هل تستطيع النقابات المهنية الدفاع عن حقوق أعضائها في ظل التضارب في المصالح وعدم الاستقلالية ؟

قراءات, قضايا

22  فبراير  2018

 في الكثير من الدول نجد العامل مع الطبيب مع المهندس مع أستاذ الجامعة يجمعهم اتحاد نقابي واحد بما أنهم كلهم يعملون بأجر سواء لدي الحكومة أو أصحاب العمل الخاص، واتحاد الشغل التونسي مثالاً. إلا ان النظام النقابي في مصر منقسم لشقين، شق النقابات العمالية، وآخر للمهنيين، مختلفين سواء من ناحية التشريع أو في شكل التنظيم أو صلاحيات كل منها. ففي الوقت الذي تنشأ فيه النقابات العمالية وفقاً لقانون واحد، ويكون الانضمام إليها اختياريا (من حيث المبدأ)، نشأت كل نقابة مهنية بقانون مستقل، ويكون اشتراك الأعضاء فيها إجبارياً، فلا يجوز لأحد ممارسة المهنة اتى تمثلها النقابة دون الانضمام إليها.

يوجد في النقابات المهنية حاملو المؤهلات العليا ممن ينتمون للطبقة الوسطي مثل المهندسين والأطباء والصحفيين وغيرهم، كما يوجد ضمنهم حاملو المؤهلات المتوسطة بجوار حاملي المؤهلات العليا، مثلما هو الوضع في نقابات مهنة التمريض والمهن التجارية والمهن الزراعية، كما يوجد بداخلها العاملين بأجر جنبا إلي جنب مع أصحاب الاعمال (أو من يملكون نفس صلاحيات صاحب العمل في الحكومة) فنقابة الأطباء والمهندسين تضم الأطباء والمهندسين العاملين بأجر مع رؤسائهم أصحاب المستشفيات والشركات. حتي نقابة التمريض ترأسها مدير الإدارة المركزية للتمريض بوزارة الصحة، كما أن نقابة الصحفيين كان نقبائها لعدة دورات هم رؤساء مجالس إدارة في أكبر مؤسسة حكومية وهي الاهرام وصاحبة نصيب الأسد من عضوية النقابة،ما يخلق مصالح متضاربة بين أغلبية أعضاء النقابة العاملين بأجر وأصحاب الاعمال بداخلها، فمن المفروض أن يشتكي الأعضاء إليها من ظلم وتعسف إدارات أماكن عملهم، ليجدوا ظالمهم أمامهم هو النقيب.

هذا ليس التضارب الوحيد بالنسبة للنقابات المهنية، فهناك تضارب آخر يتمثل كما سنري في نظرة النظام الحاكم لهذه النقابات، مع ما ينتظره أعضاءها من الدفاع عن حقوقهم.

فهل تمثل النقابات المهنية الملايين المنضوية تحت لوائها، وهل تدافع عن حقوقهموتعبر عن مصالح الأغلبية العاملة بأجر منها، وتقف بجوار المظلوم منهم أم لا، ولماذا؟وهل هناك إمكانية لفعل ذلك أم لا، وكيف؟ هذا ما سنحاول استكشافه هنا.

النقابات المهنية: نشاتها واحصائتها واطرها القانونبة

سبقت الروابط وجماعات المصالح إنشاء النقابات المهنية بقانون.فقد نشأت أول نقابة للمحامين بالمحاكم المختلطة مهنية فى عام1876، ثم بعدها المحامون أمام الأهلية، والمحاكم الشرعية شكلوا جماعات مصالح لهم، صدر لبعضهم قوانين بإنشاء نقابات.وفي عام 1956 كانت هناك نقابة واحدة للمحامين. كما نشأت عدد من الروابط بين المعلمين، منها رابطة التعليم الالزامى التى نشأت في1924 وبعدها  رابطة الازهريين ثم رابطة المعلمين الجامعيين، حتى تكونت نقابة للمعلمين عام 1954 تضم كل العاملين فى حقل التعليم. تأسست نقابة الصحفيين في عام 1941، بعدها في عام 1951 صدر القانون الخاص بمزاولة مهنة المحاسبة، وتم تعديله بعدها بأربعة سنوات. وتوالت بعدها النقابات.

بلغ عدد النقابات المهنية طبقاً لإحصاء 2015 الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء 20 نقابة مهنية، تضم عضوية 6.97 مليون مشترك، ضمت معظم المهن، بداية من نقابة الأطباء، إلي التمريض والمهن الصحفية (الصحفيين) والمحامين والمهندسين والتشكيليين ونقابة المهن التمثيلية ونقابة المهن الزراعية. وتعتبر نقابة المهن التعليمية من أكبر النقابات المهنية عددا، حيث بلغ عدد أعضائها 1,8 مليون عضو، تليها نقابة التجاريين 1.5 مليون عضو. بلغ عدد أعضاء نقابة الأطباء البشريين 263433، وبلغ عدد أعضاء نقابة التمريض 235229، يبلغ عدد الاناث منهم 200.6 مليون، بينما بلغ عدد نقابة الصحفيين 10042 عضو فقط. وقد رصد التقرير تطوراً في أعداد أعضاء النقابات المهنية ما بين 2013 و2015 على التوالي، 6.4 -6.6، 7 مليون.

وبالنسبة للأطر القانونية فقد استقر الفقه والقضاء على اعتبار هذا النوع من النقابات من أشخاص القانون العام القائمة على إدارة مرفق عام طبقا لنص الفتوي التي أصدرتها الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولةرقم 88/1/56 في20/7/1994.و اعتبرت المحكمة الدستورية العليا في حكمها الصادر بجلسة 15/4/1995 في الدعوى رقم 6 لسنه 15ق (دستورية) أن الدفاع عن مصالح أعضائها هو جزء دخيل عليها بعد أن انضم إليها بقوة القانون العاملون بأجر لدي الحكومة، أو لدي أصحاب عمل خاص.

وبالنظر لعدد من قوانين النقابات مثل الأطباء والتمريض والمعلمين والمهن الزراعية وجدنا أنها لم تتطرق بشكل مباشر إلي مسألة الدفاع عن حقوق أعضائها بالعمل، بل جاءت في شكل عبارات مطاطة مثل المساعدة في تهيئة فرص عمل، ورعاية الأعضاء وأسرهم. وبالنسبة لنقابة الصحفيين نُص على حل المنازعات بين الأعضاء وبعضهم البعض، أو بينهم وبين المؤسسات التي يعملون بها.

ماذا تقدم النقابات المهنية لأعضائها؟

الكثير من النقابات المهنية لا نكاد نسمع عنها الكثير بل أن عددا كبيرا من النقابات لم يسمع باسمها سوى أعضائها. فقد اعتمدت معظم النقابات المهنية بشكل أساسي على الخدمات التي تقدمها لأعضائها في شكل خدمات صحية مخفضة،ومعاشاتلأعضائها تقل كثيرا كما هو الحال في نقابة العلميين، وتكون بديلا للمعاش مثل نقابة المحامين، والتدريب وتنظيم رحلات ومصايف رخيصة الثمن. وتمنح بعضها بدل ممارسة مهنة لأعضائها، ضئيل في معظم الحالات، وبدل الصحفيين يعتبر الأكبر من حيث القيمة في كل النقابات المهنية، كما يكون لعدد منها حصص من الإسكان الاجتماعي ليكون من نصيب أعضائها.

بنظرة إلي الجدول رقم 27 من إحصائيات 2015 للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، نري أن اجمالي إيرادات النقابات المهنية التي شملت كل شيء وصولا لإيرادات آخري، بلغ 2503 مليون جنيه ضمنها 1116 مليون جنيه تحت بند إيرادات آخري بنسبة 45% من إجمالي الإيرادات. من النقابات التي تكاد تكون الإيرادات الآخري هي الأغلبية الكاسحة من إيراداتها نقابة المهندسين، والتي بلغت 56 مليون جنيه من إجمالي إيراداتها البالغة 56.1 مليون جنيه أي بنسبة 99.8%.، تليها نقابة الصحفيين فقد بلغت الإيرادات الأخرى لها 87.8 مليون جنيه من جملة إيراداتها البالغة 89.7 مليون جنيه، بنسبة 98%.

الطريق الذي اختارته معظم النقابات وتأقلم معه معظم أعضائها هو تقديم الخدمات، ولكن مواردهم لا تكفي لها. لذا فالحكومة هي من تسد النقص في الموارد، هي من تمنح حصص الإسكان وهي من تحدد عبر القوانين قيم الدمغات التي تفرضها لصالح هذه النقابات، أو تدعمها بشكل مباشر، ويتوقف دعم الحكومة للنقابات علىرضاها عن أداء مجلس إدارة النقابة، من عدمه.

لذا ليس غريبا أن نسمع أن  النقابات المهنية تعلن انها على حافة الإفلاس،ويجمع عدد كبير من ممثليهاعلى أن حل أزمة النقابات المهنية أصبح فى يد الدولة، مشيرين إلي ضعف الدعم المالى المقدم من الدولة، وتقاعس الدولة عن إجراء أى تعديل على قوانين النقابات.ليصل الامر بمعظم النقابات المهنية الآن لمحاولة استرضاء السلطة،بما أن معركة النظام هي محاربة الإرهاب،  فقد وضعت النقابات المهنية نفسها كجنود في المعركة، فطبقاً لليوم السابع أكد رؤساء النقابات المهنية أهمية الأدوار التى من الممكن أن تضطلع بها النقابات المهنية فى مواجهة خطر الإرهاب، وهي نفس الصيغة التي أتت في جريدة الاهرام

هذا بالنسبة للتوجهات العامة للنقابات، ولما كان المجال هنا لا يتسع للبحث عما قدمته النقابات كلها لأعضائها، فسوف نكتفي بالتعرض لثلاث نماذج فقط، وهي نقابة الأطباء، ونقابة الصحفيين ونقابة التمريض.

أعضاء نقابتي الأطباء والصحفيين يعتبرون ضمن الطبقة الوسطي، ولقيت الكثير من مواقفهما احتفاء على المستوي السياسي وظلتا – رغم بعض النقد لإدائهما في بعض الأحيان، خاصة مع انقلاب يوليو 2013، وتضييق مساحات حرية الرأي والتعبير وفي القلب منها حرية الاضراب والتظاهر- خط الدفاع الأخير للعاملين بهما. وتضم نقابة التمريض تحت لوائها في الاغلب الممرضات الأقرب للعمال منهم للطبقة الوسطي.

أولا: نقابة الصحفيين

عندما تفتح موقع النقابة أو الصفحة المسماة“بأخبار نقابة الصحفيين” ستجدها مكتظة بالأخبار عن خدمات النقابة ولجنة القيد، ونادرا ما تجد أخبار عن الصحفيين أنفسهم.

وتعتبر قضية اعتقال الصحفيين من القضايا الهامة، فطبقا لتقرير لجنة حماية الصحفيين الدولية،هناك 20 صحفي مصري محبوسين، وقد أتت مصر في المرتبة الثالثة عالميا من حيث عدد الصحفيين السجناء فيها، وإن الصحفيين المعتقلين يعيشون أوضاعا صحية سيئة. إلا أن عبدالمحسن سلامة، نقيب الصحفيين أعلن،  وما زال يعلن حتي اليوم إن مصر ليس بها اعتقالات كما يروّج البعض، ولا يوجد في مصر صحفي واحد محبوس على ذمة قضية نشر.

أعلنت النقابات المهنية المصرية رفضها التام والقاطع لقرار الرئيس الأمريكى بنقل سفارة بلاده إلى القدس معتقدين أن هذا توجه النظام. إلا أنه عندما تظاهر العشرات من النشطاء وأعضاء الأحزاب على سلالم نقابة الصحفيين، ضمنهم صحفيين، مساء يوم 6 ديسمبر للاحتجاج علىالقرار، ألقت قوات الأمن ألقت القبض على اثنين من أعضاء النقابة، حتي أن أحد الصحفيين علق على ذلك بقوله “أنه قبل تنظيم الوقفة اتفق أعضاء مجلس النقابة مع قوات الأمن بعدم تعرض أي زميل لأذى”. بعدها اختفيثلاث صحفيين آخرين  ليكشف االسكرتير العام للنقابة حاتم زكريا أن النقابة كانت تعلم بأمر اعتقال الصحفيين من امام النقابة قبلها، حيثكانوا ضمن قائمة تضم 30 اسمًا مطلوب القبض عليهم.وذكر أحد أعضاء مجلس النقابة وقتها أن المجلس لم يرسل محامي النقابة للحضور معهم، وهو ما رد عليه النقيب وعدد من أعضاء المجلس ببيان يتهمون فيهفيه عددا من أعضاء المجلس بالدأب على شق الصف وافتعال الأزمات.

وتعتبر قضية فصل الصحفيين من عملهم من القضايا الشائكة.هناك أمثلة كثيرة منها فصلصحفيي الوطن، وفصل عدد من صحفيي اليوم السابع، بسبب توقيعهم على بيان لرفض بيع ثيران وصنافير في أغسطس 2017، وعندما تقدم الصحفيون بشكوي للنقابة احالتها للجنة التسويات. أوقفت تحركات الصحفيين فصل المزيد في اليوم السابع، ولكن ظل هناك خمسة منهم لم تُحل مشكلتهم لجأوا للمحكمة.

وقد سألنا الأستاذ يحيى قلاش نقيب الصحفيين السابق عما جاء على لسانه  من ربط حل مسألة قيد الصحفيين ببعض الصحف بحل مشكلات الصحفيين بها،  وذلك عقب فصل عدد من الصحفيين في العديد من الجرائد والمواقع ضمنها الشروق والمصري اليوم وموقع دوت كوم  في 2016:”ألا يعتبر هذا التصريح اعتداء علىالصحفيين اللذين من حقهم القيد وليس على أصحاب المؤسسات؟” فقال: “النقابة يبدو أنها تتعسف في ذلك، خصوصا وأن المقولة الشائعة أن أصحاب المؤسسات لن يفرق معهم أن دخل صحافيوها النقابة من عدمه، وهذه مقولة خاطئة، لأن صاحب الجرنال يهمه أن يكون عنده جيش من الصحفيين الذين يملكون شرعية ممارسة المهنة عبر النقابة حتي يستطيعوا دخول الوزارات ومؤسسات الدولة، وكذلك من أجل سمعته الأدبية. المشكلة في أن المهنة تطورت كثيراً وكذلك سوق العمل بها، بينما بقي قانون النقابة كما هو من سنة 1970، لذا أصبح القانون لا يسعف مجلس النقابة وبالتالي يعتمد حل المشكلات على جهود مجلس النقابة بالأساس”. وأضاف ” لازم يكون فيه طريقة للعمل في ظل العبث في علاقات العمل في ظل ايدي النقابة المغلولة بالقانون، فلازم يبقي عندنا طريقة للحل”. وضرب مثالا لأهمية قيد الصحفيين بالنسبة للمؤسسات، بتمكن النقابة من الوصول مع مؤسسي المصري اليوم في بداية تأسيسها لتعديل عقد عمل الصحفيين بها لضمان استقرارهم.

ثانياً: نقابة الأطباء

وجدنا لنقابة الأطباء مواقف واضحة من كل قضايا الصحة، وحقوق العاملين بها بغض النظر عن قدرتها في المناخ الحالي على تحقيق نتائج كبيرة،بدءا من موقفها الرافض لقانون التأمين الصحي، وصرخاتها عن أزمة الدواء وباقي مستلزمات العلاج، إلي مشكلة أطباء التكليف وبدل الأطباء، ….دائما كنا نجد لها صوت ورأي ومطالب، كما كانت مع الأطباء في احتجاجاتهم التي قل عددها مع خنق المناخ العام.

وعن دور النقابة ذكرت د. مني مينا، أمين عام مساعد نقابة الأطباء “مهما كان الوضع شديد التعقيد، وحرية الحركة والتعبير مقيدة، وحرية النقابات في العمل محدودة، فإن وجود النقابات المهنية مهم بالنسبة لأعضائها، فلكل مهنة خصائصها، ولابد لأبناء المهنة الواحدة من مجال ومكان للمناقشة في أوضاع المهنة وأوضاعهم. ممكن يبقي فيه أوقات تقيد شروط الحركة ويكون دور النقابة مكبل وجزئي، ويكون مستوي الظلم واسع أكثر مما نستطيع عمله، مما يعرضنا لعدم رضاء الأعضاء وانتقادهم لنا”.

ثالثاً: نقابة التمريض

تعاني الممرضات في المستشفيات من الاعتداء على حقوقهن، حتي أنه ضمن تقرير لرصد الاحتجاجات الاجتماعية عام 2017 للشبكة العربية لحقوق الانسان (تحت الإصدار) كان قطاع الصحة في المرتبة الثانية بعد التعليم من حيث عدد احتجاجات العاملين به، بنسبة 7.7% من إجمالي الاحتجاجات الاجتماعية.

ففي ظل القمع والحبس أضربت عن العمل ممرضات مستشفيات طنطا الجامعي، كذلك الممرضات بمستشفيات جامعة الزقازيق، لحقت بهنممرضات مستشفى التأمين الصحي ببني سويف، وذلك احتجاجا على الخصم من مستحقاتهن المالية متمثلة في مكافأة الامتحانات وبدل السهر، والجزاءات.

وجدنا موقع النقابة خال من أي إشارة لذلك، بل أنهمؤخرا تم تنظيم مؤتمر بعنوان (تمريض من اجل مصر)، حيث تم عرض إنجازات النقابة العامة للتمريض في عهد السيسي، والتي ظهرت فيه نقيبة التمريض وهي ترتدي “تيشيرت” عليه صورة السيسي. وبنظرة سريعة على صفحة النقابة تكتشف وكأنها صفحة للدعاية لصاحبتها النقيبة في صولاتها وجولاتها، وإن لم تخل التعليقات عليها من ما بين شكوي من ظلم، أو النقد بشكل واضح، مثل “يا ريت تفيدى التمريض لان بصراحة انتى هيصة عالفاضى حقوقنا متاكلة ومسروقة وانتى فالعسل ولا بتقدمى ولابتأخرى”.

ماهي معوقات عمل النقابات المهنية

أوجز ممثلو معظم النقابات المهنية المعوقات في عدم دعم الحكومة، وعدم تعديل القوانين، فيما تحدث قلاشعن الطبيعة الخاصة لنقابة الصحفيين حيث تتأثر مهنة الصحافة بسقف الحريات ارتفاعاً وانخفاضاً، قائلا “لا يخفي على أحد أن كل النقابات المهنية دورها متراجع وذلك لأنها لا تعيش في جزر منعزلة عن الواقع، وكذلك مشاركتها في الحياة العامة، فقد أصبحت منكفئة على نفسها، ورغم حدة المشاكل المرتبطة بعلاقات العمل التي وقع عليها ضرر كبير في ظل انكماش المجال العام، والذي انعكس بشكل خاص في غلق مواقع الكترونية وشراء أخرى، فقد أدت فكرة السيطرة إلى انكماش سوق العمل في المجال الصحفي، وانعكس ذلك بشكل مباشر على علاقات العمل نتيجة قلة فرص العمل في المجال، والإغلاق الذي صاحبه التخلص من العمالة، وبالتالي فالوضع الحالي ليس هو المناخ الأنسب لمهنة تمارس التعبير والذي اصبح منعدم”. وأضاف أن الدستور أتىبمكاسب كبيرة للنقابات المهنية ولكن يتم الالتفاف عليه بشكل أو بأخر.

كما أشار قلاش لضآلة أجور الصحفيين مما جعلها لم تعد مهنة لكبار الكتاب والمثقفين كما كان الوضع حتي السبعينات، وأن ذلك هو السبب وراء رغبة الصحفيين الانضمام للنقابة من أجل البدل، مضيفا “لكن البدل ليس حلا لأنه مالوش مستقبل”.  وذكّر بأن هذه الأوضاع لا يمكن أن تستمر في مهنة القوى الناعمة والتي يمكن أن تمثل جيشا لمحاربة الإرهاب وفي المعارك الكبرى، “عاوز واحد يخوض حرب معاك وهو مش لاقي ياكل؟” وأشار لإشكالية عدم استكمال مجلس النقابة لما بدأه المجلس السابق، ضاربا مثلا بمشكلة الأجور التي طرحها جلال عارف ثم هو، ولم تستكملها المجالس التالية.

فيما أوجزت مني مينا المعوقات في: الخلط في عمل النقابة بين تنظيم المهنة والدفاع عن حقوق الأطباء- عدم اعتراف الجهات التنفيذية بأهمية النقابات المهنية- القوانين والقرارات التي تصدر بدون أخذ رأي النقابة، وحتى عندما يقولون رأيهم فلا يأخذون به – الرؤية السلبية لكل من يعارض أي قرار، ومعاملتهم معاملة المغضوب عليه، يكاد يتهمه بكونه خارج عن القانون لمجرد المطالبة بأي حق، والتضييق على وسائل التعبير التي تعتبر حقوق وفقاً للدستور احتجاجاً على أوضاع العمل حتي لو كانت شديدة القسوة، حتي أصبح مجرد التفكير بها جريمة تستحق الحبس.

كيف يتسني للنقابات المهنية القيام بدورها

فيما رأي الكثير من ممثلي النقابات الحل في اعتراف الدولة بالنقابات ودعمها لها، وتعديل القوانين، رأي قلاش  الحل في وجود استقلال حقيقي للنقابات، لتعبر عن مصالح أعضائها ومصالح المهنة بدون أي تدخل، وأضاف”لابد من وجود مناخ يتفهم دور النقابات في المجتمع، فهي تمثل قلب الطبقة الوسطي في مصر بأسرها، وبالتالي فهي عامل التوازن في المجتمع، لذا لابد من استقرار أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية. بعد 25 يناير تدفق شباب ممن شارك في التحرير على النقابات المهنية، بحالتها، والتي لم يتضح أثرها حتي الآن، ولكن هذا الوضع لن يدوم، ولن يستطيعوا وضع غطاء الحلة عليهم للنهاية، لذا لابد من احتوائهم داخل النقابات وحل مشكلاتهم”.  وأشار إلي ضرورة تضمين القانون الموحد المقترح للصحافة لضمان حقوق العاملين عبر ربط حرية الإصدار بعلاقات عمل مستقرة. بالإضافة لكلامه عن أهمية الفصل بين نقابة الصحفيين ونقابة للمُلاك حتي يتم القضاء على تضارب المصالح الملتبس داخل النقابة.

اتفقتد. منى مينا على أهمية الاستقلال قائلة”تستطيع النقابات القيام بدورها عندما يكون هناك أعضاء مجالس نقابات مستقلين، بمعني أن الأولوية لديهم لمصالح الأعضاء وللمهنة، وأن يهتموا بمشاكل الأعضاء الصغيرة كما يهتمون بالمشاكل الكبيرة والعامة، وأن يكونوا نظيفي اليد، وليس لديهم أي نية للتربح من أماكنهم في النقابة”.

ها وقد وصلنا إلي النهاية لنوجز أن هناك الكثير من النقابات المهنية، في ظل تضارب المصالح بين أعضائها، قد انتهجت تقديم الخدمات بديلا عن الدفاع عن الحقوق، وهو ما وضعها تحت رحمة الحكومة لتعترف بها وتدعمها، وكان ثمن ذلك تبني وجهة نظر الحكومة والدفاع عنها، والترويج لها حتي لو كانت ضد مصالح أعضائها، لتظل نقابة الأطباء تغرد ضد السرب وحدها تقريبا، خاصة بعد انضواء نقابة الصحفيين بالكامل تحت جناح الحكومة، لتقع بين سندنان الحكومة ومطرقة العاملين الذين يعانون من سوء شروط العمل دون أن تستطيع النقابة التصدي لها جميعاً في ظل المناخ العام القمعي.

يطرح هذا الوضع أهمية فصل مسألة تنظيم المهنة، لتتفرغ النقابات المهنية للدفاع عن مصالح أعضائها دون التباس أو خلط.  يكون ذلك مع استقلاليتها التامة في مناخ من الحرية لكي تستطيع قواعدها الاتيان بمن يمثلها حقيقة في إدارتها، تستطيع محاسبتهم وعزلهم عندما يحيدون عن مصالحها. كما أنه لابد من النص في القانون المنظم صراحة على صلاحيات للنقابات تمكنها من القيام بالدور المنوط بها.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ماذا لو لم تكن ” آخر أيام المدينة”؟ يعني إيه صانع فيلم يقرر يشتغل بره السوق؟ يعني يبقي لوحده ضد الكل. من أول سيناريو غالبا هترفضه الرقابه، فيضطر إما يخوض معركة دستورية وسياسية في مواجهة الدولة بلا غطاء نقابي.

عايدة الكاشف

واحد مننا

فاطمة فرج

إضراب الحديد والصلب أغسطس 1989 بعد أن تم الإفراج عن كل المحبوسين على ذمة اعتصام الحديد والصلب من عمال ومن متضامنين، قررت لجنة عمال شبرا الخيمة عمل حفل تكريم للزملاء قيادات الاعتصام المفرج عنهم، ولأنهم سيخرجون من أعمالهم للاحتفال في شبرا الخيمة قررت أنا وزوجتي- آنذاك- دعوتهم للغداء في منزلي،

صابر بركات

الربيع العربي: ضد التفاؤل والتشاؤم السطحيين إن استيعاب القصة بعقدتها متعددة الجوانب لن يحمينا فقط من العواطف السياسية السطحية، بل سيوفر لنا أيضا الدروس الصحيحة المستفادة للتعامل مع صراعات المستقبل. ويعد كتاب "الأعراض المرضية" لجلبير أشقر، وكتاب "عمال ولصوص" لجويل بينين، نموذجين جيدين للتحليلات الهامة التي تهدف للفهم الصحيح لما حدث.

عاطف سعيد