قيصر روسيا وسوريا وسياسة المكايد

قضايا

01  مارس  2018

في النصح التي أسداها ماكيافِلّي لهواة السلطة والنفوذ في كتابه الكلاسيكي «الأمير» تحتل المكيدة مكانة بارزة، إلى حد أن سياسة المكائد والنفاق باتت تُسمّى باسم صاحب الكتاب، وإن اختلفت الآراء حول قصده الحقيقي، أكان فعلاً نصح الأمراء أو تحذير الشعوب من مكايدهم. وإذا كان ثمة مجال للجدال حول الشهرة التي سوف تطغى على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ذاكرة الإنسانية، فإن ما لا شك فيه هو أن مرتبته في سجلّ الماكيافِلّية التاريخي سوف تكون عالية للغاية.
إن الرئيس الروسي، الذي يحكم بلاده منذ سنة 2000 وقد حوّلها إلى نسخة روسية من «الجملوكيات» التي اعتدنا عليها في منطقتنا العربية، بل فاق رؤساء جملوكياتنا بتقليده أشكال الحكم المَلَكية بحذافيرها بحيث استحق لقب قيصر روسيا الجديد وبامتياز، هذا الرئيس/القيصر غدا منذ عقد من الزمن يستخدم في العلاقات الدولية المكيدة والمكر والنفاق بكثافة لا تني تتزايد. وبما أن الساحة الشرق أوسطية بوجه عام هي المسرح الدولي الذي يشهد أعلى كثافة من المكايد على اختلاف أنواعها، فلا عجب من أن يترافق تصعيد روسيا لتدخّلها في المنطقة وانتقالها منذ عام 2015 إلى الانخراط المباشر في الحرب الدائرة في سوريا بتكثيف لسياسة المكيدة بلغ مستوىً قياسياً منذ عام 2016.
فبعد أن دخل الطيران الروسي المعمعة السورية في خريف 2015 بحجة محاربة الإرهاب، ولاسيما تنظيم «الدولة» (داعش)، وهي حجة لم تنطلِ ظاهرياً سوى على من أراد إخفاء تقاعسه وراءها مثلما فعلت إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما التي رحّبت بالتدخّل الروسي على ذلك الأساس الوهمي، وبعد أن تبيّن بما لا يترك فسحة للشك أن روسيا دخلت المعركة لفرض وصايتها على النظام السوري وتولّي أموره وإدارة المعركة عوضاً عنه وعن حماته من أعوان إيران الإقليميين الذين فشلوا جميعاً في دحر المعارضة السورية المسلحة بالرغم من حشر هذه الأخيرة بين ناري النظام وربيبته الداعشية، فإن بوتين رأى بدوره أن القضاء على تلك المعارضة لن يكون ممكناً بالقوة العسكرية وحدها، بل يقتضي خنقها من خلال تغيير موقف دعامتها الاستراتيجية الرئيسية، ألا وهي الدولة التركية.
فقد تمكّن بوتين أن يقلب الرئيس التركي من خصم شامت إلى شريك صامت بعد أن نبّهته موسكو إلى المحاولة الانقلابية التي حيكت ضده عام 2016، فكانت المقايضة التي تمكّنت موسكو بفضلها أن تقضي على المعارضة في شرقي حلب بعد أن تخلّت أنقرة عنها لقاء ضوء أخضر روسي أمام تدخّل الجيش التركي في الشمال السوري ليحول دون استكمال القوات الكردية وحلفائها من العرب سيطرتهم على الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا. ثم رتّبت موسكو الأمور قبيل نهاية العام 2016 وانتحلت صفة الحَكَم بدون أن تتوقف عن لعب دور الطرف المقاتل، فجمعت في أستانة ممثلي النظام وحماته الإيرانيين والمعارضة وأوصيائها الأتراك كي تستعد لصفقة كبرى مع الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، وهي تريد إقناعه وسائر العالم أن سوريا قد أصبحت مسرح دمى باتت كل خيوطه بيد موسكو.
ومع تعثر الأمور بسبب الصعوبات التي واجهها ترامب في واشنطن حول الملف الروسي والتي لا زالت تتعقد يوماً بعد يوم، ومع تأكد عزم البنتاغون على إبقاء قواته في الشمال السوري شرقي نهر الفرات للحؤول دون وضع طهران يدها عليها بمؤازرة من موسكو، قررت روسيا المضي قدماً في الاستيلاء على سائر الأراضي السورية من خلال تكرار سيناريو شرقي حلب في جيوب المعارضة المتبقية في إدلب والغوطة الشرقية. فمنحت ضوءً أخضر جديداً لأنقرة كي تجتاح الأراضي السورية في منطقة عفرين مقابل شنّ المحورالروسي/الإيراني/السوري هجوماً مدمّراً على المنطقتين، يتركّز حالياً على الغوطة الشرقية بغية القضاء على المعارضة المسلحة فيها حتى ولو اقتضى الأمر القضاء على آلاف المدنيين.
كل ما تبقى كذبٌ ونفاق، لاسيما المماطلة في مجلس الأمن الدولي. فالولايات المتحدة تدّعي الحرص على المدنيين في الغوطة وهي تعلم أن قراراً لمجلس الأمن لن يغيّر في الأمر شيئاً، لاسيما أنه يستثني «الإرهابيين» من وقف إطلاق النار، الأمر الذي يُبطل مفعوله. ذلك أن معظم الفصائل المتواجدة في الغوطة، إن لم تكن كافتها، من «الإرهابيين» في تصنيف موسكو ودمشق. فمن، يا تُرى، تودّ مندوبة واشنطن في المجلس أن تغشّ حينما تصرّح، بسذاجة قصوى ظاهرياً، أنه لو تم تبنّي ذلك القرار قبل أيام، لوفّر الأمر العديد من الضحايا؟
أما روسيا فبعد أن بذلت جهدها كي يأتي القرار بلا جدوى، سعت لتبيّن للعالم أنها وحدها سيدة الموقف في سوريا وأن القرارات الدولية بلا طائل. فأمر بوتين، قيصر روسيا وسوريا، بتوفير بضع ساعات كل يوم لانسحاب المدنيين وكأنه تغمّد هؤلاء المدنيين المساكين بواسع رحمته بعد أن ناشد ضميره الرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانية. والكل يعلم أن ذلك التدبير «الإنساني» لن يستطيع حل المأساة العظيمة التي تدور في الغوطة الشرقية تحت أنظار العالم. والحال أن ما تطمح إليه موسكو ودمشق بمنتهى الجلاء، وبما لا يستطيع أحد إغفاله سوى بالتغافل عنه عمداً، إنما هو تكرار سيناريو الاستيلاء على شرقي حلب، بانتظار استكمال المهمة ذاتها في منطقة إدلب.

نشر في موقع : القدس العربي

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الربيع العربي: ضد التفاؤل والتشاؤم السطحيين إن استيعاب القصة بعقدتها متعددة الجوانب لن يحمينا فقط من العواطف السياسية السطحية، بل سيوفر لنا أيضا الدروس الصحيحة المستفادة للتعامل مع صراعات المستقبل. ويعد كتاب "الأعراض المرضية" لجلبير أشقر، وكتاب "عمال ولصوص" لجويل بينين، نموذجين جيدين للتحليلات الهامة التي تهدف للفهم الصحيح لما حدث.

عاطف سعيد