معترك جديد

ملاحظات على هامش انتخابات المهندسين

أفكار, قضايا

07  مارس  2018

لم أتوقع أن يثير قراري للترشح لانتخابات نقابة المهندسين كل هذه الضجة، بعض الأصدقاء الزملاء الأعزاء رحبوا بالفكرة واحتفوا بها واعتبروها خطوة جديدة واستمرار للمعافرة والتحدي، لهم لكل الشكر علي ذلك.
ولكن بالنسبة لي كان الموضوع أبسط من ذلك، علي الجانب الآخر فوجئت برد الفعل المبالغ فيه من جانب بعض اذناب وذيول النظام، فقد خصص أحد المذيعين فقرة في برنامجه لمهاجمتي واعتبر مجرد تفكيري في الترشح مصيبة كبري وكارثة لابد من تداركها، فأحمد ماهر له دور في “فوضي ٢٥ يناير ٢٠١١ التي جلبت الخراب علي مصر”، علي حسب وصفه، ودعي المهندسين الشرفاء “على غرار المواطنين الشرفاء” إلي التصويت ضدي في الانتخابات حتي لا يتم السماح لي بالتواجد في مجلس النقابة لأن مجرد ظهوري في الحياة العامة يمثل إساءة لثورة ٣٠ يونيو المجيدة علي حسب وصفه.
ولم تمر أيام قليلة حتي فوجئت بالمحامي بدعوي مرفوعة ضدي أمام القضاء الاداري تطالب بشطبي من انتخابات نقابة المهندسين بسبب دور أحمد ماهر في تشويه ثورة ٣٠ يونيو في بعض الكتابات وبسبب التواصل مع دول معادية لمصر “لم تحددها الدعوة”، الاغرب أن القضاء الاداري حدد جلسة بالفعل وتم التأجيل ليوم ١٦ مارس للنظر في الموضوع.
وكثيرا ما سألني البعض لماذا قررت فجأة تقديم أوراقي للترشح فى انتخابات نقابة المهندسين المصرية 2018 وقبل إغلاق باب الترشح بيوم واحد؟، صراحة لم أكن بعيدا تماما عن العمل النقابي، فقد كنت متابع لأنشطة مهندسين ضد الحراسة عندما كنت طالب في كلية الهندسة حتي عام ٢٠٠٤، وانضممت لمجموعة المهندسين الديمقراطيين في صيف ٢٠٠٥، وإن لم استمر بشكل طويل في الأنشطة،ولكن كنت اكثر انشغالا بالعمل الاحتجاجي عن العمل النقابي، ولكن حدث تواصل مرة أخري عام ٢٠٠٨ بين حركة ٦ابريل “التي تم تأسيسها بعد الإضراب العمالي الشهير في المحلة” وبين مجموعة مهندسين ضد الحراسة متمثلة في المهندس طارق النبراوي “النقيب الحالي ذي الخلفية الناصرية”، أما بعد الثورة فقد كان النشاط الاحتجاجي هو الأبرز والأكثر طغيانا علي العمل السياسي أو النقابي، بخلاف حالة التقلب وعدم الاستقرار السياسي التي استمرت لفترة، وبعد رفع الحراسة عام ٢٠١١ استطاعت جماعة الإخوان المسلمين بالفوز بأغلبية مجلس نقابة المهندسين، وكان معظم المهندسين المنتمين للتيار المدني أكثر اهتماما بالنشاط الاحتجاجي خصوصا في ظل حالة عدم الاستقرار التي كانت سائدة في ذلك الوقت، أو يمكن القول بأن جماعة الإخوان كانت هى الاكثر استعدادا بعد الثورة لأي نوع من اأواع الانتخابات مما مكنها من الفوز باغلبية البرلمان وكذلك النقابات المهنية ثم الرئاسة.
وفي عام 2014 تم حبسي في سجن ليمان طرة لقضاء 3 سنوات بتهمة التظاهر بدون تصريح، ولكن تابعت الجمعية العمومية الطارئة التي ازاحت المجلس ذا الأغلبية الإخوانية، ثم فوز تيار الاستقلال في نقابة المهندسين والنقيب المهندس طارق النبراوي ذي الخلفية الناصرية.
ولكن تيار الاستقلال كان يحمل نفس التركيبة التي سادت في عام 2013 و 2014 من تحالف بين تيارات يطلق عليها مصطلح التيارات “المدنية” بالإضافة إلي المعارضين للإخوان من البيروقراطية والدولة العميقة الذين أزاحتهم ثورة 25 يناير ثم عادوا مرة أخري مع 30 يونيو 2013، وتفائل البعض بإزاحة الإخوان من مجلس النقابة، ولكن مع الوقت بدأت الكوارث في الظهور. فبداية قام المجلس الجديد بإلغاء فكرة المساعدات المالية والقانونية للمهندسين المحبوسين وأسرهم، بحجة أن النقابة لا تدعم “مهندسين ارهابيين أو ضد الدولة”، فقد كان معظم المهندسين المحبوسين من جماعة الإخوان وإن كان هناك عدد لا بأس به من مهندسين ينتمون لأحزاب وحركات ما يطلق عليه التيار المدني، ولكن التضامن كان انتقائي بشكل كبير للأسف الشديد.
وبشكل عام هناك العديد من الملاحظات علي آداء تيار الاستقلال في نقابة المهندسين، فلم تتوقف مثلا الكثير من الممارسات السيئة التي كانت موجودة أثناء فترة الحراسة، كما أن الجمعية العمومية الأخيرة في ٢٠١٧ كشفت عن العديد من وقائع الفساد وإهدار المال العام ، بالإضافة إلي استمرار الخدمات السيئة، وتجاهل كل المقترحات والأفكار الجديدة لتنمية الموارد وتحسين الأداء، بالاضافة لمجاملة نقيب المهندسين للسلطة عن طريق المساهمة في مشروع تفريعة قناة السويس، وهو مشروع عليه الكثير من الجدل حول جدواه الهندسية والاقتصادية، ومجاملة المجرم بشار الأسد عن طريق زيارة وفد من نقابة المهندسين المصرية لدمشق ونظام بشار، بالإضافة لإهدار دور النقابة في دعم المهنة بشكل عام أو مناقشة جدوي بعض المشروعات، وكذلك لم تساهم النقابة بمجهود يذكر في قضية دعم شباب المهندسين ومحاولة تقليل البطالة في صفوفهم، أو ضمان راتب مناسب للمهندس الشاب ووقف استغلال أصحاب العمل، كما لم تقم النقابة بالضغط الكافي لتمرير قانون كادر المهندس رغم التفاوت المذهل في الرواتب بين القطاع العام والخاص ورغم استغلال أصحاب العمل لشباب الخريجين وتشغيلهم برواتب ضئيلة.
ورغم إخفاقات تيار الاستقلال في إدارة نقابة المهندسين خلال السنوات الأربع الماضية، إلا أن الكل يتابع المحاولات الحكومية الحثيثة لإعادة السيطرة والتحكم في النقابات خصوصا المهنية منها، فقائمة المهندس هاني ضاحي – وزير النقل السابق – تنافس بثقل كبير عبر دعاية تستخدم موارد هائلة، وحشد قطاعات هامة في الدولة مثل قطاع الكهرباء والبترول ومهندسي شركات قطاع الأعمال والشركات التابعة للشركة القابضة للتشييد والبناء، وهو ما يطلق عليه بعض أنصار السلطة “اعادة الشيئ لأصله” ووقف الفوضي النقابية التي جائت مع ٢٥ يناير.
فالحريات النقابية يعتبرونها فوضي، وبالرغم من أن أصل النقابات أن تكون مستقلة لتستطيع الدفاع عن مصالح الفئة التى تمثلها أمام السلطة، إلا أن النقابات المستقلة التي تم إنشاؤها بعد الثورة تعتبرها السلطة مجرد مؤامرات دولية ومخططات لتدمير مصر علي حسب زعمهم، انها سياسة “الاحتواء الوظيفي” الذي ساد منذ الخمسينيات في العهد الناصري بأن تكون النقابات والمجتمع المدني مجرد هياكل لتنظيم واحتواء الأفراد، وأن تكون هذه الكيانات والهياكل تابعة للدولة تنفذ أوامرها وجزء من خطة الحكومة، اعتقادا بأن المجتمع المدني المستقل والنقابات الحرة هي مخططات وأدوات”للاستعمار” في الخمسينيات أو أدوات “قوي الشر” كما يقال هذه الأيام، ولذلك لا يقتنعون بأهمية المجتمع المدني الحر والنقابات الحرة، وبالنسبة لمعتقدات السلطة الحالية في مصر لا ينبغي للنقابات أن تواجه الحكومة أو تعارض إصدار قانون أو إجراء حتي لو كان يمثل خطرا علي المهنة والقائمين عليها، فالحكومة هي فقط من يعرف مصلحة الشعب ولا يجوز معارضتها.
في قناعاتي وكما قرأت، فالمجتمع المدني عموما والنقابات خصوصا لهم دور هام في الحفاظ علي الدولة والمجتمع، وليس هدم الدولة وتفكيك المجتمع كما تزعم الأنظمة السلطوية، والمجتمع المدنى القوي والنقابات القوية تعني دولة قوية وليس العكس، لا تنهار الدولة القوية بمجرد تغيير رأس السلطة أو بتغيير نظام الحكم, بل أن الدولة التي تتركز السلطات كلها فى يد شخص أو جهاز أو مجموعة هى التي تنهار بسهولة عندما يتم تغيير ذلك الشخص أو عندما تحدث ثورة على تلك المجموعة، ولذلك فتدعيم استقلالية وقوة المجتمع المدني ومن ضمنها النقابات هو تقوية ودعم للدولة في حقيقة الأمر إن كانوا يعقلون.
كان إقدامي علي الترشح انطلاقا من هذه القناعات، رغم عدم تمكني من الفوز هذه المرة ورغم خسارة القائمة التي انتمي لها، إلا أن العمل النقابي في غاية الأهمية، ولا يقل أهمية عن العمل السياسي إن لم يكن أكثر أهمية خصوصا هذه الأيام، بالرغم  من أن المجال العام مغلق في مصر، ومجرد الحديث في السياسة  أو التعبير عن الرأي أو انتقاد الأوضاع  قد يؤدي إلي الحبس لسنوات طويلة بتهم كثيرة مثل نشر اخبار كاذبة أو نشر المناخ التشاؤمي أو التحريض أو الانضمام لجماعة محظورة أو محاولة قلب نظام الحكم وإلي آخره من تلك التهم المعلبة، ولا فارق في ذلك بين أعضاء جماعة الاخوان أو أعضاء حركات اجتماعية أو شبابية تنتمي للتيار المدني أو حتي أعضاء بأحزاب سياسية رسمية تعمل من خلال الدستور والقانون، ولكن لا يجب الاستسلام لذلك الحصار، ومن الخطأ أن يتقوقع بعض الفاعلين في المجتمع ويقررون العزوف التام عن كل وسائل العمل العام، أو ينتظر البعض أن تأتي المعجزة فجأة، أو أن يتم فتح المجال العام كمنحة من النظام السلطوي بدون سابق إنذار،
وفي رأيي لا يجب أن يقتصر تواجد من يحمل رأي أو يرغب في العمل العام علي النشاط السياسي الحزبي أو النشاط الاحتجاجي، بل أن المجتمع المدني عموما والنقابات خصوصا لا تقل أهمية إن لم تكن اكثر أهمية في وقت مثل الوقت الحالي.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

مائدة مستديرة: “30 يونيو” بعد أربع سنوات تقدم "بالأحمر" أعمال المائدة المستديرة التي عقدتها بمناسبة حلول الذكرى الرابعة لـ30 يونيو 2013، والتي حاولنا فيها النظر من عدة زوايا للحدث الذي مثل تحولا لمجرى الأحداث في مصر. وإذ شهد اللقاء نقاشا ثريا بين مختلف وجهات النظر، فإننا نأمل أن يسهم نشرنا لأعمال المائدة المستديرة في استكمال هذا النقاش.

قراءات في ثورة يناير 2011: كان الأمر غيرُ عاديّ.. ولم يكُن هناك تفسيرٌ لما يحدث بالشارع لدى كُلٌ منا.. ولم تكن هناك –في نفس الوقت- أية تنبؤات لما ستؤول إليه الأوضاع قُدُما.. إلا أن الاهتمام كان مُنصَبا على جلال اللحظة وهيبتها..

محمد هشام

قراءات في ثورة يناير 2011: تاريخياً، لا يوجد نموذج بديل فوري، باكتماله وطرح تطبيقه تتم إزاحة السلطة القديمة وأفرادها.

علي الرجال