مأزق الأقباط ومأزق مصر “2 من 4”

قراءات, قضايا

20  مارس  2018

4 ـ 1919 ـ 1952: تحولات عميقة تمهد لإنقلاب مستمر حتى اليوم!!

فيما يخص موضوعنا ، تثير الفترة بين 1919 و1952 الكثير من اللبس، لذلك سنتوقف عندها بقليل من التفصيل:

أولاً ـ 1919 الثورة المهزومة أعلى مراحل “التجاوز”.. !!

بإعتبارها ثورة وطنية (من أجل الإستقلال) ديموقراطية (من أجل الدستور وإعادة صياغة العلاقات بين المؤسسات، وبين الأخيرة  والمجتمع) كانت 1919 ثورة مهزومة؛ فلا إستقلالاً نالت ولا ديموقراطية حققت. وجاء دستور 1923 محتفظاً للملك بأهم السلطات: حق حل البرلمان ومن ثم إقالة الحكومة!!

لكن أهم ما يعنينا هنا أنه نَصَّ فى مادته 149 على أن الإسلام دين الدولة.

بيد أن أهم نتائج ثورة 1919، والتى يتفاخر بها الجميع حتى اليوم، كانت هى أخطرها وأسوأها، ونعنى بها تكريس شعار وحدة عنصرى الأمة؛ أى القفز فوق واقع كان فيه الأقباط ذميين حتى وقت قصير مضى.!! مما يعنى عملياً “تجاوز” ليس فقط مناقشة وضع الأقباط بصفتهم مواطنين فى دولة حديثة، بل أيضاً تجاوز مناقشة طبيعة الدولة المرجوة وعلاقتها بمواطنيها من ذوى الديانات والملل المختلفة. وهو ما أفضى إلى المادة 149. وهو ما سوف نعانى منه حتى اليوم.

كان هذا التجاوز نتيجة حتمية لطبيعة البرجوازية المصرية وعدم راديكاليتها. بينما جاءت المادة 149 نتيجة لوضع السراى الإستبدادى فى المجتمع. فمن المعروف أن الدستور الذى صدر عام 1923 كان مختلفاً إختلافاً شاسعاً عن المسودة التى أقرتها لجنة الثلاثين كما تقول “عفاف لطفي السيد” في كتابها “تجربة مصر الليبرالية 1922- 1936″، وإنما قبلته اللجنة فقط اعتقادًا منها أن دستورًا معيبًا خير من لا دستور، ولعلمها بأن الملك “فؤاد” كان علي استعداد لأن يقاتل للحفاظ علي امتيازاته ومن المحتمل أن تسانده بريطانيا فى ذلك(13).

وفى هذا الصدد يقول طارق البشرى”من الطبيعى لحاكم مصر الذى يريد الإعتماد على الدين لدعم سلطته السياسية المنفردة أن يعتمد فى ذلك على الإسلام ( … ) بهذا المنطق لا تصلح المسيحية ولا الأقباط ولا كنيستهم دعامة للحكم الدينى. ولا يصلون فى ظل هذا الحكم لأكثر من كونهم ملة من الملل المحكومة حتى لو شاركوا فى الحكم أو أُستعين بهم فيه. ومهما كانت درجة ما يكفل لهم من المساواة فى التعامل فإن المسيحية والكنيسة وفكرهما تظل بعيدة كلها عن المساهمة فى الشرعية السياسية التى يستمد منها الحاكم وجوده. ويظل أهل الملة محكومين بشرعية آتية عليهم من خارج فكرهم المللى. ويظلون أهل ذمة عهدهم على الحكومة الإسلامية أن تحميهم فى أرواحهم وأرزاقهم وحرياتهم بشرط أن يكونوا مسالمين لها مؤدين لضرائبها وفروضها. وهم وشأنهم بعد ذلك فى أمور دينهم. ينفذون أحكامهم الملية فيما بينهم كجماعة رعوية محكومة ويمارسون ديانتهم ويطبقون شرائعهم فيما بينهم بواسطة مؤسستهم الملية”(14).

من هذا المنطلق فرض الملك فؤاد وحلفاؤه (الإنجليز وجناح من البرجوازية والأزهر) المادة 149 على الدستور.

ومن هذا المنطلق أيضاً شهدت فترة العشرينات والثلاثينات “الليبرالية أعنف هجوم ليس فقط على ما تحقق على يد الدولة منذ عهد محمد على بل أيضاً على “التجاوز” البرجوازى الرافع لشعار وحدة عنصرى الأمة.

فى العشرينات:

فى مطالع القرن العشرين، كان حزب الأمة يمثل الجناح التنويرى للبرجوازية (من أحمد لطفى السيد إلى الشيخ على عبد الرازق). لكن أغلبهم كانوا من كبار ملاك الأراضى، ولذا، فبحلول عشرينات القرن، وبعد هزيمة ثورة 1919، إرتد ورثتهم (الأحرار الدستوريون) على أعقابهم وتحولوا الى قوة شديدة المحافظة بل ورجعية. بدأ التحول يظهر فى إدانتهم لإلغاء الخلافة ثم مساندتهم الملك فؤاد فى محاولته تبوأ منصب الخليفة والتى إستهدف الملك منها مَحْوَ كل نتائج الحراك السياسى الذى حدث من بدايات القرن وأولها الدستور والأحزاب ليحكم منفرداً بكل السلطات مكتفياً بمجلس شورى يعينه من “أهلِ الحلِ والعقدِ”.

غير أن ما يهمنا من الأحرار فى هذا المقام تبدى جلياً فى نهاية العشرينات. فقد احتجوا على بناء ضريح سعد على الطراز المصرى القديم ( الفرعونى) لأن “الطراز الفرعونى طراز وثنى، وواجب على من يتولى الحكم أن يخدم عقيدة الجماعة ودين الدولة، ودستور الحكم ينص على أن دين الدولة الإسلام “.  وطالبوا رجال الدين بالتحرك!!

قبل معركة الضريح كان الأحرار ـ ولضرب الوفد ـ  قد حولوا إنتخابات 1929 إلى معركة دينية بين مسلمين وأقباط ثم إلى فتنة طائفية كاملة الأركان.فقد إتهموا الوفد بأنه حزب قبطى يسيطر عليه “وليم” مكرم عبيد ويسيره بهدف سيطرة الأقباط على الأمة الإسلامية!!

بعد الإنتخابات، إزداد الوضع سوءاً، إذ طالب الأحرار الدستوريون بـ “التمثيل النسبى”طائفياً على أساس وجود أكثرية وأقلية دينيتين فى المجتمع!! وصياغة مؤسسات الدولة وأجهزتها بما فيها المنتخبة منها على أساس مبدأ التمثيل النسبى فى تراجع واضح ليس فقط عن كل ما تحقق منذ المؤتمرين القبطى والمصرى (الإسلامى) بل أيضاً عن كل ما تحقق منذ عهد محمد على .

فى ثلاثينات القرن بدأت آثار فشل البرجوازية فى قيادة الثورة الوطنية الديموقراطية تنجلى. فإنفلتت شرائح من الطبقة الوسطى (ونعنى بها هنا برجوازية صغيرة مدينية وريفية) من عباءة البرجوازية وحاولت أن تقود بنفسها الحركة السياسية جالبة معها تراثاً مما قبل دولة محمد على ومنقلبة على كل برنامج الحركة الوطنية الديموقراطية (البرجوازية) ناشبة مخالبها أولاً وقبل كل شئ فى الديموقراطية بإعتبارها محض بضاعة غربية هدفها تقسيم الأمة (الإسلامية بالطبع) إلى أحزاب متصارعة وأن الأفضل فى تراثنا أن تتراص الأمة خلف ملك/ قائد/ خليفة/ أمير للمؤمنين واحد. أو كما صاغ مصر الفتاة شعاره  ” شعب واحد، ملك واحد، حزب واحد ” .. هل يذكِّرَكَ هذا بشئ؟!!

كان الإخوان المسلمون ومصر الفتاة تعبيرين لهذه النزعة البرجوازية الصغيرة الأخيرة. وسرعان ما تحالفا مع السراى ـ ومعهما الأزهر ـ للقضاء على الديموقراطية وتنصيب الملك خليفة وأميراً للمؤمنين. وطاف حول هاتين الحركتين الشعبية (الأولى) والشعبوية (الثانية) أحزاب وقوى سياسية برجوازية مثل الدستوريين والسعديين وحزب الإتحاد ثم حزب الشعب الذى أسسه ديكتاتور مصر إسماعيل صدقى والذى كان لتحالف الإخوان معه قصصٌ وروايات.

وربما كان الدين محض سلاح للإستخدام السياسى الإنتهازى عند السعديين ولدى حزبى الإتحاد والشعب،كما لدى السراى وحاشيته السياسية، وربما بدأ كذلك أيضاً لدى الأحرار الدستوريين قبل أن يتحول لمكون أصيل لديهم بفعل تحولات الحزب ذاته، لكنه كان مكوناً أصيلاً وملعباً أثيراً للإخوانوالأزهر بالطبع، وجزء رئيسى من الخلطة الشعبوية لمصر الفتاة. وقد “لعلع” ثلاثتهم فى تحويل السياسة إلى ملعب دينى وإزكاء الطائفية إذ أن أى جماعة دينية، ولتعريف نفسها، لابد لها بالضرورة من آخر كافر أو على الأقل زنديق.

من بين كل هذه القوى ذات المسوح الدينية، كان الإخوان فقط هم من يمتلكون رؤية متماسكة تقوم على رفض ونسف كل ما تم منذ عهد محمد على والعودة بمصر إلى ما كانت عليه طوال ثلاثة عشر قرناً قبل وجودهم: جزء من دولة خلافة إسلامية حيث لا ديموقراطية ولا أحزاب ولا دستور ولا قانون.. الخ، وإنما ملك/ خليفة ـ له كل السلطات وغير مقيد ـ وشرع. وبالتالى العودة بالأقباط إلى وضعية أهل الذمة.

وبينما كان الإخوان يجاهرون بموقفهم هذا من الأقباط، كان الآخرون يلمِّحُون أحياناً ويجهرون أحياناً ويسكتون عنها ويتركونها مضمرة أحايين.

وزارة عبد الفتاح يحيى ابراهيم باشا :  سبتمبر 1933 ـ نوفمبر 1934

آثرنا آن نتوقف قليلاً عند هذه الوزارة لأنها تلخص ورئيسها حال فترة مابين ثورة 1919 وإنقلاب 1952:

عبد الفتاح يحيى هو إبن لعائلة تجارية اسكندرانية ثرية. بدأ حياته السياسية مؤيداً للوفد. ومع الملامح الأولى لإنكسار الثورة أصبح وزيراً فى وزارة عدلى يكن (وزارة القصر) ثم انتهى به الحال عضواً ونائباً لرئيس حزب الشعب الذى شكله الطاغية اسماعيل صدقى.

كان يحيى إبراهيم فى باريس حين استقال إسماعيل صدقى بوزارته.

إتصل الملك (فؤاد) ببحيى وكلفه بتشكيل الوزارة وقبل أن تطأ أقدامه أرض الإسكندرية كان الملك قد اختار بنفسه كل أعضاء الوزارة بلا استثناء وفقط انتظر وصول يحيى ابراهيم حتى يعلن قبول إستقالة صدقى وتكليف يحيى إبراهيم حفظاً لماء وجه الجميع!! أى أن الملك إسترد ـ من البرلمان ـ سلطته فى تشكيل وتعيين الحكومة.

فى هذه الوزارة، إختار الملك صليب سامى باشا وزيراً للحربية كأول مدنى وأول قبطى يتولى هذه الوزارة!

وياله من إختراقٍ مزدوج!!

وإلى جانب ترؤس يحيى إبراهيم للوزارة، احتفظ بحقيبتى وزارتى الداخلية والخارجية. لذلك أصبح القربى باشا وكيل وزارة الداخلية قائماً بأعمال وزير الداخلية. وبصفته هذه، أصدر القربى ما عُرف بـ “شروط القربى” لبناء دور العبادة للمسيحيين؛ وهى نسخة سيئة من الخط الهمايونى وتفرض شروطاً تقيد تماماً بناء دور عبادتهم!!

لخصت هذه الوزارة تطور الأوضاع فى الفترة بين 1919 ـ 1952. تراجع جناح مهم من البرجوازية وتحوله إلى جناح رجعى مؤيد لإستبداد القصر الذى التهم الدستور فى عودة للأمور إلى ما قبل 1879، وإنقلاب هذا الجناح على مجمل ما تم من إصلاحات فى الشأن القبطى منذ عهد محمد على.

غير أن أكثر ما يهمنا فى هذا المجال هو أن شروط القربى كانت “أول تسجيل رسمى” للتراجع عن الإصلاحات التى تمت فى الشأن القبطى منذ محمد على، وتَجَلِّي دور الدولة فى المسألة القبطية والإستفادة منها والمناورة والتلاعب بها: حكومة القصر تلك استوزرت قبطياً للحربية وفى نفس الوقت فرضت شروط القربى. ذهبت الوزارة والوزير القبطى وبقيت شروط القربى. وهذا هو ديدن الدولة فى المسألة القبطية حتى الآن.

ثم كانت معاهدة 1936 التى نظر إليها كثيرون بإعتبارها إعلاناً عن فشل الوفد آخر قلاع البرجوازية المناوئة للإحتلال، ومن ثم أعطى ذلك زخماً إضافياً لتلك الحركتين (الإخوان والفتاة) وأعطى أملاً للسراى التى تقود أحزاباً برجوازية أخرى نشأت فى حجرها (مثل الإتحاد والشعب) أو إلتحقت بها (مثل الأحرار الدستوريين والسعديين)، أعطاهم أملاً فى إمكانية هزيمة الوفد. وبرغم تعطيل الدستور وتعطيل الحياة النيابية والقبضة الحديدية والملاحقات والسجون والإشاعات السوداء إلا أنهم عجزوا عن ذلك فلجأو لسلاحهم الأخير: الدين ثم الفتنة الطائفية.

ويرى أبو سيف يوسف أن معاهدة 36 وما مثلته من فشل والأجواء التى صاحبتها كانت بداية انكفاء البرجوازية القبطية عن العمل العام (ضمن الأحزاب البرجوازية وخاصة الوفد) نحو الكنيسة.

كان الملك فؤاد قد تُوفِى فى مايو 36 وتولى فاروق العرش فى يوليو 37. ومنذ اللحظة الأولى لولايته نشب الصراع بين السراى وأحزابها وبين الوفد متخذاً طابعاً دينياً.

كانت السراى تخوض معركة إستكمال الطابع الإستبدادى للحكم لإلغاء ما تبقى من نتائج الحركة الديموقراطية المندلعة منذ سبعينات القرن ال19 مستغلة فى ذلك ما بدا أنه ضعف لدى القلعة الأخيرة (الوفد) بعد توقيع معاهدة 1936.

وعن هذه الحقبة يقول طارق البشرى فى كتابه “المسلمون والأقباط”: كان الوفد يرفع شعاره الأثير عن الديموقراطية وحكم الدستور فرفعت السراى شعارها الإثير كذلك، عن الحكم الدينى والخلافة الإسلامية.

حفل تنصيب الملك:

بدأت المعركة مبكرأ بحفل تنصيب الملك، إذ إقترحت السراى أن يتم تتويج الملك فى حفل دينى يقام فى القلعة يقلده فيه شيخ الأزهر ( !!! ) سيف جده محمد على باشا ثم يؤم الملك المصلين فى الأزهر تعبيراً عن مكانته الدينية كإمام للمسلمين وولى للأمر؛ وآزر الأزهر والأحزاب المؤيدة للسراى (ومنهم الإخوان ومصر الفتاة) هذا المسعى.

ويرى طارق البشرى فى كتابه المذكور أن شعار الجامعة الإسلامية الذى رفعه هذا التحالف كان الغرض منه سياسياً زيادة سلطات الملك ومواجهة الديموقراطية بنظام حكم يستند الى زيادة سلطات الجالس على العرش. مما جعل الوفد يرفض صيغة هذا الحفل.

وسرعان ما تدحرجت المعارك فجاءت معركة محاولة تغيير قسم ضباط الجيش ليكون قسمهم على الولاء للملك فقط. وأيضاً اعترض الوفد. ففتحت جبهة السراى بوابة إدخال الدين واسعاً، ومرة أخرى هوجم الوفد باعتباره ذو نزوع قبطى، وبالطبع كان لابد من إظهار الملك هو الحريص على الإسلام. فلما جاء رمضان لم يترك الملك جامعاً معروفاً فى مصر إلا وصلى فيه بصحبة المراغى شيخ الجامع الأزهر وإلتقط صوراً قبل وبعد وأثناء الصلاة والدروس الدينية وحرص على نشرها. بينما أشاع المراغى ان حكومة الوفد لا ترضى عن الدروس الدينية التى يلقيها فى حضور الملك، وأن مكرم عبيد خاصة يزعجه الأمر وأن الأخير طلب من الإنجليز التدخل لإيقافها، فخرجت مظاهرات طلبة الأزهر تهتف أمام الأزهر وأمام قصر عابدين:  يحيا الملك الصالح ـ الأزهر فوق الأحزاب ـ الملك فوق الجميع … وغيرها من الشعارات التى تسبغ طابعاً دينياً على إستبداد الملك.

وفى خطبة الجمعة اليتيمة فى جامع عمرو قال الخطيب أمام الملك أن مصر كانت بلاد كفر وإلحاد حتى دخلها الإسلام. فرد عليه النحاس باشا ـ وكان حاضراً الصلاة ـ أن المسيحية لم تكن قط ديانة كفر ولا إلحاد.

وفى 21 ديسمبر 1937 اعتدت مظاهرة ضخمة منهم على سيارة مكرم عبيد على أبواب قصر عابدين فلما أطل عليهم الملك من شرفة القصر هتفوا: يسقط الوزير القبطى !!

وفى وسط هذه الأجواء الطائفية التى تُزَخَمْ من كل حدبٍ وصوب من حلفاء الملك أُسْبِغَ على فاروق فجأة لقب “أمير المؤمنين” وبدأ الحديث عن الخلافة الإسلامية والمناداة بفاروق خليفة . ثم تمادى شيخ الأزهر فى الهجوم على الأقباط فتلقى رد فعل عنيف فحاول أن يفسر موقفه فى تصريح جاء فيه “أنا لا أعمل لحزب لكنى أعمل فى السياسة الدينية وفى سياسة الإسلام (…) وليعلم كل الناس أنه لا يوجد فى الإسلام ما يوجد عند غيره من أن الدين شئ والسياسة شئ آخر”!!

ثم جاءت إنتخابات 1938 فخاضتها احزاب القصر (الإتحاد، الأحرار الدستوريون، السعديون، الشعب، والأزهر، وقد إنضم لهم مصر الفتاة والإخوان المسلمون) تحت نفس التكتيك والشعار الَّذين خيضت تحتهما انتخابات 1929 ولكن فى أجواء طائفية أسوأ: تديين السياسة ثم إتهام الوفد بمعاداة الدين الإسلامى لصالح الأقباط وفق مخطط لمكرم عبيد ينفذه النحاس. مع الربط بين الملكية والدين ثم الملكية والخلافة. وقد حدث أنه وبعد الإنتخابات (يناير 1939) أن أَمَّ الملك صلاة الجمعة إحياءً لممارسات الخلفاء  فخرجت الصحف الموالية له تصفه بأمير المؤمنين وتتحدث عن إحياء الملك للخلافة.(15)

الأربعينات: الشيوعيون على دين نقيضهم .. فى التجاوز!!

بعد تواجد متقطع منذ بداية القرن العشرين ، إنتعشت الحركة الشيوعية فى الأربعينات منه. وشهدت تنظيماتها أوسع مشاركة للمسيحيين (أقباطاً وأجانب) فى العمل العام فى مصر والحزبى منه على وجه الخصوص.

لكن اللافت أنه برغم مساهمة المسيحيين الواسعة تلك فى الحركة الشيوعية، وبرغم أن الشيوعيين رفعوا شعارات المساواة التامة بين الأعراق والإجناس والذكور والأناث والأديان والملل والنحل، إلا أنهم إكتفوا بممارسة هذه المساواة (بشكل فطرى) داخل تنظيماتهم وفى حركتهم اليومية دون أن ينتبهوا إلى وضع الأقباط فى مصر (الممتد لنحو 13 قرناً) ودون أن ينتبهوا إلى بروز قوى سياسية بمرجعية دينية، واستخدام قوى سياسية تقليدية للدين فى السياسة، بل تديين السياسة وإزدياد الجو الطائفى والإنقلاب على إصلاحات محمد على وخلفائه الأقربين وأثر كل ذلك على وضع الأقباط. إذ تغاضى الشيوعيون عن كل ذلك واكتفوا بالشعارات العامة وممارستهم لها دون إلتفات للمسألة القبطية المتصاعدة ومناقشتها وطرحها فى برامجهم كأولوية برنامجية تستحق أن توضع لها رؤية مفصلة باعتبار أن الأقباط يواجهون نوعاً من التمييز وكل تمييز جذره وجوهره إستغلال. فلحقوا بسياسة الـ “تجاوز” البرجوازية التى طرحناها فى مقدمة المقال.

ومع أن ماركس كان قد توقف أمام وضع اليهود فى ألمانيا وسجل رؤيته فى كتابه “فى المسألة اليهودية”(16)،

إلا أن ذلك لم يشكل سابقة بالنسبة للشيوعيين فى مصر. وكأن أوضاع الأقباط طوال ثلاثة عشرة قرناً (من الجزية إلى لون الملابس)، ووجود جذور لهذه الأوضاع فى الشريعة، قد اختفى فجأة. أو كأن إصلاحات محمد على وخلفائه والتى لم يمر عليها سوى ستون عاماً ثم بدأ سحبها، والمناخ الطائفى الذى ساد منذ أواسط العشرينات، كل تلك المعطيات لم تحفز الشيوعيين على طرح رؤية مفصلة للمسألة القبطية بما يعنيه ذلك ليس فقط من نقد لأسس الإضطهاد الطويل، ولكن أيضاً لأسس الدولة المدنية الحديثة التى كانت توضع مداميكها على أرضية قروسطية تحتفظ بالإستبداد (الشرقى؟؟) وأيديولوجيته الداعمة. وتحتفظ للأقباط ـ فى أحسن الأحوال ـ بوضعية المهمش/الأسير الذى يمكن إستدعاؤه أو التنكيل به وقت الحاجة من قبل أطراف عدة.

وليس هنا مجال التعرف على أسباب موقف الشيوعيين هذا، لكن المهم هنا أن نقرر: أنه بينما قطاع كبير يمثله السراى وحاشيته (الأرستوقراطية) والبرجوازية  والبرجوازية الصغيرة بأحزابها (من الأحرار الدستوريين للإخوان ومصر الفتاة وعلماء وطلبة الأزهر) يضغطون من أجل إلغاء إصلاحات يسيرة بدأت منذ قرن ونيف، كان الوفد والشيوعيون (وهما الأكثر استيعاباً للأقباط فى بنيتهما الحزبية) ينتهجان سياسة التجاوز.

وهكذا وصلنا لإنقلاب يوليو 52 وأفضل ما لدينا فى المسألة القبطية هو التجاوز.

_______________________________________________

(1)عفاف لطفى السيد ، تجربة مصر الليبرالية 1922 ـ 1936 ، ترجمة عبد الحليم سليم . القاهرة ، المركز العربى للبحث والنشر ، 1981.

(2)طارق البشرى . م. س ـ ص 391

(3) لمزيد من التفاصيل يرجى مراجعة طارق البشرى ، المسلمون والأقباط ، ص ص ( 559 ـ 578 ).

(4) كارل ماركس، حول المسألة اليهودية ( كولون ـ ألمانيا ، منشورات الجمل، 2003 ) ترجمة د. نائلة الصالحى

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. محمد

    أمام الوجود المسيطر لطرف الأمة المصرية المسلم، ما هو الهيكل التنظيمي او الحزبي و دور الطرف القبطي، الذي يبدو من المقال انه غير موجود بتاتا

موضوعات ذات صلة

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… تسعى الورقة لإعادة سرد تاريخ تلك العلاقة الملتبسة بين الشريعة والقانون الوضعي بما قد يسفر عن تعميق الرؤى السابقة وتطويرها باتجاه معرفة أفضل بالشريعة والديمقراطية في آن واحد.

عمرو عبد الرحمن

دور قطر: هل تتخلى عنه الولايات المتحدة؟ ثمة أسئلة تطرح نفسها الآن: هل ستتدخل الولايات المتحدة لفض الاشتباك الحالي؟ وإذا تدخلت، كم سيكون حجم صفقة الأسلحة هذه المرة؟ إن الولايات المتحدة هي الوحيدة التي يمكنها حل الأزمة بمكالمة تليفونية، إلا إذا كانت لم تعد ترى نفعا من دور قطر ولم يعد لديها مانع من تركها فريسة بين فكي السعودية.

صبري زكي