الثورة حكاية مستمرة: 858 حتى نلتقى من جديد

قراءات, قضايا

11  فبراير  2018

رغم كل ما تحمله المرحلة من بواعث إحباط ويأس في ظل انسداد الأفق السياسي الذي يصعب توقع نهايته، لازال يوم 11 فبراير يحمل ذكرى خاصة لمن هتفوا في ميادين الثورة “الشعب يريد إسقاط النظام”. فعلى الرغم من أن النظام لم يسقط فعليا بما يعنيه من هيكل سلطة وسياسات وحتى أشخاص، إلا أنه اليوم الذي أجبر فيه الشعب الحاكم للمرة الأولى في التاريخ المصري الحديث على التخلي عن السلطة، ليحمل لنا هذا اليوم كل عام رسالة مفادها، أن الانتصارات ممكنة، وأن الهزائم ليست الفصل الختامي في كتاب الثورة.

عندما دعت “بالأحمر” قراءها وكتابها للمشاركة في إحياء الذكرى السابعة لانطلاق ثورة يناير لم نكن نسعى إلى تمجيد مبالغ فيه لأيام كانت دون منازع هي الأفضل في حياة كل من مر على الميدان ثائرا منذ الخامس والعشرين من يناير 2011، ولم نكن أيضا نبحث عن نصب حسينيات نندب فيها ضياع اللحظة التاريخة المهدرة. كنا ببساطة نسعى من خلال دعوتنا هذه إلى إعادة إحياء سردية ثورية حقيقية لما حدث قبل وأثناء وبعد ثمانية عشر يوما مشحونة بالأحداث والمشاعر والبطولات والأخطاء بل وربما الخطايا أيضا.. كنا نبحث عن حكايات شخصية جدا، هي في حقيقتها حكايات عامة إلى أبعد حد؛ ففي الثورة تتشابه الحكايات والتجارب كما تتشابه الوجوه رغم تميزها وتفردها.

هي سردية الثورة إذا ما نبحث عنه – سردية إنسانية بامتياز – فلماذا لم تتمكن الثورة من تقديم سرديتها الخاصة؟ ولماذا يعجز أبطالها عن تذكرها كملحمة ولو عابرة مروا بها فعلّموا وتعلّموا؟

ألأن الثورة لم تنتصر؟ الحقيقة هي أنه لا يوجد ثورة في التاريخ الإنساني – من ثورة العبيد في اليونان وحتى الثورات البرتقالية في شرق أوروبا مرورا بكل الثورات البرجوازية والاجتماعية وعلى رأسها الثورة الفرنسية والروسية اللذان غيرا وجه العالم – لا يوجد ثورة انتصرت فعلا أو جنى ثوارها ثمار نضالاتهم.

هل نجد صعوبة في الاعتراف بهزيمتنا؟  لا نظن، فنحن لم نفعل شيئا طوال العامين الماضيين سوى البكاء على أطلالنا والصراخ في وجه بعضنا البعض بأننا هُزمنا. بالطبع من بيننا من يصر على المقاومة ومن يتعامل مع الهزيمة كالفرسان رافضا الاستسلام أو ترك ضحايا ورائه، ولكننا في معظم الوقت نلعق جراحنا في حزن ويأس.

ليست الهزيمة إذا ولا الاعتراف بها هما السبب وراء ما نعيشه اليوم من عدم القدرة على استدعاء التجربة وتأملها وتحليلها للخروج بالدروس والعبر والخبرات الواجبة للتعلم ومن ثم البناء.

 كان يناير حدثا غير عادي في تاريخ مصر، فلم يكن مجرد هبة أو انتفاضة تعود بعدها الأوضاع لما كانت عليه والناس لما كانوا عليه. وحدث كهذا لا يمكن أن يؤرخ له أو يستدعى كذكرى أو تجربة انتهت بسهولة. فتلك الأيام الثمانية عشر والشهور التى تلتها تحتاج ربما لوقت أطول للاستيعاب، حتى تأتي اللحظة التي لا يكتفي فيها من شاركوا في الثورة المصرية بكتابة ذكرياتهم مبعثرة على صفحات الفيسبوك ويقررون مواجهة ذكريات الانتصار بقدر ما يواجهون ذكريات الهزيمة.

مازالت دعوة “بالأحمر” مستمرة لكل من شارك في الثورة.. دعوة للانتصار للذاكرة الجمعية المحاصرة وللأمل في غد أفضل نستحقه جميعا.. دعوة للتأمل والكتابة حتى لو تضمنت جلدا للذات أو للجميع، أو لكليهما معا.

وحتى تأتي تلك اللحظة، التي لا يصبح طعم استدعاء الفرح فيها مرا، لم يبخل علينا يناير ولم يبخل علينا بعض أبنائه من حِفظ ما حدث كيفما حدث..

مُصرِيّن هي جزء أساسي من ذاكرة الثورة المحفوظ، ولهذا ندعو في “بالأحمر” الجميع إلى زيارة أرشيفها الهائل والتأمل بإعجاب ما فعله هؤلاء بصبر ودأب..  858 أرشيف ثوري بصري للثورة يقول عنه القائمون عليه:

“أخيراً وبعد سنين شغل ومجهود مئات من الأشخاص المعلنين والمجهولين، ورا وقدام الكاميرات، يسعدنا اننا نطلق أرشيف “٨٥٨”، الأرشيف هو محاولة منا لنشر كل المادة اللي صورناها وجمعناها خلال السنين اللي فاتت. عندنا أكتر من ٨٥٨ ساعة من المادة المصورة غير الصور والملفات.

جزء من المادة دي منها اترفع على قناتنا على يوتيوب خلال السنوات اللي فاتت في صورة فيديوهات مصنوعة وممنتجة،، لكن معظم المادة بتنشر علنياًً لأول مرة، المادة الخام الغير ممنتجة اللي صورناها وجمعناها لعدة سنين. ودالوقتي في وقت مالناش أي وجود في الشارع ومع إغلاق السلطة لكل المساحات العامة وفرص النقاش ومنافذ التعبير، ممكن نرجع نشوف المادة كلها، مش بس اللقطات المختارة بعناية عشان تحكي حكاية معينة أو تعبر عن موقف محدد. أكتر من “٨٥٨” ساعة من المادة المنظمة والمأرشفة، بتنقل حكاوي ووجهات نظر وتاريخ آلاف الأشخاص.

في لحظة خروج عشرات الآلاف من المتظاهرين للميادين مطالبين بسقوط حسني مبارك وسقوط النظام في يناير ٢٠١١، ثبتت قنوات التلفزيون كاميراتها على شوارع فاضية مستقرة، مؤكدين ان كله تحت السيطرة. ومع فرض الحدث الضخم قوته، ابتدت القنوات الإعلامية المحلية نقل الحدث مع التفنين في تحريف الحقائق مرات، أو استخدام القنوات لتهديد المشاهدين مرات أخرى. في المقابل كانت عشرات الآلاف العيون والكاميرات والتليفونات اللي بتصنع الحدث وتسجله.

اتنصبت الخيمة الإعلامية في اعتصام ميدان التحرير الأولاني لتجميع فيديوهات من المشاركين بهدف اثبات جرائم الشرطة ضد المتظاهرين في أوائل أيام الثورة. اتجمعت مئات الفيديوهات من الشباب والكبار، رجالة وستات، صوروا بموبايلاتهم وأو كاميراتهم وجم ينقلوا اللي شهدوه وسجلوه وادوا شهاداتهم: النواة الأولى للأرشيف.

بعد تنحي مبارك واندلاع الثورات في ليبيا وسوريا قلت التغطية الإعلامية خصوصاً من وسائل الإعلام العالمية اللي معظمها اتوجه لتغطية أحداث تانية في المنطقة. في ٢٥ فبراير ٢٠١١، بعد شهر واحد من اندلاع الثورة المصرية، الجيش المصري هاجم وفض اعتصام التحرير المطالب بإقالة حكومة شفيق. مكنش في الميدان غير كاميرات المتظاهرين.

تعاونية مُصرِيّن اتكونت في بداية ٢٠١١. بالإضافة لكوننا جزء من الحركة الاحتجاجية، قام أعضاء التعاونية وشبكتها المكونة من عشرات الأشخاص بتصوير وتجميع فيديوهات ومادة من القاهرة والمحافظات، في المصانع والمستشفيات والميادين والمشارح والنقابات. قمنا بتنظيم ورشات تدريبية على وسائل الإعلام الشعبي البديل في القاهرة ومحافظات مصر، بالإضافة لإدارة مساحة مجتمعية استضافت العديد من النقاشات والورش وعروض الأفلام. العلاقة بين دورنا كمشاركين وموثقين “غير حيادين” للأحداث كانت ومازالت جزء من نقاشتنا المستمرة، وكذالك مشاركتا في المعركة المستمرة على السرديات مابين معسكرات الثورة والثورة المضادة )سواء العسكر أو الإخوان(.

بعد الانقلاب العسكري في يوليو ٢٠١٣ الأوضاع اتغيرت. ما بين احساسنا بالإحباط والهزيمة والتضييق على التواجد في الشارع وخطورة النزول بالكاميرا وعجزنا قدام المشاهد المفجعة من مذبحة رابعة، لاقينا نفسنا مشلولين تماماً، ومالناش مكان في وسط المعركة اللي دايرة مابين العسكر والإخوان. الناس زهقت وتشبعت تماما بالصور، دورنا مابقاش واضح وبالتدريج وقف شغلنا تماماً.زي مجموعات كتير، كنا محتاجين فترة من توقف النشاط، وقت نحاول فيه “نتغلب أونتعود” على الشعور بالهزيمة، ونستعيد بعض من توازنا ونحدد ازاي ممكن نكمل شغل في المرحلة المقبلة.

أغلب المادة في ٨٥٨ من القاهرة مع فيديوهات أقل لبعض المحافظات، إلا إننا هنشتغل على تغيير ده في المستقبل وتجمع مادة من المحافظات المختلفة. هدفنا هو إن الأرشيف ده يستمر كوثيقة بتكبر عن طريق إن الناس تتفاعل معاه وتضيف عليه بحيث إنه يشمل مادة من أماكن وأزمنة مختلفة.

٨٥٨ هو أرشيف ثوري، بالتأكيد مش الأرشيف الوحيد اللي بيجمع أصوات الثورة، ولا يقدر يكون، الأرشيف بيضم سردنا احنا لاحداث شاركنا فيها وعشناها، واختارنا نسجل ايه منها، ونحط كاميرتنا فين ونصور إيه ونقابل مين ونسألهم أنهي أسئلة. أرشيف ٨٥٨ هو أداة تساعدنا نحاول نشترك في المعركة على التاريخ، والتمسك بحلم بمستقبل. كل المادة في الأرشيف منشورة تحت رخصة المشاع الإبداعي”.

وصلت الهدية يا رفاق الثورة، فشكرا لكم!

رابط الأرشيف:

 http://858.ma

لينكات الثورة حكابة :

https://goo.gl/5i9UZD

https://goo.gl/2vuggb

https://goo.gl/2qPj4g

https://goo.gl/Jwtm1z

https://goo.gl/oBW8RG

https://goo.gl/eMqXVh

https://goo.gl/Vbtk3C

https://goo.gl/4geVbd

https://goo.gl/Xa6a5h

https://goo.gl/7UJfs2

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… ما يعنينا هنا أن الاستجابة المحافظة للضغط الإسلامي كانت تتم عبر نفس الآليات الخطابية للإسلام المعلمن، أي إعادة تقديم الخطوط الحمراء الموروثة من التراث الإسلامي، والتي كانت تعد تعديًا على حدود الله، بوصفها تعديًا على حساسيات فردية بالأساس يتشكل من جماعها ما يسمى بالنظام العام.

عمرو عبد الرحمن

مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية (1) الإرادة الثورية تُفرض من الشارع وليس من خلال مؤسسات الدولة التي قامت الثورة في مواجهتها، أيا ما كان شكلها. حق الاقتراع العام انتُزِع في الشارع، والحقوق النقابية تم انتزاعها في المصانع والشوارع وكذا حقوق المرأة وحقوق الأقليات الدينية أو العرقية.

هاني شكر الله

قراءات في ثورة يناير 2011: كان الأمر غيرُ عاديّ.. ولم يكُن هناك تفسيرٌ لما يحدث بالشارع لدى كُلٌ منا.. ولم تكن هناك –في نفس الوقت- أية تنبؤات لما ستؤول إليه الأوضاع قُدُما.. إلا أن الاهتمام كان مُنصَبا على جلال اللحظة وهيبتها..

محمد هشام