنصب في خيمة أو سُرادق ويمكن للحاضرين أن يشربوا حاجتهم الساقعة وهم يستمعون إلى شعبان عبد الرحيم في احتفالية فقدت جوهرها لصالح النقوط وتحية المعازيم.

____________________________________________________________

استلهم الباحث بناء هذا المقال من عدّة مصادر:

(1)  د. محمد شبانة. أغاني الضمّة في بورسعيد: دراسة ميدانية موسيقية. دراسات في الفنون الشعبية. القاهرة: المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، 2006. الطبعة الأولى.

(2) أحمد على مرسي: الأغنية الشعبية: مدخل إلى دراستها. القاهرة: دار المعارف، 1983.

(3)   صفوت كمال. من فنون الغناء الشعبي المصري: مواويل وقصص غنائية شعبية. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994.

(4) فوزية صالح علي. الأغنية الشعبية في السويس. جمع ميداني. دراسة تحليلية لموسيقاها. رسالة دكتوراة غير منشورة. القاهرة، 1993. المعهد العالي للموسيقى العربية. أكاديمية الفنون.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الفلاحون والثورة في مصر: فاعلون منسيون إن فهم علاقة الفلاحين بالثورة يحتاج أولا إلى انفتاح زمني لما قبل وما بعد لحظة الـ18 يوما، وثانيا إلى انفتاح جغرافي يرصد ويحلل ما يحدث خارج حدود العاصمة وفضائها العام، وأخيرا إلى انفتاح معرفي لإعادة تعريف ماهية الثورة وأشكال الحراك الثوري.

صقر النور

مئوية سايكس بيكو.. الخرائط والتاريخ تلقي هذه المقالة نظرة نقدية تنقيحية إلى الحدث، بما هو مسار تاريخي، في إطاره من النزاع البريطاني ــ الفرنسي خلال وبُعيد الحرب العالمية الأولى لوراثة السلطنة العثمانية، نظرة تعيد الاعتبار للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية الاستعمارية، وتقيم الصلة بين اتفاقية سايكس -بيكو ووعد بلفور.

فواز طرابلسي