ثورة من؟

تأملات في الذكري السابعة للثورة المصرية ‏‎ ‏

قضايا

13  مارس  2018

تنويه -هذا المقال ناقص بالضرورة، أراد فقط ان يخدش أسطورة، وان يفتح نافذة لرؤية

نستيقظ فجأة على مرور 7 سنوات من ثورة كنا فيها، حدث بدأ متواضعا ثم تحول ليصبح أهم حدث في تاريخنا المعاصر، وأهم حدث في صحف وإعلام العالم، سنوات من الحلم والعنف والمحاولة، سنوات لا شك لها لون الدم وظلال السجون، ووهج الحلم وروعة الإصرار.

هل نحتفل بالذكري السابعة للثورة كرنفاليا، نتذكر الشهداء ونلعن النظام، نحكى عن معارك مجيدة بعبارات ملحمية، أم نتوقف متأملين مشهدا دراميا أخفق فيه البطل أن يطيح بالشرير، رغم أن الشرير كان في قمة ضعفه، والبطل في أقصى درجات عافيته.

يقدم يناير بطولة درامية ونهاية مأساوية، إنه الرقصة التعبيرية الأضخم على مسرح التاريخ المصري، لكنها رقصة تلقائية، بلا إعداد وبلا مدربين، فرغم أنها دخلت التاريخ كمارد ضخم، لكن رغم قوته الهائلة لم ينتصر.

يحتاج يناير أن نتأمله، أن نستجوبه، أكثر مما يحتاج الى مدحه وإضفاء هالة اسطورية عليه، سأضع النستولوجيا الثورية جانبا، وابدأ خدش قشرة لزم خدشها.

– ثورة من؟

نعم، هذا هو السؤال المطروح، ثورة من؟

إن الثورات لا تنبثق من قلب حدث مفاجئ، دعوة للثورة مثلا أو قتل شخص أو ظهور زعيم، لكنها تحدث نتيجة تراكمات هائلة لتناقضات وأزمات مجتمع معين، أزمة تمسك أطرافها بتلابيب كل الطبقات الاجتماعية، تجعل الطبقة المسيطرة غير قادرة على حماية سلطتها، أو الاستمرار في خداع الجماهير، حيث يفشل كل من الخطيب الرسمي والهراوة البوليسية، وعلى  الجانب المقابل يتفاقم تردى أوضاع الجماهير، فقدان الثقة في الدولة وسلطتها، وتنمو التوترات والتذمرات المكشوفة، تتالى الصدامات بين السلطة والجماهير كبروفات صغيرة وتدريب على المواجهة قبل المباراة الفاصلة، تتمدد تلك التذمرات إلى الجماهير المتوسطة وأجزاء من الرأسمالية الكبيرة، وتتسع الفجوات والصراعات داخل الطبقة المسيطرة.

منذ مطلع الألفية وبركان الثورة المصرية يجهز مواده للانفجار، نظام مبارك فاقم فعليا إفقار الجماهير بتطبيقه لبرامج التقشف، وخفض ميزانية الخدمات العامة في التعليم والصحة والسكن، وبيع شركات القطاع العام وتأزيم وضع الفلاحين الصغار.

ارتفعت معدلات البطالة في 2010 الى 9% بين الأفراد من (15- 64سنة). وصلت نسبة البطالة بين الخريجين حملة المؤهلات المتوسطة وفوق المتوسطة 53.2% من إجمالي العاطلين، يليها العاطلون حملة مؤهلات جامعية وما فوقها بنسبة 39.7%. كما وصل عجز الميزان التجاري إلي 20% من الناتج المحلى الإجمالي، وارتفع عجز الموازنة العامة الى 98 مليار جنيه، والدين العام الداخلي الى ما يعادل 73,7% من الإنتاج القومي وفقا للتقرير السنوي للبنك المركزي المصري -2009/2010

أثرت الأزمة العالمية في حجم التبادل التجاري وإيرادات القناة وتحويلات العاملين المصريين بالخارج، ارتفعت أسعار السلع الأساسية والخدمات، هاجمت السياسات السكانية احياء الفقراء وسكنهم، تدهورت الزراعة بمعدلات كبيرة وتفاقم بؤس صغار الفلاحين وأسرهم، فضلا عن تفشي الفساد في كل مرافق الدولة.

على الجانب المقابل كانت الحركة الاجتماعية، ممثلة في العمال وفقراء الأحياء الشعبية وفقراء الفلاحين، تطلق موجة احتجاجات ضخمة ضد سياسات النظام، مطالبة بالعمل والسكن والعلاج والمستلزمات الزراعية والحق في الأرض … الخ. كان ذلك يعنى معارضة سياسات الليبرالية الجديدة التي يطبقها النظام.

منذ 2003 على الأقل كانت مصر تشهد تطورا ملحوظا في الصراع السياسي والاجتماعي، تتابعت اعتصامات النقابات المهنية، ومظاهرات الشوارع التضامنية والاحتجاجية، وتصاعدت أيضا موجات متلاحقة من الإضرابات العمالية، نشط عمل الفرق السياسية وتوسعت حركة التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية لتشمل محافظات واحياء ونقابات وتجمعات طلابية.

المتظاهرون يدوسون بأقدامهم على صورة الرئيس المصري وقتها حسني مبارك في المحلة أثناء اضراب 2008

مثلت إضرابات المحلة انعطافه جديدة في الصراع الدائر، حفزت معها حركة تضامن بين صفوف النخب السياسية، نشأ على هامشها مجموعة ارتبطت بالدعوة التي أطلقها عمال المحلة لإضراب عام في 2008، هي المجموعة التي عرفت باسم حركة 6 ابريل، في 2009 تصاعدت النضالات الاجتماعية بدرجة كبيرة، مئات الإضرابات والاعتصامات غطت اغلب مدن مصر، وجرت إليها قطاعات جديدة من المحتجين” – انظر تقرير المنظمة المصرية لحقوق الانسان – الإضراب في مصر بين المشروعية والعقاب, 2009.

كان الصراع جليا في طابعه الطبقي والاجتماعي، بالتوازي مع احتجاجات متفرقة ذات طابع نخبوي حول قضايا الديموقراطية، ومخاوف تجاه عملية التوريث.

حتى بدايات 2011 في كل هذه الصراعات والمعارك لم يرد ذكر كلمة شباب داخلها الا كفرع ضمن فروع أخري لحركة كفاية (الحركة المصرية من اجل التغيير) أطلق عليه (شباب من اجل التغير) بجوار عشرات التكوينات التي تحمل صفات “مهنية” أضافت إلى يافطتها عبارة (….. من اجل التغيير). ومجموعة أخري تكونت عشية الثورة سمت نفسها (شباب الحرية والعدالة). كان ذلك أمرا عارضا تماما لا يحمل أي دلالة محددة، إن (حركة 6 ابريل) و (كلنا خالد سعيد) المجموعتين الأكبر والأكثر شهرة، لم تلجأ أيا منهما الى وضع ختم “الشباب” على رايتها.

هذا الطريق الى يناير 2011 الذي رصفته آلاف النضالات الطبقية والسياسية لمهنين وعمال ومزارعين وغيرهم، تم تهميشه وإنكاره دفعة واحدة، ليتم تكريس تاريخ أخر، تاريخ مبتسر وأجوف تؤرخ به الثورة المصرية، اعتمد هذا التأريخ “النخبوي” على ركيزتين.

الأولى: ظاهرة البرادعي

الظهور المفاجئ لهذا الدبلوماسي الذي تربي في أروقة المنظمات الدولية الغربية، الليبرالي المشبع بمفاهيم السوق الحر وسياسات الخصخصة، والمجرد من أي تاريخ سياسي أو نضالي معروف، الموشح بخطاب تقليدي سطحي عن الديموقراطية والتعدد، الذي اقتحم الحياة السياسية المصرية (عن بعد) بصورة مفاجئة وكأنه مسيح جديد قادم لتخليص المصريين من الاستبداد.

محمد البرادعي في ميدان التحرير، نوفمبر 2011

ضخمت صورة البرادعى بدرجة هائلة، سارع إلى استقباله والالتفاف حوله خليط من يسار الوسط والليبراليين والناصريين وعناصر أخري من البرجوازية المتوسطة والكبيرة، لم يكن لدى البرادعى سوى جمل قصيرة وعبارات عامة قدم أغلبها في شكل تغريدات على موقع توتير، هذه الجمل القصيرة تداولها أنصاره كخلاصة الحكمة والحداثة معا، رغم أنها عبارات تقليدية قيلت آلاف المرات قبل ظهوره، تحول الموظف الدبلوماسي إلى أيقونة سياسية تم ترويجها، يمكن القول أن فقر التيارات السياسية نظريا في المشهد المصري، وانتشار ميول ليبرالية مبهمة، وميل جزء كبير من نشطاء الحملات الظرفية والمجموعات حديثة العهد بالنضال، إلى عدم التحزب ورفض التسيس والأيدولوجيات، قد ساعدوا على هذا الاستقبال الفخم للبرادعي، وترويجه كأيقونة ثورية، وجد أيتام العمل السياسي في البرادعى أبا روحيا، وملهما لا يثقلهم بغير بعض الجمل البسيطة، ولا يلزمهم بأي التزام، لم يكن البرادعى قائدا سياسيا او وجه مقبول شعبيا، ولم يكن له نطاق حركة سوى الالتقاء بمريديه ويحدث غالبا في منزله الفخم. وحين اندلعت ثورة يناير قام أنصاره بجهود جبارة لتحويل البرادعى من أيقونة رمزية، إلى خومينى مصر، فهو من حرك – عن بعد – النشاط الاحتجاجي وموجات النضال، وهو أيضا “مفجر الثورة المصرية” الذي ايقظت تويتاته الركود السياسي وحركت الجماهير. هذا الرجل البسيط الذي لا تاريخ له، تحول فجأة إلى أب التاريخ السياسي المصري المعاصر.

تلك الأسطورة الليبرالية لم تعمر طويلا، لم يتحمل الدبلوماسي المرفه غبار الصراعات السياسية الفعلية، فانسحب فجأة تماما كما ظهر فجأة، تاركا صغاره الأيتام دون إخطار، وما لبث هؤلاء أن انقلبوا عليه، بعد أن خزلهم، متهمين أسطورتهم بالجبن والهروب.

الثانية: ثورة الشباب

إن مصطلح (الشباب) لا يحمل أي مدلول سياسي او اجتماعي على الاطلاق، انه مجرد إشارة إلى مرحلة عمرية يمر بها جميع الأشخاص من جميع التيارات والطبقات الاجتماعية، وإن أشار إلى شيء مشترك محدد سيشير إلى مجرد سمات فيزيائية ونفسية يمر بها الكائن البشري في تلك المرحلة العمرية. فالشباب ليس شريحة اجتماعية محددة، وليس حاملا لأيدولوجيا سياسية أو عقيدة محددة، ولا يحيا كله في ظروف متجانسة تشكل قاعدة لأفكاره وطموحاته، ويتوزع رأسيا وافقيا في المجتمع دون تمايز يميزه ك(كتلة) عن غيره من الفاعلين الاجتماعين، في موقعه المحدد هنا او هناك، داخل الطبقات والشرائح الاجتماعية المختلفة.

فمن أين أتت إذا أسطورة ثورة الشباب، من حفز ظهورها وروجها حتى صارت تشبه اليقين العلمي او الديني، ولأي أهداف، وكيف تحولت ثورة اجتماعية وسياسية هائلة التركيب والقوى إلى (ثورة الشباب).

في خطابه المؤرخ 1 فبراير وجه مبارك الخطاب في مقدمته الى الشباب، ثم الشعب، لعب على مشاعر تلك الشريحة العمرية “العفوية”، والمشاعر البسيطة للجمهور، بذكاء بالغ، في الإطار الأبوي للخطاب استبعد مبارك الأحزاب والتيارات السياسية، ملمحا انهم يحاولون افساد دعوته للحوار، وانه لا ينوى الترشح لفترة تالية. نجحت تلك المغازلة العاطفية في ابتزاز مشاعر أعداد ضخمة من المتواجدين في التحرير، فأحد سمات تلك المرحلة العمرية هي نقص الخبرة العملية والنظرية، هكذا تم تفريغ أجزاء كبيرة من الميدان بخطاب عاطفي بسيط من الرئيس الأب، كادت الثورة على أثره ان تذبح في الميدان فجر اليوم التالي لولا بسالة المتواجدين.

خطابه في 10 فبراير وجهه أيضا – إلى شباب مصر، والشعب بعدهم، تعالت نبرة المغازلة فقال ” انى افتخر بكم كجيل جديد يطمح للأمل” و “طرحت رؤيا محددة للخروج من الأزمة الراهنة وتحقيق ما دعا إليه الشباب.. والمواطنون” تجاهل عمدا كل القوى والأحزاب السياسية، ركز على طيف اجتماعي عريض اسمه الشباب، يليهم حشد عام اسمه المواطنون، تجاهل كل تراث المطالبة والبرامج والشعارات التي صيغت من التيارات السياسية، ليحول مطالب الثورة إلى “مطالب الشباب”، ويخاطب الشباب مجردين من أي صفة سياسية واجتماعية، وليكرس بقوة مفهوما يخلو من أي دلالة اجتماعية.

بعد الإطاحة بمبارك قدم البرادعى كممثل (الشباب)، وتشكلت عشرات الائتلافات التي وضعت بسرعة ختم “الشباب” على يافطتها، باعتباره الختم الرسمي للثورة، ضخم الاعلام في الداخل والخارج بمنهجية من صورة هؤلاء، وتحولت الثورة على يد أجهزة الاعلام الى “ثورة الشباب”، قدمت قناة BBC العربية تغطية في فبراير 2011 أشارت فيه الى وائل غنيم باعتباره “مفجر الثورة المصرية الشاب”.

أصبح أحد اهم شعارات الثورة هو “تمكين الشباب” الذي لم يكن يعنى عمليا سوى ضمهم الى وظائف مرموقة في نفس الدولة، وضمن نفس النظام الذي قامت الثورة في مواجهته، وقدم الإعلام مسوخا كثيرة– للتحدث باسم الثورة، أو باسم ائتلاف ما من ائتلافات “شباب” الثورة، التقف المجلس العسكري أيضا تلك الكرة واخذ يعقد لقاءات متكررة مع الشباب وائتلافات الشباب وممثلي الشباب.

هكذا بواسطة توجيه أيدولوجيى النظام، ولغياب تنظيم ثوري قادر على فرض نفسه على مسرح الأحداث، وسيولة المشهد السياسي، تم تفريغ الثورة من مضمونها الاجتماعي، ثورة لا يظهر على مسرحها طبقات ما، ومن محتواها السياسي، حيث لا أحزاب أو تيارات، فكل ماعدا “الشباب “هامش غير هام، وبدلا من مواجهة الطبقة المسيطرة أو الدولة الاستبدادية، تم توجيه العداء إلى “دولة العواجيز” فبديهي ان يكون العدو في تلك المعادلة “العمرية” هم العواجيز، وليس الطبقة أو الدولة.

هذا التأريخ المسخ شارك كثيرون في صنعه، وان كان منتجه الأصلي هو لاعبو الأيدولوجيا التي استخدمها النظام بذكاء، وهكذا انحط المشهد وتم ابتذاله، وانحطت القيمة الاجتماعية والفهم التاريخي لثورة من أعظم ثورات عصرنا، لم تكن فقط مسألة قيمة أو فهم، بل كانت الطلقات الأيدلوجية الأولى للثورة المضادة، وتجهيزات الكواليس.

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. Ahmedyahia

    مقال وتحليل رائع

موضوعات ذات صلة

عمال المحلة يطلقون نداءهم مجددًا القول بأن إضراب عمال المحلة الذي أوشك أن يكمل أسبوعه الثاني للمطالبة بالعلاوة الاجتماعية وعلاوة غلاء المعيشة وزيادة بدل الوجبة، بالإضافة لمطالب أخرى، ستكون له نفس النتائج، أي أنه سيطلق موجة من الحركة العمالية ويكسر حالة الجمود السياسي، سيكون تبسيط مخل، لا يعبر عن بذل أي جهد في فهم الحركة العمالية ومحاولة التفاعل معها. كذلك اعتبار إضراب 16 ألف عامل للمطالبة بالعلاوات وبدل الوجبة حدث عابر لا يمس الأوضاع السياسية والاجتماعية ليس سوى استمرار للتعالي النخبوي على الحركة العمالية، والذي كانت عواقبه وخيمة على مدار السنوات الماضية.

مصطفى بسيوني

الاقتصاد السياسي والحركات العمالية والانتفاضات الشعبية في 2011 تميل التحليلات الغربية للانتفاضات العربية التي اندلعت سنة 2011 إلى التأكيد على دور شباب الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي أو منظمات المجتمع المدني. ولعل التركيز على الحركات الاجتماعية للعمال والعاطلين قبل اندلاع هذه الانتفاضات وأثناءها يوفر مزيدا من العمق التاريخي والفهم الأصيل.

جويل بنين

دول الإقصاء الدولة القومية ذات الحدود الواضحة هي فكرة حديثة ارتبطت بتطور الرأسمالية. بيد أن العمال والفقراء هم الذين يعانون على جانبيها.

فيل مارفليت