التنوير بين الانتقائية والانتقائية المضادة

قراءات, قضايا

01  إبريل  2018

يرى التنويريون (الليبراليون واليساريون) على حد سواء أن الإسلام السياسي ظاهرة فكرية دخيلة على الصراع الطبقي، ترفض بالأساس إعمال العقل وتتخذ ظاهر النص مرجعا حرفيا، وتقوم بفرض هذه الرؤية للنص كمعيار وحيد للإيمان.

ورغم السلامة الظاهرية لهذه الرؤية إلى أنها تتغاضى تماما عن أي بعد طبقي أو سياق تاريخي لنشأتها وتطورها.

وفي مجال نقدنا لهذه الرؤية التنويرية المختزلة لابد من العودة لنشأة الطبقة حاملة راية التنوير وتجديد الخطاب الديني في مصر والتي تتألف من قطاعات من البرجوازية والبرجوازية الصغيرة التي نشأت مع تجربة محمد علي.

تاريخيا قامت البرجوازية الأوروبية الناشئة، مدفوعة بالصراع مع الطبقة الإقطاعية المسيطرة والمتحالفة مع الكنيسة، بتبني أفكار تقدمية وقيادة الجماهير المكتوية بنار التمييز الطبقي الهائل، إلى عملية تغيير كيفية شاملة أنهت سيطرة الإقطاع عالميا ورسخت سلطة البرجوازية والمجتمع الرأسمالي على أنقاضه.

وكان لاستقرار الوضع للبرجوازية في المجتمع الجديد بعد ذلك دور كبير في إكسابها الطابع المحافظ الذي كان سمة الإقطاع في السابق، فلم يعد في مصلحتها قيادة التغيير بقدر ما صار الأهم لديها هو تثبيت الوضع القائم وفرملة كل محاولات التغيير الجذري والتعامل الانتقائي مع النصوص الدينية والتراثية والقانونية بما يتماشى مع مصالحها.

وفي هذا السياق العالمي نشأت البرجوازية المصرية الحديثة في عصر محمد علي وأسرته، في مرحلة ما بعد انتصار البرجوازية الأوروبية كبرجوازية تابعة، تشربت الأمراض الانتقائية المحافظة للبرجوازية العالمية المهيمنة.

وبعد هزيمة الثورة العرابية، التي كان قادتها ومنظروها يَرَوْن وقتها ضرورة تثبيت الأوضاع الطبقية وفرض الوصاية على الجماهير عبر مجلس شورى غير منتخب، كما تحدث عرابي في أحد لقاءاته بالمنفى بعد الهزيمة.

القضية الوطنية والخلافة الإسلامية

قام الواقع الاستعماري بفرض القضية الوطنية على المثقف المصري، ابن البرجوازية وابن الطبقة الوسطى، في ظل حالة تناقض مصالح مع الطبقة العاملة وتشوش مفاهيمي حول معنى الوطن والدولة والخلافة، وعدم إلمام كامل بالأبعاد الطبقية لهذه المفاهيم. وتحت تأثير انهيار الخلافة العثمانية من ناحية وسيطرة الستالينية على الاتحاد السوفيتي من ناحية أخرى، تحولت القضية الوطنية وقضية الخلافة الإسلامية إلى أولويتين لتيارين داخل هذه النخبة، وفي المقابل تم التغاضي عن البعد الطبقي للمسألة.

فلا عجب أن يدين سعد زغلول مؤسس حزب الوفد وزملاءه من أصحاب الخلفيات الإقطاعية تحركات الجماهير والاستيلاء على الأراضي ووصفها “بالتخريب” في ثورة ١٩١٩، وان تجرم حكومته الحزب الشيوعي المصري وتقوم بحله في ١٩٢٤.

وأن يعلن حسن البنّا أن جماعة الإخوان المسلمين هم دعاة إصلاح تدريجي لا ثورة،

وأن تعلن منظمة حدتو اليسارية تبنيها البرنامج الانتقالي والتحالف مع ما يسمى البرجوازية الوطنية وتأييد انقلاب يوليو.

 وأن يكون طه حسين هو أول من يُطلِق على حركة الضباط الأحرار، التي أعدمت العاملين خميس والبقري “ثورة”.

وأن يكون سيد قطب من أكثر داعمي الضباط الأحرار في قضية إعدام خميس والبقري.

ولا ننسى بالطبع موقف حزب التجمع في الثمانينيّات والتسعينيات والذي رفع شعار “مع الدولة وضد الإسلاميين” في عز ديكتاتورية مبارك، وكذا لا ننسى دعمه لمبارك أثناء ثورة يناير تخوفا من صعود جماعة الإخوان المسلمين.

وكذلك لا ننسى موقف الإخوان المسلمين من إضرابات العمال ووصفها بـ التخريب والإفساد في الأرض بعد ثورة يناير مباشرة.

وأخيرا موقف حلمي النمنم ويوسف زيدان وجابر نصار وصلاح عيسى وغيرهم من المثقفين المؤيدين تماما للديكتاتورية الدموية النيوليبرالية للسيسي في “حربه على الإرهاب”.

وموقف اسلام البحيري الذي سجنته الدولة بتهمة إزدراء الأديان، فخرج يشكر الدولة ويشيد بالمعاملة الجيدة داخل السجن ويعلن انه احد جنودها في الحرب علي الإرهاب، هو موقف كاشف بشدة لحالة التناقض الشديدة التي تعاني منها هذه النخبة.

فالطابع الغالب لكل هؤلاء هو مزيج من المثالية والشعبوية وانعدام الثقة المفرط في الجماهير وحراكهم من أسفل.

ونظراً لحالة التشوش المفاهيمي هذه وسيادة النزعة الوطنية لدى النخب التنويرية المصرية كانت الدولة والسلطة هي الملاذ الدائم لها، يراهنون عليها لعمل التنوير من أعلى، مما ساهم في تزايد عزلتها وعزلة افكارها وترك مساحات ضخمة في الشارع لتمدد الإسلام السياسي صاحب التأويلات الانتقائية المتشددة.

وما زاد الطين بله هو ممارسات الإفقار والقمع التي مارستها وتمارسها الدولة ضد الشعب. ورغم ذلك استمر هؤلاء التنويريين في العمل تحت كنف الدولة، وهذا بالطبع زاد من معاداة الشارع لهذه النخب وربطها بممارسات الدولة، وهو ما دفع هذه النخب التنويرية للتخلي أكثر وأكثر عن استقلاليتها الفكرية والتمادي مع الدولة وتبني معاركها الفكرية حول طبيعة الإسلام السياسي وغسل يد الدولة من مسئوليتها عن تفشي التشدد في المجتمع بممارسة القمع والاستبداد والإفقار ضد الشعب.

الانتقائية والانتقائية المضادة

اللغة هي حامل المعرفة الإنسانية، وبتوسع هذه المعرفة يتوسع مفهوم اللغة بشكل موازي في محاولة لاستيعاب والتعبير عن حجم المعرفة التي تنمو بشكل لحظي، وهذا يتم من خلال توسيع مدلولات الألفاظ القديمة واستحداث ألفاظا جديدة للتعبير عن مدلولات مستحدثة، فاللغة كائن متطور لا يقع خارج حدود الزمان والمكان والصراع الطبقي، وبالتالي يسمح بعدد لا متناهي من التأويلات للنصوص التراثية المختلفة، ولكن نظرا لحالة التشوه البنيوي للطبقة حاملة مشعل التنوير في مصر، كما ذكرنا آنفا، تم التعامل الانتقائي مع النصوص من جانب التنويريين للدفاع عن الدولة ومواقفها وممارساتها، وتناول القضايا التقدمية بشكل انتقائي، والرهان على الدولة لفرضها من أعلى، ولو قامت بذلك مستخدمة القمع والسلطة العسكرية. فهي قد تصطدم بسلطة النص التراثي، ولكن بشرط ألا يتصادم هذا مع سلطة الدولة الوطنية ومؤسساتها، فالمدنية لديهم هي عكس الدينية فقط وليس العسكرية والأمنية أيضا.

وكذلك كان استخدام نفس النهج الانتقائي من قبل تيار الإسلام السياسي  بتنويعاته لتبرير الفهم الجامد لبعض النصوص الدينية والتراثية، وفي المقابل التعامل مع بعض النصوص بمرونة بشكل براجماتي وبما يخدم مصالحها “الإعجاز العلمي في القرآن” كمثال.

الثورة الدائمة ومعضلة التنوير

كان تروتسكي محقا في مفهومه حول الثورة الدائمة وأنه من الخطأ الرهان على البرجوازية – التي صارت اليوم طبقة حاكمة عالمية مستقرة- لقيادة الجماهير نحو تغيير انتقالي يفكك من هيمنة السلطة ويفتح المجال للحريات بشكل مرحلي، وأن الرهان اليوم لابد أن يكون على حركة الطبقة العاملة من أسفل لقيادة عملية التغيير والتنوير.

فالتنوير لن يأتي من بين قطاعات البرجوازية ومعاركها النخبوية الانتقائية بقدر ما سيكون عبر خلق حزب ثوري على الجانب الآخر من المتاريس، يتبنى لغة جديدة ذات منهج شامل غير انتقائي في التعامل مع سلطة النصوص الدينية والقضايا التراثية الشائكة من وجهة نظر طبقية، كجزء من رؤية كلية للعالم تستطيع التعبير عن معاناة الطبقة العاملة وآمالها عبر التاريخ، وكسر سيادة وهيمنة الوعي البرجوازي والخطاب الانتقائي الذي تصدره، وقيادة الطبقة العاملة بكل قطاعاتها نحو الثورة.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الحسبة بين الولاية الدينية والولاية السياسية ما هي الحسبة في الإسلام؟ ومن هو المحتسب؟ وما هي شروطه؟ وما هي الإشكاليات المرتبطة بها؟ وما مدى الحاجة ي المجتمع المعاصر لـ"ولاية الحسبة"؟ وما هي دلالات عمل التنظيمات الإرهابية بها؟ أسئلة يحاول المقال الإجابة عنها.

محمد مختار قنديل

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… ما يعنينا أن التنظيم الأكبر داخل التيار الإسلامي وصاحب الأغلبية البرلمانية الصريحة والأغلبية داخل الجمعية التأسيسية سوف يقبل بشكل شبه كامل بالأطروحات السلفية وسيصوت عليها نوابه داخل الجمعية بالإجماع دون إثبات تحفظ واحد.

عمرو عبد الرحمن

التراث الإسلامي عند محمد أركون: إن التراث عند أركون، في فهمه وقراءته له، يأتي من خلال إنجاز روابط حية معه في إطار الاضطلاع بمسؤولية الحداثة كاملة. فإنجاز الحداثة بشكل ابتكاري يتطلب عدم الخلط ما بين التراث التاريخي والتراث الميثولوجي الأسطوري.

عزيز العرباوي