تعقيب: ملاحظات حول الكريبتو

قضايا

02  مارس  2018

نشر بالأحمر مقال لأسامة دياب بعنوان البيتكوين والعملات الكريبتو: تحرر من الرأسمالية أم إنقاذ لها؟ يشتبك فيه الباحث مع مجموعة من التساؤلات حول ظاهرة حديثة فرضت نفسها بقوة على عالم المال، إلا أن هناك عدد من الملاحظات التى يجدر الاشارة إليها ليكون الاشتباك مع هذه الأسئلة أكثر وضوحا:

مبدئيا، تسمية “العملات الكريبتو” مختلطة و تضر بفهم القارئ أكثر مما تفيد (و كذلك تسميتها أو تسمية أي شيء “بالافتراضية”)، لأنها تجمع مجموعة من الأشياء، حتى لو افترضنا أن كلها عملات للتبسيط و هي ليست كذلك، فإن سياساتها النقدية مختلفة: بعضها محدد مسبقا مثلبتكوين، و هي، للدقة، ليست سياسة نقدية انكماشية، بل تضخمية متباطئة تقترب من الصفر و لا تصل له و لا تعبره إلى التضخم السالب أي الانكماش إلا بعد أن يزيد معدل النقود المفقودة مفاتيحها عن معدل النقود المطروحة). البعض الآخر سياساته النقدية مفتوحة يمكن تغيير المعروض النقدي فيها بالزيادة أو النقصان، إما داخل بروتوكول العملة نفسه الذي يسمح بذلك تقنيا، أو بتغيير البروتوكول كله من خلال مجلس مركزي لحوكمة العملة. بالتالي، فما يهم في بتكوين ليس أنها عملة “كريبتو”، و لكنها عملة 1) لا مركزية 2) سياستها النقدية غير مرنة و متباطئة. في الأسابيع الماضية، بدأت العديد من البنوك المركزية في طرح عملات إلكترونية (كحسابات الاحتياطي) تتحكم في معروضها النقدي تماما، و لكن التسوية فيها تتم خارج البنك المركزي و بقدر من المجهولية (كالنقود). هذا عن طبيعة التقنية أو النقود التي لا يفهمها المقال بشكل واف.

يحاول المقال تصوير أن النقود التي تنشأ بعمليات برهان العمل proof of work لا يدخل في إنتاجها أي عمل، متجاهلا التكاليف الحقيقية الباهظة التي يحتاجها إنتاج هذه النقود، و التي لن تأتي إلا بالتبادل مع قيمة أخرى مولدة من بقية الاقتصاد. هذا على عكس النقود المركزية، فهي التي تنشأ بدون عمل مكافئ أو استثمار رأسمالي أو مبادلة، بل تحاول، في الحالات الرشيدة، تتبع حجم نمو الاقتصاد أو انكماشه كي تقوده في أحد الاتجاهين. بقية تحليل المقال الذي يشبه ظهور العملات اللامركزية “بدون عمل” بمخرج المدرسة الكينزية من كساد الثلاثينيات، و هو هنا يخلط خلطا لا أرى له مبررا بين إنتاج النقود، الذي يفترض خاطئا أنه يتم دون عمل و إن كانت هذه ليست النقطة هنا، بنحو بقية الاقتصاد إلى تخفيض مكون العمل نتيجة أتمتتة automation العمليات الصناعية. هذا الخلط بين إنشاء النقود و الإنتاج في الاقتصاد قاصر و غير مبرر، فأتمتتة الإنتاج و الاستغناء التدريجي عن العمل يحدث بغض النظر عن أنوع النقود المستخدمة في التداول.

أكثر ما حيرني أثناء القراءة هو موقف المقال المضطرب من الرأسمالية. ينتقد المقال الانكماش و يميل لطرح استمرار النمو المتسارع، الذي تصفه في مكان آخر بالدائرة الكينزية “الحميدة” (و هي ليست حميدة من وجهة نظر الموارد) دون أن يشرح كيف يستمر النمو في التسارع دون الأتمتة (و هذا ليس دفاعا عن الأتمتة و لا عن النمو). ما لا أجد إجابة عليه هنا هو اقتباسك يا مصطفى: ما هو ذلك السجل الحافل للرأسمالية في تطويع التقنيات الجديدة أو احتوائها؟

يكتفي المقال بأشكلة الحاضر و لا يحاول الإجابة على السؤال الأهم و الأخطر دائما: ما العمل؟ ما الذي يمكن فعله تجاه هذه العملات؟ هل نختار النمو أم الانكماش؟ إن اخترنا النمو: كيف يتحقق النمو دون الأتمتة؟ و كيف يستديم؟ و إن اخترنا الانكماش: ما الذي يعنيه الانكماش؟ كيف ندير الانتقال من هنا لهناك؟ هل يمكن أن تصبح هذه العملات المتباطئة نفسها مدخلا إلى انكماش مرغوب؟

اضافة تعليق جديد