مأزق الأقباط ومأزق مصر “3 من 4”

قراءات, قضايا

21  مارس  2018

يوليو 1952: إستعارة برامج الفترة “الليبرالية”!!

لاينبغى الإلتفات كثيراً إلى علاقة “الضباط الأحرار” بالإخوان المسلمين أو بغيرها من التنظيمات الأخرى قبل الإنقلاب، وإنما يجب الإلتفات، إلى والتركيزعلى سياسات يوليو التى صاغت وحكمت وضعية الأقباط.

منذ اللحظة الأولى عمد الإنقلابيون إلى مصادرة المجال العام وإغلاقه؛ وطبقوا شعار مصر الفتاة السابق ذكره: شعب واحد، ملك واحد، حزب واحد؛ فألغوا الأحزاب وأسسسوا الحزب الواحد “هيئة التحرير” يناير 1953 الذى هو “أداة لتنظيم قوى الشعب وإعادة بناء المجتمع على أسس جديدة”، والذى سيتحول للإتحاد القومى فى ديسمبر 57 ثم للإتحاد الإشتراكى فى 1962، وعطلوا البرلمان ثم أعادوه مُسَيَطَراً عليه تماماً وعلى وكل مؤسسات الدولة ثم أمموا كل شئ من الإقتصاد الى الإعلام.

بعد مصادرة المجال العام وإغلاقه وهيمنة القمع، وبديلاً عن الإفراز الطبيعى للكفاءات المُخْتَبَرة الذى يوفره مجال عام مفتوح، لجأ نظام يوليو إلى فرض حِصة (كوتة) للأقباط لتمثيلهم فى المؤسسات (الوزارة، الحزب، البرلمان .. الخ)، ومن ثَمَ عادت الكنيسة لتلعب دور الوسيط بين “شعب الكنيسة” والدولة، فأُجْبِرَ الأقباطُ  إلى مزيدٍ من الإنكماش داخل أسوار الكنيسة بعد إنكماشهم منذ العشرينات وبالأخص بعد1936. وعادوا إلى وضع الرعايا الذين تمثلهم الكنيسة لدى الدولة. مما أعاد الأقباط إلى نقطة الصفر إلا قليلاً (ما قبل محمد على بإستثناء الجزية). وكانت “الكوتة” من المقترحات الطائفية للأحرار الدستوريين فى صراعه مع الوفد كما سبق التنويه.

ثم بدأت علامات الدولة الإسلامية الناصرية تتوالى مثل جامعة الأزهر (1961) التى قيضت للمصريين المسلمين مزايا لا يستفيد منها الأقباط، أو إذاعة القرآن (مارس 1964) وإنحسار تولى الأقباط للمناصب القيادية .. الخ.

فى هذا السياق (دور الكنيسة كممثل للأقباط لدى الدولة) تأتى حماسة نظام يوليو لبناء الكاتدرائية الجديدة فى العباسية وتبرع الدولة بمبلغ مائة ألف جنيه. هكذا دون أدنى نقد أو إلتفات للخط الهمايونى أو لشروط القربى اللذين يقيدان بناء دور العبادة القبطية.

وفى هذا السياق أيضاً حضر جمال عبد الناصر شخصياً إحتفال وضع حجر الأساس وجاء فى كلمته التى ألقاها أن “بناء الدولة قائم على المحبة التي تربط بين عنصريّ الأمة”. ولا ذِكْر للمواطنة بالطبع.

السادات: تكالبت النصالُ على النصالِ..!!

منذ اللحظة الأولى أطلق السادات على نفسه لقب الرئيس المؤمن.

كان وصول السادات للحكم تكليلاً لإنتصار الجناح اليمينى فى دولة يوليو. ذلك الجناح الذى انخرط فوراً فى الإستراتيجية العالمية للأمريكان التى قررت التوسع فى الإعتماد على الإسلاميين للتصدى لما أسموه بـ “المد الشيوعى”(1). وفيما بعد، ستكون أفغانستان حالة التجلى الأظهر لهذه الإستراتيجية.

وفى الداخل، قرر السادات أن يعتمد على التيار الإسلامى للتصدى لليسار؛ فلم يكتفِ بفتح المجال أمامهم ـ مع تكبيل اليسار ـ بل أنه قام بتمويلهم وإقامة معسكرات لهم وتدريبهم عسكرياً  كما فعل محمد عثمان محافظ أسيوط أوائل السبعينات.

بيد أن الأسباب السابقةكانت محض أسباب ثانوية/ قرارات فوقية، ولم تكن ليُقَيَضُ لها هذا التأثير الهائل لولا أسباب أخرى أعمق شَكَّلَت حاملا إجتماعياً/ إقتصادياً وسياسياً أعطت للقرارات السابقة زخما وفاعلية:

ـ تعرضت الدولة المسيطرة لهزتين كبيرتين. الأولى كانت هزيمةيونيو67(2) والثانية كانت قرارات الإنفتاحالإقتصادى74 التى دشنت بدء إنسحاب الدولة من الإقتصاد والخدمات.

وإذا كانت الدولة هى المتحكمة فى الشأن القبطى كما رصدنا، فقد كانت أيضاً الضمانة الوحيدة الباقية لتماسك المجتمع خاصة بعد مصادرتها للمجال العام وسيطرتها على كل مؤسسات المجتمع المدنى، لذلك شكلت هاتان الهزتان بدء تفسخ المجتمع وتحلله، مما عنى تراجع مكوناته (خصوصاً مع انهيار مؤسسات المجتمع المدنى) إلى ما قبل الدولة الوطنية، وإرتدادها إلى وشائجها القرابية الأولى: الدين، الملة، العائلة، القبيلة، الطائفة .. الخ.

هكذا إزدادت الحركات الإسلامية زخماً وإزداد إنسحاب الأقباط نحو الكنيسة إن بفعل العامل السابق أو بفعل إزداياد ضغوط الإسلاميين.

ـ شكلت الهجرة للنفط بالإضافة إلى ما صاحب الإنفتاح الإقتصادى من مضاربات إعتماداً متزايداً على الإقتصادالريعى، وما يصاحبه من نزوع للغيبيات والتدين بشكل عام مما أعطى زخماً إضافياً للحالة الدينية على الطرفين الإسلامى والمسيحى معاً.

وهكذا تكالبت عوامل داخلية وخارجية لتخلق حالة احتقان طائفى ممتدة. تبدت تفاصيلها فى كل مناحى الحياة. لذا فلم تكن مصادفة أن بدأ عهد الرئيس المؤمن بالأحداث الطائفية فى الخانكة (نوفمبر 1972) وانتهى بأحداث الزاوية الحمراء (يونيو 1981) وكان السبب فيهما واحد: محاولة بناء كنيسة!! هذا فى الوقت الذى أصدر فيه الرئيس المؤمن قراراً بالإعفاء من الضرائب للمساكن التى تقيم تحتها مساجد!! فشهدت مصر عددا هائلاً من الزوايا أسفل العمارات. بينما ظل الخط الهمايونى وشروط القربى يتحكمان فى بناء الكنائس.

مبارك: العولمة تُعَمِّقُ الطائفية.

لم يحدْ النظام فى عهد مبارك عن سياساته فى عهد سلفه لا فى توجهه اليمينى العام (الذى أنتج 18 و19 يناير ثم كامب ديفيد) ولا فى تحالفه مع الإسلاميين.

ففى الوقت الذى دخل صداماً مع الفصائل الإسلامية المسلحة، إزداد تعاونه مع الفصائل الأخرى (إخوان وسلفيين) واستعان بهم فى البرلمان والإعلام والشارع لتبرير وتمرير سياساته اليمينية العولمية بإسم الشريعة (تحرير الأرض الزراعية، إيجارات المساكن، الخصخصة .. إلخ) مما أعطى الإسلاميين زخماً إضافياً لحاجة النظام لهم لضبط المجتمع المحتقن من تلك السياسات. كما شكَّل الفراغ الذى تركته الدولة بتخليها عن الخدمات فرصة للإخوان لملئه بتوظيف فائض أموالهم .. وهكذا تواجدوا وتوغلوا وانتشروا خاصة فى المناطق المهمشة فى الحواضر والأرياف مصطحبين معهم رؤيتهم لشكل الدولة والقانون والمواطنة.

فى عام 1989 صدر توافق واشنطون(3)، وفى العام التالى جاءت حرب الخليج الأولى ليدشنا بالحديد والنار ما سُمِى بـ “العولمة “. وأيضاً ليطلقا رؤية واشنطون بإحلال الإسلاميين محل النخب العسكرية وشبه العلمانية.

بالنسبة لموضوعنا، كانت العولمة (أو النيوليبرالية) تقليصاً لما تبقى من دور الدولة بإفقادها أى سيطرة على سوقها بخصخصة الشركات والمصانع  والخدمات (صحة وتعليم ..الخ) وفتح الحدود أمام حرية دخول وخروج رؤوس الأموال، وتقليص أو إلغاء الجمارك، وإطلاق حرية السوق فى تحديد الأسعار والشركات الدولية الإحتكارية (مونسانتو فى الزراعة مثلاً) والإندماج فى السوق الرأسمالى العالمى .. الخ.

مع تقلص سيطرة الدولة تقلص دورها التاريخى العابر للإثنيات والملل والنحل؛ وإزدادت وتيرة تحلل المجتمعات وعودتها إلى وشائجها ما قبل الدولة الوطنية.

هكذا إجتاحت العالم حركات ذات نزوع هوياتى على أسس عرقية أو طائفية.

وكانت الدول الهشة والمجتمعات الأكثر هشاشة(4)هى الأكثر عُرْضَة من غيرها لآثار العولمة وتفكيكها للمجتمعات.

ناهيك عن أن رأس المال المالى العالمى والإحتكارات الكبرى تُفَضِّل التعامل مع كيانات صغرى وكانتونات لا تملك من أمرها شيئاً فى مواجهة سياسات هذه الطغمة.

وكما استعرضنا من قبل، كانت مصر من تلك الدول الهشة والمجتمعات الأكثر هشاشة التى تقوم على التمييز والإستبعاد والإقصاء وعدم دمج المكونات على أساس المواطنة. تبدى ذلك فى كل مناحى الحياة فى مصر: من مناهج التعليم إلى الحريات الدينية إلى الإعلام إلى التمثيل فى مؤسسات الدولة وفق كوتة  .. إلخ.

حتى منظومة العدالة عُطِلَتْ عمداً وأُستُبدِلت بـ “جلسات صُلح” ليس فقط إمعاناً فى التمييز وتعطيل صدور أحكام بحق الجناة، وإنما أيضاً إعمالاً لقاعدة فقهية قروسطية: لا يؤخذ مؤمن بكافر. وبذلك أُعْلِن القضاء على محاولة تأسيس دولة مدنية حديثة متعالية على الدين والجنس والعرق وتساوى بين مواطنيها.

العولمة، بتقليصها للدولة، وسيادة الكومبرادور، والإقتصاد الريعى والخدمى والإستخدام الخارجى والداخلى للإسلاميين وللإحتقان الطائفى (ولو على سبيل الإلهاء والترويع) كانت هى الإطار العام الذى جاءت فى سياقه كل احداث العنف الطائفى منذ التسعينات (منذ الكُشح الأولى 1999) .

___________________________________________________

(1) أصبجت مصر عضواً فى نادى السفارى الذى ضمها مع السعودية والمغرب وإيران الشاة بإشراف المخابرات الأمريكية والفرنسية لمناهضة حركات التحرر تحت زعم مناهضة المد الشيوعى فى أفريقيا والعالم .

(2) تبدى ذلك فى مظاهرات الإحتجاج على احكام الطيران فى فبراير 68 وما تبعها من مظاهرات فى نوفمبر  بدأت فى المنصورة وامتدت للأسكندرية.

(3) توافق واشنطون 1989 Washington Consensusوكانت التوصيات التي طرحت في حينه كالاتي :

  1. سياسة الانضباط المالي وتقليض الإنفاق .
  2. إعادة توجيه الأنفاق العام من الدعم العشوائي إلى الاستثمار في البنية التحتية
  3. الإصلاح الضريبي بمعنى توسعة القاعدة الضريبية بشكل معتدل
  4. منح الأسواق حرية تحديد الاسعار بحيث تكون أعلى من نسبة التضخم
  5. تحرير قطاع التجارة مع التركيز على مبدأ القضاء على القيود الكمية كمنح التراخيص والامتيازات
  6. تحرير تدفق الاستثمارات الأجنبية
  7. خصخصة مؤسسات الدولة
  8. تحرير وإلغاء اللوائح والقوانين التي تعوق دخول الأسواق أو تقيد المنافسة
  9. سعر صرف العملة يكون مناسباً ويعكس القوة الاقتصادية
  10. مراعاة قوانين وحقوق تملك الأراضي

(4)الدول الهشة هى الدول التى لم تكمل بناء الدولة الوطنية على أساس المواطنة المفارقة لمكونات المجتمع المختلفة ( الدينية والعرقية والجندرية ) سواء على المستوى الدستورى أو القانونى أو المستوى المؤسسى، وبقيت تعرف نفسها على أساس هوياتى : المادة الثانية فى الدستورمثلاً ، وبالتالى لم تنجح أبداً فى دمج مكوناتها المختلفة.والمجتمعات الأكثر هشاشة هى المجتمعات التى بقيت على وشائج  قروسطية ( العائلة ـ القبيلة ـ الطائفة ـ العرق ـ المنطقة .. الخ ) تُدار على أساسها العلاقات ( السياسية ـ الإقتصادية ـ القانونية ـ الإجتماعية ) وتتحكم بها، دون أن تستطع دمج هذه المكونات وأبقت على تمييز ما  بينهم. بل أن هذه المكونات تتغلغل مؤسسات الدولة الهشة وتديرها على أساسها فتغذى التمييز . ليس فقط بالإقصاء وانما أيضاً بالتشريع أو بتعطيل التشريع مثل الموقف من البهائيين والشيعة فى مصر بعد تَسَلُف الدولة ( جيش وشرطة وعدالة وازهر ) والإخوان…  والمنطقة حافلة بالنماذج الإجتماعية المستبعدة ، من أمازيغ المغرب العربى إلى أكراد العراق وتركيا ، ومن أعراق وديانات السودان إلى فسيفساء العراق وسوريا ولبنان ..الخ.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة يعني هذا المقال بمحاولة تفسير وتوصيف الطائفية في المجتمع المصري، انطلاقا من مفهوم المواطنة كمشروع سياسي، يضمن المساواة التامة لجميع المواطنين في الحقوق .والواجبات بغض النظر عن المعتقد أو الطائفة، وبغض النظر عن الجنس أو العرق أو اختيارات المواطنين في حياتهم الشخصية

رامي صبري