العلم التركي يرفرف في عفرين

قراءات, قضايا

22  مارس  2018

في الخطاب الحماسي الذي أعلن فيه استيلاء الجيش التركي على مدينة عفرين السورية يوم الأحد الماضي، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن «أعلام تركيا والجيش السوري الحر ترفرف هناك حالياً» (نقلاً عن حساب الرئاسة التركية على تويتر). ومن الملفت للانتباه أن الرئيس التركي وصف علم النجوم الثلاث، الذي كان علم سوريا الرسمي إلى أن غيّره حافظ الأسد عام 1980 وقد استعادته المعارضة السورية علماً للثورة، من الملفت للانتباه إذاً أن أردوغان وصفه لا بعلم سوريا الحرة، ولا حتى بعلم الثورة السورية، بل بعلم «الجيش السوري الحر».
والحال أن الرئيس التركي تخلّى عن الثورة السورية قبل عامين في منعطف خطير أدّى به إلى الانبطاح أمام فلاديمير بوتين، بعد شهور من التحدّي، والانضمام إلى الثلاثي الذي غدت موسكو تديره مذّاك في سوريا والذي تشكّل إيران طرفه الآخر. ذلك أن أردوغان، ولأسباب انتخابية شرحناها أكثر من مرة على هذه الصفحات، قرّر الانتقال من صانع للسلام في تركيا وبعد سنوات عديدة من هدنةٍ مع الحركة الكردية نعمت بها بلاده، قرّر الانتقال إلى موقع التعصّب القومي التركي. فأعاد شنّ الحرب على الحركة الكردية في تركيا وهو يدخل في تحالف مع «حزب الحركة القومية»، حزب أقصى اليمين التركي. وقد وصلت دغدغة أردوغان لمشاعر اليمين التركي المتطرّف إلى حد رفع أصبعيه في إشارة الذئب الخاصة بجماعة «الذئاب الرمادية»، وهي جماعة فاشستية بمثابة ذراع ضاربة لدى «حزب الحركة القومية». كان ذلك خلال خطاب ألقاه الرئيس التركي يوم العاشر من الشهر الجاري، وقد أثارت حركته تلك ضجة كبيرة.
ومنذ انعطافه القومي المتعصّب، باتت استراتيجية أردوغان في سوريا مرتكزة ليس على دعم المعارضة السورية في كفاحها ضد نظام آل الأسد، بل على محاربة الحركة الكردية السورية التي يقودها «حزب الاتحاد الديمقراطي» وثيق الارتباط بشقيقه الأكبر في تركيا، «حزب العمال الكردستاني». ويعلم الجميع كيف انتهز الحزب الكردي السوري فرصة الحرب في سوريا كي يؤسس أقاليم إدارة ذاتية تحت هيمنته في مناطق الانتشار الكردي في شمال سوريا، وهي محاذية للحدود مع تركيا بحكم تواصلها التاريخي مع أراضي كردستان الواقعة تحت سيطرة الدولة التركية. وفي معركته الجارية، يسخّر الجيش التركي جماعات من المرتزقة العرب والتركمان يعملون تحت تسمية «الجيش السوري الحر»، وقد تميّز أنفارهم مؤخراً بأعمال النهب المخزية التي قاموا بها في عفرين والتي رأى أعلام من المعارضة، كالرئيسين السابقين للمعارضة السياسية السورية خالد خوجة وعبد الباسط سيدا والناطق باسم «جيش الإسلام» محمد علّوش، أنه لا بدّ من إدانتها علانية.
والحقيقة أن الفصيل السوري المرتزق لدى تركيا بات وصمة عار على سمعة الثورة السورية وعلَمها، ناهيكم من تسمية «الجيش السوري الحر». فإنه أداة طيّعة لاحتلالٍ للأراضي السورية يرفع خلاله المحتلّون علَم دولتهم فوق مقرّ السلطة المحلّية، وقد يكون التصرّف الأول من نوعه منذ الاحتلال الصهيوني للجولان قبل أكثر من نصف قرن. فلا إيران ولا روسيا ولا أمريكا رفعت أعلامها فوق المباني الرسمية السورية مثلما فعلت القوات التركية عند احتلالها لمدينة عفرين. والعبرة جليّة تماماً، لاسيما وأن منطقة عفرين محاذية للواء إسكندرون الذي اقتطعه الاستعمار الفرنسي من سوريا وأهداه لمصطفى كمال، مؤسس الجمهورية التركية، في سنة 1939.
هذا وقد أعلن أردوغان يوم الإثنين الماضي، في خطاب آخر من خطاباته القومية الحماسية التي باتت شبه يومية، أنه مزمع على السيطرة على مجمل الشريط الحدودي حتى القامشلي، وقد بات اليوم يسيطر على كامل شطره الغربي من حدود لواء إسكندرون السابق إلى حدود منطقة منبج. ويزيد من خطورة الاحتلال التركي للأراضي السورية عاملان بارزان، أولهما أن الأراضي السورية التي تحتلها تركيا محاذية لأراضيها مثلما هو الجولان للأراضي التي استولت عليها الدولة الصهيونية عند نشأتها، وخلافاً لحالة الاحتلالات الثلاثة الأخرى، الإيراني والروسي والأمريكي.
وهذا يعني أن احتمال استمرار الاحتلال التركي في الأمد الطويل، بشكل مباشر أو نصف مباشر (على غرار تجربة «جيش لبنان الجنوبي» الذي قاده عميل إسرائيل أنطوان لحد) مقلقٌ للغاية. والعامل الثاني أن تركيا تُبدي نيّتها «تعريب» (و«تتريك») مناطق الشريط الحدودي على نسق «التعريب» الذي نفّذه جناحا «حزب البعث» في مناطق سوريا والعراق الكردية. وبذلك تحقق الدولة التركية هدفين بعملية واحدة: تتخلّص من اللاجئين السوريين المتواجدين في الأراضي التركية وتقضي على الكثافة الكردية على حدودها.
أخيراً لا بدّ في صدد الحديث عن عفرين من أن نحيّي قرار «حزب الاتحاد الديمقراطي» سحب «وحدات حماية الشعب» التابعة له من مدينة عفرين، بعد إجلاء قسم كبير من المدنيين، وذلك تفادياً لأن يحلّ بالمدينة ما يحلّ الآن بالغوطة الشرقية من مجزرة ودمار يجري ارتكابهما تحت إشراف الشريكين الإيراني والروسي لتركيا في تقاسم سوريا. فهو قرار حكيم، ويتلاءم مع درس بديهي لفنّ القتال يقضي بالانسحاب والانتقال إلى «حرب العصابات» عند مواجهة تفاوت كبير بالإمكانيات العسكرية مع المعتدي. هذا لا يعني بتاتاً السكوت عن الإجراءات التسلّطية التي مارسها «حزب الاتحاد الديمقراطي» في مناطق سيطرته، لكنّ الإنصاف واجبٌ والحقّ يُقال، فليس من فصيل بين كبرى فصائل المعارضة المسلحة السورية تميّز بالديمقراطية واحترام حقوق الأقليات، ومن المؤكد أن الحزب الكردي ليس أسوأها.

نشر في موقع: القدس العربي

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة