مأزق الأقباط ومأزق مصر

قراءات, قضايا

23  مارس  2018

 على مدار أربع حلقات نشرت بالأحمر دراسة جمال صدقي “مأزق الأقباط ومأزق مصر”  وننشر اليوم الدراسة كاملة لنتيحها لمن فاته أيا من أجزائها.

توطئة :

ينبغي الإشارة أولاً إلى بضع ملاحظات مفهوميه وإجرائية أراها ضرورية لقراءةٍ صحيحة لوضعية الأقباط الآن؛ إذ أن عدم ضبط بعض المفاهيم قد يشَوِّشُ الرؤية ويقود لقراءةٍ خاطئة:

1 ـ جوهر الطائفية:

جوهر الطائفية ليس فقط فياعتبار مجموعة من السكان مواطنين من الدرجة الثانية ـ على أساس الدين أو المذهب ـ تُنْزع منها الحقوق وتُزَادُ عليها الواجبات، مع اضطهادها بحرمانها من تكافؤ الفرص، ولكن أيضاً في عزل هذه المجموعة داخل أسوار الطائفة ومنعها قسراً من الاندماجفي المجتمع، على أن يكون اتصالها بالدولة والمجتمع ـ جماعةً وأفراداً ـ عبر من يمثلها (الكنيسة في حالة مصر).

وغنىٌ عن الذكر أن ممثل الطائفة يكون أسعد حالاً كلما تَكَرَّسَ وضعه ذاكالذييضمن له ـ بخلاف السيطرة الروحية ـ سيطرة دنيوية أيضاً على شئون طائفته.

2 ـ التفرقة بين العنف والطائفية

لابد أيضاً من التفرقة بين وقوع أحداث عنف ذات طابع طائفي وبين وجود تمييز أو اضطهاددينيفي مجتمع ما. إذ قد يكون هناك تمييز طائفي أو اضطهاد دون وقوع قلاقل من أي نوع، حيث تكون علاقات “التمييز” بين الطوائف مستقرة أو بالأحرى “راكدة”، تنظمها قواعد ما مستقرة بدورها، في ظل بنية اجتماعية وتشريعية ضامنة لهذا التمييز.

والعكس صحيح، أي أنه من الممكن أن تكون هناك قلاقل أو اضطرابات (أحداث عنف مثلاً) دون وجود علاقات تمييزية داخل المجتمع، بل ربما سعى مثيرو هذه القلاقل لإحداث هذا التمييز، مثلما هو الحال مع النازيين الجدد مثلاً والحركات اليمينية ذات النزوع الهوياتي.

لذا من المهم عدم التوقف أمام أحداث عنف طائفي باعتبارها المعيار الأساسي لوجود تمييز، بل الأهم هو: فحص العلاقات بين الطوائف المكونة للمجتمع على مستوى الأيديولوجيا المهيمنة وتجلياتها (العلنية والمضمرة، المكتوبة وغير المكتوبة) في مؤسسات الدولة والمجتمع، من الدستور والقانون والتعليم واللوائح المكتوبة وغير المكتوبة.. الخ، إلى العادات والتقاليد واللغة. فمثلاً، ليس هناك نص دستوري أو قانوني أو لائحي يمنع توليقبطي لوزارة الدفاع أو الداخلية أو التعليم أو رئاسة جامعة، لكن قانوناً ما غير مكتوب يمنع ذلك بل يحرِّمه!!

كما أن العنف الطائفي لاتكتمل دلالته التمييزية في ذاته فقط، بل في تعامل الدولة بمؤسساتها المختلفة (خاصة القانون) معه. وهو ما يكشف جوهر بنية التمييز الحقيقي.

هذه ملاحظة إجرائية ضرورية لرفع الخلط بين التمييز الطائفي والعنف الطائفي. وهو خلط منتشر ومضلل قد يسبب مشكلات في التحليل والتفسير ويجعلنا أحياناً نحكم على سياق اجتماعي على غير ما هو عليه فعلاً لوقوع أو عدم وقوع أحداث عنف(1).

3 ـالدولة والأقباط:

لأسباب تاريخية موضوعية كثيرة ـ ليس المقال بمقام استعراضها ـ وخاصة التكوين الاجتماعيالاقتصاديفي مصر كما تناولته كتابات عديدة (احمد صادق سعد، مثلاً)(2)، تميزت مصرـ سواء كانت مستقلة أو جزءاً من إمبراطورية ـ بقوة الدولة في مواجهة المجتمع. ودائماً ما شكلت بيروقراطيتها شريحة مهمة من الطبقة الحاكمة المستفيدة.

ومع بداية الدولة الحديثة في عهد محمد عليازداد هذا الوضع بل تفاقم (احتكار الدولة/ محمد علي، لكل شيء هو نتيجة وسبب لوضعية الدولة والمجتمع تلك).

وزاد الأمر سوءاً نتيجة تلك الطبيعة المبتسرة والشائهة والمحافظة، بل الرجعية، للبرجوازية المصرية التي أخذت في التَشَكُّل في أواخر حكم محمد علي (عبر مِنَحُه وعطاياه وإقطاعاته لحاشيته ورجاله وأركان حكمه) ثم تمددت ونمت فيعهدي سعيد وإسماعيل.

هذه البرجوازية ـ التي نشأت في حضن الأوتوقراطية وليس في مواجهتها ـ هيمنت دون أن تحكم أبداً(3)، وإنما اكتفت شرائح منها بدورها كسندٍ اجتماعيسياسي للأوتوقراطية ثم للاحتلال، خاصة بعد هزيمة بعض أجنحتها فيمحاولتيها الأساسيتين (1876 ـ 1882 و 1919 ـ 1923) لإعادة صياغة تلك العلاقة والحُكْم بدلاً من الاكتفاء بالهيمنة.

لازالت وضعية الدولة في مواجهة المجتمع، ولازالت طبيعة البرجوازية المصرية تلك ملتصقة بها حتى الآن، ولازالت نفس علاقتها بالدولة. ولذا، فمنذ عهد محمد علي باشا وحتى الآن، كان للدولة الدور الأساس في مسألة الأقباط، فهي (محمد علي ثم سعيد وإسماعيل) التيبدأت الإصلاحات الخاصة بهم وهى (فؤاد ثم فاروق) التي بدأت في التراجع عنها بعد ثورة 1919 .

4 ـ الميراث الحرام:

ونعنى به أوضاع أهل الذمةفي الدولة الإسلامية.

وهو ميراثٌ مُحَرَّمٌ الاقتراب منه لأنه جزء من العقيدة؛ فهو يستند لآيات في القرآن (مثل الآية 29 من سورة التوبة)(4) وسُننٌ استنها الخلفاء، وأولهم الخليفة الراشديعمر بن الخطاب فيما عُرِف بـ “الوثيقة العمرية”. هذا الميراث شمل من الجزية وتنظيم بناء دور العبادة إلى ملبس الأقباط ووضع علامات على أجسادهم لتمييزهم، وأماكن وكيفية سيرهم في الطرقات واستعمالهم للدواب، و مدى ارتفاع بيوتهم ووضع علامات عليها لتمييزها.. الخ، إلى تحديد وضعيتهم في الدولة وتحريم توليهم المناصب الهامة (عدم تولى كافر شئون المسلمين) اللهم إلا تولى الوظائف المالية أو مسح الأراضي وتقدير الضرائب لافتقاد العرب/ المسلمين لتلك الكفاءة ولطبيعتها التصادمية مع الفلاحين.

وقد اتسع هذا الميراث تدريجياً حتى أن إبن القيم الجوزية احتاجإلى 1750 صفحة ليضعكتابه (أحكام أهل الذمة)(5). إذ شمل هذا التراث تفاصيل التفاصيل مثل (ماذا لو توفت قبطية زوجة لمسلم وهى حامل، هل تُدْفن في مقابر الأقباط أم في مقابر المسلمين باعتبار أن الجنين مسلم!!).

شكل هذا الميراث الحرام أحد أهم أعمدة الدولة الإسلامية ودامَ نحو اثنا عشر قرناً قبل دولة محمد علي، وقد استمر هذا الميراث (من الجزية لدور العبادة، لألوان الملابس.. الخ طوال العصر العثماني)(6).

وإزاء هذا الميراث، جاءت إصلاحات محمد عليفي المسألة القبطية، ومن بعده خلفائه (سعيد ثم إسماعيل)،وأي قوة اجتماعية مالت نحو المواطنة، جاءت إصلاحاتهم جميعاً كقفزة في الفراغ؛ إذ لم يتم على أي نحوٍ مناقشة هذا الميراث المحرم سواء من ناحية العلاقة بين إقامة دولة وطنية في بلدٍ “انسلخ للتو من وضعية إحدى ولايات الخلافة” وبين إلغاء الجزية، أو بين وضعية أهل الذمة ذاتهم وتحولهم لمواطنين. كما لم يتم أي نقد لهذا الميراث مما سمح بإعادة إنتاجُه مرة في الخط الهمايوني، ثم أخرى في شروط القربى باشا (1934)(7). وقد استمر هذا  الوضع (تجاوز الميراث دون مناقشته) لوقتنا هذاباستثناءات قليلة ـ تلفيقية في الأغلب ـ لم تؤثر فيالاتجاه العام.

أدى هذا الوضع (في 3 و4) لنتيجتين أخطر من بعضهما: الأولى، أنه ظل للدولة الدور الأساس في المسألة القبطية تتدخل فيها على النحوالذي تراه وقتما شاءت؛ فهي مالكة التجاوز أو النقد أو التفسير أو التأويل أو الاستعادة (مثلما حدث، سواء في عهد عباس الأول الذي حاول إبعاد الأقباط إلى السودان، ومثلما حدث فيما عُرِفَ باسمشروط القربى باشا في ثلاثينات القرن الماضي). أو تأجيج الطائفية.

والثانية أن ذلك الميراث الحرام ظل ـ دون نقد ـ كغيمةٍ معلقة في الهواء يمكنها أن تمطر فيأي وقت، ويمكن استعادتها للأرض ولو جزئياً فيأي وقت ولمن يشاء باسم ذلك الميراث الحرام، وهو ما يحدث منذ سبعينات القرن المنصرم حتى اليوم.

5 ـ الجزية: عرب ومسلمون أيضاً!!

بعد دخول العرب مصر شكلوا أوليجاركية حاكمة في مواجهة المصريين/ الأغلبية/ الأقباط. وكان وضعهم مزدوجاً وملتبساً. فهم حكموا كعِرق (عرب) وحكموا كدين (مسلمين)!! فكانوا الأشراف وكانوا المؤمنين. المهم أن يتم احتلاب فائض المنتج بأي وسيلة بالشرع أو دون أي سند “شرعي” طالما أن الشرعي غير كاف للنهب. أو كما صاغها الخليفة عمر بن الخطاب في مقولته الشهيرة: أخرب الله مصر في عمران المدينة!!

وتبدى ذلك الالتباس بين العرق والدين جلياً في موضوع الجزية(8)، فهي لم تُرفع في أحيان كثيرة عمن أسلم من الأقباط (وهنا كَفَّ المسلم عن أخذ الجزية من المسلم بينما استمر العربي يأخذها من المصري!!). ثم، وللخلاص من هذا المأزق غير الشرعي، استُبْدِلت آلية النهب بآلية أخرى أُريدَ لها أن تكون أكثر إرباكاً وغموضاً فجاءت بنفس الوضوح. إذ استُبدِلَتْ جزية الرأس/ الفردية (الشرعية) بجزية جماعية تُفْرَضُ على القرية أو الزِمَامْ متضامنين، فإذا أسلم أحدهم تحمَّلت بقية القرية دفع الجزية عنه!! إنها إذا إتاوة ثابتة ذات قدرٍ معلومٍ مسبقاً وليس لها علاقة بمسلم وقبطي وجزية.  ومرة أخرى يختفي المسلم والدين ليظهر العربي!!

ويمكننا تتبع هذا السياق (العربي المتسربل بالدين) في تبديه في وضعية المصريين الأقباط الذين أسلموا، وموقعهم من الجيش ومن المناصب الهامة داخل جهاز الدولة، لكن هذا فوق احتمال المقال.

فى كتابه “اضطهاد الأقباط  في مصر بعد الفتح الإسلامي” يلفت أحمد صبحي منصور الانتباه إلى أن المسلمين لم يفرضوا جزية على مسيحيي الجزيرة العربية لأنهم عرب!! *

اختلف الوضع قليلاً حين حلت أجناس أخرى محل العرب وشاركوهم في وضع الأوليجاركية الحاكمة: الأمازيغ في الدولة الفاطمية، الأكراد في الدولة الأيوبية، ثم التركمان والتتر والجركس .. الخ .. فيدولة المماليك ثم الدولة العثمانية. إذ استمرالمصري (مسلم ومسيحي) يعانى بدرجات أشد، وإن استمرت معاناة المسيحي مضاعفة: مرة بصفته مصري، ومرة بصفته مسيحي. ويتجلى هذا الوضع الأخير وقت الأزمات الاقتصادية أو الحروب، خاصة إذا ما تسربلت بالدين مثل الحروب الصليبية.

يكشف هذا الوضع أن الاستبداد الملتصق بالنهب يطال الجميع، وفى أوقات الذروة يصبح المسيحيون كبش فداء على المحرقة ليغطى الدخان المتصاعد من جثثهم على حقيقة المشهد.

هذه الوضعية لم تفارقنا منذ قرون طويلة وحتى الآن، وهى لصيقة بالدور القوى للدولة كما ذكرناه آنفاً.

في ضوء الملاحظات السابقة يمكننا أن نقرأ المسألة القبطية:

1 ـجاءت إصلاحات محمد عليفي المسألة القبطية، ومن بعده سعيد ( الذي ألغى الجزية عام 1854) ثم إسماعيل (الذي توسع في تعيين الأقباط كمديري مديريات وفى القضاء)، جاءت إصلاحاتهم كقفزة في الفراغ؛  إذ لم تكن المسألة القبطية في عهد محمد علي ولوقت طويل بعده ـ باستثناءات قليلة جداً ـ على برنامج أي قوى اجتماعية. ساهم في ذلك النشأة الشائهة للبرجوازية المصرية وقد نمت في الحُضْن الأوتوقراطى لا في مواجهته، ثم الطبيعة المبتسرة والمحافظة لتلك البرجوازية التي تشكلت في ظلال العرش، فقد كانت تضع قدماً في الأرياف ـ بصفتها مُلاَّك أراضى يحافظون على وضع يشبه القنانة ـ من مصلحتها بقاء البنية العتيقة، وقدماً أخرى في المدن بصفتها برجوازية تجارية أو مصرفية أو صناعية. بينما وضعت قدماً ثالثة في الخارج، حيث لعبت دور وسيط أو وكيل تجارى للرأسمالية الغربية. وكانأيضاً من مصلحة طابعها الثالث ذاك الإبقاء على البنية التقليدية (الاقتصاديةوالاجتماعية والسياسية) متخلفة لضمان استمرار مصالحها كوسيط. أي أن البرجوازية المصرية كانت في عمومها ذات طبيعة مزدوجة: فهي محافظة أو رجعية هنا وإصلاحية هناك. وقد انعكس هذا الوضع في موقفها من المواطنة والأقباط – المتداخل مع رؤيتها لطبيعة الدولة، والحكم الأوتوقراطي، والديمقراطية، ودور الدين في الدولة والمجتمع ودور الدولة في الدين، والحريات العامة والفردية خاصة حرية العقائد والعبادات .. الخ. لذلك ظلت إصلاحات محمد علي وخلفائه معلقة في الفراغ لا تستند لقوة اجتماعية حتى مَسَّها عُرابي وجماعته مساً خفيفاً!!

2 ــ أول إشارة أهلية أو مجتمعية (غير دولتية) للمواطنة كانت في برنامج الحزب الوطني (الأول) بزعامة عرابي، وكما أثبته بلنت ألفريد اسكاون، في ملاحق كتابه “التاريخ السريلاحتلال إنجلترا لمصر”. إذ جاء في الفقرة الخامسة للبرنامج: الحزب الوطني حزب سياسي لاديني، فإنه مؤلف من رجال مختلفي العقيدة والمذهب. وجميع النصارى واليهود وكل من يحرث أرض مصر منضم إليه لأنه لاينظر لاختلاف المعتقدات، ويعلم أن الجميع إخوان وأن حقوقهم في السياسة والشرائع متساوية (…) والمصريون لا يكرهون الأوربيين المقيمين في مصر من حيث كونهم أجانب أو نصارى، وإذا عاشروهم على أنهم مثلهم يخضعون لقوانين البلاد ويدفعون الضرائب كانوا من أحب الناس إليهم(9).

الجدير بالذكر هنا أن الفقرة الأولى في هذا البرنامج ثبتت إسطنبول/الخلافة كمحض سلطة روحية لا علاقة سياسية لها بمصر كدولة مستقلة.

كانت هذه هي الخطوة الأهم في طرح مسألة المواطنة والمعتقدات الدينية منذ بدأ محمد علي إصلاحاته. لكن التدخل الإنجليزي وضربه للحركة البرجوازية الوطنية، قطع على هذا الاتجاه طريق التطور وأعاد الأوضاع إلى ماكانت عليه أيام محمد علي: كل السلطة في القصر؛ أي أن السلطة عملياً بقيت فيأيدي الإنجليز، الذين أصبحوا يتحكمون فيالسراي بعد إنقاذه، ومن خلاله حاولوا استغلال المسألة القبطية لتحقيق أغراض عدة كما يتضح مثلاً خلال المؤتمرين القبطيوالمصري عام 1911.

3 ـ المؤتمران القبطيوالمصري .. المحاولة الأهلية الثانية والأخيرة:

منذ دخول الإنجليز مصر عمدوا إلى إزاحة الأقباط من الوظائف الحكومية واستعاضوا عنهم بالمسيحيين الشوام والأرمن؛ في الوقت الذي توسع فيه الأقباط في التعليم بإنشاء المدارس (استفاد منها المسلمون أيضاً) لمواجهة المدارس التبشيرية البروتستانتية والكاثوليكية.

ومع حلول أزمة 1906 الاقتصادية (10) واجهت تلك الشريحة المتعلمة من الطبقة الوسطى (الأفندية) أزمة توظيف دفعتها للتكالب والصراع على الوظائف، ومن ثم فُتِح باب النقاش حول أسس التوظيف والبعد الديني له؛ وامتد ليشمل الجنسية والمواطنة والحقوق والواجبات والمساواة، و أوضاع غير المسلمين (أهل الذمة سابقاً) بشكلٍ عام في دولة وطنية حديثة. وعلى هذا الأساس عُقِد المؤتمر القبطي (6 مارس 1911) و ردًّ المسلمون بالمؤتمر المصري 29 أبريل من نفس العام.

وفى هذين المؤتمرين لعب الأقباط الدور الإصلاحيوالتأسيسي ـ لدولة حديثة ـ المنوط بأقلية من مصلحتها إلغاء أسس التمييز ـ خاصةً الديني منها ـ واعتماد الكفاءة فقط كمعيار، فسعوا لإعلاء شأن الجنسية(11) فوق الدين كأساس للمواطنة، و “دسترة” و”تقنين” المساواة التامة في الحقوق والواجبات بما فيها الإنفاق على دور العبادة والتعليم الديني (كانت الدولة تنفق على الكتاتيب). بينما لعب المسلمون دور القوى المحافظة، التي ترى أن لكل دولة دين واحد رسمي هو دين الأكثرية، وأن الأقباط يحصلون بالفعل على ما هو أكثر من نسبتهم في المجتمع(12).

وعلى عكس السائد في السرديات التاريخية والأدبيات السياسية التي تُطْلِق على المؤتمرين صفة أزمة المؤتمرين؛ فقد كان المؤتمران أول حوار مجتمعي يحاول استكمال أسس الدولة حديثة. وإنما أُطلق على المؤتمرين صفة الأزمة أو الفتنة  لضمان عدم التكرار، أي من باب التجاوز (السابق ذكره) أو “إكفي عالخبر ماجور”، وهو ما كان وظل حتى اليوم.

4 ـ 1919 ـ 1952: تحولات عميقة تمهد لانقلاب مستمر حتى اليوم!!

فيما يخص موضوعنا، تثير الفترة بين 1919 و1952 الكثير من اللبس، لذلك سنتوقف عندها بقليل من التفصيل:

أولاً ـ 1919 الثورة المهزومة أعلى مراحل “التجاوز”.. !!

باعتبارها ثورة وطنية (من أجل الاستقلال)،ديمقراطية (من أجل الدستور وإعادة صياغة العلاقات بين المؤسسات، وبين الأخيرة والمجتمع) كانت ثورة 1919 ثورة مهزومة؛ فلا استقلالاً نالت، ولا ديمقراطية حققت. وجاء دستور 1923 محتفظاً للملك بأهم السلطات: حق حل البرلمان ومن ثم إقالة الحكومة!!

لكن أهم ما يعنينا هنا أنه نَصَّ في مادته 149 على أن الإسلام دين الدولة.

بيد أن أهم نتائج ثورة 1919، والتي يتفاخر بها الجميع حتى اليوم، كانت هي أخطرها وأسوأها، ونعنى بها تكريس شعار وحدة عنصري الأمة؛ أي القفز فوق واقع كان فيه الأقباط ذميين حتى وقت قصير مضى!! مما يعنى عملياً “تجاوز”،ليس فقط مناقشة وضع الأقباط بصفتهم مواطنين في دولة حديثة، بل أيضاً تجاوز مناقشة طبيعة الدولة المرجوة وعلاقتها بمواطنيها من ذوى الديانات والملل المختلفة. وهو ما أفضى إلى المادة 149. وهو ما نعاني منه حتى اليوم.

كان هذا التجاوز نتيجة حتمية لطبيعة البرجوازية المصرية وعدم راديكاليتها. بينما جاءت المادة 149 نتيجة لوضع السراي الاستبداديفي المجتمع. فمن المعروف أن الدستور الذي صدر عام 1923 كان مختلفاً اختلافاً شاسعاً عن المسودة التي أقرتها لجنة الثلاثين كما تقول “عفاف لطفي السيد” في كتابها “تجربة مصر الليبرالية 1922- 1936″، وإنما قبلته اللجنة فقط اعتقادًا منها أن دستورًا معيبًا خير من لا دستور، ولعلمها بأن الملك “فؤاد” كان علي استعداد لأن يقاتل للحفاظ علي امتيازاته ومن المحتمل أن تسانده بريطانيا في ذلك(13).

وفى هذا الصدد يقول طارق البشرى”من الطبيعي لحاكم مصر الذي يريد الاعتماد على الدين لدعم سلطته السياسية المنفردة أن يعتمد في ذلك على الإسلام (…) بهذا المنطق لا تصلح المسيحية ولا الأقباط ولا كنيستهم دعامة للحكم الديني. ولا يصلون في ظل هذا الحكم لأكثر من كونهم ملة من الملل المحكومة حتى لو شاركوا في الحكم أو أُسُتعين بهم فيه. ومهما كانت درجة ما يُكفل لهم من المساواة في التعامل، فإن المسيحية والكنيسة وفكرهما تظلان بعيدتين تماما عن المساهمة في الشرعية السياسية التي يستمد منها الحاكم وجوده. ويظل أهل الملة محكومين بشرعية آتية عليهم من خارج فكرهم الملّي. ويظلون أهل ذمة، عهدهم على الحكومة الإسلامية أن تحميهم في أرواحهم وأرزاقهم وحرياتهم بشرط أن يكونوا مسالمين لها مؤدين لضرائبها وفروضها. وهم وشأنهم بعد ذلك في أمور دينهم. ينفذون أحكامهم الملّية فيما بينهم كجماعة رعوية محكومة، ويمارسون ديانتهم ويطبقون شرائعهم فيما بينهم بواسطة مؤسستهم الملّية”(14).

من هذا المنطلق فرض الملك فؤاد وحلفاؤه (الإنجليز وجناح من البرجوازية والأزهر) المادة 149 على الدستور.

ومن هذا المنطلق أيضاً شهدت فترة العشرينات والثلاثينات “الليبرالية أعنف هجوم، ليس فقط على ما تحقق على يد الدولة منذ عهد محمد علي، بل أيضاً على “التجاوز” البرجوازي الرافع لشعار وحدة عنصري الأمة.

فيالعشرينات:

في مطالع القرن العشرين، كان حزب الأمة يمثل الجناح التنويري للبرجوازية (من أحمد لطفي السيد إلى الشيخ على عبد الرازق). لكن أغلبهم كانوا من كبار ملاك الأراضي، ولذا، فبحلول عشرينات القرن، وبعد هزيمة ثورة 1919، ارتد ورثتهم (الأحرار الدستوريون) على أعقابهم وتحولوا إلى قوة شديدة المحافظة، بل ورجعية. بدأ التحول يظهر في إدانتهم لإلغاء الخلافة ثم مساندتهم الملك فؤاد في محاولته تبوأ منصب الخليفة،والتيأستهدف الملك منها مَحْوَ كل نتائج الحراك السياسيالذي حدث من بدايات القرن، وأولها الدستور والأحزاب، ليحكم منفرداً بكل السلطات، مكتفياً بمجلس شورى يعينه من “أهلِ الحلِ والعقدِ”.

غير أن ما يهمنا من “الأحرار”في هذا المقام تبدى جلياً في نهاية العشرينات. فقد احتجوا على بناء ضريح سعد على الطراز المصري القديم ( الفرعوني) لأن “الطراز الفرعوني طراز وثنى، وواجب على من يتولى الحكم أن يخدم عقيدة الجماعة ودين الدولة، ودستور الحكم ينص على أن دين الدولة الإسلام “.  وطالبوا رجال الدين بالتحرك!!

قبل معركة الضريح كان الأحرار ـ ولضرب الوفد ـ  قد حولوا انتخابات 1929 إلى معركة دينية بين مسلمين وأقباط، ثم إلى فتنة طائفية كاملة الأركان.فقد اتهموا الوفد بأنه حزب قبطي يسيطر عليه “وليم” مكرم عبيد ويسيره بهدف سيطرة الأقباط على الأمة الإسلامية!!

بعد الانتخابات، ازداد الوضع سوءاً، إذ طالب الأحرار الدستوريون بـ “التمثيل النسبي”طائفياً على أساس وجود أكثرية وأقلية دينيتين في المجتمع!! وصياغة مؤسسات الدولة وأجهزتها بما فيها المنتخبة منها على أساس مبدأ التمثيل النسبي،في تراجع واضح، ليس فقط عن كل ما تحقق منذ المؤتمرين القبطيوالمصري (الإسلامي)، بل أيضاً عن كل ما تحقق منذ عهد محمد علي .

فيثلاثينات القرن بدأت تتجلى آثار فشل البرجوازية في قيادة الثورة الوطنية الديمقراطية. فانفلتت شرائح من الطبقة الوسطى (ونعنى بها هنا برجوازية صغيرة مدينيه وريفية) من عباءة البرجوازية وحاولت أن تقود بنفسها الحركة السياسية،جالبة معها تراثاً مما قبل دولة محمد عليومنقلبة على كل برنامج الحركة الوطنية الديمقراطية (البرجوازية)، ناشبة مخالبها أولاً وقبل كل شيءفيالديمقراطيةباعتبارها محض بضاعة غربية هدفها تقسيم الأمة (الإسلامية بالطبع) إلىأحزاب متصارعة وأن الأفضل في تراثنا أن تتراص الأمة خلف ملك/ قائد/ خليفة/ أمير للمؤمنين واحد. أو كما صاغ مصر الفتاة شعاره “شعب واحد، ملك واحد، حزب واحد”.. هل يذكِّرَكَ هذا بشيء؟!!

كان الإخوان المسلمون ومصر الفتاة تعبيرين لهذه النزعة البرجوازية الصغيرة الأخيرة. وسرعان ما تحالفا مع السراي ـ ومعهما الأزهر ـ للقضاء على الديمقراطية، وتنصيب الملك خليفة وأميراً للمؤمنين. وطاف حول هاتين الحركتين، الشعبية (الأولى) والشعبوية (الثانية)، أحزاب وقوى سياسية برجوازية مثل الدستوريين والسعديين وحزب الاتحاد ثم حزب الشعب الذي أسسه ديكتاتور مصر إسماعيل صدقيوالذي كان لتحالف الإخوان معه قصصٌ وروايات.

وربما كان الدين محض سلاح للاستخدامالسياسيالانتهازي عند السعديين، ولدى حزبي الإتحاد والشعب،كما لدى السراي وحاشيته السياسية، وربما بدأ كذلك أيضاً لدى الأحرار الدستوريين قبل أن يتحول لمكون أصيل لديهم بفعل تحولات الحزب ذاته، لكنه كان مكوناً أصيلاً وملعباً أثيراً للإخوانوالأزهر بالطبع، وجزء رئيسي من الخلطة الشعبوية لمصر الفتاة. وقد “لعلع” ثلاثتهم في تحويل السياسة إلى ملعب ديني وإزكاء الطائفية، إذ أن أي جماعة دينية، ولتعريف نفسها، لابد لها بالضرورة من آخر كافر أو على الأقل زنديق.

من بين كل هذه القوى ذات المسوح الدينية، كان الإخوان فقط هم من يمتلكون رؤية متماسكة تقوم على رفض ونسف كل ما تم منذ عهد محمد علي والعودة بمصر إلى ما كانت عليه طوال ثلاثة عشر قرناً قبل وجودهم: جزء من دولة خلافة إسلامية حيث لا ديمقراطية ولا أحزاب ولا دستور ولا قانون.. الخ، وإنما ملك/ خليفة ـ له كل السلطات وغير مقيد ـ وشرع. وبالتالي العودة بالأقباط إلى وضعية أهل الذمة.

وبينما كان الإخوان يجاهرون بموقفهم هذا من الأقباط، كان الآخرون يلمِّحُون أحياناً ويجهرون أحياناً ويسكتون عنها ويتركونها مضمرة أحايين.

وزارة عبد الفتاح يحيى إبراهيم باشا :  سبتمبر 1933 ـ نوفمبر 1934

آثرنا آن نتوقف قليلاً عند هذه الوزارة لأنها تلخص ورئيسها حال فترة مابين ثورة 1919 وانقلاب 1952:

عبد الفتاح يحيى هو ابن لعائلة تجارية إسكندرانية ثرية. بدأ حياته السياسية مؤيداً للوفد. ومع الملامح الأولى لانكسار الثورة أصبح وزيراً في وزارة عدلي يكن (وزارة القصر)، ثم انتهى به الحال عضواً ونائباً لرئيس حزب الشعب الذي شكله الطاغية إسماعيلصدقي.

كان يحيى إبراهيم في باريس حين استقال إسماعيل صدقي بوزارته.

اتصل الملك (فؤاد) بيحيى وكلفه بتشكيل الوزارة. وقبل أن تطأ أقدامه أرض الإسكندرية كان الملك قد اختار بنفسه كل أعضاء الوزارة بلا استثناء، وفقط انتظر وصول يحيى إبراهيم حتى يعلن قبول استقالةصدقي، وتكليف يحيى إبراهيم حفظاً لماء وجه الجميع!! أي أن الملك استرد ـ من البرلمان ـ سلطته فيتشكيل وتعيين الحكومة.

في هذه الوزارة، اختار الملك صليب سامي باشا وزيراً للحربية كأول مدني وأول قبطي يتولى هذه الوزارة!

وياله من اختراق مزدوج!!

وإلى جانب ترؤس يحيى إبراهيم للوزارة، احتفظ بحقيبتيوزارتي الداخلية والخارجية. لذلك أصبح القربى باشا وكيل وزارة الداخلية قائماً بأعمال وزير الداخلية. وبصفته هذه، أصدر القربى ما عُرف بـ “شروط القربى” لبناء دور العبادة للمسيحيين؛ وهى نسخة سيئة من الخط الهمايوني، وتفرض شروطاً تقيد تماماً بناء دور عبادتهم!!

لخصت هذه الوزارة تطور الأوضاع في الفترة بين 1919 ـ 1952: تراجُع جناح مهم من البرجوازية وتحوله إلى جناح رجعي مؤيد لاستبداد القصر الذيالتهم الدستور في عودة للأمور إلى ما قبل 1879، وانقلاب هذا الجناح على مجمل ما تم من إصلاحات في الشأن القبطي منذ عهد محمد علي.

غير أن أكثر ما يهمنا في هذا المجال هو أن شروط القربى كانت “أول تسجيل رسمي” للتراجع عن الإصلاحات التي تمت في الشأن القبطي منذ محمد علي، وتَجَلِّي دور الدولة في المسألة القبطية والاستفادة منها والمناورة والتلاعب بها: حكومة القصر تلك استوزرت قبطياً للحربية وفى نفس الوقت فرضت شروط القربى. ذهبت الوزارة والوزير القبطي وبقيت شروط القربى. وهذا هو ديدن الدولة في المسألة القبطية حتى الآن.

ثم كانت معاهدة 1936التي نظر إليها كثيرون باعتبارها إعلاناً عن فشل الوفد، آخر قلاع البرجوازية المناوئة للاحتلال، ومن ثم أعطى ذلك زخماً إضافياً لتلك الحركتين (الإخوان والفتاة) وأعطى أملاً للسرايالتي تقود أحزاباً برجوازية أخرى نشأت في حجرها (مثل الإتحاد والشعب) أو التحقت بها (مثل الأحرار الدستوريين والسعديين)، أعطاهم أملاً في إمكانية هزيمة الوفد. وبرغم تعطيل الدستور وتعطيل الحياة النيابية والقبضة الحديدية والملاحقات والسجون والإشاعات السوداء إلا أنهم عجزوا عن ذلك فلجئوا لسلاحهم الأخير: الدين ثم الفتنة الطائفية.

ويرى أبو سيف يوسف أن معاهدة 36 وما مثلته من فشل والأجواء التي صاحبتها كانت بداية انكفاء البرجوازية القبطية عن العمل العام (ضمن الأحزاب البرجوازية وخاصة الوفد) نحو الكنيسة.

كان الملك فؤاد قد تُوفِى في مايو 36 وتولى فاروق العرش في يوليو 37. ومنذ اللحظة الأولى لولايته نشب الصراع بين السراي وأحزابها وبين الوفد متخذاً طابعاً دينياً.

كانت السراي تخوض معركة استكمال الطابع الاستبدادي للحكم لإلغاء ما تبقى من نتائج الحركة الديمقراطية المندلعة منذ سبعينات القرن الـ19 مستغلة في ذلك ما بدا أنه ضعف لدى القلعة الأخيرة (الوفد) بعد توقيع معاهدة 1936.

وعن هذه الحقبة يقول طارق البشرى في كتابه “المسلمون والأقباط”: كان الوفد يرفع شعاره الأثير عن الديمقراطية وحكم الدستور،فرفعت السراي شعارها الأثير كذلك، عن الحكم الديني والخلافة الإسلامية.

حفل تنصيب الملك:

بدأت المعركة مبكرا بحفل تنصيب الملك، إذ اقترحتالسراي أن يتم تتويج الملك فيحفل ديني يقام في القلعة يقلده فيه شيخ الأزهر (!!!) سيف جده محمد علي باشا ثم يؤم الملك المصلين في الأزهر تعبيراً عن مكانته الدينية كإمام للمسلمين وولي للأمر؛ وآزر الأزهر والأحزاب المؤيدة للسراي (ومنهم الإخوان ومصر الفتاة) هذا المسعى.

ويرى طارق البشرى في كتابه المذكور أن شعار الجامعة الإسلامية الذي رفعه هذا التحالف كان الغرض منه سياسياً زيادة سلطات الملك ومواجهة الديمقراطية بنظام حكم يستند إلى زيادة سلطات الجالس على العرش. مما جعل الوفد يرفض صيغة هذا الحفل.

وسرعان ما تدحرجت المعارك. فجاءت معركة محاولة تغيير قسم ضباط الجيش ليكون قسمهم على الولاء للملك فقط. وأيضاً اعترض الوفد. ففتحت جبهة السرايبوابة إدخال الدين واسعاً، ومرة أخرى هوجم الوفد باعتباره ذو نزوع قبطي. وبالطبع كان لابد من إظهار الملك باعتباره الحريص على الإسلام. فلما جاء رمضان لم يترك الملك جامعاً معروفاً في مصر إلا وصلى فيه بصحبة المراغى شيخ الجامع الأزهر والتقط صوراً قبل وبعد وأثناء الصلاة والدروس الدينية وحرص على نشرها. بينما أشاع المراعىأن حكومة الوفد لا ترضى عن الدروس الدينية التي يلقيها في حضور الملك، وأن مكرم عبيد خاصة يزعجه الأمر وأن الأخير طلب من الإنجليز التدخل لإيقافها، فخرجت مظاهرات طلبة الأزهر تهتف أمام الأزهر وأمام قصر عابدين:  يحيا الملك الصالح ـ الأزهر فوق الأحزاب ـ الملك فوق الجميع… وغيرها من الشعارات التي تسبغ طابعاً دينياً على استبداد الملك.

وفى خطبة الجمعة اليتيمة في جامع عمرو قال الخطيب أمام الملك أن مصر كانت بلاد كفر وإلحاد حتى دخلها الإسلام. فرد عليه النحاس باشا ـ وكان حاضراً الصلاة ـ أن المسيحية لم تكن قط ديانة كفر ولا إلحاد.

وفى 21 ديسمبر 1937 اعتدت مظاهرة ضخمة على سيارة مكرم عبيد على أبواب قصر عابدين،فلما أطل عليهم الملك من شرفة القصر هتفوا: يسقط الوزير القبطي !!

وفى وسط هذه الأجواء الطائفية التي تُزَخَمْ من كل حدبٍ وصوب من حلفاء الملك أُسْبِغَ على فاروق فجأة لقب “أمير المؤمنين” وبدأ الحديث عن الخلافة الإسلامية والمناداة بفاروق خليفة . ثم تمادى شيخ الأزهر في الهجوم على الأقباط فتلقى رد فعل عنيف فحاول أن يفسر موقفه في تصريح جاء فيه “أنا لا أعمل لحزب لكنى أعمل في السياسة الدينية وفى سياسة الإسلام (…) وليعلم كل الناس أنه لا يوجد في الإسلام ما يوجد عند غيره من أن الدين شيء والسياسة شيء آخر”!!

ثم جاءت انتخابات 1938 فخاضتها أحزاب القصر (الإتحاد، الأحرار الدستوريون، السعديون، الشعب، والأزهر، وقد انضم لهم مصر الفتاة والإخوان المسلمون) تحت نفس التكتيك والشعار الَّذين خيضت تحتهما انتخابات 1929 ولكن في أجواء طائفية أسوأ: تديين السياسة ثم اتهام الوفد بمعاداة الدين الإسلامي لصالح الأقباط وفق مخطط لمكرم عبيد ينفذه النحاس. مع الربط بين الملكية والدين، ثم الملكية والخلافة. وقد حدث أنه وبعد الانتخابات (يناير 1939) أن أَمَّ الملك صلاة الجمعة إحياءً لممارسات الخلفاء  فخرجت الصحف الموالية له تصفه بأمير المؤمنين وتتحدث عن إحياء الملك للخلافة.(15)

الأربعينات: الشيوعيون على دين نقيضهم .. في التجاوز!!

بعد تواجد متقطع منذ بداية القرن العشرين،انتعشت الحركة الشيوعية في الأربعينات منه. وشهدت تنظيماتها أوسع مشاركة للمسيحيين (أقباطاً وأجانب) في العمل العامفي مصروالحزبي منه على وجه الخصوص.

لكن اللافت أنه برغم مساهمة المسيحيين الواسعة في الحركة الشيوعية، وبرغم أن الشيوعيين رفعوا شعارات المساواة التامة بين الأعراق والأجناس والذكور والإناث والأديان والملل والنحل، إلا أنهم اكتفوا بممارسة هذه المساواة (بشكل فطرى) داخل تنظيماتهم وفى حركتهم اليومية دون أن ينتبهوا إلى وضع الأقباط في مصر (الممتد لنحو 13 قرناً) ودون أن ينتبهوا إلى بروز قوى سياسية بمرجعية دينية، واستخدام قوى سياسية تقليدية للدين في السياسة، بل تديين السياسةوازدياد الجو الطائفيوالانقلاب على إصلاحات محمد علي وخلفائه الأقربين وأثر كل ذلك على وضع الأقباط. تغاضى الشيوعيون عن كل ذلك واكتفوا بالشعارات العامة وممارستهم لها دون التفات للمسألة القبطية المتصاعدة ومناقشتها وطرحها في برامجهم كأولوية برنامجية تستحق أن توضع لها رؤية مفصلة باعتبار أن الأقباط يواجهون نوعاً من التمييز وكل تمييز جذره وجوهره استغلال. فلحقوا بسياسة الـ “تجاوز” البرجوازية التي طرحناها في مقدمة المقال.

ومع أن ماركس كان قد توقف أمام وضع اليهود في ألمانيا وسجل رؤيته فيكتابه “في المسألة اليهودية”(16)،إلا أن ذلك لم يشكل سابقة بالنسبة للشيوعيين في مصر. وكأن أوضاع الأقباط طوال ثلاثة عشرقرناً (من الجزية إلى لون الملابس)، ووجود جذور لهذه الأوضاع في الشريعة، قد اختفى فجأة. أو كأن إصلاحات محمد علي وخلفائه والتي لم يمر عليها سوى ستون عاماً ثم بدأ سحبها، والمناخ الطائفيالذي ساد منذ أواسط العشرينات، كل تلك المعطيات لم تحفز الشيوعيين على طرح رؤية مفصلة للمسألة القبطية بما يعنيه ذلك ليس فقط من نقد لأسس الاضطهاد الطويل، ولكن أيضاً لأسس الدولة المدنية الحديثةالتي كانت توضع أسسها على أرضية قرونوسطية تحتفظ بالاستبداد (الشرقي؟؟) وأيديولوجيته الداعمة، وتحتفظ للأقباط ـ في أحسن الأحوال ـ بوضعية المهمش/الأسير الذي يمكن استدعاؤه أو التنكيل به وقت الحاجة من قبل أطراف عدة.

ليس هنا مجال التعرف على أسباب موقف الشيوعيين هذا، لكن المهم هنا أن نقرر: أنه بينما قطاع كبير يمثله السراي وحاشيته (الأرستقراطية) والبرجوازية  والبرجوازية الصغيرة بأحزابها (من الأحرار الدستوريين للإخوان ومصر الفتاة وعلماء وطلبة الأزهر) يضغطون من أجل إلغاء إصلاحات يسيرة بدأت منذ قرن ونيف، كان الوفد والشيوعيون (وهما الأكثر استيعاباً للأقباط في بنيتهما الحزبية) ينتهجان سياسة التجاوز.

وهكذا وصلنا لانقلاب يوليو 52 وأفضل ما لدينا في المسألة القبطية هو التجاوز.

 يوليو 1952: استعارة برامج الفترة “الليبرالية”!!

لاينبغيالالتفات كثيراً إلى علاقة “الضباط الأحرار” بالإخوان المسلمين أو بغيرها من التنظيمات الأخرى قبل الانقلاب، وإنما يجب الالتفاتإلى والتركيزعلى سياسات يوليو التي صاغت وحكمت وضعية الأقباط.

منذ اللحظة الأولى عمد الإنقلابيون إلى مصادرة المجال العام وإغلاقه؛ وطبقوا شعار مصر الفتاة السابق ذكره: شعب واحد، ملك واحد، حزب واحد؛ فألغوا الأحزاب وأسسوا الحزب الواحد “هيئة التحرير” يناير 1953 الذي هو “أداة لتنظيم قوى الشعب وإعادة بناء المجتمع على أسس جديدة”، والذي سيتحول للإتحاد القوميفي ديسمبر 57 ثم للإتحاد الاشتراكيفي 1962، وعطلوا البرلمان ثم أعادوه مُسَيَطَراً عليه تماماً وعلى وكل مؤسسات الدولة ثم أمموا كلشيء من الاقتصادإلى الإعلام.

بعد مصادرة المجال العام وإغلاقه وهيمنة القمع، وبديلاً عن الإفراز الطبيعيللكفاءات المُخْتَبَرة الذي يوفره مجال عام مفتوح، لجأ نظام يوليو إلى فرض حِصة (كوتة) للأقباط لتمثيلهم في المؤسسات (الوزارة، الحزب، البرلمان .. الخ)، ومن ثَمَ عادت الكنيسة لتلعب دور الوسيط بين “شعب الكنيسة” والدولة، فأُجْبِرَ الأقباطُ  إلى مزيدٍ من الانكماش داخل أسوار الكنيسة بعد انكماشهم منذ العشرينات وبالأخص بعد1936. وعادوا إلى وضع الرعايا الذين تمثلهم الكنيسة لدى الدولة، مما أعاد الأقباط إلى نقطة الصفر إلا قليلاً (ما قبل محمد عليباستثناء الجزية). وكانت “الكوتة” من المقترحات الطائفية لحزب الأحرار الدستوريين في صراعه مع الوفد كما سبق التنويه.

ثم بدأت علامات الدولة الإسلامية الناصرية تتوالى، مثل جامعة الأزهر (1961) التي قيضت للمصريين المسلمين مزايا لا يستفيد منها الأقباط، أو إذاعة القرآن (مارس 1964) وانحسار توليالأقباط للمناصب القيادية .. الخ.

في هذا السياق (دور الكنيسة كممثل للأقباط لدى الدولة) تأتى حماسة نظام يوليو لبناء الكاتدرائية الجديدة في العباسية وتبرع الدولة بمبلغ مائة ألف جنيه. هكذا دون أدنى نقد أو التفات للخط الهمايوني أو لشروط القربى اللذين يقيدان بناء دور العبادة القبطية.

وفى هذا السياق أيضاً حضر جمال عبد الناصر شخصياً احتفال وضع حجر الأساس، وجاء في كلمته التي ألقاها أن “بناء الدولة قائم على المحبة التي تربط بين عنصريّ الأمة”. ولا ذِكْر للمواطنة بالطبع.

 السادات: تكالبت النصالُ على النصالِ..!!

منذ اللحظة الأولى أطلق السادات على نفسه لقب الرئيس المؤمن.

كان وصول السادات للحكم تكليلاً لانتصار الجناح اليمينيفي دولة يوليو. ذلك الجناح الذي انخرط فوراً في الإستراتيجية العالمية للأمريكان التي قررت التوسع فيالاعتماد على الإسلاميين للتصدي لما أسموه بـ “المد الشيوعي”(17). وفيما بعد، ستكون أفغانستان حالة التجلي الأظهر لهذه الإستراتيجية.

وفى الداخل، قرر السادات أن يعتمد على التيار الإسلاميللتصدي لليسار؛ فلم يكتفِ بفتح المجال أمامهم ـ مع تكبيل اليسار ـ بل أنه قام بتمويلهم وإقامة معسكرات لهم وتدريبهم عسكرياً  كما فعل محمد عثمان محافظ أسيوط أوائل السبعينات.

بيد أن الأسبابالسابقةكانت محض أسباب ثانوية/ قرارات فوقية، ولم تكن ليُقَيَضُ لها هذا التأثير الهائل لولا أسباب أخرى أعمق شَكَّلَت حاملا اجتماعيا/ اقتصاديا وسياسياً أعطت للقرارات السابقة زخما وفاعلية:

ـ تعرضت الدولة المسيطرة لهزتين كبيرتين. الأولى كانت هزيمةيونيو67(18) والثانية كانت قرارات الانفتاحالاقتصادي74التي دشنت بدء انسحاب الدولة من الاقتصاد والخدمات. وإذا كانت الدولة هي المتحكمة في الشأن القبطي كما رصدنا، فقد كانت أيضاً الضمانة الوحيدة الباقية لتماسك المجتمع خاصة بعد مصادرتها للمجال العام وسيطرتها على كل مؤسسات المجتمع المدني، لذلك شكلت هاتان الهزتان بدء تفسخ المجتمع وتحلله، مما عنى تراجع مكوناته (خصوصاً مع انهيار مؤسسات المجتمع المدني) إلى ما قبل الدولة الوطنية، وارتدادهاإلى وشائجها القرابية الأولى: الدين، الملة، العائلة، القبيلة، الطائفة .. الخ.

هكذا ازدادت الحركات الإسلامية زخماً وازدادانسحاب الأقباط نحو الكنيسة إن بفعل العامل السابق أو بفعل ازدياد ضغوط الإسلاميين.

كذلك شكلت الهجرة للنفط بالإضافة إلى ما صاحب الانفتاحالاقتصادي من مضارباتاعتمادا متزايداً على الاقتصادالريعى، وما يصاحبه من نزوع للغيبيات والتدين بشكل عام مما أعطى زخماً إضافياً للحالة الدينية على الطرفين الإسلاميوالمسيحي معاً.

وهكذا تكالبت عوامل داخلية وخارجية لتخلق حالة احتقان طائفي ممتدة. تبدت تفاصيلها في كل مناحي الحياة. لذا فلم تكن مصادفة أن بدأ عهد الرئيس المؤمن بالأحداث الطائفية في الخانكة (نوفمبر 1972) وانتهى بأحداث الزاوية الحمراء (يونيو 1981) وكان السبب فيهما واحد: محاولة بناء كنيسة!! هذا في الوقت الذي أصدر فيه الرئيس المؤمن قراراً بالإعفاء من الضرائب للمساكن التي تقيم تحتها مساجد!! فشهدت مصر عددا هائلاً من الزوايا أسفل العمارات. بينما ظل الخط الهمايوني وشروط القربى يتحكمان في بناء الكنائس.

 مبارك: العولمة تُعَمِّقُ الطائفية.

لم يحدْ النظام في عهد مبارك عن سياساته في عهد سلفه لا في توجهه اليميني العام (الذيأنتج 18 و19 يناير ثم كامب ديفيد) ولا في تحالفه مع الإسلاميين.

ففي الوقت الذي دخل صداماً مع الفصائل الإسلامية المسلحة، ازداد تعاونه مع الفصائل الأخرى (إخوان وسلفيين) واستعان بهم في البرلمان والإعلام والشارع لتبرير وتمرير سياساته اليمينية العولمية باسم الشريعة (تحرير الأرض الزراعية، إيجارات المساكن، الخصخصة .. إلخ) مما أعطى الإسلاميين زخماً إضافياً لحاجة النظام لهم لضبط المجتمع المحتقن من تلك السياسات. كما شكَّل الفراغ الذي تركته الدولة بتخليها عن الخدمات فرصة للإخوان لملأه بتوظيف فائض أموالهم .. وهكذا تواجدوا وتوغلوا وانتشروا خاصة في المناطق المهمشة في الحواضر والأرياف مصطحبين معهم رؤيتهم لشكل الدولة والقانون والمواطنة.

في عام 1989 صدر توافق واشنطون(19)، وفى العام التالي جاءت حرب الخليج الأولى ليدشنا بالحديد والنار ما سُمِى بـ “العولمة “. وأيضاً ليطلقا رؤية واشنطون بإحلال الإسلاميين محل النخب العسكرية وشبه العلمانية.

بالنسبة لموضوعنا، كانت العولمة (أو النيوليبرالية) تقليصاً لما تبقى من دور الدولة بإفقادها أي سيطرة على سوقها بخصخصة الشركات والمصانع  والخدمات (صحة وتعليم ..الخ) وفتح الحدود أمام حرية دخول وخروج رؤوس الأموال، وتقليص أو إلغاء الجمارك، وإطلاق حرية السوق في تحديد الأسعار والشركات الدولية الاحتكارية (مونسانتو في الزراعة مثلاً) والاندماجفي السوق الرأسماليالعالمي .. الخ.

مع تقلص سيطرة الدولة تقلص دورها التاريخي العابر للإثنيات والملل والنحل؛ وازدادت وتيرة تحلل المجتمعات وعودتها إلى وشائجها ما قبل الدولة الوطنية.هكذا اجتاحت العالم حركات ذات نزوع هوياتى على أسس عرقية أو طائفية. وكانت الدول الهشة والمجتمعات الأكثر هشاشة(20)هي الأكثر عُرْضَة من غيرها لآثار العولمة وتفكيكها للمجتمعات.ناهيك عن أن رأس المال النقديالعالميوالاحتكارات الكبرى تُفَضِّل التعامل مع كيانات صغرى وكانتونات لا تملك من أمرها شيئاً في مواجهة سياسات هذه الطغمة.

وكما استعرضنا من قبل، كانت مصر من تلك الدول الهشة والمجتمعات الأكثر هشاشة التي تقوم على التمييز والاستبعاد والإقصاء وعدم دمج المكونات على أساس المواطنة. تبدى ذلك في كل مناحي الحياة في مصر: من مناهج التعليم إلى الحريات الدينية إلى الإعلام إلى التمثيل في مؤسسات الدولة وفق كوتة  .. إلخ.

حتى منظومة العدالة عُطِلَتْ عمداً واستُبدلت بـ “جلسات صُلح”، ليس فقط إمعاناً في التمييز وتعطيل صدور أحكام بحق الجناة، وإنما أيضاً إعمالاً لقاعدة فقهية قروسطية: لا يؤخذ مؤمن بكافر. وبذلك أُعْلِن القضاء على محاولة تأسيس دولة مدنية حديثة متعالية على الدين والجنس والعرق وتساوى بين مواطنيها.

العولمة، بتقليصها للدولة، وسيادة الكومبرادور، والاقتصاد الريعيوالخدميوالاستخدامالخارجيوالداخلي للإسلاميين وللاحتقانالطائفي (ولو على سبيل الإلهاء والترويع) كانت هي الإطار العام الذي جاءت في سياقه كل أحداث العنف الطائفي منذ التسعينات (منذ أحداث الكُشح الأولى 1999) .

مأزق الأقباط ومأزق مصر:

كما أوضحنا: منذ بداية الدولة الوطنية في عهد محمد عليفي القرن 19، وُضِعَت المسألة القبطية، على نحوٍ أو آخر على أجندة المجتمع المصري. بدأت بإصلاحات دولتية ثم تبنتها قوى اجتماعية على استحياء وبشكل أقل من أن يكون حتى إصلاحياً، لكن ..

منذ ثلاثينات القرن الماضي بدأ التراجع عن الإصلاحات الدولتية الضئيلة التي تمت في المسألة القبطية وانحسرت القوى الاجتماعية المؤيدة للإصلاح، ثم كان انقلاب يوليو 1952 هو قمة هذا التراجع بمصادرته للمجال العام وإعادته الأقباط إلى أقلية دينية غير مندمجة في المجتمع إلا عن طريق الدولة التي حددت لها كوتة. لكن الأمور بدأت تأخذ منحى آخر في عهد السادات لأسباب عددناها.

وفى ختام الثلث الأول من عهد مبارك، مع العولمة والنيوليبرالية، تحولت المسألة القبطية إلى مأزق:

فالمؤسسات والحركات الدينية الإسلامية والمسيحية (بحكم طبيعتها ودورها التاريخي وتقديسها للملكية الفردية) ليست ضد جوهر العولمة على الإطلاق (السياسات الاقتصادية/ الاجتماعية: تحرير الأسواق، الخصخصة، الاندماج في الاقتصادالعالمي.. إلخ)(21)، ولا ضد ما تؤدى إليه من إفقار موسع، مع تعويض يسير للمُفَقَّرين بأعمال خيرية تتيح التغلغل والسيطرة. إذ أن كل فراغ تتركه الدولة تتقدم قوة ما لتملأه، ولم يكن هناك أجهز من القوى الدينية التي تقدمت بفائضها الماليلملأه مصطحبة معها أيديولوجيتها وبرنامجها.

لكن العولمة تعنى أيضاً اجتياحا ثقافياً سواء بسبب الاندماج الكامل في الاقتصادالعالمي، أو وسائل الاتصال الحديثة التي تيسر الاتصال وتقلص قدرة الأنظمة والمؤسسات على الرقابة والتحكم.

وإزاء ذلك، يصرخ المسلمون (مؤسسات وحركات وتيارات) صباحاً مساءً أن الإسلام مستهدف من الغرب المسيحي. أي أنهم مع العولمة وضد نتائجها على أحد مستويات الثقافة؛ مع العولمة وضد نتائجها على أساس هوياتى. وبرنامجهم لحل هذا التناقض بسيطهوإقامة دولة إسلامية تُشَيِّد أسوارها بنفسها بما يمكنها من السيطرة على الأتباع.

وأصحاب توافق واشنطون ليسوا ضد هذا الإتجاه إطلاقاً بل هم يشجعونه، خاصةً أن الإسلاميين ليسوا ضد أي من بنود توافق واشنطون. هذا هو حدود “السؤال” الإسلامي وحدود حله.

أما المسألة القبطية فقد تحولت إلى مأزقٍ شديد التعقيد، وحله هو على نقيض حل مسألة الإسلاميين!!

فالكنيسة أيضاً ضد العولمة على أساس هوياتى، فهي تخشى اجتياح الغرب الكاثوليكي/ البروتستانتي الكافر لشعب الكنيسة الأرثوذوكسي المؤمن. وهى أيضاً تريد أسواراً للحماية ضد الاجتياحالثقافي (التبشيري)، كما تريدها لتظل هي ممثلة الأقباط لدى الدولة كما سبق التوضيح.

كما أن ميل الكنيسة للسيطرة على أتباعها مرتبط بداهةً وموضوعياً بمناهضة الكنيسة للعلمانية. وهذا هو بداية المأزق القبطي. فالكنيسة المناهضة للعلمانية ـ مثل الإسلاميين ـ تريد دولةدينية تقبض فيها على “شعب” الكنيسة وتكون ممثلته لدى الدولة.

أي أن الكنيسة مع العولمة وضد العلمانية وتريد دولة دينية ستصبح فيها أقلية، وفى نفس الوقت تنتظر أن يُسْمَحُ للأقباط بحرية الاعتقاد والعبادات وبناء الكنائس ..الخ. أي المساواة مع امتيازات الأغلبية الدينية بعدما ساهمت في جعل أتباعها أقلية.

لكن هيهات منها ذلك، إذ أن أي، وكل، دين يُعَرِّف نفسه فيمواجهة دين آخر هو بالضرورة كافر؛ وبالتالي فلا مجال لأغلبية دينية مسيطرة ـ في دولة دينية ـ أن تساوى نفسها بأقلية كافرة. كما أن التراثالمحرم ـ السابق ذكره ـ والذي تم استدعاؤه بقوة للمشهد يمنع ذلك، بل يحَرِّمه.

الكنيسة إذن تسهم في إشعال النار تحت قِدْرٍ موضوع فيه الأقباط ثم تصرخ أنهم يحترقون!!

فالكنيسة والدولة والإسلاميون متفقون على عزل الأقباط داخل الكنيسة على أن تكون الأخيرة هي ممثلتهم والمتحدثة باسمهم لدى الدولة. يتبدى هذا مثلاً فياحتجاجات الأقباط: فأياً ما كان الحدث وأسبابه ومكانه، يُسْمَح للأقباط  أن يتجمهروا ويحتجوا، بل وأن يتظاهروا داخل أو أمام الكاتدرائية (ممثلتهم)، و ألا يتظاهروا أمام مؤسسات الدولة المعنية (رئاسة الجمهورية، البرلمان، مجلس الوزراء …الخ). فهذا غير مسموح لهم به. فالكنيسة فقط هي المخولة بالاتصال بالدولة. والمرة الوحيدة التي خالف فيها الأقباط هذا القانون كان عقابهم شديداً (أحداث ماسبيرو). إذ أنهم أقلية دينية وعليهم أن يقدموا احتجاجاتهم لمؤسستهم وليسوا مواطنين ليحتجوا أمام مؤسسات الدولة.

وهنا بالضبط، في هذا الوضع الذي يُنْزَعُ فيه عن القبطي والمسلم مواطنته لتحل محلها الهوية الدينية، يكتمل فشل الدولة الوطنية ومأزق الأقباط؛ فهنا يتحول الأقباط وبشكلٍ نهائيإلى أقلية دينية ينظم شئونها “التراث المحرم”.

إذن، كان الإصلاح في الشأن القبطي دولتياً منذ عهد محمد علي. كما كان التراجع عن هذا الإصلاح، منذ عشرينات القرن الماضي دولتياً أيضاً،والذي كانت يوليو 52 ذروته. لكن منذ هزيمة 1967 بدأ تفسخ الدولة وتحللها عبر مراحل عديدة حتى وصلنا للعولمة التي تُقْصِرُ دور الدولة على الأمن ومنع الهجرة غير الشرعية دون رؤوس الأموال.

وبالعولمة، يزداد مأزق الأقباط تفاقماً بتفسخ المجتمع؛ فلم تعد هناك طبقة متماسكة لديها مشروع ديمقراطي، تكون فيه المواطنة والمساواة على رأس أولوياته بما يستتبع ذلك من نقد للتراث المحرم ولمجمل مشروع الدولة الوطنية: فالبرجوازية مندمجة في السوق العالمي يسودها الاقتصادالتجاري والريعى، وأصبحت تنظر لسوقها فقط كشريك أو وكيل لنهبها ولم يعد الوطن من ضمن أولوياتها، ناهيك عن المواطنة. مجرد سوق وزبائن للربح أو النهب.  والطبقة الوسطى محافظة وينتابها فزع هوياتى ورعب من السقوط الاجتماعي (يمكننا أن نجد انعكاس ذلك في النقابات المهنية مثلاً) وبعد 2011 انقسمت هذه الطبقة هوياتياً بينما زاد رعبها الاجتماعي فأصبحت أكثر محافظة. والطبقة العاملة مفتتة وعاجزة عن السيطرة على نقاباتها التي تسيطر عليها الدولة بالحديد والنار، فهي عاجزة عن تحقيق مطالبها الفئوية وأكثر عجزاً عن تجاوز مطالبها الفئوية إلى مشروع لوطن ديمقراطي يكون أساسه المواطنة والمساواة بين جميع مواطنيه.

إن أكثر من ستين عاماً من مصادرة المجال العام حطمتـ أو كادت ـ مؤسسات المجتمع المدني (من النقابات والجمعيات والروابط إلىالأحزاب وحتى الأندية) فلم يعد يُسْمَع سوى صوت بعض منظمات حقوقية وبعض الأفراد بينما خطاب الأقباط أنفسهم ملتبس بطلب الحرية والمساواة في دولة دينية!! فيالوقت الذي تزداد أشباح التسلف الذي يحَرِّم حتى تهنئة الأقباط بأعيادهم. والمفارقة أن كلاً من الكنيسة والسلفيين حلفاء للدولة حتى الالتصاق (22).

ورغم أن لأي ظاهرة اجتماعية وجودا نسبيا (مسار وتطور خاص بها) مشروطا بالشروط الموضوعية للمطلق (المجتمع)،أي بتركيب المجتمع ومساره وتطوره في لحظة تاريخية ما، إلا أن المسألة القبطية أصبحت والمأزق المصري سيان، إذ تكاد تتلاشى الحدود بين النسبي والمطلق. فالمأزق القبطي أصبح هو ذاته مأزق مصر!!

ذلك أن شروط حل المسألة القبطية مرهونة بخروج المجتمع المصري مما هو فيه. بينما يعانى المجتمع والدولة، منذ عقود، من تحللٍ وتفسخٍ لايمكن توقع مآلاهما. ويتصور البعض أن القبضة الأمنية كفيلة بوقف وتيرة التحلل بينما هيفي الحقيقة تزيده تسارعاً. إذ أن حرمان السكان من تنظيم أنفسهم بحرية يمنع الشرائح والطبقات والطوائف من تنظيم أنفسهم وإدراك مصالحهم والتجمع حولها وتنظيمها وترتيبها والتفاوض الاجتماعي عليها ومن ثم تكوين وطن(23)، بينما القمع يحوِّل السكانإلى محضأفرادٍ تائهين مما يجعلهم يحتمون بروابط ما قبل الدولة فيزداد تفسخ المجتمع ويزداد الابتعاد عن الوطن والدولة والمواطنة.

 كما أن، وبرغم القبضة الأمنية، فإن الدولة (المتقلصة) أضعف من أن تقود مجتمعاً (وبالتالي فمن المستحيل تكرار مشروع محمد عليأو عبد الناصر، ناهيك عن أن الظروف متغيرة جذرياً)، بينما الغرض الأساس للقبضة الأمنية هو حماية السياسات (النيوليبرالية) التي تساهم مباشرة في مزيدٍ من التفسخ والتحلل. أي حماية التفسخ والتحلل الاجتماعي.

والحال هكذا، أصبح النضال ضد تحلل المجتمع والدولة، أي النضال ضد الاستبداد والنيوليبرالية، شرطاً موضوعياً لتحقق الشروط الخاصة بالنسبي، أي أصبح لزاماً على الأقباط الالتحاق بحركة المجتمع المدني ومؤسساته (أحزاب، نقابات، روابط .. إلخ) في نضالها من أجل الديمقراطية والتنمية المستقلة كشرط ـ ضمن شروط لإقامة دولة علمانية لكل مواطنيها. أي الخروج من أسر الكنيسة والاندماجفي المجتمع المدني كمصريين أولاً، والكف عن أن يكونوا أقباطاً أولا، والكف عن الإصرار على التحول لأقلية دينية حاصرة مطالبها في المساواة مع الأغلبية الدينية..

إن الحرية لم تكن أبداً منحة من أحد. وحرية الأقباط لن تتأتى إلا بنضالهم من أجل وطن حر ديمقراطي ودولة مفارقة للأديان والملل والأعراق، دولة لكل مواطنيها(23) وليست دولة دينية هم أول ضحاياها.

___________________________________________

(1) بين عامي 1937 ـ 1938، وأثناء تسعير الطائفية من قبل السراي والقوى المتحالفة معه (الأزهر، الإخوان، مصر الفتاة، الأحرار الدستوريون، السعديين) والهجوم على الوفد باتهامه بتنفيذ أجندة قبطية، لم يحدث سوى اعتداء على قبطي واحد في حافلة واقتحام كنيسةالقللي ومقاطعة عظة للقس سرجيوس!! مع أن الأجواء كانت طائفية بامتياز.

(2)أحمد صادق سعد، تاريخ مصر الاجتماعيالاقتصادي في ضوء نمط الإنتاج الآسيوي + تاريخ العرب الاجتماعي: تحول التكوين المصري من النمط الآسيوي للنمط الرأسمالي .+ إبراهيم عامر، الأرض والفلاح والمسألة الزراعية (الدار المصرية للنشر، القاهرة) 1958 + جان شينو، وآخرون، حول نمط الإنتاج الآسيوي. ترجمة جورج طرابيشي  (دار الطليعة، بيروت) 1972.

(3)لم تحكم الشريحة الأكثر تقدماً (ممثلةً في الوفد) سوى فترات قصيرة جداً عجزت خلالها عن السيطرة على جهاز الدولة.

(4)”قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخِر ولا يحرمون  ما حرم الله ورسوله  ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون” التوبة ـ 29.

(5) ابن القيم الجوزية، أحكام أهل الذمة (الدمام، السعودية، دار رمادى للنشر، ط الأولى، 1997).

(6)وشروط  عقد الذمة ـ بشكل عام ـ قسمان؛ مستحق ومستحب. الأول ذو ستة شروط: عدم ذكر الإسلام بذمٍّ أو قدح ـ عدم ذكر القرآن بطعنٍ أو تحريف ـ عدم ذكر الرسول بتكذيب له أو ازدراء ـ ألا يصيبوا  مسلمة بزنا أو باسم نكاح ـ ألا يفتنوا مسلماً عن دينه أو يتعرضوا لماله أو دمه ـ ألا يعينوا أهل الحرب. وأما الشروط المستحبة فهي ستة أيضاً: ارتداء ملابس مخالفة للون ملابس المسلمين ـ ألا تعلو أصوات نواقيسهم أو قراءة كتبهم ـ ألا تعلو أبنيتهم فوق أبنية المسلمين ـ ألا يجاهروا بشرب الخمر وإظهار صلبانهم وخنازيرهم ـ أن يخفوا دفن موتاهم ـ أن يُمْنَعوا من ركوب الخيل .أنظر مثلاً: د. محمد عفيفي، الأقباط في مصر في العصر العثماني (الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة) 1992.

(7)القربى باشا هو وكيل وزارة الداخلية  في وزارة عبد الفتاح يحيى باشا (1934). والأخير رأس الوزارة وتولى فيها عدة وزارات فكان الأول وكيلاً لوزارة الداخلية وقائماً بأعمال الوزير.

(8) فُرِض على المصريين دفع جزية (ضريبة رأس سنوية) ديناران على كل رجلٍ بالغ (قُدِّر تعداد الرجال البالغين آنذاك 6 ملايين رجل فبلغت الجزية حوالي 12 مليون دينار ثم زيدت في عهد بن أبى سرح إلى 14 مليوناً) وفوق الجزية فُرِض على ملاك الأراضي ثلاثة أرادب قمح وقسطين من الزيت وقسطين من العسل وقسطين خل. وكان على المصريين أن يعطوا سنوياً لكل عربي جُبَّة من الصوف أو ثوباً قبطياً وخُفْيَن وبُرنُس أو عِمَّة وسراويل.

* وإن كان بعض الفقهاء يذكرون أن الخليفة عمر قد قبل الجزية من تغلب .

(9) ولفريد سكاون بلنت، التاريخ السريلاحتلال إنجلترا لمصر (المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2010) ترجمة صبري محمد حسن. ص 654.

(10) أبو سيف يوسف، الأقباط والقومية العربية. (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2011) .  ط2 .

(11) افتتح المؤتمر ميخائيل فانوس المحامى بالفيوم بكلمة جاء فيها “من الظلم تسميتهم بأنهم عنصرين فليست العقائد هيالتي عليها الأساس بل الجنسية”. وحمل على من يمزج السياسة بالدين ويتخذ الدين أساساً للرابطة السياسية. وجاء في كلمة توفيق دوس “من المضر جداً بكيان الأمة المصرية أن يطلب الأقباط  من وظائف الحكومة  نصيباً يوازى نسبتهم العددية، فإن هذا يستلزم أن يتربع في المناصب العليا قوم غير أكفاء لا لعلة إلا لكونهم أقباطاً  (…) فإذا كان يهوديمصري هو الأكفأ تعين تقديمه على المسلم والقبطي خدمة للجميع  (…) فليس من شأن وظيفتي أن أكون مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً، بل كل شئون وظيفتي مدنية محضة”. طارق البشرى. المسلمون والأقباط  في إطار الجماعة الوطنية. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1980..

(12) البيان الختامي للمؤتمر المصري كما جاء في: طارق البشرى، المسلمون والأقباط.

(13)عفاف لطفي السيد، تجربة مصر الليبرالية 1922 ـ 1936، ترجمة عبد الحليم سليم. القاهرة، المركز العربي للبحث والنشر، 1981.

(14)طارق البشرى. م. س ـ ص 391.

(15) لمزيد من التفاصيل يرجى مراجعة طارق البشرى، المسلمون والأقباط، ص ص (559 ـ 578).

(16) كارل ماركس، حول المسألة اليهودية (كولون ـ ألمانيا، منشورات الجمل، 2003) ترجمة د. نائلة الصالحى.

(17)أصبحت مصر عضواً فيناديالسفاريالذي ضمها مع السعودية والمغرب وإيران الشاة بإشراف المخابرات الأمريكية والفرنسية لمناهضة حركات التحرر تحت زعم مناهضة المد الشيوعيفي أفريقيا والعالم.

(18) تبدى ذلك في مظاهرات الاحتجاج على أحكام الطيران في فبراير 68 وما تبعها من مظاهرات في نوفمبر بدأت في المنصورة وامتدت للإسكندرية.

(19) توافق واشنطون 1989 Washington Consensusوكانت التوصيات التي طرحت في حينه كالآتي :

  1. سياسة الانضباط المالي وتقليص الإنفاق.
  2. إعادة توجيه الأنفاق العام من الدعم العشوائي إلى الاستثمار في البنية التحتية.
  3. الإصلاح الضريبي بمعنى توسعة القاعدة الضريبية بشكل معتدل.
  4. منح الأسواق حرية تحديد الأسعار بحيث تكون أعلى من نسبة التضخم.
  5. تحرير قطاع التجارة مع التركيز على مبدأ القضاء على القيود الكمية كمنح التراخيص والامتيازات.
  6. تحرير تدفق الاستثمارات الأجنبية.
  7. خصخصة مؤسسات الدولة.
  8. تحرير وإلغاء اللوائح والقوانين التي تعوق دخول الأسواق أو تقيد المنافسة.
  9. سعر صرف العملة يكون مناسباً ويعكس القوة الاقتصادية.
  10. مراعاة قوانين وحقوق تملك الأراضي.

(20)الدولالهشةهي الدول التي لم تكمل بناء الدولة الوطنية على أساس المواطنة المفارقة لمكونات المجتمع المختلفة (الدينية والعرقية والجندرية) سواء على المستوى الدستوري أو القانوني أو المستوى المؤسسي، وبقيت تعرف نفسها على أساس هوياتى: المادة الثانية في الدستورمثلاً، وبالتالي لم تنجح أبداً في دمج مكوناتها المختلفة.والمجتمعات الأكثر هشاشة هى المجتمعات التي بقيت على وشائج  قروسطية (العائلة ـ القبيلة ـ الطائفة ـ العرق ـ المنطقة .. الخ) تُدار على أساسها العلاقات (السياسية ـ الاقتصادية ـ القانونية ـ الاجتماعية) وتتحكم بها، دون أن تستطع دمج هذه المكونات وأبقت على تمييز ما  بينهم. بل أن هذه المكونات تتغلغل مؤسسات الدولة الهشة وتديرها على أساسها فتغذى التمييز. ليس فقط بالإقصاء و‘نما أيضاً بالتشريع أو بتعطيل التشريع مثل الموقف من البهائيين والشيعة في مصر بعد تَسَلُف الدولة (جيش وشرطة وعدالة وأزهر) والإخوان…  والمنطقة حافلة بالنماذج الاجتماعية المستبعدة، من أمازيغ المغربالعربيإلى أكراد العراق وتركيا، ومن أعراق وديانات السودان إلى فسيفساء العراق وسوريا ولبنان..الخ.

(21) لم يتطور فيأي من الطائفتين الدينيتين ما يشابه لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية.

(22) ولفهم طبيعة ومآل هذا الوضع الملتبس نعيد اقتباس طارق البشرى:

“من الطبيعي لحاكم مصر الذي يريد الاعتماد على الدين لدعم سلطته السياسية المنفردة أن يعتمد في ذلك على الإسلام (…) بهذا المنطق لا تصلح المسيحية ولا الأقباط ولا كنيستهم دعامة للحكم الدينى. ولا يصلون في ظل هذا الحكم لأكثر من كونهم ملة من الملل المحكومة حتى لو شاركوا في الحكم أو أُستعين بهم فيه. ومهما كانت درجة ما يكفل لهم من المساواة في التعامل فإن المسيحية والكنيسة وفكرهما تظل بعيدة كلها عن المساهمة في الشرعية السياسية التي يستمد منها الحاكم وجوده. ويظل أهل الملة محكومين بشرعية آتية عليهم من خارج فكرهم المللى. ويظلون أهل ذمة عهدهم على الحكومة الإسلامية أن تحميهم في أرواحهم وأرزاقهم وحرياتهم بشرط أن يكونوا مسالمين لها مؤدين لضرائبها وفروضها. وهم وشأنهم بعد ذلك في أمور دينهم. ينفذون أحكامهم الملية فيما بينهم كجماعة رعوية محكومة ويمارسون ديانتهم ويطبقون شرائعهم فيما بينهم بواسطة مؤسستهم الملية”.( البشرى، م.س. ص 391 )

(23) هناك خلط  شائع بين الحريات العامة والخاصة وبين الديمقراطية. فالأولى تشمل الحريات الشخصية وحرية الفكر والاعتقادوالتعبير.. الخ إلى حرية التنظيم. أما الثانية فتضمن حرية دخول مكونات المجتمع المختلفة (الطبقات، الشرائح الاجتماعية، المهن، الحِرَف .. الخ) عبر تنظيماتها المختلفة (أحزاب، نقابات، جمعيات، روابط .. الخ) في حوار لتنظيم المصالح المختلفة والمتعارضة وتحقيق نقطة توازن ما تتغير دائماً بتغير الظروف وذلك بديلاً عن الصراع الاجتماعيالذي قد يتحول لاضطرابات أو لصراع مسلح.

(24) لم أشأ التوقف عند عشرات التفاصيل مثل خانة الديانة في بطاقة الهوية ورفض إصدار بطاقات لبعض المواطنين مثل البهائيين وموقف الكنيسة من هذه القضايا. فهذه أصبحت من نوافل القول.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

معترك جديد

أحمد ماهر

العِميان

بسمة عبد العزيز

الفصل الخامس من كتاب (رأسمالية الزومبي) يمثل الإنفاق العسكري شكلا خاصا من أشكال الهدر الذي يمكن أن يقبله الرأسماليون المنتمون لدولة ما، لأنه يعزز من قدرتهم على الصراع مع رأسماليي الدول الأخرى. ويُعتبر هذا الإنفاق مفيدا بالنسبة لمجموعات رأس المال المستندة إلى أساس قومي، بالرغم من أنه يؤدي إلى إهدار الموارد بالنسبة للنظام ككل.

كريس هارمان

لا… إسرائيل ليست ديمقراطية ليست إسرائيل الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. إنها، في الحقيقة، ليست ديمقراطية على الإطلاق.

إيلان بابيه