من مصر تفرح لمصر جابت جون

قضايا

04  مارس  2018

لا يا رجل هذا يسئ كثيرا لاحترام الفضيلة!!.. هكذا صرخت الجدة في وجه ‏بقال القرية، الأرمل القذر، الذي منحته حفيدتها ليفض بكارتها مقابل بعض ‏النقود، بعدها حولت الجدة الفتاة الصغيرة ماكينة لإدرار المال. وعندما لم يتبق ‏رجل واحد في القرية يمكنه أن يدفع ثمن مضاجعة الفتاة، لم تكتف الجدة وحملتها ‏الى قرى أخرى ليصطف الرجال في طابور طويل أمام باب خيمتها بعد أن ‏ذاعت شهرتها وانضم إليهما جوقة موسيقية ومصور وبعض الخدم، ليكتمل ‏المشهد الكرنفالي العجيب في قصة ايرينديرا البريئة وجدتها لجابرييل جارسيا ‏ماركيز.

على الجانب الآخر من الكرة الأرضية هنا في مصر المحروسة دار ‏حوارا آخر مشابها على شاشة التيلفزيون المصري مع زاهي حواس الوزير ‏الأسبق للآثار وأحد أهم مهندسي معارض الآثار الخارجية وإحدى العضوات في ‏الحملة المجتمعية للحفاظ على الآثار، حيث اختلفا على قيمة التأمين على القطع ‏المشاركة في معرض آثار الملك توت عنخ آمون، الذي سوف يجوب ستة مدن ‏كبرى في عدة دول، في الفترة ما بين 22 مارس 2018 حتى 30 نوفمبر ‏‏2024، ويضم 166 قطعة من مقتنيات مقبرة توت عنخ أمون الفريدة، وقد ‏بلغت القيمة التأمينية للمعرض 862 مليون و800 ألف دولار. المسؤلون همشوا ‏‏”مصر كلها” وسيطروا على كل ما يمكن أن يدر المال. فما هي أهمية التاريخ ‏والتراث الفريد ما لم يدر المال ومصر تحتاج الأموال لتنهض!!. فتحت عناوين ‏وطنية ذكرت فيها جمل “المعرض دعاية إعلامية لمصر – التماثيل دي بتجيب ‏فلوس لمصر- الرئيس هايفتتح المعرض عشان اسم مصر- المعرض سيعيد ‏لمصر قوتها الثقافية”. بينما مصر نفسها صامتة إلا من زوابع خفيفة على ‏السوشيال ميديا أظهرت مصر في وضع الفتاة ايرينديرا البريئة التي تسلطت ‏عليها الجدة الشريرة تمنحها لمن يدفع، من خلال مشاهد مبتذلة تتسابق فيها ‏المعارضة مع النظام من أجل تثمين تراث إنساني “ليس ملكا لهم”. بينما لا يجن ‏أهل مصر إلا مزيدا من النهب والقمع والحرمان من السيطرة على الموارد.‏

كثيرا ما يستخدم التراث سياسيا ليستند النظام على خلفية تاريخية موغلة في ‏القدم والغنى تسدد خطاه. على سبيل المثال لا الحصر نظم المتحف المصري ‏رحلة لزيارة منطقة حفر تفريعة قناة السويس. وفي أغسطس 2015 نظم ‏المتحف المصري معرضا مؤقتا بمناسبة افتتاح تفريعة قناة السويس تناول ‏المعرض الحديث عن الآثار المكتشفة في منطقة قناة السويس وحصون سيناء ‏بوصفها البوابة الشرقية لمصر وكان هناك إسهاب في الحديث عن طريق ‏حورس الحربي وقلعة ثارو الحصينة وأهمية سيناء وعظمة جيش مصر قديما ‏وحديثا، وسيطرة مصر وبأسها. وحملت بطاقات شرح القطع الأثرية نبرة ‏وطنية عتيدة تشيد بالأمجاد.‏

في 25 أبريل 2016 في أثناء مطاردة قوات الأمن لفلول المظاهرات المناهضة ‏لبيع جزيرتي تيران وصنافير للملكة السعودية كان وزير الآثار الحالي يفتتح ‏معرضا مؤقتا آخر بالمتحف المصري بمناسبة عيد تحرير سيناء عن الأبجدية ‏السينائية تحدث المعرض عن سيناء بوصفها الأرض الأجنبية التي كانت ‏تتعرض لحملات مصرية من أجل استخراج الفيروز وغيره من الخامات ‏وتجاهل المعرض ذكر لوحات خوفو في وادي مغارة ولوحات ساحور رع أحد ‏ملوك الدولة القديمة الموجودة بالمتحف المصري ولم يشر لها من قريب أو من ‏بعيد. كما لمح المعرض إلى أن الكنعانيين هم السكان المحليون لشبه جزيرة ‏سيناء وأبجديتهم هي أم اللغة العربية متجاهلا أن تعبير الأرض الأجنبية كان ‏يطلق على الصحاري المحيطة بوادي النيل والمسكونة بالبدو وكان الإله “ست” ‏هو إله الأرض الأجنبية (الصحاري) ورياح الخماسين، بعد أن اقتسمت الآلهة ‏أرض مصر بينه وبين أخيه أوزيريس إله الأرض السوداء (الخصبة) في ‏الأسطورة الشهيرة. ومن الجدير بالذكر أن هذا المعرض جاء من مكتب الوزير ‏جاهزا لعرضه في المتحف المصري بعد ترجمته إلى العربية حيث أقيم ‏المعرض بالشراكة مع بعثة جامعة بون التي قامت بالتنقيب في منطقة سرابيط ‏الخادم بسيناء. ‏

لم يتوقف استخدام المتحف وآثاره عند هذا الحد، فعلى خلفية بيع جزيرتي تيران ‏وصنافير جاءت تعليمات وإشارات تليفونية من رئيسة قطاع المتاحف تفيد ‏بضرورة التخلص من الخرائط القديمة بالمتحف المصري وبعضها من ‏العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي. وتأسست بناءا على ذلك إدارة ‏جديدة سميت “ادارة الأرشيف” لإتمام تلك المهمة. رفض بعض العاملين بإدارة ‏الأرشيف خروج خريطة من تلك الخرائط إلا بمحاضر رسمية. على إثر ذلك ‏قامت رئيسة قطاع المتاحف بنقلهم نقلا تعسفيا من المتحف المصري إلى متاحف ‏وأماكن أخرى بعضها تاريخي حديث وإسلامي على الرغم من أن تخصصهم ‏‏”مصريات” وتجاوز عدد المنقولين تعسفيا وقتها العشرة حتى أصبح أغلبية ‏العاملين بالمتحف من المتخصصين في الفترة “الجريكو رومان” بينما تقلص ‏عدد المتخصصين في “المصريات” وعانى المتحف منذ ذلك الوقت من نقص ‏عدد الامناء من خريجي قسم الآثار المصرية. كما اختفت ادارة الأرشيف فجأة ‏مثلما ظهرت فجأة.‏

أما عن أمناء ومرممي الآثار بالمتاحف وعلى رأسهم الأمناء والمرممين ‏بالمتحف المصري فلا ينبغي لأحد أن يعترض أو يدلي بمعلومة لصحفي أو يكتب ‏شيئا عن ما يدور في كواليس المتحف أو حتى يعلن رأيه الشخصي عن سياسات ‏المتحف وطريقة العمل خوفا من العقاب. بل أن الكثيرين منهم كانوا يقومون ‏بدور الأمن في منع الزائرين من التصوير في المتحف خوفا من فضيحة مرتقبة ‏وحفاظا على سمعة المتحف المرتبطة بسمعة مصر. ‏

ووصل الأمر إلى صدور نشرة تحذير من أمين عام المجلس الأعلى للآثار إلى ‏كافة العاملين بالآثار من التعامل مع الصحفيين او مواقع السوشيال ميديا وإلا ‏سيتعرض للمساءلة القانونية. وكان قد صاحب فضيحة اللصق الخاطيء لذقن ‏قناع الملك توت عنخ آمون نقل كل من تحدث للصحف عن ملابسات الفضيحة ‏نقلا تعسفيا بدون تحقيق. ‏

نتيجة لتلك السياسات الخانقة وغيرها من المركزية الشديدة والبيرقراطية الفاسدة ‏وسيطرة عديمي المهنية يعد قطاع الآثار من أكثر القط

اعات انهيارا وسرية. ‏ونادرا ما توجد مناطق تراثية تدار بشكل جيد جدا او على الأقل جيد باستثناء ‏منطقة مثل وادي الملوك مثلا في الأقصر. وتكفي زيارة قصيرة لمنطقة ‏الأهرامات والمتحف المصري والقبطي والجوامع المملوكية والعثمانية المنهوبة ‏والمخربة تحت إشراف وزارتي الآثار والأوقاف في مختلف ربوع مصر لرؤية ‏الوضع عن قرب والبكاء على الحال. كما يندر أيضا وربما يستحيل الحصول ‏على معلومات موثقة ورسمية عن حجم السرقات والتعديات على المناطق ‏التراثية وميزانيات قطاع المتاحف والمشروعات والمناطق وعدد العاملين بهم ‏وعدد الإدارات ووظيفة كلا منها إذ تعد جميعا من الأسرار الحربية. وبعد كل ‏هذا التخريب وسوء الإدارة يأتي المسئولين ليتنصلوا من كل ذلك الإنهيار، ‏ويتحدثوا عن ضرورة عودة قوة مصر الناعمة وضرورة سفر كنوز الملك توت ‏عنخ آمون لرفع اسم مصر عاليا خفاقا بين الأمم، ولجلب الأموال وفك العمل ‏والرصد الذي يقف حائلا أمام تدفق السياحة. ‏

يضم المعرض الذي سوف يقوم بافتتاحه الشهر القادم الرئيس السيسي في لوس ‏انجيلوس بالولايات المتحدة الأمريكية عددا من القلائد الذهبية الفريدة المرصعة ‏بالأحجار الكريمة ونصف الكريمة وكل قلادة تمثل رمزية عقائدية لحماية الملك ‏ومساعدته في العالم الآخر وتختلف كل واحدة عن الأخرى وليس هذا فقط ما ‏يمنحها التفرد، إذ تعد مجموعة الملك توت عنخ آمون من أنفس وأهم المجموعات ‏في الآثار المصرية على مستوى العالم لأنها المقبرة الوحيدة التي اكتشفت كاملة ‏ولم تمسسها يد السارقين إلا في العصر الحديث أثناء عرضها بالمتحف المصري ‏في جمعة الغضب. ونتيجة لاختيار 166 قطعة للسفر في المعرض أصبحت ‏بعض الفتارين بغرفة مجوهرات الملك خاوية او نصف خاوية كما هو موضح ‏بالصور، وستظل على هذه الحال حتى عودة القطع بعد 7 سنوات. ‏

اضافة تعليق جديد