الأنتروبيا … طريق الفناء

قضايا

12  فبراير  2018

هناك تماس مدهش بين ما ادعته الميتافيزيقا من قبل وبين ما قرره العلم في أحدث طبعاته، وهو ما قد أسميناه في مقالنا السابق “ميتافيزيقا العلم”. حيث لا يمنع العلم وجود عوالم أخرى موازية تشبه تماما وتوازى عالمنا المعاش، كما لايمنع إمكانية تجميع المعلومات التي فقدت بالتحلل ومن ثم إعادة انتاجها. ويطرح العلم رؤية جديدة لمفهوم الخلود إذ يمكن خلق أو انبثاق شئ ما إلى الوجود من “اللاشئ” وفقا للعلم وهو ما تسميه الميتافيزيقا “العدم”، ومع التأكيد على تماسك النظريات العلمية، تطرح الميتافيزيقا في المقابل تصوراتتتجاوز مطلقات العلم بما في ذلك سرعة الضوء وقانون حفظ وبقاء الطاقة. وبينما يسعى العلم لتقديم تفسير عن نشأة الكون وماهية الحياة وآلية نشؤها، إلا انه يتقاطع مع الأفكار الميتافيزيقية حول الخلود والعدم. ويقدم لنا العلم تصورا يقترب من بعض الأفكار التي تطرحها الميتافيزيقا مثل إمكانية التواصل أو الاتصال اللحظى بين جسيمين يبعدان عن بعضهما مئات السنين الضوئية فيما يعرف بالتشبيك الكمومي، كما ويؤكد العلم على سير الكون في طريق يوم قيامته حيث سيخمد فيه كل مظهر من مظاهر الحياة أو الحضارة مع زيادة انتروبيته وبلوغه ذروة توزانه المبتغى!

يشغل قانون زيادة الأنتروبيا –القانون الثانى للديناميكا الحرارية– مكانةهى الأسمى بين قوانين الطبيعة بعد أنكانت الفيزياء فيالبداية تتلمس حدود قوتها الذاتية. وتلك الحدود هى ما ستصبح موضوعا هاما في القرن العشرين. ربما تكون قد سمعت عن الأنتروبيا، ومعظم الناس يفكر فيالأنتروبيا على أنها مقياس للاضطراب. سيصفها البعضبأنها طريقة للتعبير عن مقدار الفوضى فينظام فيزيائى ما،وهو تعريف فعال، لكنه لايكفى بشكل عميق،كما أنه مضلل لحد ما. فالأنتروبيا تعد خاصية جوهرية لجمع من الاشياء، وهى تأتى من قوانين الاحتمالية ومن التناول الاحصائى للفيزياء. لذا، فلننسى للحظة النظام أوعدم النظام، والترتيب أوالفوضى. وفى الواقع، يمكن اعتبار الأنتروبيا مقياسا لاحتمالية أي ترتيب داخل نظام فيزيائى معين.

بقياس وزن قطعة خشب، فإن الرقم الموجود على مؤشر الميزان سيقيس كمية المادة فيهذه القطعة، وبمعرفة الوزن وتركيب المادة في القطعة، سنتمكن من تخمين نوعية وعدد الذرات الموجودة فيهذه الكتلة. وبقياس درجة حرارة كوب شاى، فإنقراءة الترمومتر ستشير إلى سرعة حركة الجزيئات داخل الكوب. وإذا عرفنا درجة حرارة جزء من المادة سنعرف كيف تتحرك هذه الجزيئات. ومثل المادة ودرجة الحرارة، تعتبر الأنتروبيا قياسالخاصية قطعة المادة. فاذا عرفناأنتروبيا وعاء مملوء بالذرات مثلا، سنعرف بشكل تقريبى الكيفية التي تتوزع بها هذه الذرات. وبالرغم من أنالأنتروبيا تبدو كما لو كانت تجريدية أكثر من درجة الحرارة والكتلة، إلا أنها حقيقة ملموسة وجوهرية لخاصية المادة مثل درجة الحرارة والكتلة.

جزء من السبب الذي يجعل الأنتروبيا تسبب ارتباكا أكثر من الكتلة ودرجة الحرارة هو أن قياسها يصعب تقديره عن تقدير وزن قطعة خشبأو قياس درجة حرارة كوب شاى أو حتى سرعة دراجة. فالأنتروبيا تُظهر ترتيب المجموع الكلى للمادةبمصطلح الترتيبات الأكثر احتمالا لمجموع الذرات، أو النتائج الارجح، وكلما زادت احتمالية ترتيب مادة كلما زادت أنتروبيا ذلك الترتيب (أو الأرجحية).

النتائج الارجح سيكون لها احتمالية أكثر وبالتالى أنتروبيا أكثر، والنتائج الأقل حدوثا سيكون لها احتمالية أقل وأنتروبيا أقل. واذا قمت مثلا برج وعاء مملؤ بكرات ملونة ثم نظرت بداخله، فمن المؤكد أنالكرات الملونة ستكون في ترتيب عاليالأنتروبيا. والوعاء المملؤ بكرات ملونة يشبه وعاء مملؤ بالغاز، ولو تخيلنا وضع 1000ذرة هيليوم في وعاء فارغ، ثم قمنا برج الوعاء ليتسنى توزيع الذرات بشكل عشوائى، فسنرى في كل مرة نلقى فيها نظرة خاطفة حوالى نصف الذرات في الجانب الأيسر والنصف الاخر في الجانب الأيمن للوعاء. ستكون الأنتروبيا عالية، وستكون الذرات موزعة بدرجة أو باخرى بشكل متماثل في الوعاء. في الحقيقة، لاتهم ماهية خصائص الذرات التي ننظر إليها، فحالة الأنتروبيا الأعلى ستتطابق مع التوزيع المتماثل لتلك الخصائص. فمثلا، كلما نظرنا للوعاء فإن الذرات الساخنة والسريعة ستميل للتوزع خلاله، كذلك ستفعل الذرات الباردة والبطيئة. ولا يرجح أبدا أن تتجمع كل الذرات الساخنة على الجانب الايسر من الوعاء بينما تتكتل كل الذرات الباردة على الجانب الأيمن، وبدلا من ذلك، يكاد يكون من المؤكد أندرجة حرارة الغاز ستكون متماثلة خلال الوعاء، تلك هى حالة الأنتروبيا الأعلى. إنه اليقين الافتراضي الذي يسمح لذرات الهيليوم بأن تكون على هذه الحالة كلما اختلسنا النظر إليها. وفى الحالات التييسمح فيها لوعاء الغاز المعزول بأن يكون عشوائيا –ويتاح له الوصول إلى حالة التوازن– فان هذا سيضمن في الغالب ألا نرى أبدا الجانب الأيسر باردا والجانب الأيمن ساخنا.

فيغرفة مفتوحة وبها سخان، سيكون الهواء باردا بجانب النافذة بينما سيكون ساخنا بجوار السخان. في هذه الحالة لايوجد أيتعارض مع مفهوم الأنتروبيا لأن هذا النظام غير معزول، حيث يظل السخان يضخ هواء ساخناإلى الغرفة، بينما تسمح النافذة له بالتسرب. أما لو أحكمنا غلق النافذة واطفأنا السخان، فستصل حرارة الغرفة سريعا إلىالتوازن، وستكون درجة الحرارة فيكل بقعة متماثلة. بالمثل، يمكننا إدخال كمية من ذرات الهيليوم على جانب واحد من الوعاء ليكون خارج التوازن، فإذا تركنا الوعاء على حاله، فسيتحول سريعا من حالة أنتروبيا منحفضة (كثير من الذرات في جانب وقليل في جانب) إلى حالة أنتروبيا عالية (تقريبا عدد الذرات متساو في كلىالجانبين)، كما لو كان النظام يصبح منجذبا إلى حالة –الأنتروبيا العالية– وهذا هو الموضوع. فكما “تريد” الكرة أن تنحدر أسفل التل، “يرغب” الوعاء المملؤ بالغاز أن يزيد أنتروبيته للحد الأقصى.

في حالة الغرفة المحكمة الإغلاق يمكنك بذل شغل –بإدخال طاقة– لعكس ميل النظام نحو الأنتروبيا العالية، كاستخدام مكيف للهواء صيفا للحفاظ على برودة الغرفة أومدفئة في الشتاء للحفاظ على سخونة درجة حرارتها، أو بمعنى آخر للحفاظ على أن يكون جانب من الوعاء ساخنا والجانب الآخر باردا. لكن إذا تركته على حاله دون بذل الشغل، فان الوعاء سوف يعود إلى حالة الأنتروبيا القصوى، وستتوزع الذرات الساخنة والباردة بالتساوي خلاله.

تجدر هنا الاشارة إلى أن”رغبة” ذرات الوعاء في زيادة أنتروبيتها للحد الأقصى سوف تؤديإلى تغيير غير عكسى للوعاء المملؤ بالغاز. فاذا بدأت بكل الذرات في ركن واحد من الوعاء، فانها ستنتشر بعد هنيهة، لتزيد من أنتروبيتها للحد الأقصى. ولأنه من غير المحتمل حسب المشاهدة أن تتحرك كل الذرات عائدة إلى الركن الذي أتت منه، ولأن الغاز بطبيعته يميل لأن يكون في حالة دائمة من الأنتروبيا العالية، فبمجرد أن يصل الغاز لحالة التوازن، سيبقى دائما فيهذه الحالة عالية الاحتمالية ولن يعود أبدا إلى الحالة قليلة الاحتمالية التي كان عليها. وبالمثل، إذاأتيت بكمية من الذرات الساخنة على الجانب الأيمن من وعاء وبذرات باردة على الجانب الأيسر منه، فإن الذرات الساخنة والباردة ستتدافع بعد برهة حول بعضها البعض باصطدام عشوائى لكي تنتقل إلى الترتيب الأكثر توقعا، لتتوزع الذرات الساخنة والباردة بالتساوي على جانبى الوعاء. وبمجرد أن يصبح الوعاء متوازنا، سيظل الوعاء على تلك الحالة للأبد ولن تنفصل فجأة الذرات الباردة والساخنة الموزعة الآن بالتساوىلتعود كل منها إلى ركني الوعاء. إذا ترك هذاالنظام وشأنه –إذا لم تستخدم مضخة حرارية أو لم تضف أية طاقة إلى النظام– فان الزيادة فيالأنتروبيا تكون غير عكسية. ويعتبرعدم قابلية الانعكاس هذا ملمحا أساسيا للانتروبيا.

واذا رأيت فيلما تتجمع فيه كل الذرات على بعضها البعض فيأحد اركان الوعاء، فستعرف أن الفيلم يسير إلى الوراء، وستدرك على الفور أن الفيلم الاصلى يبين الغاز وهو ينطلق من أحد الأركان منتشرا إلى بقية أركان الوعاء، ففى الحياة الحقيقية تتصرف الغازات بهذه الطريقة، وليس بالشكل المعكوس. وبسبب الأنتروبيا تسمح قوانين الفيزياء بهذا الاتجاه الواحد،أما الآخر فهو محظور من حيث المبدأ. فالأنتروبيا تجعل سلوك الغاز غير عكسى، وبسبب الأنتروبيا سيكون للشريط السنيمائى معنى فقط إذا عرض للأمام وليس للوراء.فأنت لا تستطيع أن تعكس مسار أحداث الفيلم. ولهذا السبب فإن العلماء يشيرون إلىالأنتروبيا على انها “سهم الزمن”. إن عدم قابلية التفاعلات التي تغير الأنتروبيا للانعكاس هو أحد العلامات التي تخبرنا بالاتجاه الذي ينساب فيه الزمن. فالزمن يتجه للأمام كلما زادت الأنتروبيا، انه لا يسير بالعكس ابدا لأن الأنتروبيا لن تتناقص في نظام متروك على حاله.

وبمعنى ما فإن المحركات الحرارية هى آلات تعمل على زيادة أنتروبيا الكون، فمع ضخ الحرارة من قسم ساخن إلىقسم بارد، تتزايد أنتروبيا النظام ككل. لأن فصل القسم الساخن عن القسم البارد يعد بطبيعته ترتيبا قليل الأنتروبيا، تماما كوعاء به ذرات ساخنة في جانب وذرات باردة في جانب آخر، انه قليل الأنتروبيا كذلك. وبالسماح للحرارة في القسم الساخن بالانسياب إلى القسم البارد، سيصبح النظام اقرب للتوازن،وستزيد من أنتروبيا النظام. وهكذا يمكننا استنتاج انه لا يجوز عكس تزايد الأنتروبيا داخل نظام ما “درجة حرارة الغرفة مثلا” دون بذل شغل، إذ لابد من إضافة طاقة لهذا النظام لعكس ميله نحو التوازن، وبالقيام بذلك سنكون قد زدنا أنتروبيا الكون الخارجى حتى بأكثر من تقليلنا للأنتروبيا داخل هذا النظام.

هذا هو جوهر القانون الثانى للديناميكا الحرارية: الأنتروبيا هى الأسمى. فالكون بمجمله يتبختر نحو حالة أعلى من الأنتروبيا، ولا يوجد أي شئ يمكننا عمله لعكس ذلك. يمكننا أن نفرض قسرا أي شئ على ركن صغير من هذا الكون –يمكننا تركيب ثلاجة تفصل بين البرودة والسخونة فيالمطبخ مثلا – لكننا لابد وأن نستهلك طاقة لفعل ذلك، واستهلاك الطاقة هذا سيزيد من أنتروبيا كوكب الأرض بأكثر مما تقلله الثلاجة من أنتروبيا المطبخ. انها لفكرة مزعجة بالقطع، أنتجعل الأرض أقرب لحالة الفوضى عندما تقوم بتبريد زجاجة البيرة فيالثلاجة.

الكون ككل تتزايد أنتروبيته باضطراد و بلا رجعة. لكن هل يجوز ولو بشكل نادر ومؤقت أن تتناقص أنتروبيا نظام ما دون بذل شغل أو إضافة أي طاقة، ليتم انتهاك القانون الثانى للدينامكا الحرارية فجأة؟هذا القانون لابد وأن يكون صحيحا دائما.لكن في عام 2002، نشر عدد من العلماء الاستراليون بحثا تسبب في بعض الجدل. كان عنوان البحث مستفزا كالتالى “توضيح تجريبى على انتهاك القانون الثانى للديناميكا الحرارية في الأنظمة الصغيرة ولمدى زمنى قصير”، حيث قاموا بقياس متقن لأنتروبيا حبيبات اللاتكس في الماء. ومثل الذرات داخل الوعاء، ستطفو هذه الحبيبات حول بعضها فيإناء الماء. وباستخدام الليزر قام الباحثون بامساك تلك الكرات الضئيلة ثم قاموا بإفلاتها وقياس الكيفية التيتتطور بها أنتروبيا هذا النظام.لقد تصرفت الحبيبات في معظم الأوقات كما هو متوقع بالضبط: فالترتيب الذي يفرضه الليزر كان يختفى سريع التزداد أنتروبيا النظام مرة أخرى. لكن حدث بشكل نادر جدا، أن نقصت الأنتروبيا قليلا ولفترة قصيرة قبل أن تتزايد مرة اخرى. لوقت قصير وفى نظام صغير تنقص الأنتروبيا تلقائيا بدلا من أن تزيد. ومن ثم اعتبر هذا “انتهاكا” للقانون الثانى. وحتى لو كان ذلك لمدة قصيرة فقد بدى فشلا للقانون الثانى. فها هى الأنتروبيا تتناقص بدلا من أن تتزايد.لكن وبرغم أن تجربة عام 2002 (والتي اجريت بدقة اكبر في عام 2004) قد بينت  أنالأنتروبيا قد نقصت، في الواقع، لمدة قصيرة في نظام صغير،إلاأن هذا لم يكن انتهاكا للقانون الثانى للديناميكا الحرارية. فهو مما تسمح به تحديدا الطبيعة الاحصائية للقانون. فالقانون الثانى للديناميكا الحرارية قانون احتمالى، ويبقى صحيحا بيقين احصائى. وبشكل معقول لن نرى في الأنظمة الكبيرة انتهاكا للقانون عند أي نقطة على مدار عمر الكون. لكن في الأنظمة الصغيرة قد نلاحظ أحيانا تناقصا للأنتروبيا، وبالرغم من أن هذا التقليل فيالأنتروبيا يبدو كأنه انتهاك للقانون الثانى، فإنه ليس كذلك حقيقة. فهذا النوع من الاشياء ببساطة هو أحد تبعات الطبيعة الاحصائية للقانون.

ويدرك علماء الفيزياء المعاصرون أنه حتى القوانين الاكثر صرامة –حتى القانون الثانى للديناميكا الحرارية– لديها عنصر احصائي. فمثلا، على مقاييس مدة قصيرة من الزمن ولمسافة دقيقة جدا، فان الجسيمات تنبثق إلى الوجود وتخرج منه بسبب ما يعرف بتقلبات الفراغ الكمومية. ولا يوجد عالم فيزياء سيرى هذا على أنه خرق لقانون حفظ الطاقة والمادة. فهذه التقلبات هى شئ على علماء الفيزياء المعاصرين التوافق معه.

الأنتروبيا تزداد بشكل طبيعى في نظام متروك وشأنه، والوعاء المملؤ بالغاز سيستقر سريعا في حالة توازن. وهكذا تميل المعلومات إلى التشتت، فالمعلومات المخزنة تنتشر عمليا خلال الكون. المعلومات تتسرب، خصوصا في الانظمة الكبيرة والمعقدة والدافئة مثل الكائنات الحية. يبدأ تحلل الكائن الحى على الفور بمجرد موته،يتساقط اللحم وكذا الجزيئات المكونة لهذا اللحم. وهكذا فان الشفرة الوراثية للكائن الحى ستذروها الرياح بمرور الوقت. وبطريقة ما، ولكونه حى فان هذا يتيح له أنيحافظ على معلوماته، ويبدو غير مكترث بالأنتروبيا لوقت قصير “هو عمر هذا الكائن”. لكن بمجرد موت هذا الكائن الحى، فانه يفقد تلك القابلية للأبد، وتفوز الأنتروبيا بمجرد أن تتبعثر معلومات ذلك الكائن الحى.

فالأنتروبيا تعمل على تحلل الأداة التي تخزن المعلومات الكلاسيكية: الأقراص الصلبة للكمبيوتر تفسد والكتب تصير باهتة، حتى النقش على الصخور يذوى بعوامل التعرية. الطبيعة تحاول أن تأخذ المعلومات وتقوم بنشرها خلال الكون، جاعلة اياها صعبة المنال وعديمة الفائدة. إلاأن المعلومات في جيناتنا قادرة على مقاومة تخريب الزمن والأنتروبيا، وقادرة على مقاومة سهم الزمن. فالخلود يتطلب الحماية ضد الأنتروبيا، إلاأن قوانين الديناميكا الحرارية تقول أنالأنتروبيا عنيدة، لذا كيف وجدت الحياة اساسا؟على المستوى الفيزيائى الخالص، فإن الأمر ليس محير تماما. فبالضبط كما يمكن للثلاجة أن تستخدم الموتور لكى تعكس الأنتروبيا –موضعيا– بالحفاظ على داخلها أبرد من الغرفة الموجودة فيها، فان الخلية لديها آلات حيوية تستخدمها في عكس الأنتروبيا –موضعيا– بالحفاظ على المعلومات متماسكة داخل الخلايا.

وكما تحتاج الثلاجة للطاقة كى تتلافى تأثيرات الأنتروبيا، فإن المواتير الجزيئية والانزيمات داخل الخلية الحية تحتاج لاستهلاك الطاقة لكى تعمل، فإنتاج وبقاء وعمل تلك الآلات الجزيئية يتطلب طاقة، لأنها تبذل شغلا. إنها تحفظ المعلومات داخل خلايانا بمأمن من تخريب الأنتروبيا، تماما كما تحفظ الثلاجات البرودة داخلها بالرغم من محاولات الطبيعة لإعادتها إلى درجة حرارة الغرفة. فخلايانا هى آلات حفظ وبقاء المعلومات. وتبقى معلوماتنا الجينية فعليا بدون اضطراب بعد أجيال وأجيال من النسخ.

لا يمكن استثناء خلايانا من القانون الثانى للديناميكا الحرارية. فبينما تحافظ أنزيماتنا على معلومات الخلايا آمنة –فتقوم بترميمها وتعكس الأنتروبيا موضعيا– فان هذه البروتينات تستهلك طاقة وتبذل شغلا. هذا يعنى أنأنتروبيا الكون يجب أن تزيد، حتى لو أنأنتروبيا الخلية ظلت منحفضة باستمرار. لايختلف ذلك عن حالة الثلاجة، فرغم انها تحافظ على داخلها باردا بتقليل انتروبيتها الذاتية، إلاأنه يجب عليها طرد الحرارة، فتزيد أنتروبيا الكون في هذه العملية. بمعنى أن خلايانا تأكل الطاقة والمخلفات الناتجة عن ذلك لتحققالأنتروبيا.

لحسن الحظ، أن خلايانا لديها مصدر للطاقة. الشمس هى مصدر (معظم) الطاقة المتاحة للمخلوقات على الارض، فهى تسكب اكثر من مليون مليار ميجاوات كل ساعة طوال العام على كوكبنا في شكل ضوء. بعض الكائنات تستخدم الضوء مباشرة، مستغلة الضوء في الفوتونات لتصنيع السكريات من ثانى اكسيد الكربون والماء. والبعض يستخدم الضوء بشكل غير مباشر –بالتهام الكائنات التي تستخدم الضوء مباشرة. أو بالتهام الكائنات التي تلتهم الكائنات التي تستخدم الضوء مباشرة. أو بالتهام الكائنات إلى تلتهم الكائنات التي تلتهم الكائنات….

إذا كان كوكب الارض في حالة توازن، فسيبدو متماثلافي كل مكان على سطحه غالبا. وستكون درجة الحرارة متماثلة في كل مكان تقريبا: لن تختلف الصحراء عن سهول القطب الشمالى الجرداء. وسيكون للغلاف الجوى نفس الضغط فيأي مكان: لن تكون هناك رياح ولا امطار ولاعواصف ولا انظمة ضغط منخفض ومرتفع ولا أمواج المحيطات ولا أيام دافئة ولا أيام باردة ولا قمم جليدية في القطبين ولا مناطق استوائية. لكن ليست تلك هى الارض أبدا. فكوكبنا مكان ديناميكى يتغير يوما بعد يوم. فالضغط الجوى متقلب كلما تحركت كتل العواصف وتحرك الهواء بعنف حول الكوكب. واذا سافرت حول الأرض سترى بيئات مختلفة كليا، صحارى ومحيطات وقمم جليدية وأماكن رطبة وأخرى جافة، ساخنة أو باردة، أو كل ذلك فيأوقات مختلفة من العام. وبنظرة شاملة، ليس هذا توازنا.

ولأن الأرض ليست في توازن، فإن لدينا وفرة من المجالات لزيادة أنتروبيتها، وزحزحتها قليلا للاقتراب من التوازن. فالبشر يستهلكون الطاقة، لكن لأن الطاقة لا تخلق ولا تفنى، فنحن ببساطة نحولها إلى شكل أقل استخداما مثل الحرارة الضائعة. فنحن نأخذ باستمرار شكل الطاقة القابل للاستخدام من الشمس ونجعله، مباشرة أو غير مباشرة، أقل قابلية للاستخدام. وبفعل ذلك، نزيد من أنتروبيا بيئتنا، وبيئتنا هى الارض،وهكذا فان كوكبنا يقترب ببطء من التوازن حتما. وسيكون أصعب وأصعب على الكائنات التخلص من انتروبيتها بزيادة أنتروبيا البيئة، وستخمد الحياة ببطء كلما اقتربت الارض من حالة الأنتروبيا النهائية، لكن هذا لن يحدث قريبا جدا، فشكرا للشمس.

إذا راقبت الارض عن بعد، ستلاحظ انها تسطع –ليس بنفس درجة سطوع الشمس، ولكى اكون دقيقا، فانها تشع ضوئا- وبعض هذا الضوء هو مجرد انعكاس مباشر من الشمس ولكن بعضه الآخر ليس كذلك. فالارض، كنظام، تمتص الضوء وتعيد اشعاعه في شكل معدل. على سبيل المثال تنبعث من الشمس اشعة جاما واشعة اكس والاشعة فوق البنفسجية التي لاتصل إلا بنسب طفيفة جدا إلى سطح الارض. تلك الفوتونات عالية الطاقة والحرارة، تصطدم بجزيئات الغلاف الجوى –الأوزون– وتقوم بتفكيك هذه الجزيئات عن بعضها. طاقة الفوتونات تفكك الروابط الكيميائية وتجعل الذرات في الغلاف الجوى تتحرك أسرع،أنها تسخن الهواء فوقنا. والأشياء الساخنة تشع طاقة على شكل فوتونات.

مع ذلك، فان الغلاف الجوى ابرد بكثير من مصدر اشعة اكس واشعة جاما والاشعة فوق البنفسجية. وبدلا من أن يشع فوتونات ساخنة وذات حرارة عالية، فانه يشع فوتونات باردة وذات حرارة منخفضة، ضوءا مثل الاشعة تحت الحمراء. الكائنات الحية تساعد في تلك العملية باستمرار ايضا: النباتات تحول الضوء المرئى إلى سكريات، والحيوانات تحول النباتات إلى حرارة ضائعة واشعاعات تحت حمراء. كل شئ، الكائنات على الارض تحول الضوء المرئى الذي تولده اجسام تبلغ حرارتها الاف الدرجات المئوية إلى الضوء تحت الاحمر، الذي تولده اجسام تبلغ حرارتها عشرات الدرجات المئوية. فالارض وكائناتها الحية قد حولت الفوتونات الساخنة إلى فوتونات باردة، وتلك الفوتونات الباردة تحت الحمراء تتدفق إلى الفضاء الخارجى. وبهذه الطريقة تجرى اراقة الأنتروبيا، يجرى تقليل أنتروبيا الارض على حساب المحيطين بها.

الفضاء العميق باردا جدا، اذ تبلغ درجة حرارة الاشعاع الذي يملأ خلفية الكون حوالى 3 درجات مئوية فوق الصفر المطلق. واذا كان الكون ككل في حالة توازن، فلن تكون درجة حرارته اعلى من ذلك. ستكون درجة حرارة مجمل الكون أعلى قليلا من أن يكون باردا كما هو محتمل فيزيائيا. أي شئ اسخن من درجة حرارة التوازن الفاترة تلك، أي شئ له عشرات أو مئات أو الاف درجات الحرارة فوق الصفر المطلق، لن يكون على مستوى توازن الكون. كلما كان الجسم ساخنا كلما صار ابعد عن توازن الكون، وكلما كان الجسم ابعد عن التوازن، كلما زادت الأنتروبيا التي يمكن افراغها فيه وجعله ابرد واقرب من التوازن الكونى. هذا بالضبط ما تفعله الارض وسكانها. فباخذ طاقة الشمس الساخنة وتبريدها واعادة اشعاعها، فان كوكبنا والكائنات التي تحيا عليه تلفظ الأنتروبيا إلى النظام الشمسى وما وراءه. لقد اخذت مصدر الطاقة وجعلته اقل استخداما. وبوحدات أنتروبيا الديناميكا الحرارية فان الارض تقلل من انتروبيتها باقل من تريليون ترليون جول لكل درجة مئوية كل عام. مرسلة كل ذلك إلى ابعد مكان في الفضاء.

لذلك قال الجميع، أن المعلومات في خلايانا خالدة بسبب هذه التبادل المعقد بين الطاقة والأنتروبيا والمعلومات. الاليات الجزيئية في اجسامنا تتبع التعليمات التي تمدها بها المعلومات الوراثية، انها تقوم بنسخ المعلومات في خلايانا والابقاء عليها، مستهلكة الطاقة ومولدة الأنتروبيا. انها تفعل ذلك لان الكائن نفسه يحصل على الطاقة مباشرة أو بشكل غير مباشر من الشمس ويطلق الأنتروبيا إلى الغلاف الجوى أوإلى البحر –إلى بيئة الارض. والارض تلفظ هذه الأنتروبيا بسبب اشعاع الشمس. فالطاقة تتدفق إلى الداخل والأنتروبيا تتدفق إلى الخارج، ويتم حفظ المعلومات في خلايانا.

تستطيع هذه الدورة أن تستمر طالما ظلت الشمس مشعة وطالما بقيت الارض موجودة. واذا توقفت الشمس فجأة، فان الأرض ستبرد سريعا، ستتجمد المحيطات وسيستقر الغلاف الجوى، وسيقترب كل الكوكب سريعا من درجة حرارة التوازن بعدة درجات قليلة فقط أعلى من الصفر المطلق، ستتوقف كل الحياة. لكن طالما بقى مصدر الطاقة وطريقة التخلص من الأنتروبيا، فإن المعلومات يمكنها أن تنسخ نفسها وتبقى على نفسها خالية نسبيا من الأخطاء –وتعكس تخريب الزمن. المعلومات يمكن أن تكون خالدة، بالرغم من محاولات الأنتروبيا لتشتيتها.

بالرغم من أن العلماء ليس لديهم اجابة جيدة عن السؤال، ماهى الحياة؟ فهذه الرقصة المركبة لنسخ المعلومات و حفظها يجب أن تشكل جزءا كبيرا من الاجابة. تحتوى المعلومات على جزء معقول من سر فهم طبيعة الحياة. ليس هذا فحسب، بل لديها مفاتيح حل لغز سؤال اخر لم تتم الاجابة عليه. من اين اتينا؟ وهنا فالمعلومات تمنحنا ايضا اجابات مدهشة لهذا اللغز القديم. لقد مرت المعلومات التيفي خلايانا من جيل إلى جيل، فالمكتوب في شفرتنا الورراثية هو تاريخنا كنوع –هجراتنا و معاركنا– بداية من اللحظة الاولى لميلاد البشرية، وقبل ذلك بكثير. فمن الطبيعى اذن أن يستخدم العلماء المعلومات للنظر وراءا في الزمن.

في الواقع، كل الحياة في الكون يجب أن تكون محدودة. وبينما يتمدد الكون ويتطور، فان أنتروبيا الكون تزيد. النجوم تحترق وتموت، والطاقة يصبح وجودها اصعب واصعب. المجرات تبرد وتصبح اقرب من ذى قبل إلى التوازن المتجمد. وفى كون يقترب من التوازن، من الصعب أن تجد الطاقة وتريق الأنتروبيا، ويصبح اكثر واكثر صعوبة الحفاظ على معلوماتك واستنساخها. ويصبح اكثر واكثر صعوبة الابقاء على الحياة. يجب أن تموت الحياة تماما؟

اقترح احد علماء الفيزياء طريقة ماهرة للحفاظ على الحضارة حية حتى والكون يمضى إلى حتفه، واطلق عليها حالة السبات. فقد افترض دايسونأن المخلوقات في مجرة آفلة يمكنها تجهيز الآلات التي تجمع الطاقة (وتريق الأنتروبيا) بينما تكون نائمة، غير واعية، في حالة سبات. عندما تجمع الآلات الطاقة الكافية وتقوم بجلب بيئة الحضارة فورا خارج التوازن بما يكفى، فان المخلوقات ستستيقظ. انها تعيش لفترة على الطاقة المتحصلة، تتخلص من انتروبيتها في البيئة، وتعالج وترمم الضرر الذي احدثته الطبيعة في معلوماتها المخزنة. وبينما تستنفذ الطاقة وتصل بيئتها مرة اخرى إلى التوازن، تعود إلى النوم حتى تقوم الالات بجعل الظروف ملائمة لها لكى تستيقظ مرة أخرى.

لكن تبين فشل مخطط السبات هذا نهائيا. فبينما يصل الكون إلى حالة  التوازن فإن الات جمع الطاقة واراقة الأنتروبيا ستأخذ وقتا اطول واطول لانجاز مهمتها، لتجميع الطاقة المطلوبة كى تريق الأنتروبيا المطلوبة لايقاظ المخلوقات. فترات السبات ستصبح اطول جدا وفترات الوعى ستصبح اقصر بشكل مثير بينما يتمدد الكون ويموت. وحيث يصل الكون إلى التوازن، بعد نقطة معينة فتلك الآلات يمكنها أن تبتعد محدثة صوت انفجار للأبد ولن تجمع أبدا طاقة كافية ولن تريق أنتروبيا تكفى حتى لاعطاء الحضارة لحظة أخرى من الوعى. ستتوقف معالجة المعلومات للابد، المعلومات المخزنة بعناية بواسطة الحضارة عبر الاف أو مئات الاف السنين ستتشتت ببطئ في البيئة. والتوازن والأنتروبيا سيجلبا الظلام إلى آخر حضارة حية. وتصبح الحياة منقرضة.

إنها صورة قاتمة، لكن علماء الفيزياء توصلوا إلى نفس الاستنتاج بطريقة مختلفة. فكوننا يتقلص باستمرار. والمعلومات تمر جيئة وذهابا والبيئة (بوعى أو بدونه) ستعالجها وستشتتها. بمعنى ما، فان الكون ككل يتصرف مثل معالج ضخم للمعلومات، انه يتصرف ككمبيوتر. لذلك، إذا كان يمكن اعتبار الكون، حتى في التجريد، مثل الكمبيوتر، فكم عدد العمليات التي قام باجراؤها؟ كم عدد العمليات التي يمكنه اجراؤها في المستقبلحتى يصل إلى لحظة الفناء الأبدى لأى شكل من أشكال الحياة أو الحضارة؟ ومتى ستتوقف أي كائنات حية ملموسة أو متخيلة عن محض وجودها قسرا وفقا لما تخبرنا به الأنتروبيا.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الخلايا الجذعية… مستقبل الطب على صناع القرار السياسي والمشرعين ضرورة التعاون مع مراكز الأبحاث المتخصصة ومؤسسات المجتمع المدني، من أجل التوافق على وضع الضوابط والمعايير التي تنظم أبحاث الخلايا الجذعية. ونقترح على المجتمع العلمي بضرورة إنشاء (هيئة دولية لأبحاث الخلايا الجذعية) برعاية الأمم المتحدة.

أيمن أحمد عياد

ميتافيزيقا العلم !!

أيمن أحمد عياد

رحلة العلم (1/3)

أيمن أحمد عياد