مأزق الأقباط ومأزق مصر “1 من 4”

قراءات, قضايا

19  مارس  2018

توطئة :

ينبغى الإشارة أولاً إلى بضع ملاحظات مفهومية وإجرائية أراها ضرورية لقراءةٍ صحيحة لوضعية الأقباط الآن؛ إذ أن عدم ضبط بعض المفاهيم قد يشَوِّشُ الرؤية ويقود لقراءةٍ خاطئة:

1 ـ جوهر الطائفية:

جوهر الطائفية ليس فقط فى إعتبار مجموعة من السكان مواطنين من الدرجة الثانية ـ على أساس الدين أو المذهب ـ تُنْزع منها الحقوق وتُزَادُ عليها الواجبات؛ مع اضطهادها بحرمانها من تكافؤ الفرص، ولكن أيضاً فى عزل هذه المجموعة داخل أسوار الطائفة ومنعها قسراً من الإندماج فى المجتمع، على أن يكون إتصالها بالدولة والمجتمع ـ جماعةً وأفراداً ـ عبر من يمثلها (الكنيسة فى حالة مصر).

وغنىٌ عن الذكر أن ممثل الطائفة يكون أسعد حالاً كلما تَكَرَّسَت وضعيته تلك التى تضمن له ـ بخلاف السيطرة الروحية ـ سيطرة دنيوية أيضاً على شئون طائفته.

2 ـ التفرقة بين العنف والطائفية.

لابد أيضاً من التفرقة بين وقوع أحداث عنف ذات طابع طائفى وبين وجود تمييز أو إضطهاد دينى فى مجتمع ما.

إذ قد يكون هناك تمييز طائفى أو إضطهاد دون وقوع قلاقل من أى نوع. حيث تكون علاقات “التمييز” بين الطوائف مستقرة أو بالأحرى “راكدة ” تنظمها قواعد ما مستقرة بدورها، فى ظل بنية اجتماعية وتشريعية ضامنة لهذا التمييز.

والعكس صحيح، أى أنه من الممكن أن تكون هناك قلاقل أو إضطرابات (أحداث عنف مثلاً) دون وجود علاقات تمييزية داخل المجتمع، بل ربما سعى مثيروا هذه القلاقل لإحداث هذا التمييز، مثلما هو الحال مع النازيين الجدد مثلاً والحركات اليمينية ذات النزوع الهوياتى.

ولذا فمن المهم عدم التوقف أمام أحداث عنف طائفى باعتبارها المعيار الأساسي لوجود تمييز، بل الأهم هو: فحص العلاقات بين الطوائف المكونة للمجتمع على مستوى الأيديولجيا المهيمنة وتجلياتها (العلنية والمضمرة، المكتوبة وغير المكتوبة) فى مؤسسات الدولة والمجتمع؛ من الدستور والقانون والتعليم واللوائح المكتوبة وغير المكتوبة.. الخ، إلى العادات والتقاليد واللغة. فمثلاً ، ليس هناك نص دستورى أو قانوني أو لائحي يمنع تولى قبطى لوزارة الدفاع أو الداخلية أو التعليم أو رئاسة جامعة، لكن قانوناً ما غير مكتوب يمنع ذلك بل يحرِّمه!!

كما أن العنف الطائفى لاتكتمل دلالته التمييزية فى ذاته فقط، بل فى تعامل الدولة بمؤسساتها المختلفة (خاصة القانون) معه. وهو ما يكشف جوهر بنية التمييز الحقيقي.

هذه ملاحظة إجرائية ضرورية لرفع الخلط بين التمييز الطائفى والعنف الطائفى. وهو خلط منتشر ومضلل قد يسبب مشكلات فى التحليل والتفسير ويجعلنا أحياناً نحكم على سياق إجتماعى على غير ما هو عليه فعلاً لوقوع أو عدم وقوع أحداث عنف(1).

3 ـالدولة والأقباط:

لأسباب تاريخية موضوعية كثيرة ـ ليس المقال بمقام إستعراضها ـ وخاصة التكوين الإجتماعى الإقتصادى فى مصر كما تناولته كتابات عديدة (احمد صادق سعد ، مثلاً)(2)، تميزت مصرـ سواء كانت مستقلة أو جزءاً من إمبراطورية ـ بقوة الدولة فى مواجهة المجتمع. ودائماً ما شكلت بيروقراطيتها شريحة مهمة من الطبقة الحاكمة المستفيدة.

ومع بداية الدولة الحديثة فى عهد محمد على إزداد هذا الوضع بل تفاقم (احتكار الدولة/ محمد على، لكل شئ هو نتيجة وسبب لوضعية الدولة والمجتمع تلك).

وزاد الأمر سوءاً تلك الطبيعة المبتسرة والشائهة والمحافظة، بل الرجعية، للبرجوازية المصرية التى أخذت فى التَشَكُّل فى أواخر حكم محمد علي (عبر مِنَحُه وعطاياه وإقطاعاته لحاشيته ورجاله وأركان حكمه) ثم تمددت ونمت فى عهدى سعيد وإسماعيل.

هذه البرجوازية ـ التى نشأت فى حضن الأوتوقراطية وليس فى مواجهتها ـ هيمنت دون أن تحكم أبداً(3)، وإنما اكتفت شرائح منها بدورها كسندٍ اجتماعى سياسى للأوتوقراطية ثم للإحتلال خاصة بعد هزيمة بعض أجنحتها فى محاولتيها الأساسيتين (1876 ـ 1882 و 1919 ـ 1923) لإعادة صياغة تلك العلاقة والحُكْم بدلاً من الإكتفاء بالهيمنة.

ولازالت وضعية الدولة فى مواجهة المجتمع، ولازالت طبيعة البرجوازية المصرية تلك ملتصقة بها حتى الآن ولازالت نفس علاقتها بالدولة. ولذا، فمنذ عهد محمد على باشا وحتى الآن، كان للدولة الدور الأساس فى مسألة الأقباط، فهى (محمد على ثم سعيد واسماعيل) التى بدأت الإصلاحات الخاصة بهم وهى (فؤاد ثم فاروق) التى بدأت فى التراجع عنها بعد ثورة 1919 .

4 ـ الميراث الحرام:

ونعنى به أوضاع أهل الذمةفى الدولة الإسلامية.

وهو ميراثٌ مُحَرَّمٌ الإقترابُ منه لأنه جزء من العقيدة؛ فهو يستند لآيات فى القرآن (مثل الآية 29 من سورة التوبة)(4) وسُننٌ إستنها الخلفاء وأولهم الخليفة الراشدى عمر بن الخطاب فيما عُرِف بـ “الوثيقة العمرية”. هذا الميراث حوى من الجزية وتنظيم بناء دور العبادة إلى ملبس الأقباط ووضع علامات على أجسادهم لتمييزهم، وأماكن وكيفية سيرهم فى الطرقات واستعمالهم للدواب، و مدى إرتفاع بيوتهم ووضع علامات عليها لتمييزها.. إلخ، إلى تحديد وضعيتهم فى الدولة وتحريم توليهم المناصب الهامة (عدم تولى كافر شئون المسلمين) اللهم إلا تولى الوظائف المالية أو مسح الأراضى وتقدير الضرائب لإفتقاد العرب/ المسلمين لتلك الكفاءة ولطبيعتها الصدامية مع الفلاحين.

وقد اتسع هذا الميراث تدريجياً حتى أن إبن القيم الجوزية احتاجالى 1750 صفحة ليضعكتابه (أحكام أهل الذمة)(5). إذ شمل هذا التراث تفاصيل التفاصيل مثل (ماذا لو توفت قبطية زوجة لمسلم وهى حامل، هل تُدْفن فى مقابر الأقباط أم فى مقابر المسلمين بإعتبار أن الجنين مسلم!!).

شكل هذا الميراث الحرام أحد أهم أعمدة الدولة الإسلامية ودامَ نحو اثنى عشر قرناً قبل دولة محمد على، وقد إستمر هذا الميراث (من الجزية لدور العبادة، لألوان الملابس .. الخ طوال العصر العثمانى)(6).

وإزاء هذا الميراث، جاءت إصلاحات محمد على فى المسألة القبطية، ومن بعده خلفائه (سعيد ثم إسماعيل) وأى قوة إجتماعية مالت نحو المواطنة، جاءت إصلاحاتهم جميعاً كقفزة فى الفراغ؛ إذ لم يتم على أى نحوٍ مناقشة هذا الميراث المحرم سواء من ناحية العلاقة بين إقامة دولة وطنية فى بلدٍ “انسلخ للتو من وضعية إحدى ولايات الخلافة” وبين إلغاء الجزية، أو بين وضعية أهل الذمة ذاتها وتحولهم لمواطنين. إذ لم يتم أى نقد لهذا الميراث مما سمح بإعادة إنتاجُه مرة فى الخط الهمايونى ثم أخرى فى شروط القربى باشا (1934)(7). وقد استمر هذا  الوضع (تجاوز الميراث دون مناقشتة) لوقتنا هذا؛ بإستثناءات قليلة ـ تلفيقية فى الأغلب ـ لم تؤثر فى الإتجاه العام.

أدى هذا الوضع ( فى 3 و 4 ) لنتيجتين أخطر من بعضهما: الأولى أنه ظل للدولة الدور الأساس فى المسألة القبطية تتدخل فيها على النحوالذى تراه وقتما شاءت؛ فهى مالكة التجاوز أو النقد أو التفسير أو التأويل أو الإستعادة (مثلما حدث، سواء فى عهد عباس الأول الذى حاول إبعاد الأقباط الى السودان، ومثلما حدث فيما عُرِفَ بإسم  شروط القربى باشا فى ثلاثينات القرن الماضى). أو تأجيج الطائفية.

والثانية أن ذلك الميراث الحرام ظل ـ دون نقد ـ كغيمةٍ معلقة فى الهواء يمكنها ان تمطر فى أى وقت، ويمكن إستعادتها للأرض ولو جزئياً فى أى وقت ولمن يشاء بإسم ذلك الميراث الحرام، وهو ما يحدث منذ سبعينات القرن المنصرم حتى اليوم.

5 ـ الجزية: عرب ومسلمون أيضاً!!

بعد دخول العرب مصر شكلوا أوليجاركية حاكمة فى مواجهة المصريين/ الأغلبية/ الأقباط. وكان وضعهم مزدوجاً وملتبساً. فهم حكموا كعِرق (عرب) وحكموا كدين (مسلمين)!! فكانوا الأشراف وكانوا المؤمنين. المهم أن يتم إحتلاب فائض المنتج بأى وسيلة بالشرع أو دون أى سند “شرعى” طالما أن الشرعى غير كاف للنهب. أو كما صاغها الخليفة عمر بن الخطاب فى مقولته الشهيرة: أخرب الله مصر فى عمران المدينة!!

وتبدى ذلك الإلتباس بين العرق والدين جلياً فى موضوع الجزية(8)، فهى لم تُرفع فى أحيان كثيرة عمن أسلم من الأقباط (وهنا كَفَّ المسلم عن أخذ الجزية من المسلم بينما استمر العربى يأخذها من المصرى!!). ثم، وللخلاص من هذا المأزق غير الشرعى، إستُبْدِلت آلية النهب بآلية أخرى أُريدَ لها أن تكون أكثر إرباكاً وغموضاً فجاءت بنفس الوضوح. إذ إستُبدِلَتْ جزية الرأس/ الفردية (الشرعية) بجزية جماعية تُفْرَضُ على القرية أو الزِمَامْ متضامنين، فإذا أسلم أحدهم تحمَّلت بقية القرية دفع الجزية عنه!! إذ إنها إتاوة ثابتة ذات قدرٍ معلومٍ مسبقاً وليس لها علاقة بمسلم وقبطى وجزية.  ومرة أخرى يختفى المسلم والدين ليظهر العربى!!

ويمكننا تتبع هذا السياق (العربى المتسربل بالدين) فى تبديه فى وضعية المصريين الأقباط الذين أسلموا وموقعهم من الجيش ومن المناصب الهامة داخل جهاز الدولة لكن هذا فوق إحتمال المقال.

وفى كتابه “إضطهاد الأقباط  فى مصر بعد الفتح الإسلامى” يلفت أحمد صبحى منصور إلى أن المسلمين لم يفرضوا جزية على مسيحيي الجزيرة العربية لأنهم عرب!!

إختلف الوضع قليلاً حين حلت أجناس أخرى محل العرب وشاركوهم فى وضع الأوليجاركية الحاكمة: الأمازيغ فى الدولة الفاطمية، الأكراد فى الدولة الأيوبية، ثم التركمان والتتر والجركس .. الخ .. فى دولة المماليك ثم الدولة العثمانية. إذ إستمر المصرى (مسلم ومسيحى) يعانى بدرجات أشد وإن إستمرت معاناة المسيحى مضاعفة: مرة بصفته مصرى ومرة بصفته مسيحى ويتجلى هذا الوضع الأخير أوقات الأزمات الإقتصادية أو الحروب خاصة إذا ما تسربلت بالدين مثل الحروب الصليبية.

يكشف هذا الوضع أن الإستبداد الملتصق بالنهب يطال الجميع وفى أوقات الذروة يصبح المسيحيون كبش فداء على المحرقة ليغطى الدخان المتصاعد من جثثهم على حقيقة المشهد.

هذه الوضعية لم تفارقنا منذ قرون طويلة وحتى الآن، وهى لصيقة بالدور القوى للدولة كما ذكرناه آنفاً.

فى ضوء الملاحظات السابقة يمكننا أن نقرأ المسألة القبطية:

1 ـجاءت إصلاحات محمد على فى المسألة القبطية، ومن بعده سعيد ( الذى ألغى الجزية عام 1854) ثم إسماعيل (الذى توسع فى تعيين الأقباط كمديرى مديريات وفى القضاء)، جاءت إصلاحاتهم كقفزة فى الفراغ؛  إذ لم تكن المسألة القبطية فى عهد محمد على ولوقت طويل بعده ـ بإستثناءات قليلة جداً ـ على برنامج أى قوى إجتماعية. ساهم فى ذلك النشأة الشائهة للبرجوازية المصرية  وقد نمت فى الحُضْن الأوتوقراطى لا فى مواجهته، ثم الطبيعة المبتسرة والمحافظة لتلك البرجوازية التى تشكلت فى ظلال العرش، فقد كانت تضع قدماً فى الأرياف ـ بصفتها مُلاَّك أراضى يحافظون على وضع يشبه القنانة ـ من مصلحتها بقاء البنى العتيقة، وقدماً أخرى فى المدن بصفتها برجوازية تجارية أو مصرفية أو صناعية. بينما وضعت قدماً ثالثة فى الخارج، حيث لعبت دور وسيط أو وكيل تجارى للرأسمالية الغربية. وكانأيضاً من مصلحة طابعها الثالث ذاك الإبقاء على البنى التقليدية (الإقتصادية والإجتماعية والسياسية) متخلفة لضمان إستمرار مصالحها كوسيط. أى أن البرجوازية المصرية كانت فى عمومها ذات طبيعة مزدوجة: فهى محافظة أو رجعية هنا وإصلاحية هناك. وقد انعكس هذا الوضع فى موقفها من المواطنة والأقباط المتداخل مع رؤيتها لـ(طبيعة الدولة، الحكم الأوتوقراطى، الديموقراطية، دور الدين فى الدولة والمجتمع ودور الدولة فى الدين، الحريات العامة والفردية خاصة حرية العقائد والعبادات .. إلخ). لذلك ظلت إصلاحات محمد على وخلفائه معلقة فى الفراغ لا تستند لقوة إجتماعية حتى مَسَّها عُرابى وجماعته مساً خفيفاً!!

2 ــ أول إشارة أهلية أو مجتمعية (غير دولتية) للمواطنة كانت فى برنامج الحزب الوطنى (الأول) بزعامة عرابى، وكما أثبته بلنت، ألفريد اسكاون، فى ملاحق كتابه “التاريخ السرى لإحتلال إنجلترا لمصر”. إذ جاء فى الفقرة الخامسة للبرنامج: الحزب الوطنى حزب سياسى لادينى ، فإنه مؤلف من رجال مختلفى العقيدة والمذهب. وجميع النصارى واليهود وكل من يحرث أرض مصر منضم إليه لأنه لاينظر لإختلاف المعتقدات ويعلم أن الجميع إخوان وأن حقوقهم فى السياسة والشرائع متساوية (…) والمصريون لا يكرهون الأوربيين المقيمين فى مصر من حيث كونهم أجانب أو نصارى وإذا عاشروهم على أنهم مثلهم يخضعون لقوانين البلاد ويدفعون الضرائب كانوا من أحب الناس إليهم(9).

الجدير بالذكر هنا أن الفقرة الأولى فى هذا البرنامج ثبتت إسطنبول / الخلافة كمحض سلطة روحية لا علاقة سياسية لها بمصر كدولة مستقلة.

كانت هذه هى الخطوة الأهم فى طرح مسألة المواطنة والمعتقدات الدينية منذ بدأ محمد على إصلاحاته. لكن التدخل الإنجليزى وضربه للحركة البرجوازية الوطنية، قطع على هذا الإتجاه طريق التطور وأعاد الأوضاع إلى ماكانت عليه أيام محمد على: كل السلطة فى القصر؛ أى أن السلطة عملياً بقيت فى أيدى الإنجليز، الذين أصبحوا يتحكمون فى السراى بعد إنقاذه، ومن خلاله حاولوا استغلال المسألة القبطية لتحقيق أغراض عدة كما يتضح مثلاً خلال المؤتمرين القبطى والمصرى 1911.

3 ـ المؤتمران القبطى والمصرى .. المحاولة الأهلية الثانية والأخيرة:

منذ دخول الإنجليز مصر عمدوا إلى إزاحة الأقباط من الوظائف الحكومية واستعاضوا عنهم بالمسيحيين الشوام والأرمن؛ فى الوقت الذى توسع فيه الأقباط فى التعليم بإنشاء المدارس (استفاد منها المسلمون أيضاً) لمواجهة المدارس التبشيرية البروتستانتية والكاثوليكية.

ومع حلول أزمة 1906 الإقتصادية(10) واجهت تلك الشريحة المتعلمة من الطبقة الوسطى (الأفندية) أزمة توظيف دفعتها للتكالب والصراع على الوظائف ومن ثم فُتِح باب النقاش حول أسس التوظيف والبعد الدينى له؛ وإمتد ليشمل الجنسية والمواطنة والحقوق والواجبات والمساواة، و أوضاع غير المسلمين (أهل الذمة سابقاً) بشكلٍ عام فى دولة وطنية حديثة. وعلى هذا الأساس عُقِد المؤتمر القبطى (6 مارس 1911) و ردًّ المسلمون بالمؤتمر المصرى 29 أبريل من نفس العام.

وفى هذين المؤتمرين لعب الأقباط الدور الإصلاحى والتأسيسى ـ لدولة حديثة ـ المنوط بأقلية من مصلحتها إلغاء أسس التمييز ـ خاصةً الديني منها ـ وإعتماد الكفاءة فقط كمعيار فسعوا لإعلاء الجنسية(11) فوق الدين كأساس للمواطنة، و “دسترة” و”تقنين” المساواة التامة فى الحقوق والواجبات بما فيها الإنفاق على دور العبادة والتعليم الدينى (كانت الدولة تنفق على الكتاتيب). بينما لعب المسلمون دور القوى المحافظة والتى ترى أن لكل دولة دين واحد رسمى هو دين الأكثرية وأن الأقباط يحصلون بالفعل على ما هو أكثر من نسبتهم فى المجتمع(12).

وعلى عكس السائد فى السرديات التاريخية والأدبيات السياسية التى تُطْلِق على المؤتمرين صفة أزمة المؤتمرين؛ فقد كان المؤتمران أول حوار مجتمعى يحاول إستكمال أسس الدولة حديثة . وإنما أُطلق على المؤتمرين صفة الأزمة أو الفتنة  لضمان عدم التكرار، أى من باب التجاوز (السابق ذكره) أو “إكفى عالخبر ماجور” ، وهو ما كان وظل حتى اليوم.

_____________________________________________________________

(1) بين عامى 1937 ـ 1938 ، وأثناء تسعير الطائفية من قبل السراى والقوى المتحالفة معه ( الأزهر ، الإخوان ، مصر الفتاة ، الأحرار الدستوريون ، السعديين ) والهجوم على الوفد بإتهامه بتنفيذ أجندة فبطية ، لم يحدث سوى اعتداء على قبطى واحد فى حافلة وإقتحام كنيسة القللى ومقاطعة عظة للقس سرجيوس !! مع أن الأجواء كانت طائفية بإمتياز .

(2)أحمد صادق سعد ، تاريخ مصر الإجتماعى الإقتصادى  فى ضوء نمط الإنتاج الآسيوى + تاريخ العرب الإجتماعى : تحول التكوين المصرى من النمط الآسيوى للنمط الرأسمالى .+ إبراهيم عامر ، الأرض والفلاح والمسألة الزراعية ( الدار المصرية للنشر ، القاهرة ) 1958 + جان شينو ، وآخرون ، حول نمط الإنتاج الآسيوى . ترجمة جورج طرابيشى  ( دار الطليعة ، بيروت ) 1972 .

(3)لم تحكم الشريحة الأكثر تقدماً (ممثلةً فى الوفد ) سوى فترات قصيرة جداً عجزت خلالها عن السيطرة على جهاز الدولة .

(4)” قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخِر ولا يحرمون  ما حرم الله ورسوله  ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون ” التوبة ـ 29 .

(5) ابن القيم الجوزية ، أحكام أهل الزمة ( الدمام ، السعودية ،  دار رمادى للنشر ، ط الأولى ، 1997 ).

(6)وشروط  عقد الذمة ـ بشكل عام ـ قسمان ؛ مستحق ومستحب . الأول ذو ستة شروط : عدم ذكر الإسلام بذمٍّ أو قدح ـ عدم ذكر القرآن بطعنٍ أو تحريف ـ عدم ذكر الرسول بتكذيب له أو إزدراء ـ ألا يصيبو  مسلمة بزنا أو بإسم نكاح ـ ألا يفتنوا مسلماً عن دينه أو يتعرضوا لماله أو دمه ـ ألا يعينوا أهل الحرب . وأما الشروط المستحبة فهى ستة أيضاً : إرتداء ملابس مخالفة للون ملابس المسلمين ـ ألا تعلو أصوات نواقيسهم أو قراءة كتبهم ـ ألا تعلو أبنيتهم فوق أبنية المسلمين ـ ألا يجاهروا بشرب الخمر وإظهار صلبانهم وخنازيرهم ـ أن يخفوا دفن موتاهم ـ أن يُمْنَعوا من ركوب الخيل .أنظر مثلاً : د. محمد عفيفى ، الأقباط فى مصر فى العصر العثمانى ( الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ) 1992 .

(7)القربى باشا هو وكيل وزارة الداخلية  فى وزارة عبد الفتاح يحيى باشا ( 1934 ) . والأخير رأس الوزارة وتولى فيها عدة وزارات فكان الأول وكيلاً لوزارة الداخلية و قائماً بأعمال الوزير.

(8) فُرِض على المصريين دفع جزية ( ضريبة رأس سنوية ) ديناران على كل رجلٍ بالغ ( قُدِّر تعداد الرجال البالغين آنذاك 6 ملايين رجل فبلغت الجزية حوالى 12 مليون دينار ثم زيدت فى عهد بن أبى سرح إلى 14 مليوناً ) وفوق الجزية فُرِض على ملاك الأراضى ثلاثة أرادب قمح وقسطين من الزيت وقسطين من العسل وقسطين خل. وكان على المصريين أن يعطوا سنوياً لكل عربى جُبَّة من الصوف أو ثوباً قبطياً وخُفْيَن وبُرنُس أو عِمَّة وسراويل .

* وإن كان بعض الفقهاء يذكرون أن الخليفة عمر قد قبل الجزية من تغلب . أنظر مثلاً : طه حسين ، فى الشعر الجاهلى (القاهرة ، مطبعة دار الكتب المصرية ، 1926) ص 87 .

(9) ولفريد سكاون بلنت ، التاريخ السرى لإحتلال إنجلترا لمصر ( المركز القومى للترجمة ، القاهرة ، 2010 ) ترجمة صبرى محمد حسن. ص 654 .

(10) أبو سيف يوسف ، الأقباط والقومية العربية . (بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 2011) .  ط2 .

(11) افتتح المؤتمر ميخائيل فانوس المحامى بالفيوم بكلمة جاء فيها ” من الظلم تسميتهم بأنهم عنصرين فليست العقائد هى التى عليها الأساس بل الجنسية “. وحمل على من يمزج السياسة  بالدين ويتخذ الدين أساساً للرابطة السياسية . وجاء فى كلمة توفيق دوس ” من المضر جداً بكيان الأمة المصرية أن يطلب الأقباط  من وظائف الحكومة  نصيباً يوازى نسبتهم العددية، فإن هذا يستلزم أن يتربع فى المناصب العليا قوم غير أكفاء لا لعلة إلا لكونهم أقباطاً  ( … ) فإذا كان يهودى مصرى هو الأكفأ تعين تقديمه على المسلم والقبطى خدمة للجميع  ( … ) فليس من شأن وظيفتى أن أكون مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً ، بل كل شئون وظيفتى مدنية محضة ” . طارق البشرى . المسلمون والأقباط  فى إطار الجماعة الوطنية . القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1980. ص ص

(12) البيان الختامى للمؤتمر المصرى كما جاء فى : طارق البشرى ، المسلمون والأقباط .

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

نحو نظرية عامة بشأن ترامب: في نهاية الندوة تقدم الطلاب وأعضاء هيئة التدريس بعشر نقاط للنقاش بشأن نظرية عامة بشأن ترامب أعلق عليها هنا بما ينقلنا من التحليل إلى طرح الحاجة إلى تحالف تقدمي عالمي يجمع ما بين الاشتراكية الديمقراطية والليبراليين اليساريين والخضر واليسار الراديكالي.

بول ماسون