البيتكوين والعملات الكريبتو: تحرر من الرأسمالية أم إنقاذ لها؟

قراءات, قضايا

01  مارس  2018

بدأ شاب ويلزي يدعى جيمس هويلز في عام 2009 تعدين البيتكوين في منزله من على حاسوبه الشخصي، ونجح بالفعل في تعدين 7500 بيتكوين عندما كان سعره أقل من سنت واحد، وكان لازال التعدين تكلفته قليلة وممكنا من الحواسيب الشخصية. في عام 2013، فكك هويلز اللابتوب الخاص به وباعه كقطع على موقع ebay، لكنه احتفظ بالقرص الصلب الذي يوجد عليه البيتكوين ريثما يزيد سعره ويصبح له قيمة كبيرة وقد كان. لكن في أحد الأيام وبينما كان هويلز يقوم بتنظيف منزله، قام بطريق الخطأ بإلقاء القرص الصلب الذي يحتوي على ال 7500 بيتكوين في القمامة، ومن ثم انتهى المطاف بالقرص الصلب في مكب النفايات في مدينة نيوبورت في جنوب ويلز وسط مئات الأطنان من النفايات الأخرى.

وصلت قيمة عملات البيتكوين التي كان يملكها هويلز إلى ما يقارب 150 مليون دولار حيث وصل سعر البيتكوين الواحد إلى نحو 20 ألف دولار في شهر ديسمبر 2017، بعدما كان تقريبا لا يساوى شيئا في عام 2009 عندما بدأ هويلز في تعدينه. قام هويلز بالتواصل مع مجلس المدينة في محاولة للبحث عن قرصه الصلب الضائع الذي يحتوي على ثروة ضخمة، لكن طلبه قوبل بالرفض للتبعات البيئية والتكلفة العالية لعملية البحث دون وجود ضمانات للعثورعلى القرص الصلب، وحتى إن تم العثور عليه فغالبا سيكون لا يعمل.

يتجه الكثير من المتحمسين للعملات المشفرة (الكريبتو) cryptocurrency للاعتقاد بأن اللامركزية التي تتيحها تلك التقنية لإنتاج النقود (أو وسائط التبادل التجاري) تستطيع أن تساهم في تحرير البشرية من أسباب الإفقار والإثراء التي تميز الطريقة التي تنتج بها النقود من قبل الدولة الرأسمالية الحديثة، سواء من خلال البنوك المركزية أو البنوك التجارية. – ولمَ لا؟ ألا تعني “دمقرطة” عملية إنتاج النقود وإتاحتها لعدد أكبر من الناس والجهات بالضرورة توزيعا أفضل للثروات وللدخول؟

لكن في نفس الوقت قد توفر هذه العملية الذاتية لخلق النقود بدون عمل أو استثمار رأسمالي مخرجا للنظام الرأسمالي من أزمته الحالية شبيهة بالمخرج الذي قدمته السياسة الكينزية للخروج بالرأسمالية من أزمتها في ثلاثينات القرن الماضي في ظل ما يسمى بالكساد الكبير وهو ما كان من أكبر التهديدات التي شهدها النظام الرأسمالي في تاريخه الذي يمتد لأكثر من قرنين.

كان الكساد الكبير ببساطة هو أزمة الإنتاج الزائد أو الطلب الضعيف، وهو التناقض المثير داخل النظام الرأسمالي الذي توقعه ماركس قبل قرن ونصف. ذهب ماركس بأن التطور الكبير في التكنولوجيا وزيادة الإنتاجية كنتيجة لهذا التطور ستزيد من حجم الثروة المادية ولكن في نفس الوقت ستنهار القيمة الاقتصادية لتلك الثروة وفقا لنظرية قيمة العمل القائلة بأن القيمة الاقتصادية ترتبط بالعمل المطلوب لإنتاج هذه السلعة. فزيادة الإنتاجية والتطور التكنولوجي وخفض مكون العمل سيؤدي حتما إلى أزمة الإنتاج الزائد/الطلب الضعيف وانهيار القيمة وانخفاض معدلات الربح.

تأتي غرابة هذا التناقض، الذي يراه الاقتصاديون الآن من الأمور العادية، إنه قبل سيادة النمط الرأسمالي في الإنتاج، كان تعريف الأزمات هو نقص الإنتاج، فكانت الأزمات عادة عبارة عن مجاعات أو نقص في سلع معينة. لكن في ظل نظام رأسمالي تعتمد مكوناته الاجتماعية على الربحية يتحول الإنتاج الكبير والوفرة الزائدة وانهيار القيمة إلى أزمة قد تضاهي في شدتها أزمات ما قبل الرأسمالية التي كانت تتميز بالنقصان.

تحايل كينز على هذا التناقض في النظام الرأسمالي مما أدى إلى إنقاذ الرأسمالية وتهذيبها في نفس الوقت، على الأقل بشكل مؤقت، فيما يسمى باقتصاديات “المركز”. أوصى كينز بتدخل الدولة لتشجيع الطلب بشكل اصطناعي عن طريق حزم تحفيزية تعتمد على الاقتراض، أو حتى إحداث تضخم يزيد من الطلب الفعال على المنتجات ومن ثم خلق فرص عمل، والبدء في ما يسمى في الاقتصاد الكينزي بالدائرة الحميدة، بحيث يؤدي الطلب إلى المزيد من فرص العمل. وتؤدي فرص العمل تلك إلى المزيد من الطلب وهكذا دواليك. أدت تلك السياسات إلى تحسن نسبي في وضع الطبقة العاملة، حيث اعتمد بقاء النظام الرأسمالي على تحسن القدرة الشرائية لعموم الطبقات العاملة، وحفزت السياسية الكينزية وضع حدود دنيا للأجور وتشكيل النقابات حتى يستطيع العمال المفاوضة على أجور أفضل، وبالتالي تزيد قدرتهم الشرائية/الاستهلاكية، الخ، وسميت هذه المدرسة الاقتصادية باقتصاديات جانب العرض demand-side economics.

 لكن هذا الفكر الاقتصادي أدى إلى صعود كبير في دور الدولة وقدر من الحماية للعمال وضرائب مرتفعة على الأرباح التجارية، وهو ما ترفضه الليبرالية الاقتصادية بنسختيها الكلاسيكية والجديدة. ولكن صعود سياسات الليبرالية الجديدة كنموذج سائد بديلا للسياسات الكينزية منذ أزمات النفط في السبعينات أدى مرة أخرى إلى تهميش الدولة كآلية لضبط أداء السوق وكجهة منوط بها القيام بقدر من التوزيع المحدود لعوائد رأس المال بما يحافظ على سلامة النظام الرأسمالي نفسه. قامت الليبرالية الجديدة أيضا بتهميش العمال والإضعاف من قدرتهم التفاوضية، وجاء ذلك مصحوبا بتطور تكنولوجي رهيب أزاح عن الرأسمالية إلى حد كبير صداع العمال، فأصبحت حاجة الرأسمالية إلى العمالة أقل، وأصبحت القوة التفاوضية في يدها بشكل كبير بعد تحرير سوق العمل من الكثير من الضمانات المعنية بحقوق العمال. لكن هذا التهميش والعودة لحدود ما قبل انتشار الاقتصاد الكينزي كالنمط السائد في الرأسماليات الكبرى، يلوح مرة أخرى بشبح الإنتاج الزائد/الطلب الضعيف.

حتى وإن لم يكن هذا هو الهدف من تصميمها، قد توفر العملات الكريبتو مخرجا مؤقتا من تلك المعضلة التي يصفها الماركسيون بالتناقض داخل الرأسمالية الذي سيؤدي حتما—وفقا للنظرية الماركسية—إلى حتفها بدون اضطرار رأس المال لقبول دور متوسع للدولة، وبدون الإزعاج الذي يقوم به العمال كونهم أيضا مستهلكين لمنتجات الرأسمالية. وبالتالي يجب أن يحصلوا على قدر من الثروة من أجل سلامة العجلة الرأسمالية نفسها، فطالما هدد الحراك العمالي عجلة الإنتاج الرأسمالي عن طريق العصيان والإضرابات.

مع صعود العملات الكريبتو الرقمية وإمكانية إنتاج النقود بشكل لا مركزي في المنزل، يمكن أتمتة  الإنتاج (أي جعله أوتوماتيكيا) بشكل كامل دون الخوف من تأثير ذلك على الطلب، ويمكن للدولة أن تتخلى عن دورها—التزاما بمعايير الليبرالية الجديدة—في تحفيز الطلب عن طريق السياسات النقدية والمالية بدون تأثير ذلك على جانب الطلب. فبدلا من بيع العمال قوة عملهم لإنتاج الثروة في مقابل المال الذي يسمح لهم لاحقا بخلق طلب وشراء منتجات النظام الرأسمالي، قد تمكنهم العملات الكريبتو من العمل مباشرة لإنتاج النقود من أجل خلق طلب و شراء سلع لم يدخل في إنتاجها إلا ما ندر من عنصر العمل البشري، مما يؤدي لفصل العمل (على الأقل البشري منه) عن  الإنتاج.

لكن هذا التصور—كالتصور الكينزي—قد يوفر حلولا قصيرة الأجل فقط، لأن التوسع في التكنولوجيا المنتجة وتوافرها سيؤدي إلى أنماط إنتاج صغيرة قد تساعد الأفراد والمجتمعات الصغيرة على إنتاج طعامها وطاقتها ومشاركة الموارد بشكل أكثر كفاءة، مما سيؤثر لاحقا على الطلب أيضا.

السيناريو المحتمل الأسوأ في المدى الطويل هو أنه عندما يفقد العمال وعموم الأفراد قوتهم السياسية كعمال لا يمكن أن يتم الإنتاج بدون عملهم (كنتيجة للتوسع في الأتمتة)، وكمستهلكين لا يمكن أن يتوسع التراكم بدون استهلاكهم (كنتيجة لضعف الطلب المتزايد)، وتفقد الدولة دورها كمنظم لعملية التراكم الرأسمالي، فنعود لأنماط التراكم البدائي أو ما قبل الرأسمالي وهو التراكم الذي يحدث عن طريق الاستيلاء المباشر بالعنف على الثروات لا عن طريق دورة رأس المال.

العملات الكريبتو لن تستطيع أن تحفز الطلب طالما ظلت انكماشية

 لكن العملات الكريبتو قد تؤدي إلى انهيار الطلب أيضا طالما ظلت عملات انكماشية كما هو الحال حاليا. فعدد البيتكوين محدد ب21 مليون لا يمكن زيادتهم مهما حدث، وهو ما يجعل منها عملة انكماشية بعكس النقود الإلزامية (fiat money) التي تصدرها الدولة والبنوك المركزية، التي عادة ما تكون عملات تضخمية، أي أن المعروض منها يزيد بشكل مستمر بشكل يجعل قيمتها تنخفض بشكل مستمر. أما العملة الانكماشية فهي ثابتة أو متناقصة الكمية وهو ما يؤدي إلى ارتفاع شبه مستمر في قيمتها في حالة ما كانت تستخدم كوسيط للتبادل التجاري. وجود عملة انكماشية كالبيتكوين سوق يساعد على امتصاص السيولة من الأسواق، ويقلل من حافز الاستهلاك ويشجع على الادخار.

من المهم إلقاء الضوء على الانخفاض الأخير في سعر البيتكوين برغم كونه عملة انكماشية. تفسير هذا الانخفاض هو عدم توسع العملة كوسيط للتبادل التجاري، وكونها حتى الآن على الأقل أداة للمضاربة ليس إلا، فبالتالي لا تكون مرتبطة بإنتاج داخل اقتصاد معين فلا تتغير قيمتها وفقا للتغير في الإنتاج كما هو الحادث في العملات الوطنية التي تعمل كوسيط للتبادل التجاري داخل الاقتصاد الوطني فتتأثر قيمتها دائما بمعدل الإنتاج داخل هذا الاقتصاد. فعندما يكون هناك ذلك الارتباط الوثيق بين الإنتاج والمعروض النقدي، ستزيد قيمة أي عملة انكماشية طالما زاد الإنتاج ولم يزد المعروض من العملات.

الوظيفة الأهم للنقود الإلزامية التقليدية هي دورها كوسيط للتبادل التجاري (البيع والشراء)، وتتغير السياسة النقدية للتأثير على الطلب سواء سلبا أو إيجابا وفقا للوضع الاقتصادي داخل الاقتصاد الوطني.

يتغير المعروض من النقود التقليدية باستمرار بناء على الطلب على النقود، بحيث لو حدث نمو اقتصادي وأصبح هناك زيادة في الإنتاج يزيد الطلب على النقود، فتقوم البنوك المركزية والتجارية بخلق المزيد من النقود. ومن أدوات السياسية النقدية عندما تزيد قيمة العملة بشكل كبير فتقل قيمة السلع أن يقوم البنك المركزي بضخ المزيد من النقود حتى لا يحتفظ الناس بالنقود ويتوقفون عن الإنفاق فيتأثر الطلب سلبا. وإن حدث العكس، وقلت قيمة العملة التقليدية بشكل كبير، تستطيع البنوك المركزية خلق طلب صناعي على الجنيه عن طريق زيادة سعر الفائدة. لو كان لدينا،على سبيل المثال، عدد محدود أو متناقص من النقود التقليدية كنا سنكون أكثر ميلا للادخار وليس للإنفاق، والقاعدة كانت ستكون أن أسعار السلع تنخفض ولا تزيد مع مرور الوقت. لماذا أنفق اليوم طالما سيمكنني غدا نفس القدر من الأموال من شراء سلع أكثر؟ لكن ما العيب في أن ترخص المنتجات بدل المعاناة من الغلاء الذي يعانيه الكثيرون؟

طالما نحن عالقون في نموذج اقتصادي قائم على الدين والنمو يظل انخفاض الأسعار مضرا، لأن  تكلفة الدين سترتفع كثيرا في ظل وجود عملة انكماشية. على سبيل المثال لو أن شخص مدين لشخص آخر بألف جنيه اليوم والألف جنيه تساوي قيمة تليفون محمول، بعد 10 سنوات سيكون من الممكن شراء سيارة بنفس الألف جنيه بافتراض أن الجنيه تحول لعملة انكماشية، فتخيل معي هذا الدين الحكومي الضخم كيف سيتضخم أكثر وأكثر مع مرور الوقت، أخذا في الاعتبار أن السياسات التضخمية وغلاء الأسعار تصب في جزء منها للحد من وزن الدين عن طريق شراء سندات حكومية من البنوك بنقود “مطبوعة” حديثا. باختصار تكون  العملة الانكماشية مضرة جدا لأي شخص أو جهة مدينة، والجهة المدينة الأكبر عادة هي الدولة وهي من تحدد السياسة النقدية أيضا ومن ثم السياسة التضخمية والعملات التضخمية دائما ما تكون في مصلحة الدولة التي ترسم تلك السياسة النقدية.

العملة الانكماشية ضارة أيضا للنمو الاقتصادي. جزء من أهداف التضخم المدروس هو تشجيع الناس على الإنفاق وليس الادخار (لأن ادخار نقود تنخفض قيمتها مع الوقت ليس أفضل استثمار) وتوقع التضخم يجعل المستهلكين أكثر ميلا للتعجيل  بالشراء ليقينهم أن المنتجات ستزيد سعرها في المستقبل، وبالتالي يزيد الطلب ويتم  خلق فرص عمل وتبدأ الدائرة الكينزية الحميدة في الدوران. لكن هناك أيضا اقتصاديين، مهتمون بالوضع البيئي، يرون إن هذا النمو اللانهائي غير مستدام، وأنه ليس لدينا القدرة على أن ننمو إلى الأبد. في هذا السياق تكون العملة الانكماشية وقدرتها على الحد من الاستهلاك ذات تأثير إيجابي على البيئة حتى وإن كان لها تأثير سلبي على النمو الاقتصادي. ما حدث مع البيتكوين من الارتفاع المطرد في سعره لو حدث مع عملة وطنية متداولة لأصابت الاقتصاد وحيوات الناس بشلل تام، فالعملة الانكماشية ستُضعف كثيرا من الطلب العام وبالتالي سيفقد الناس وظائفهم وتبدأ دائرة الكساد المفرغة مهددة للنظام الرأسمالي برمته.

احتد الحديث في الآونة الأخيرة حول ما إذا كانت العملات الكريبتو ستكون هي مستقبل النقود، ومن سيكون المستفيد الأكبر إذا حدث ذلك، وما مستقبل النظام الرأسمالي وفي القلب منه البنوك ومنظومة النقد؟ وهل تعد العملات الكريبتو بمثابة تهديد لسلطة الدولة المركزية الحامية للمنظومة الرأسمالية عن طريق سياسات نقدية ومالية تعمل دائما على إنقاذ رأس المال من نفسه؟ وماذا سيكون مستقبل رأس المال إذا فقدت الدولة أحد أهم وظائفها الاقتصادية وإدارة كل ما هو متعلق بالنقد؟

لا توجد إجابة قاطعة على مثل كل تلك التساؤلات، وأي عمل تنبؤي يعد بمثابة فعل عبثي بسبب التطور السريع جدا في التقنيات الحاكمة لتلك الأمور، لكن من المؤكد أن تغييرات كبيرة ستحدث فيما يخص طريقة تعاملنا مع النقود ونظرتنا لها. قد تحمل هذه التطورات أخبارا سيئة لشكل إدارة الاقتصاد السائد حاليا إذا فشلت في تطويع التكنولوجيا الجديدة لصالحها، لكن الرأسمالية حتى الآن لها سجل حافل وناجع في تطويع التكنولوجيات الجديدة لصالحها أو على الأقل احتوائها بما لا يضر بمصالحها. لكن هل من الممكن استمرار ذلك إلى الأبد في ظل الضغط الهائل على الموارد التي قد لا تستطيع الصمود أمام نماذج اقتصادية قائمة على الطلب المتزايد والنمو والتوسع غير المحدود.

اضافة تعليق جديد