البلاشڤة، الإسلام ونساء الشرق

أفكار, خبرات, قضايا

10  مارس  2018

يؤمن الكثيرون أن لا تعايش ممكن بين الدين والاشتراكية، وأن الإلحاد ضرورة عند الاشتراكيين. غير أن علاقة البلاشڤة الرائعة مع مسلمي روسيا في أثر ثورة ١٩١٧ تنفي هذه الاطروحة

لطالما حملت أفكارا اشتراكية من صغر سني، غير أنني كنت أعتقد أن من المستحيل أن اكون مسلمة واشتراكية في آن واحد، أو أن ارتدي الحجاب وأؤيد تحرر المرأة. أن هذا الاعتقاد مشاع لدى المسلمين، ويرتكز على فرضية أن على المرء أن يكون ملحدا كي يكون اشتراكيا لأن كل الاشتراكيين يعادون الدين.

تلقى هذه الفرضية تبريرها بإلقاء نظرة على اليسار في أوروبا وخارجها. فالعديد من اليساريين يستصعبون مقاربة المسائل الدينية وخصوصا الاسلام. البعض منهم راح إلى حد الوقوف الى جانب قوى اليمين في مساعيها لحظر ارتداء الحجاب باسم تحرر المرأة.

غير أن هناك تراث آخر على اليسار، جذوره في كتابات كارل ماركس عن الدين وممارسة الحزب البلشڤي في مقاربته لمسلمي الامبراطورية الروسية خلال ثورة ١٩١٧.

فهم ماركس تماما طبيعة الدين المتناقضة. وكما كتب في “مقدمة الى نقد فلسفة الحق عند هيجل”: أن الآلام الديني هو، في شطر منها ، تعبير عن الآلام الواقعي، وهو من جهة أخرى احتجاج على الآلام الواقعي. الدين زفرة الإنسان المسحوق ، روح عالم لا قلب له ، كما أنه روح الظروف الاجتماعية التي طرد منها الروح. إنه أفيون الشعب.”

من الممكن ظهور المقاومة والتعبير عنها من خلال الدين، حتى لو الدين نفسه ينبثق من الشعور بالاضطهاد والاغتراب. فهم البلاشڤة ذلك في عام ١٩١٧. كان الحزب البلشڤي غير ديني لكن الإلحاد لم يكن ابدا شرط من شروط الانتساب إليه – فالدين كان يعتبر مسألة خاصة.

كان موقف القائد البلشڤي فلاديمير لينين من الدين موقفا واضحا للغاية. ونعت اليساريين الذين (مثلهم مثل الملحدين المتطرفين) يتعمدون إهانة المعتقدات الدينية ب “الماديين الصبيانيين”. وشجع تجنيد المؤمنين في الحزب البلشڤي، وناداهم ب “المنتسبين الثوريين الخام الذين يدقون على بابنا” واعتبرهم أساسيين لنمو الحزب وللثورة. 

حين اندلعت الثورة، كانت الإمبراطورية القيصرية الروسية موطنا لستة عشر مليون مسلم الذين كانوا يشكلون ما يقارب عشر مجمل سكانها. شجعت أزمة نظام القيصر نمو الأفكار الراديكالية في عقول سكان شرق الإمبراطورية من المسلمين، خصوصا أن هذا النظام كان قد اخضعهم لسنين من الاضطهاد الرهيب. وكانت الحرية الدينية والحقوق القومية تشكل أساس مطالباتهم.

إن تلبية هذه المتطلبات شكلت اولوية للينين والبلاشڤة فور استلامهم الحكم بعد ثورة أكتوبر ١٩١٧.  

أعلن نهار الجمعة، أعظم أيام الأسبوع لدى المسلمين، نهار راحة في آسيا الوسطى. أما المقدسات الإسلامية من معالم وكتب وحرف والتي نهبت من قبل القياصرة، فردها البلاشڤة للمساجد. كما أقيمت محكمة شرعية اسلامية سنة ١٩٢١ ضمن نظام قضائي مزدوج، يتيح الناس الخيار بين العدالة الدينية والعدالة الثورية. وتم حرم العقوبات البدنية مثل الرجم بالحجارة وقطع الايادي.

مع حلول عام ١٩٢٢ أنشئ نظام تعليمي إسلامي، وكرست الحكومة بعض الأوقاف الإسلامية للتعليم. من هنا نشأت مئات المدارس القرآنية.

أن هذه الحقوق لم تكن مجرد منح من الاعلى، بل كسبت من خلال نضال المسلمين جنبا الى جنب مع البلاشڤة في مخاض الثورة.
أمّن البلاشڤة نتيجة موقفهم دعم غالبية الزعماء المسلمين للنظام السوڤيتي الجديد، وأصبح السكان المسلمون عازمون على القتال والموت من أجل النظام في الحرب الاهلية. مع حلول عام ١٩١٩، كان هناك ما يقارب ربع مليون مسلم يخدمون في الجيش الاحمر تحت ضباط مسلمين، كما شكل عشرات الآلاف منهم ما عرف ب “كتائب الشريعة”. وتمكن الجيش الأحمر من تأمين الحكم الذاتي للشعوب التي كانت مستعمرة من قبل النظام القيصري سابقا، حيث شكلوا جمهوريات تتمتع بنسبة من الاستقلالية.

في سنة ١٩٢٠ نُظِّم تجمع شديد الاهمية في مدينة باكو في ازربيجيان وعرف بأول مؤتمر لشعوب الشرق. ذكر شاب ازربيجاني مسلم خدم كحارس للمؤتمر أنه كان يضع سلاحه جانباً عند الآذان قبل أن يعاود حمله بعد الصلاة “من أجل الدفاع عن المؤتمر والثورة”.

شكل المؤتمر محطة مفصلية في النضال ضد الحكم الاستعماري في آسيا – ليس ضد النظام القيصري القديم وحسب، بل ايضا ضد الامبريالية البريطانية. حضر المؤتمر مندوبين قادمين من اقصى الشرق (اليابان)، والبعض منهم خاطر بحياته؛ وتم اغتيال العديد من المندوبين خلال الرحلة. وبذلت الحكومة البريطانية شتى الجهود لمنع المندوبين من السفر إلى باكو، فنظمت البحرية دوريات في البحر الاسود (تركيا) وهاجمت البواخر التي استقلت المندوبين. هذه الجهود أكدت الخطر الذي مثله المؤتمر للامبريالية الغربية والبريطانية خصوصا.

تمحور المؤتمر حول الدعوة للجهاد ضد الامبريالية الغربية، بهدف “تحرير البشرية كاملة من طغيان العبودية للرأسمالية والإمبريالية، والقضاء على كل أشكال اضطهاد الشعوب على يد شعوب اخرى وكل أشكال استغلال الإنسان للإنسان.”

غير آثار الحرب الأهلية  للدفاع عن الثورة شكلت عبئا رهيبا على النظام وأرهقت موارده، ومع حلول سنة ١٩٢٢ أصبح النظام السوڤيتي عاجزا عن تلبية احتياجات الناس الاساسية. ونتيجة ذلك أن السوڤيتات لم يتمكنوا من استكمال سعيهم الجبار تأمين الحرية الدينية والحقوق القومية للمسلمين بشكل عملي. فاضطر النظام الى خفض الإعانة المالية المخصصة لآسيا الوسطى بشكل جذري، وأغلقت العديد من المدارس الرسمية واضطرت المدارس القرآنية الى البحث عن تمويل محلي. وفي سنة ١٩٢٤ اضطر النظام إلى إلغاء تمويله للمحاكم الشرعية.

لم يغير النظام سياسته تجاه المسلمين، ولم يلجأ الى هذه التخفيضات إلا مجبرا مرغما بفعل الوضع الاقتصادي المأساوي. غير أن نمو الستالينية بدايتا من منتصف العشرينيات كان معناه حرب مفتوحة على الدين وخصوصا الدين الاسلامي. فهم لينين وتروتسكي الحرية الدينية كتعويض عن الجرائم التي ارتكبها النظام القديم بحق الأقليات، وايضا كوسيلة للكشف عن الانقسامات الطبقية داخل المجتمع الإسلامي؛ وكان ذلك شرط مسبق لتوحيد الطبقة العاملة. أما ستالين فلم يميز طبقيا بين الظالم والمظلوم من الدين الواحد.

خطت النساء المسلمات خطوات كبيرة تجاه التحرر النسوي والحريات الدينية خلال الثورة الروسية وبعدها. أقيم مؤتمر امرأة المسلمة الروسية لأول مرة في مدينة قازان في ٢٣ إبريل سنة ١٩١٧، وحضرته ٥٩ مندوبة منتخبة وأكثر من ٣٠٠ امرأة. وصوت المؤتمر على قرارات تطالب بالمساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق السياسية، حق الطلاق وحظر زواج القاصرات ناهيك عن طلبات أخرى.

أصبح القرارات العشر، الذين نتجوا عن مؤتمر المرأة المسلمة، موضع بحث مؤتمر جميع مسلمي روسيا الذي انعقد في شهر مايو ١٩١٧ وخصص يوما كاملا من النقاشات لقضية حقوق المرأة. تمحورت النقاشات يومها حول موضوع تعدد الزوجات. تبنى بعض المندوبين موقفا إصلاحيا تجاه المسألة، بينما كان مؤتمر النساء قد اتخذ قرارا تاريخيا وطالب بحظر تعدد الزوجات نهائيا.

أكدت النقاشات خلال مؤتمر جميع مسلمي روسيا على تأثير الثورة الروسية على المرأة – وختم المندوب إسماعيل ايمانوڤ نقاش تعدد الزوجات بدعوة المؤتمر لمنح النساء كل الحقوق اللواتي يطالبن بها لأنهن ستأخذها بأيديهن بأي حال. أصبح صوت المسلمين والمسلمات اعلى مما كان عليه أيام القيصر.

من الملفت أن مسألة الحجاب لم تتصدر النقاشات وبالكاد ما ذكرت. كان مؤتمر شعوب الشرق الاول من نوعه عالميا من حيث تحرير المرأة من القيود المنتشرة في المجتمعات الإسلامية آنذاك، غير أن وكما صرحت المندوبات، “يمكننا القول بأن مسألة الشادور هي آخر الأولويات.”

بعد ثورة أكتوبر، قام الزينوتديل (المنظمة البلشڤية لحقوق المرأة) تحت قيادة انيسا ارمان واليكساندرا كولونتاي بتنظيم متطوعات، غالبا ما كن من المحجبات، للسفر الى المناطق ذات الغالبية المسلمة للعمل مع النساء المحجبات. نظمن برامج تثقيف وتعليم وناقشن أوضاعهن مع النساء المسلمات. البعض منهن دفعن بحياتهن لمناهضة الذكورية في مجتمعات اسلامية معزولة.

هاجم ستالين الإسلام تحت غطاء تحرر المرأة، وكان هذا في تناقض مباشر مع أعمال البلاشڤة في السنين التي تلت الثورة. بدأ ستالين حملة في يوم المرأة العالمي في الثامن من مارس ١٩٢٧ اطلق عليها اسم “خدزوم” ومعناه اقتحام او هجوم. هذه الحملة أرغمت المسلمات على نزع حجابهن على مشهد من الناس.

لم يعني هجوم ستالين تحرر المرأة المسلمة بل على عكس، كانت نتيجته أن آلاف الأطفال المسلمين وخصوصا البنات منهم، تم سحبهن من المدارس السوڤيتية كما استقال الآلاف من عصبة الشباب الشيوعي. اما البنات فالبعض منهن  اضطررن على الدخول في زواج متعدد في غياب فرص العمل والفرص الاقتصادية.

لم يحرر ستالين المرأة؛ على العكس، فقد دفع بها للعودة الى داخل المنزل. تطابق هذا مع اعادة استنباط القيم العائلية التقليدية في جميع أنحاء روسيا، والتي شجعت المرأة على إعطاء الأولوية للأمومة. مثلت سياسة ستالين انقطاع مع التراث البلشڤي وانقلاب على مكتسبات الثورة.

أما اليوم فما تزال الهجمات على المسلمين وخصوصا المسلمات تتنكر تحت راية تحرر المرأة، من مراقبي المدارس البريطانية الذين يقيمون باستجواب تلامذة الصف البدائي حول الحجاب الى رجال الشرطة المسلحين الذين أرغموا امرأة مسلمة على خلع ملابسها على الشاطئ في فرنسا.

للأسف فإن البعض على اليسار يدعم هذه الهجمات. على سبيل المثال، حاول ال CNDF وهو ائتلاف نسوي بارز في فرنسا أن يمنع المسلمات المحجبات من المشاركة في مظاهرات يوم المرأة العالمي، واضعا نفسه في تحالف ضمني مع الدولة الإمبريالية الفرنسية ضد مواطنتها الأكثر تعرضا للاضطهاد.

على الاشتراكيين الوقوف إلى جانب المضطهدين عندما يتعرضون للهجوم أو يناضلون من اجل حقوقهم. علينا دائما أن نحافظ على مبادئنا السياسية ووعينا بأن المسألة الطبقية تعطي الاضطهاد شكله وتشكل مفتاح مناهضته في آن واحد.

هذا هو تراث البلاشڤة. كما قال تروتسكي فأن من يريد تغيير العالم عليه أن ينظر إليه بعينين المرأة، فلنغير عالمنا إذا من خلال المرأة المسلمة.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الانتخابات لماذا؟

هاني شكر الله

أوراق من اليسار المصري: وثيقة”طبيعة السلطة البرجوازية في مصر” لقد وجهت الطبقة الجديدة ضرباتها إلى رأس المال الكومبرادوري، والى رأس المال الاستعماري كما عملت على تصفية كبار ملاك الأرض كطبقة، وأدى ذلك إلى الخروج من قبضة السيطرة الاستعمارية الاقتصادية. ونجد أثر ذلك في الريف، فقد فتح الباب على مصارعيه لنمو العلاقات الرأسمالية فيه. وقد نمت الطبقة الرأسمالية الزراعية (من 10 - 50 فدانا) من ناحية العدد، ومن ناحية حجم الملكية، ومن ناحية نسبة ما تمتلك من أرض إلى المجموع العام.

بالأحمر

دول الإقصاء الدولة القومية ذات الحدود الواضحة هي فكرة حديثة ارتبطت بتطور الرأسمالية. بيد أن العمال والفقراء هم الذين يعانون على جانبيها.

فيل مارفليت