مأزق الأقباط ومأزق مصر “4 من 4”

قراءات, قضايا

22  مارس  2018

مأزق الأقباط ومأزق مصر:

كما أوضحنا: منذ بداية الدولة الوطنية فى عهد محمد على  فى القرن 19، وُضِعَت المسألة القبطية، على نحوٍ أو آخر على أجندة المجتمع المصرى. بدأت بإصلاحات دولتية ثم تبنتها قوى إجتماعية على استحياء وبشكل أقل من أن يكون حتى إصلاحياً، لكن ..

منذ ثلاثينات القرن الماضى بدأ التراجع عن الإصلاحات الدولتية الضئيلة التى تمت فى المسألة القبطية وإنحسرت القوى الإجتماعية المؤيدة للإصلاح، ثم كان إنقلاب يوليو 1952 هو قمة هذا التراجع بمصادرته للمجال العام وإعادته الأقباط إلى أقلية دينية غير مندمجة فى المجتمع إلا عن طريق الدولة التى حددت لها كوتة. لكن الأمور بدأت تأخذ منحى آخر فى عهد السادات لأسباب عددناها.

وفى ختام الثلث الأول من عهد مبارك، مع العولمة والنيوليبرالية، تحولت المسألة القبطية إلى مأزق:

فالمؤسسات والحركات الدينية الإسلامية والمسيحية (بحكم طبيعتها ودورها التاريخى وتقديسها للملكية الفردية) ليست ضد جوهر العولمة على الإطلاق (السياسات الإقتصادية/ الإجتماعية: تحرير الأسواق، الخصخصة، الإندماج فى الإقتصاد العالمى.. إلخ)(1)، ولا ضد ما تؤدى إليه من إفقار موسع، مع تعويض يسير للمُفَقَّرين بأعمال خيرية تتيح التغلغل والسيطرة. إذ أن كل فراغ تتركه الدولة تتقدم قوة ما لملئه، ولم يكن هناك أجهز من القوى الدينية التى تقدمت بفائضها المالى لملئه مصطحبة معها أيديولوجيتها وبرنامجها.

لكن العولمة تعنى أيضاً إجتياحاً ثقافياً سواء بسبب الإندماج الكامل فى الإقتصاد العالمى، أو وسائل الإتصال الحديثة التى تيسر الإتصال وتقلص قدرة الأنظمة والمؤسسات على الرقابة والتحكم.

وإزاء ذلك، يصرخ المسلمون (مؤسسات وحركات وتيارات) صباحاً مساءً أن الإسلام مستهدف من الغرب المسيحى. أى أنهم مع العولمة وضد نتائجها على أحد مستويات الثقافة؛ مع العولمة وضد نتائجها على أساس هوياتى. وبرنامجهم لحل هذا التناقض بسيط، وهوإقامة دولة إسلامية تُشَيِّد أسوارها بنفسها بما يمكنها من السيطرة على الأتباع.

وأصحاب توافق واشنطون ليسوا ضد هذا الإتجاه إطلاقاً بل هم يشجعونه خاصةً أن الإسلاميين ليسوا ضد أى من بنود توافق واشنطون. هذا هو حدود “السؤال” الإسلامى وحدود حله.

أما المسألة القبطية فقد تحولت إلى مأزقٍ شديد التعقيد، وحله هو على نقيض حل مسألة الإسلاميين!!

فالكنيسة أيضاً ضد العولمة على أساس هوياتى، فهى تخشى إجتياح الغرب الكاثوليكى/ البروتستانتى الكافر لشعب الكنيسة الأرثوذوكسى المؤمن. وهى أيضاً تريد أسواراً للحماية ضد الإجتياح الثقافى (التبشيرى)، كما تريدها لتظل هى ممثلة الأقباط لدى الدولة كما سبق التوضيح.

كما أن أن ميل الكنيسة للسيطرة على أتباعها مرتبط بداهةً وموضوعياً بمناهضة الكنيسة للعلمانية. وهذا هو بداية المأزق القبطى. فالكنيسة المناهضة للعلمانية ـ مثل الإسلاميين ـ تريد دولةدينية تقبض فيها على “شعب” الكنيسة وتكون ممثلته لدى الدولة.

أى أن الكنيسة مع العولمة وضد العلمانية وتريد دولة دينية ستصبح فيها أقلية، وفى نفس الوقت تنتظر أن يُسْمَحُ للأقباط بحرية الإعتقاد والعبادات وبناء الكنائس ..إلخ. أى المساواة مع إمتيازات الأغلبية الدينية بعدما ساهمت فى جعل أتباعها أقلية.

لكن هيهات منها ذلك، إذ أن أى، وكل، دين يُعَرِّف نفسه فى مواجهة دين آخر هو بالضرورة كافر؛ وبالتالى فلا مجال لأغلبية دينية مسيطرة ـ فى دولة دينية ـ أن تساوى نفسها بأقلية كافرة. كما أن التراثالمحرم ـ السابق ذكره ـ والذى تم استدعاؤه بقوة للمشهد يمنع ذلك، بل يحَرِّمه.

الكنيسة إذن تسهم فى إشعال النار تحت قِدْرٍ موضوع فيه الأقباط ثم تصرخ أنهم يحترقون!!

فالكنيسة والدولة والإسلاميون متفقون على عزل الأقباط داخل الكنيسة على أن تكون الأخيرة هى ممثلتهم والمتحدثة بإسمهم لدى الدولة. يتبدى هذا مثلاً فى إحتجاجات الأقباط: فأياً ما كان الحدث وأسبابه ومكانه، يُسْمَح للأقباط  أن يتجمهروا ويحتجو، بل ويتظاهروا داخل أو أمام الكاتدرائية (ممثلتهم)، و ألا يتظاهروا أمام مؤسسات الدولة المعنية (رئاسة الجمهورية، البرلمان، مجلس الوزارء …الخ). فهذا غير مسموح لهم به. فالكنيسة فقط هى المخولة بالإتصال بالدولة. والمرة الوحيدة التى خالف فيها الأقباط هذا القانون كان عقابهم شديداً (أحداث ماسبيرو). إذ أنهم أقلية دينية وعليهم أن يقدموا احتجاجاتهم لمؤسستهم وليسوا مواطنين ليحتجوا أمام مؤسسات الدولة.

و هنا بالضبط، فى هذا الوضع الذى يُنْزَعُ فيه عن القبطى والمسلم مواطنيته لتحل محلها الهوية الدينية، يكتمل فشل الدولة الوطنية ومأزق الأقباط؛ فهنا يتحول الأقباط وبشكلٍ نهائى إلى أقلية دينية ينظم شئونها “التراث المحرم”.

إذن، كان الإصلاح فى الشأن القبطى دولتياً منذ عهد محمد على. كما كان التراجع عن هذا الإصلاح، منذ عشرينات القرن الماضى دولتياً أيضاً والذى كانت يوليو 52 ذروته. لكن منذ هزيمة 1967 بدأ تفسخ الدولة وتحللها عبر مراحل عديدة حتى وصلنا للعولمة التى تُقْصِرُ دور الدولة على الأمن ومنع الهجرة غير الشرعية دون رؤوس الأموال.

وبالعولمة، يزداد مأزق الأقباط تفاقماً بتفسخ المجتمع؛ فلم تعد هناك طبقة متماسكة لديها مشروع ديموقراطى تكون فيه المواطنة والمساواة على رأس أولوياته بما يستتبعه ذلك من نقد للتراث المحرم ولمجمل مشروع الدولة الوطنية: فالبرجوازية مندمجة فى السوق العالمى يسودها الإقتصاد التجارى والريعى، وأصبحت تنظر لسوقها فقط كشريك أو وكيل لنهبها ولم يعد الوطن من ضمن أولوياتها، بله المواطنة. مجرد سوق وزبائن للربح او النهب.  والطبقة الوسطى محافظة وينتابها فزع هوياتى ورعب من السقوط الإجتماعى  (يمكننا أن نجد إنعكاس ذلك فى النقابات المهنية مثلاً) وبعد 2011 انقسمت هذه الطبقة هوياتياً بينما زاد  رعبها الإجتماعى فأصبحت أكثر محافظة. والطبقة العاملة مفتتة وعاجزة عن السيطرة على نقاباتها التى تسيطر عليها الدولة بالحديد والنار، فهى عاجزة عن تحقيق مطالبها الفئوية وأكثر عجزاً عن تجاوز مطالبها الفئوية إلى مشروع لوطن ديموقراطى يكون أساسه المواطنة والمساواة بين جميع مواطنيه.

إن أكثر من ستين عاماً من مصادرة المجال العام حطمتـ أو كادت ـ مؤسسات المجتمع المدنى (من النقابات والجمعيات والروابط الى الاحزاب وحتى الأندية) فلم يعد يُسْمَع سوى صوت بعض منظمات حقوقية وبعض الأفراد بينما خطاب الأقباط أنفسهم ملتبس بطلب الحرية والمساواة فى دولة دينية!! فى الوقت الذى تزداد أشباح التسلف الذى يحَرِّم حتى تهنئة الأقباط بأعيادهم. والمفارقة أن كلاً من الكنيسة والسلفيين حلفاء للدولة حتى الإلتصاق(2).

ورغم أن لأى ظاهرة أجتماعية وجود نسبى (مسار وتطور خاص بها) مشروط بالشروط الموضوعية للمطلق (المجتمع). أى بتركيب المجتمع ومساره وتطوره فى لحظة تاريخية ما. إلا أن المسألة القبطية أصبحت والمأزق المصرى سيان، إذ تكاد تتلاشى الحدود بين النسبى والمطلق. فالمأزق القبطى أصبح هو ذاته مأزق مصر!!

فشروط حل المسألة القبطية مرهونة بخروج المجتمع المصرى مما هو فيه. بينما يعانى المجتمع والدولة، منذ عقود، من تحللٍ وتفسخٍ لايمكن توقع مآلاته. ويتصور البعض أن القبضة الأمنية كفيلة بوقف وتيرة التحلل بينما هى فى الحقيقة تزيده تسارعاً. إذ أن حرمان السكان من تنظيم أنفسهم بحرية يمنع الشرائح والطبقات والطوائف من تنظيم أنفسهم وإدراك مصالحهم والتجمع حولها وتنظيمها وترتيبها والتفاوض الإجتماعى عليها ومن ثم تكوين وطن(3)، بينما القمع يحوِّل السكان إلى محضأفرادٍ تائهين مما يجعلهم يحتمون بروابط ما قبل الدولة فيزداد تفسخ المجتمع ويزداد الإبتعاد عن الوطن والدولة والمواطنة.

 كما أن، وبرغم القبضة الأمنية، فإن الدولة (المتقلصة) أضعف من أن تقود مجتمعاً (وبالتالى فمن المستحيل تكرار مشروع محمد عليأو عبد الناصر، ناهيك عن أن الظروف متغيرة جذرياً) ، بينما الغرض الأساس للقبضة الأمنية هو حماية السياسات (النيوليبرالية) التى تساهم مباشرة فى مزيدٍ من التفسخ والتحلل. أى حماية التفسخ والتحلل الإجتماعي.

والحال هكذا، أصبح النضال ضد تحلل المجتمع والدولة، أى النضال ضد الإستبداد والنيوليبرالية، شرطاً موضوعياً لتحقق الشروط الخاصة بالنسبى، أى أصبح لزاماً على الأقباط الإلتحاق بحركة المجتمع المدنى ومؤسساته (أحزاب، نقابات، روابط .. إلخ) فى نضالها من أجل الديموقراطية والتنمية المستقلة كشرط ـ ضمن شروط لإقامة دولة علمانية لكل مواطنيها. أى الخروج من أسر الكنيسة والإندماج فى المجتمع المدنى كمصريين أولاً، والكف عن أن يكونوا أقباطاً اولاً، والكف عن الإصرار على التحول لأقلية دينية حاصرة مطالبها فى المساواة مع الأغلبية الدينية ..

إن الحرية لم تكن أبداً منحة من أحد. وحرية الأقباط لن تتأتى إلا بنضالهم من أجل وطن حر ديموقراطى ودولة مفارقة للأديان والملل والأعراق، دولة لكل مواطنيها(4) وليست دولة دينية سيكونوا أول ضحياها.

____________________________________

(1) لم يتطور فى أى من الطائفتين الدينيتين ما يشابه لاهوت التحرير فى أمريكا اللاتينية .

(2) ولفهم طبيعة ومآل هذا الوضع الملتبس نعيد إقتباس طارق البشرى :

“من الطبيعى لحاكم مصر الذى يريد الإعتماد على الدين لدعم سلطته السياسية المنفردة أن يعتمد فى ذلك على الإسلام ( … ) بهذا المنطق لا تصلح المسيحية ولا الأقباط ولا كنيستهم دعامة للحكم الدينى. ولا يصلون فى ظل هذا الحكم لأكثر من كونهم ملة من الملل المحكومة حتى لو شاركوا فى الحكم أو أُستعين بهم فيه. ومهما كانت درجة ما يكفل لهم من المساواة فى التعامل فإن المسيحية والكنيسة وفكرهما تظل بعيدة كلها عن المساهمة فى الشرعية السياسية التى يستمد منها الحاكم وجوده . ويظل أهل الملة محكومين بشرعية آتية عليهم من خارج فكرهم المللى. ويظلون أهل ذمة عهدهم على الحكومة الإسلامية أن تحميهم فى أرواحهم وأرزاقهم وحرياتهم بشرط أن يكونوا مسالمين لها مؤدين لضرائبها وفروضها. وهم وشأنهم بعد ذلك فى أمور دينهم. ينفذون أحكامهم الملية فيما بينهم كجماعة رعوية محكومة ويمارسون ديانتهم ويطبقون شرائعهم فيما بينهم بواسطة مؤسستهم الملية ” .( البشرى ، م.س. ص 391 )

(3) هناك خلط  شائع بين الحريات العامة والخاصة وبين الديموقراطية. فالأولى تشمل الحريات الشخصية وحرية الفكر والإعتقاد والتعبير .. الخ إلى حرية التنظيم . أما الثانية فتضمن حرية دخول مكونات المجتمع المختلفة ( الطبقات ، الشرائح الإجتماعية ، المهن ، الحِرَف .. الخ ) عبر تنظيماتها المختلفة ( أحزاب ، نقابات ، جمعيات ، روابط .. الخ ) فى حوار لتنظيم المصالح المختلفة والمتعارضة وتحقيق نقطة توازن ما تتغير دائماً بتغير الظروف وذلك بديلاً عن الصراع الإجتماعى الذى قد يتحول لإضطرابات أو لصراع مسلح .

(4) لم أشأ التوقف عند عشرات التفاصيل مثل خانة الديانة فى بطاقة الهوية ورفض اصدار بطاقات لبعض المواطنين مثل البهائيين وموقف الكنيسة من هذه القضايا . فهذه أصبحت من نوافل القول .

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. Abdo soliman

    شكرا جزيلا ياستاذ جمال علي دراستك القيمه، و ربما نحظي بمزيد منها في صورة اوسع لان الدراسه الحاليه كثيفه . تعريفك للمأزق القبطي بؤرة للمأزق المصري منظور متفرد لم يسبق تقديمه ،في حدود علمي،

موضوعات ذات صلة

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة ليست السطور التالية مقالا تقليديا عن الطائفية وأسبابها، بل هي مزيج من تأملات وانطباعات ذاتية، وقراءة من وجهة نظر علم النفس وعلم الاجتماع، وتلخيص لنقاشات موسعة داخل الحركة الديمقراطية، أتمنى أن تكون مفيدة في إثراء النقاشات حول الموضوع.

سالي توما