عام بعد التقشف: ماذا ينتظر الطبقات الوسطى في مصر؟

قراءات, قضايا

18  فبراير  2018

ليس من قبيل المبالغة القول بأن أغلب المصريين يمرون بواحدة من أعنف التغيرات الاقتصادية في تاريخ البلاد المعاصر بما يمس مستويات معيشتهم كأفراد وعائلات، ويبدل من أنماط استهلاكهم على تنوعها. وعلى الرغم من أن آثار الأزمة الاقتصادية منذ ٢٠١١ وما أعقبها من إجراءات تقشفية عنيفة قد طالت تقريبا جميع الشرائح الاجتماعية المصرية بالكثير أو القليل من التخفيض في دخولها الحقيقية وقدراتها الشرائية ومستويات معيشتها إلا أن حدة ونطاق هذه التغيرات يختلف من مجموعة لأخرى تبعا لمعدلات الدخل وأنماط الاستهلاك، واللذان يعكسان المواقع التي تحتلها كل شريحة اجتماعية في عملية الإنتاج وفي سوق العمل.

يناقش هذا المقال الطويل أي أثر للأزمة الاقتصادية وإجراءات التقشف على الطبقات المتوسطة المصرية، وما قد تنتجه هذه التغيرات الاقتصادية من تداعيات اجتماعية وسياسية.

ترجع حدة التغيرات الاقتصادية الراهنة إلى إجراءات التقشف المكثفة التي تبنتها الحكومة المصرية منذ نوفمبر ٢٠١٦ بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وفي إطار برنامج مالي ونقدي لإعادة التوازن للمالية العامة للدولة ولموازين المدفوعات والتجارة، واستعادة الاستقرار لأسعار الصرف والفائدة والتضخم بعد اختلالات عنيفة صاحبت الاضطراب السياسي الذي أعقب ثورة ٢٠١١، ونجم عن الإدارة بالغة السوء للانتقال السياسي (الذي فشل في نهاية المطاف) سواء من جانب المجلس العسكري أو من حكومة الإخوان قصيرة العمر، إذ عانى الاقتصاد المصري من تباطؤ في معدلات النمو والتشغيل والاستثمار، على نحو ليس باستثنائي في ظروف الثورات والاضطرابات السياسية، تماشى معها استنزاف هائل لاحتياطيات البلاد النقدية في ضوء الاعتماد المفرط على استيراد الغذاء والوقود وقسم كبير من مدخلات الإنتاج الصناعي والزراعي.

وعلى الرغم من نفاذ الحكومات والأنظمة المصرية المختلفة لتدفقات ريعية من حلفاء إقليميين بدءا بقطر في عهد الإخوان ثم انتهاء بالسعودية والإمارات بعد الإطاحة بهم، إلا أن تلك التدفقات بالغة الضخامة، والتي قدرت بنحو ٤٠ مليار دولار على الأقل في أربع سنوات، استخدمت كحلول مؤقتة لسد عجوزات هيكلية على نحو ثبت معه أن هذه الفجوات التمويلية – كما يسميها صندوق النقد الدولي – هي بالوعات تستوعب كل ما يأتي البلاد من دولارات دون أن تغير من جذور المشكلة شيئا.

استمر الحال هكذا حتى نفد الريع ومعه كرم الحلفاء والكفلاء، ولم تصب مراهنات النظام الحاكم على اجتذاب رؤوس أموال في صورة استثمارات أجنبية كما كان يؤمل من مؤتمر الاستثمار في شرم الشيخ في مارس ٢٠١٥، وعندها لم يكن هناك من بد من التفاوض مع صندوق النقد حتى يُستدعى للواجهة، فيتسلم إدارة السياسات العامة في مصر النقدية والمالية والتجارية في المدى المتوسط (نحو خمس سنوات) في مقابل ضخ قروض وتخفيض تكلفة اقتراض الحكومة المصرية من السوق ومن مؤسسات تمويلية أخرى، وهو ما قد كان منذ نوفمبر ٢٠١٦ وحتى تاريخ كتابة هذه السطور.

تمثل حجر الزاوية في برنامج الإصلاح المالي في تحقيق استقرار في سوق صرف الدولار الأمريكي في مواجهة الجنيه، ولو نجم عن هذا انخفاض غير مسبوق لقيمة الأخير. وهو ما كان. فمع اتخاذ قرار التعويم للجنيه المصري انكمشت السوق السوداء للعملة حتى كادت تختفي، وارتفعت تكلفة الواردات السلعية والخدمية على نحو أدى لتراجع العجز في ميزاني التجارة والمدفوعات على الرغم من النمو المتواضع للصادرات ردا على انخفاض الجنيه، وبدا أن سعر صرف الدولار قد استقر بعيدا عن ضخ المركزي المستمر للدولارات من أجل الدفاع عن قيمة الجنيه بما سمح باستخدام التوسع الرهيب في الاستدانة الخارجية في إعادة بناء الاحتياطيات النقدية الأجنبية على أمل تهيئة الاقتصاد للتعافي بجذب رؤوس أموال أجنبية ومن ثم إدارة عجلة الإنتاج مرة أخرى بما ينتج نموا وتشغيلا بعد سنوات من الركود.

لكن تطبيق البرنامج لم يجر بالسلاسة المأمولة، إذ أدى انهيار العملة الوطنية، في ضوء الاعتمادية الهيكلية على استيراد الغذاء والوقود ومدخلات إنتاج عدة، إلى تفجر التضخم تفجرا جعل المعدل في ٢٠١٧ يتجاوز ٣٠ بالمئة طبقا لتقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهي النسبة الأعلى طبقا للجهاز منذ نهاية الثمانينات عندما كانت الحكومة المصرية تواجه خطر الإفلاس. عمق هذا التضخم المرتفع من الركود لرفعه تكلفة الإنتاج لدى العديد من الصناعات والخدمات، وبما أفضى إليه من تآكل في الدخول الحقيقية للغالبية الكبيرة مما قوض من قدرتهم على الاستهلاك، وبالتالي خفض مستويات معيشتهم.

وباستثناء مجموعات محدودة من المستثمرين في دين الدولة الخارجي المقوم بالدولار، وجل هؤلاء مؤسسات أجنبية، فقد ترجمت إجراءات الإصلاح المالي والنقدي هذه إلى تراجع صاف في الدخول الحقيقية لغالب المصريين، ولم ينج من هذا التراجع إلا من يحصلون على دخول بالعملة الأجنبية، أو من تمكنوا من مواكبة التضخم برفع أسعار ما ينتجون من سلع وخدمات، وما عدا هذا فإن أصحاب الأجور والرواتب والمعاشات قد تُركوا ليعانوا انخفاضا ما في دخولهم الحقيقية، تُرجم لدى غالبهم إلى تراجع في قدراتهم الشرائية وتغيير في أنماط استهلاكهم وانخفاض في مستويات معيشتهم اللهم إلا من كانوا يملكون مدخرات نقدية أو في صورة أصول ثابتة أو مالية قاموا بتسييل بعضها للإبقاء على ذات معدلات الاستهلاك، وهؤلاء قلة في ضوء انخفاض معدل الادخار في مصر، والحقيقة الإحصائية القاضية بارتفاع معدلات الفقر في مصر لتشمل ما يناهز نصف السكان.

رجوعا للسؤال الرئيسي للمقال: كيف أثرت تلك التغيرات في السياسات العامة للدولة، وما أنتجته من مصاعب اقتصادية وآثار توزيعية، على أوضاع الطبقات المتوسطة المصرية

ولكن، ما هي الطبقات المتوسطة تحديدا؟

لعل مفهوم الطبقة الوسطى أو المتوسطة واحد من أكثر المفاهيم التي تصدى لتعريفها علماء اجتماع وسياسة ينتمون لمختلف المدارس الأيديولوجية والأكاديمية منذ نهاية القرن التاسع عشر، ولكنه ظل مع ذلكمن أقل المفاهيم محلا للاتفاق، ويرجع السبب في هذا إلى الجذور التاريخية لنشأة المفهوم نفسه، والذي صيغ هكذا منذ القرن التاسع عشر –مع ترسخ التحليل الطبقي كأداة لدراسة المجتمع الحديث- ليصف تلك المجموعات المتنوعة والمختلفة التي لا هي تندرج تحت طبقة مالكي رأس المال (البرجوازية في المصطلح الماركسي) ولا تدخل في عداد العمال (ولا الفلاحين بالطبع).ولم يكن من قبيل المصادفة أن التحول الرأسمالي ذاته قد أسهم في إنتاج تلك المجموعات والشرائح المتنوعة خاصة مع توسع وتضخم عمل بيروقراطية الدولة، ولكن كذلك مع تعقد أنماط التنظيم في الشركات الخاصة نتيجة اتساع حجم أعمالها، وما نجم عنه من ظهور فئات واسعة ممن أطلق عليهم “ذوو الياقات البيضاء” من العاملين بأجر في وظائف خدمية وإدارية تمييزا لهم عن ذوي الياقات الزرقاء العاملين في الصناعة بشكل مباشر. وبجانب هؤلاء فقد أدى التوسع في التعليم وتزايد أهمية المهارات مع التخصص التكنولوجي والتنظيمي إلى إنتاج شرائح أخرى من الفنيين كالمهندسين والمحامين والأطباء، ودونهم تخصصات فوق تخصصات، يوظف الكثير منهم ذاتيا ولا يعملون لحساب الغير بالضرورة، ويعتمدون على بيع مهاراتهم في صورة خدمات في السوق مباشرة.

ليس هذا المقال موضعا مناسبا للخوض في الجدالات النظرية والأيديولوجية حول تعريف الطبقة– أو الطبقات- الوسطى، فهناك من يركز على موقع المجموعات الاجتماعية من عملية الإنتاج، أي ملكية رأس المال في مواجهة العمل، بينما يركز آخرون على الوضع في سوق العمل وعلاقته بالتعليم والمهارات، بينما ينصب تركيز آخرين على جوانب الدخل فيقسمون المجتمع إلى شرائح تبعا للدخول التي يحصلون عليها بغض النظر عن مواقعهم الإنتاجية. ويذهب فريق رابع إلى النظر إلى الاستهلاك وأنماطه، والذي بدوره يرتبط بالدخل والإنتاج، ولكنه يتجاوزهما في الوقت نفسه. وبعيدا عن ذلك الجدل الطويل العريض والممتد زمنيا لقرن ونصف، يمكن الدفع بأنه ما من سبيل للحديث عن “طبقة وسطى” واحدة متجانسة طبقالأي من تلك المعايير بقدر ما إنها فئة موضوعية أو تحليلية تتسع لتضم العديد من الشرائح والفئات من غير الطبقتين الرأسمالية أو العاملة (أو الفلاحين)، التيتقع عادة في “الوسط” بينهما،تعتمد على مهارات مكتسبة من التعليم (بدلا من الاعتماد على قوة العمل اليدوي أو على ملكية وسائل الإنتاج)، وتحصل على دخولها من خلال بيع مهاراتها وتعليمها هذا إما في سوق العمل لقاء أجر أو في الأسواق النهائية بشكل مباشر في حال عملها لحسابها الخاص.أما ما دون ذلك فلا شيء يمكن معه الحديث عن “طبقة وسطى واحدة” بقدر ما يكون عن طبقات أو شرائح متوسطة، وهو ما سيكون محور تحليل هذا المقال.

توزيع الخسائر

يمكن اعتبار فترات الأزمات الاقتصادية والمالية وما يصاحبها عادة من إجراءات تقشف حكومية بمثابة فترات توزيع للخسائر على الشرائح والفئات الاجتماعية عبر آليات متنوعة يمر بعضها عبر السوق (كمعدلات التضخم والفائدة وأسعار الصرف وفرص العمل والأجور) فيما يمر بعضها بالسياسات العامة (الدعم الحكومي للسلع والخدمات والضرائب المباشرة أو غير المباشرة وغيرها)، ومما لا شك فيه أنه مهما جرى صياغة توزيع الخسائر هذا في لغة الاقتصاد الفنية المحايدة فإن محتوى العملية يظل سياسيا بامتياز، لأنه يحدد على نحو تحكمي من يتحمل تكلفة تصحيح الاختلالات الاقتصادية، بغض النظر عن مسئوليته عن حدوثها وبعيدا عن أي معايير أخلاقية خاصة بالعدالة أو بالمساواة، بل إن المحدد الرئيسي هنا يكون الوزن السياسي الذي تتمتع به شرائح اجتماعية في مواجهة أخرى، وبالتالي القدرة الجماعية الفعلية أو الكامنة لمجموعات اجتماعية دون أخرى على تفادي أو التقليل من التراجع في مستويات معيشتها.

والحق، إن ما يجري في مصر منذ نوفمبر ٢٠١٦ لا يختلف إلا كما، لا كيفا، عن تاريخ طويل من إجراءات وإصلاحات نيوليبرالية المحتوى تعود إلى ورقة أكتوبر في ١٩٧٤ التي أطلقت ما يعرف بالانفتاح الاقتصادي. وقد دار جدل عريض حول أثر التحولات النيوليبرالية على وضع الطبقات الوسطى في مصر، وانقسمت الآراء في دوائر الأكاديميا والسياسات العامة بين قاطع بالأثر السلبي لها وما أفضت إليه من تراجع وضع الطبقات الوسطى، والتي تعرضت لعمليات ممنهجة من الإفقار دفع بالكثير من أعضائها السابقين للهبوط اقتصاديا واجتماعيا إلى مصاف الشرائح العمالية أو العاطلين عن العمل (خاصة بين أوساط الجامعيين والحاصلين على شهادات متوسطة) أو الالتحاق بسوق العمل غير الرسمي في قطاعات هامشية وذات إنتاجية منخفضة على أمل التوظيف الحكومي في مرحلة لاحقة أو الحصول على وظيفة رسمية في القطاع الخاص. بينما رأى اتجاه آخر أن آثار التحول الاقتصادي في مصر – والأزمات المالية والاقتصادية التي كانت الدافع وراء تبني إجراءات التحرير في المقام الأول – لم تؤد إلى إفقار الطبقات الوسطى بشكل عام، بقدر ما إنها أدت إلى تفكيكها وإعادة تركيبها عبر إنتاج شرائح وسطى جديدة تعمل بالقطاع الخاص (وخاصة قطاعات الخدمات الجديدة والمتصلة بالاقتصاد العالمي عبر صلات تكنولوجية أو مهارية) على حساب تراجع شرائح متوسطة قديمة تعمل لدى الدولة سواء في شركات قطاع الأعمال والقطاع العام أو في القطاع الحكومي، والتي يمكن اعتبارها موروثة من الحقبة الناصرية حينما ارتبطت برامج التحديث الاقتصادي والاجتماعي بتوسيع دور الدولة الإنتاجي المباشر من خلال القطاع العام وتأميم الملكية الخاصة، ودورها التوزيعي كذلك من خلال التوسع الكبير في التعليم العالي وما جاراه من ضمان التوظيف العام لكل الخريجين حتى مطلع الثمانينات.

يلتقي التقدير الثاني الخاص بتفكيك وإعادة تركيب الطبقات المتوسطة مع مقدمة هذا المقال، والتي لم تر طبقة وسطى موحدة أو واحدة لا في موقعها من عملية الإنتاج، ولا حتى فيما يتعلق بالدخل وأنماط الاستهلاك، ناهيك عن التحصيل التعليمي ورأس المال الثقافي، بل إن الطبقة الوسطى ما هي إلا فئة موضوعية أو صندوق نظري يجمع في داخله شرائح وفئات وطبقات متنوعة ومتناثرة وربما حتى متنافرة في مختلف تلك الأوجه، ومن هنا كان حديث باحث متميز مثل أحمد حسين حسن عن شاغلين “للمواقع الوسطى” بديلا عن الحديث عن طبقة وسطى كما يحلو لبعض المعلقين والمحللين، ويصب هذا في الطرح القائل بأن تأثير الإجراءات الاقتصادية الأخيرة من شأنه أن يتباين في أوساط الطبقات المتوسطة ذاتها من حيث الاتجاه والحدة بما يجعل الشرائح المتوسطة من موظفي الدولة وخاصة العاملين بالجهاز الحكومي المركزي بهيئاته ووزاراته ومصالحه الكثيرة، من أكثر المرشحين في الطبقات المتوسطة لتراجع مستويات المعيشة وتآكل الأجور الحقيقية، خاصة إذا تمكن النظام السياسي من تطبيق تعهداته مع صندوق النقد بتخفيض معدل نمو فاتورة الأجور الحكومية عن معدلات التضخم ما يترجم إلى تراجع نسبي في الأجور الحقيقية للعاملين في الدولة بشكل إجمالي، ومن ثم قدرة أقل على الاستهلاك وتراجع في مستوى المعيشة، ناهيك عن فرص نجاح النظام في تحقيق، ولو جزئيا، مساعيه بتخفيض حجم العمالة الحكومية بتفعيل القنوات الإدارية والقانونية المختلفة الواردة في قانون الإدارة المدنية المثير للجدل، والذي جرى تمريره في ٢٠١٥ بصيغة معدلة.

ينصب هنا التركيز على الشرائح المتوسطة من العاملين في الجهاز الحكومي، وهي فئات يصعب تحديدها بدقة في ضوء التعدد الكبير في هياكل الأجور الحكومية، والتي تختلف بشكل لافت، لا فحسب من جهة حكومية إلى أخرى، بل داخل الجهة الواحدة، وهو الاتجاه الذي رصدته دراسات سابقة منذ التسعينات لغلبة ما يسمى بالأجور المتغيرة على القسم الأكبر من أجور العاملين في الجهاز الحكومي، وهي ليست بمتغيرة ولا هي بمكافآت ولا بحوافز ولا ببدلات بقدر ما إنها تستبعد من تقديرات المعاشات للتخفيف من العبء على خزانة الدولة، والتي تستمر في حساب المعاشات على الأجر الأساسي، وقد اعتبر سامر سليمان أن اعتماد سياسة الأجور المتغيرة كباب خلفي لزيادة أجور الموظفين قد أتى من باب تكيف النظام السياسي مع أزمة الدولة المالية المزمنة، وتجلى بوضوح منذ تبني برنامج الإصلاح الاقتصادي والتحول الهيكلي في ١٩٩٠/١٩٩١، وتماشى معه إجراءات أخرى كالصناديق والحسابات الخاصة، والتي أفضت مجتمعة إلى حالة من اللامركزية الفعلية، وحتى الفوضى على حد اعتبار آخرين مثل حازم الببلاوي رئيس الوزراء الأسبق، ويجعل هذا من الصعب الوقوف على من يحصل على ماذا عمليا في أوساط الموظفين في مصر، خاصة ومع تباين الأجور الإجمالية بين موظفين ينتمون لذات المستويات الوظيفية، ويشتركون في ذات الأجر الأساسي الذي ظل محددا بقانون العاملين المدنيين بالدولة بأرقام مطلقة لم تتغير منذ ١٩٨٣، ولكن تختلف أجورهم المتغيرة بشكل لافت.

وعلى الرغم من ذلك التباين، الذي أثبت مع الوقت أنه مصدر من مصادر التوتر السياسي والاجتماعي بل وربما حتى الصراع حول توزيع الموارد والنفوذ داخل جهاز الدولة الإداري، إلا أن فاتورة أجور العاملين بالدولة كرقم مجمل قد ظلت تنمو بمعدلات أكبر من التضخم منذ منتصف الثمانينات وحتى اليوم تبعا لما تظهره أرقام وزارة المالية وكما أظهر محمد جاد في دراسته الصادرة مؤخرا مع المركز المصري للدراسات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يتفق مع ملاحظة سامر سليمان من قبل حول نظام مبارك، والذي –طبقا لسليمان- حاول الحفاظ على الأجور الحقيقية لموظفي الدولة عن طريق زيادتها بشكل مستمر بما يضعها فوق مستويات التضخم من باب تحييد تلك الشرائح وضمان تأييدها الصامت (بامتناعها عن الاحتجاج)، وقد تعرضت تلك المعادلة للاختلال في ظل حكومة أحمد نظيف مع ارتفاع معدلات التضخم نتيجة لصدمات خارجية ممثلة في ارتفاع أسعار الغذاء والوقود العالمية، في ضوء اعتماد مصر على استيراد جزء كبير منهما من الخارج، ومع ارتفاع وتيرة التضخم وضعت ضغوط على الدخول الحقيقية لموظفي الدولة ما حدا بهم للإتيان بما لم يأتوا به من قبل وهو تبني إستراتيجيات الاحتجاج العمالي التي لطالما كانت شائعة في أوساط عمال شركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام مثل الإضراب والاعتصام، وصولا إلى بدء أول تنظيم نقابي مستقل في ٢٠١٠ في إشارة لموظفي الضرائب العقارية، والذين تبعتهم شرائح من الموظفين في القطاعين الصحي والتعليمي في السنة نفسها، وهي كلها مظاهر اعتبرتها نادين عبد الله علامات على تدني وضع العاملين بالدولة من ذوي الياقات البيضاء (أي الموظفين) ما وضعهم فعليا في مواقع شبيهة بعمال القطاع العام من ذوي الياقات الزرقاء، ما ولد وعيا بذلك التماهي واستدعى تحركات جماعية لم يشهدها جهاز الدولة الإداري في مصر قط.

موظفو الدولة: رقم صعب في المعادلة السياسية

وعلى الرغم من مساعي نظام مبارك المستمرة لإرضاء هؤلاء الموظفين برفع رواتبهم إلا أن انتقال الاحتجاج الاجتماعي إليهم في سنوات حكومة نظيف (مثلت احتجاجات الموظفين نحو ثلث إجمالي الاحتجاجات العمالية في تلك الفترة) قد أسهم في توسيع نطاق الاحتجاج في مصر في السنوات القليلة السابقة على ثورة يناير ٢٠١١ بالتزامن مع اتساع رقعة الاحتجاج السياسي على فساد نظام مبارك وعلى مشروع توريث الحكم لنجله، وهيأ بلا شك لمشهد العاشر من فبراير ٢٠١١ مع دخول جهاز الدولة الإداري فيما يشبه الإضراب العام ما أطلق رصاصة الرحمة على نظام مبارك. وتفجر الاحتجاج في أوساط الموظفين تفجرا بعد الإطاحة بمبارك، ومع تراخي القبضة الأمنية في التعامل مع المطالب الاجتماعية، ومع الضعف (الذي ثبت أنه مرحلي) للسلطة السياسية انتزع العاملون بالجهاز الإداري للدولة تنازلات مهمة من الحكومات المتعاقبة بزيادة أجورهم تارة، وبتثبيت المؤقتين منهم تارة أخرى، بل وبالدفع بمحاولات لإصلاح أوجه الخلل وغياب العدالة في أجور ومرتبات الموظفين من خلال استصدار قرار الببلاوي بوضع حد أدنى للأجور، وصدور قانون بوضع حد أقصى، على الرغم من أن تلك المحاولات أثبتت عدم فعاليتها فيما بعد.

عودة للتركيز على الشرائح المتوسطة من العاملين في الجهاز الحكومي، إذ أن الوزن السياسي لهذه الفئات، سواء تجلت في البداية بشكل كامن من حيث تقدير السلطة السياسية لأهمية الإبقاء على مستويات معيشة هؤلاء كما هي، مغبة الاضطراب الاجتماعي والسياسي أو فيما بعد في صورة الفعل الجماعي الاحتجاجي أو النقابي، فإن ذلك الوزن قد مكنها من الحفاظ على دخولها الحقيقية في فترات التضخم المرتفع، وهي المعادلة التي لا تزال سارية بالأرقام حتى بعد موجات التضخم العاتية منذ نهاية ٢٠١٦ ما مكن تلك الشرائح من الحفاظ على قدرتها على الاستهلاك، ويفصل هذا الأمر تلك الشرائح المتوسطة عن صغار موظفي الدولة (خاصة في المحليات والتي شهدت أكبر توسع عددي في التوظيف في عهد مبارك لتستوعب اليوم نحو ثلاثة ملايين عامل من خمسة هو إجمالي عدد الموظفين)، فصغار الموظفين في الإدارات المحلية هؤلاء يحصلون على أجور جد صغيرة، وعادة ما كان حصولهم على وظائف حكومية من باب الزبونية السياسية-خاصة في سنوات حكم الحزب الوطني- وكإجراء من إجراءات الرفاه بمد قدر من الأمان الوظيفي وأجر منخفض (نظير وظيفة وهمية وأقرب ما تكون للبطالة المقنعة في أغلب الحالات) لبعض المختارين سياسيا، والذين يجمعونها بجانب وظيفة أخرى في القطاع الخاص (لاسيما غير الرسمي)، ما يضعهم في مرتبة أقرب للشرائح الأفقر وخاصة أصحاب التوظيف الذاتي في قطاعات هامشية كالباعة الجائلين أو مقدمي الخدمات الشخصية أو العاملين بأجر في المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، والتي تمثل جل العمالة في القطاع الخاص، وتتسم باللارسمية وبانخفاض الأجر والإنتاجية وانعدام الأمان الوظيفي. وصغار الموظفين هؤلاء بحكم انتمائهم أو اقترابهم من الشرائح الأكثر فقرا في الريف والحضر لا يستهلكون كثيرا بما يفوق الأساسيات من مأكل ومشرب وسكن ومواصلات، فهم مثل غالب الفقراء في مصر يستوعب الاستهلاك الأساسي لهم ولأسرهم ما يفوق ٦٠٪ من دخولهم، وطالما ظلت الأساسيات تلك معفاة من التضخم فهم لا يشعرون بترد في مستويات المعيشة (عما هي متردية أصلا)، وبالفعل فإن النظام السياسي وشركاءه من المؤسسات المالية والتمويلية العالمية على وعي بضرورة تجنب أي عبث بالاستهلاك الأساسي في مصر، وهو ما يفسر الاستمرار في دعم الغذاء في المدن وتدرج إعادة تسعير الكهرباء، ولا يشذ عن هذا سوى ارتفاع تكلفة المواصلات مع الخفض المتواتر لدعم الوقود، ولكن غير ذلك فما من مؤشرات قوية لتراجع قدرة الفئات الفقيرة – الموزعة على طبقات عدة بحكم عملها في أي قطاع إنتاجي وإن وحدها جميعا الدخل المنخفض- عن الاستهلاك الأساسي.

وتتميز الشرائح المتوسطة في الجهاز الإداري كذلك عن الشرائح العليا، وفي بعض الأحيان جيوب داخل جهاز الدولة، تتمتع بنفاذ لموارد لا ينعقد لأقرانهم من الموظفين، فهؤلاء من المسيطرين على أصول مملوكة للدولة (مثل قطاعات البترول والهيئات الحكومية التي تدير الأراضي المملوكة للدولة) أو لديهم نفاذ مباشر لمركز السلطة السياسية (كحال مؤسسات القضاء والشرطة والجيش) من المنتظر أن يتمكنوا من الحفاظ على أجورهم الحقيقية فوق معدلات التضخم ما يقي مستويات معيشتهم من الانخفاض، دون الحاجة للجوء إلى فعل سياسي جماعي أو فئوي لتحقيق ذلك، وهو ما يضعهم في مصاف برجوازية الدولة التي تسيطر على أصول للدولة ما يترجم إلى مزايا مادية كبيرة في صورة دخول مرتفعة (ومن ثم أنماط استهلاكية كذلك) أو حتى في صورة ملكيات ثابتة كالعقارات منخفضة التكلفة التي يحصل عليها العاملون في تلك القطاعات كجزء من مزاياهم الوظيفية ما يعني مراكمة خاصة لا تتوفر لغيرهم من العاملين في الدولة، فهؤلاء من الأصل بعيدون عن التعريف المتبنى للطبقات المتوسطة.

الطبقات المتوسطة المعتمدة على السوق

لم تكن سياسات الدولة العامة القناة الوحيدة لتوزيع الخسائر، إذ أن آليات السوق هي الأخرى لطالما لعبت دورا، ويقصد بالسوق هنا آليات العرض والطلب وما يعبر عنها بالأسعار النسبية سواء كانت في سوق العمل، خاصة مع استيعاب القطاع الخاص بتنويعاته وتبايناته للقسم الأكبر من القوة العاملة في مصر منذ الثمانينات، أو سوق السلع النهائية، والتي تتحدد فيه أنماط الاستهلاك للشرائح الاجتماعية ويحدث فيه الفرز الطبقي من زاوية التوزيع، أو سوق رأس المال نقديا كان أو ثابت، والذي يظهر في أسعار الفائدة وأسعار الصرف وأسعار العقارات وغيرها، وتعمل تلك الآليات السعرية على توزيع الخسائر الناجمة عن التقشف والركود والتضخم بين الشرائح الاجتماعية والقطاعات الاقتصادية المختلفة، وقلما يكون عمل السوق بمعزل عن سياسات الدولة العامة وإجراءاتها التنظيمية (سواء كانت فاعلة أو غير فاعلة ففي كلتا الحالتين يظهر التفاعل الواقعي على الأرض بين السياسة والاقتصاد)، إذ أن السوق كآليات حرة كاملة تعمل بكفاءة في فراغ سياسي واجتماعي غير موجودة، وتظل مجرد افتراضا نموذجيا لعلم الاقتصاد النيوكلاسيكي.

بالعودة لتأثير التحولات الأخيرة على الطبقات المتوسطة في مصر يمكن القول بالإجمال أن الشرائح المتوسطة التي تحتل مواضع تنافسية احتكارية في أسواق العمل أو في أسواق المنتجات السلعية والخدمية النهائية ستنجو في غالب الأمر من مخاطر انخفاض مستويات المعيشة عبر رفع أسعارها النسبية بما يتكيف مع معدلات التضخم أو حتى يفوقها، ومعنى هذا الطرح المجرد أن الشرائح المتوسطة التي تمتاز بارتفاع في مهاراتها، ومن ثم تتميز في أسواق العمل في حال عملها بأجر كحال المديرين أو الموظفين في قطاعات تتطلب مهارات فنية وعلمية وتنظيمية نادرة، أو تتميز في الأسواق النهائية المباشرة خاصة الخدمات كحال الأطباء والمهندسين والمحامين وغيرهم، يمكنهم رأس مالهم الثقافي هذا من احتلال مواضع تنافسية احتكارية بحكم التخصص الدقيق والتمايز الكبير في المهارات المكتسبة رغم خضوعهم العام لآليات السوق، ويمكّن هذا تلك الشرائح المتوسطة، والتي سبق للأدبيات الأكاديمية أن نعتتها بالطبقات المتوسطة الجديدة التي نشأت منذ عقد السبعينات في العالم ككل ومصر ليست استثناء، كنتيجة لتحرير الأسواق ونمو بعض القطاعات الجديدة (مثل الاتصالات والتقنية والمعلوماتية والخدمات المالية البنكية وغير البنكية)، فهؤلاء في المجمل استطاعوا التكيف مع موجات تضخمية سابقة، ومن ثم تمكنوا من وقاية أنفسهم وأهليهم نار التضخم عن طريق تحميل غيرهم كلفة تعديل أسعار أجورهم أو دخولهم النسبية. وهو أمر مرشح للاستمرار في الوقت الراهن خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن تلك الشرائح هي التي سبق وأن راكمت ثروات عقارية ومالية في العقد الأول من الألفية الجديدة، وبالتالي تستفيد اليوم من ارتفاع أسعار الفائدة البنكية وازدياد الطلب على الأصول العقارية هربا من التضخم.

تتداخل تلك الفئات كثيرا مع ذوي المهارات المرتفعة العاملين بالخارج، الذين يتحصلون على رواتب بالعملة الصعبة، فهؤلاء استفادوا واستفادت عائلاتهم من انخفاض سعر صرف الجنيه، وبالتالي تجنبوا جل ما نجم عن ارتفاع معدل التضخم الناتج أصلا عن انخفاض العملة الوطنية، وإن كان ذلك التأثير لا يقتصر على ذوي المهارات المرتفعة فحسب من العاملين في الخارج بقدر ما يمتد لأصحاب المهارات المنخفضة أو العمالة نصف الماهرة في البلدان النفطية، والتي لا تزال قطاعات كبيرة منهم ترسل بتحويلات دولارية لعائلاتهم في مصر، فهؤلاء من المنتظر أن يمثلوا امتدادا للشرائح الدنيا من العمال والفلاحين التي حققت صعودا اجتماعيا على إثر الهجرات النفطية في السبعينات والثمانينات باستخدام مدخراتها لحيازة أصول عقارية أو البدء في مشروعات تجارية وخدمية صغيرة عند العودة للاستقرار مجددا في مصر. وهؤلاء يمثلون رافدا من روافد الطبقات المتوسطة إما عبر بوابة الترقي الاجتماعي عبر الأجيال من خلال تمكين أطفالهم من الحصول على مستويات تعليم أعلى، أو من بوابة ملكية رؤوس أموال مالية أو ثابتة تمكنهم من الخروج من مصاف العمالة الرخيصة إلى الموظفين ذاتيا أو أصحاب المشروعات متناهية الصغر أو الصغيرة.

لكن السوق لا يخدم الجميع، إذ أن ارتفاع معدل التضخم وتقليص الدعم وتجميد التوظيف الحكومي سيكون من شأنه أن يعمق من أزمة الشرائح العمالية الكثيرة التي إما تعمل لدى القطاع الخاص بشكل غير رسمي في مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر ذات إنتاجية وأجر منخفضين، أو تعمل لحسابها الخاص في وظائف هامشية غالبا ما تكون لحين الحصول على وظيفة أكثر استقرارا في الحكومة أو في القطاع الخاص الرسمي. فهؤلاء ممن لا يملكون المهارات المطلوبة ذات العائد المرتفع (ولو كانوا جامعيين أو من خريجي المعاهد العليا والمتوسطة) من المنتظر أن يواجهوا المزيد من التخفيض في أجورهم الحقيقية، وأن تتآكل قدراتهم على الاستهلاك وتنخفض مستويات معيشتهم، وأن يواجه الشباب منهم حديثو التخرج صعوبات أكبر في إيجاد وظائف لائقة، وخاصة النساء منهم واللائي عانين من الاستبعاد المتزايد من قوة العمل في مصر في العقود الماضية من التحول الاقتصادي. ولكن أيا من هذه الفئات والشرائح يحظى بالوزن السياسي الجماعي لتعديل واقع تحملهم لفاتورة التحول الاقتصادي في مصر (هذه المرة والمرات السابقة)، فهؤلاء يمثلون فعليا الانزلاق عبر الأجيال من مصاف الطبقات المتوسطة إلى وضعيات تشبه العمال أو أشباه العمال (من يعملون في قطاعات هامشية أو يعانون البطالة الهيكلية) رغم زيادة تحصيلهم التعليمي، والذي لا يُترجم إلى مهارات ذات عائد في سوق العمل مع تردي الجودة. لكن صعوبات التحرك الجماعي لهؤلاء تقلل من تأثيرهم على المدى المتوسط على الأقل، وإن كانت تفتح الباب أمام مخاطر الاحتجاج الواسع، والذي يخضع لظروف وشروط مركبة يضيق المقال بذكرها.

وفي هذه الآونة يظل العاملون في جهاز الدولة، وخاصة الشرائح المتوسطة منهم، يمثلون الرقم الصعب في المدى المباشر، فهؤلاء قد أثبتوا قدرة على الفعل الجماعي على مستوى المنشآت، كما ظهر في الحراك ضد الصيغة الأولى من قانون الخدمة المدنية، وذلك بفضل تركزهم وكبر عددهم، وارتباطهم مع الدولة بسلسلة من التوقعات الناجمة عن سياسات ماضية عمرها عقود ربطت الدولة بالعاملين في القطاع الحكومي، وهؤلاء يحتلون مواضع في الجهاز الإداري تمكنهم، حال الاضراب أو الاحتجاج، من الضغط على السلطة السياسية، بل وبما يهدد، حال حدوثه، بإحداث شروخ في قاعدة النظام السياسي نفسه الذي اعتمد على استرضاء البيروقراطية الحكومية، واستبعاد أعضائها من الحراك الاجتماعي الاحتجاجي الذي، إن تجدد، قد يفتح الباب مرة أخرى أمام اتساع نطاق الاحتجاج في الحيز العام كما وقع في أيام مبارك الأخيرة.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

التكوين الاقتصادي والطبقات في النظام الرأسمالي (ملاحظات أولية) ليس من الممكن أن نتجاوز أهمية دراسة الطبقات، حيث أن منظور الصراع قائم أصلا على أنه صراع طبقي. هذا ما تؤكده الماركسية، وهو في جوهر رؤيتها للواقع.

سلامة كيلة

الاقتصاد السياسي والحركات العمالية والانتفاضات الشعبية في 2011 تميل التحليلات الغربية للانتفاضات العربية التي اندلعت سنة 2011 إلى التأكيد على دور شباب الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي أو منظمات المجتمع المدني. ولعل التركيز على الحركات الاجتماعية للعمال والعاطلين قبل اندلاع هذه الانتفاضات وأثناءها يوفر مزيدا من العمق التاريخي والفهم الأصيل.

جويل بنين