البرجوازية والأدب

فنون, قضايا

10  فبراير  2018

“إن المستيقظين ينتسبون إلى عالم مشترك

أما النائم فينصرف إلى عالمه الخاص”

هيراقليطس

إن كل الأعمال الأدبية  الركيكة والسطحية التي نشاهدها الآن في أسواق ومعارض الكتب مؤخرا والتي تبث الخمول والكسل الفكري وترسخهما ولا تقدم سوى الجمود والرجعية لعقل المتلقي، كل هذا هو نتاج لتاريخ ومسار تطوري طبقي له أسبابه الموضوعية.

 فالعمل الأدبي يصبح مشبعا لاحتياجاتنا لأن الأديب قد ثبت فيه تلك الوحدة العابرة المشروطة والنسبية بين الأضداد،  حيث يتطابق الخاص مع العام. ولا يصبح للعمل الأدبي دلالة موضوعية إلا إذا شمل أيضا ذلك الصراع بين الأضداد التي يستبعد وينفي كل منهما الآخر،  وهو صراع مطلق ومستمر ومتحرك كالحياة. هكذا يستثير ويشبع المتلقي ويحرضه على اكتشاف الطبيعة المؤقتة لوحدة هذه الأضداد ومن ثم صراعها فيدفعه إلى البحث العقلي عن وحدة أكثر عمقا وموضوعية. أما العمل الفني الذي يهدر ويخدر وينحرف بالمتلقي عن حقيقة وجوده الاجتماعي عبر الغرق في الميتافيزيقيات والكسل الفكري فهو كبسولة مخدرة لا يفرق أي شيء عن الأفيون بكل أشكاله المادية والفكرية،  فالوهم والخيال والأحلام والهذيانات واليأس والأمل كلها مواد أدبية مستقاة من الواقع،  لكن إذا اقتصرت الأعمال الأدبية عليها فإنها تصبح مخدرا رجعيا يسعى إلى تكريس الظلام والاستغلال.

إن اللغة قديمة كالوعي،  وهي الوعي العملي وتوجد بالنسبة للناس الآخرين،  وهي لذلك لا تنشأ إلا لتلبية مقتضيات وضرورات الاتصال والتعبير بين البشر،  ولذلك كان الوعي واللغة، ومن ثم الأدب، منذ البداية نتاجا اجتماعيا، وسيظل كذلك طالما بقيت المجتمعات الإنسانية. وهذا الوعي وتلك اللغة وهذا الأدب لا يخلقون الحياة بل إن الحياة هي التي تخلقهم، لذلك فلكي نفهم الظاهرة الأدبية ونحللها لزاما علينا أن نعي وجود خالقها الاجتماعي والطبقي.

الأدب والثقافة والإدراك الديني والأخلاق والسلوك هي عناصر الانعكاس الأيديولوجي، وبذلك فهي لا تحتفظ بمظهر الاستقلال الكامل عن المسار التطوري الطبقي للمجتمعات البشرية وتتغير مع وجود الناس المادي في تلك المجتمعات. كما أن الأدب منتج فوقي يضع اللمسات الأخيرة على تشكيل ملامحه كل من عمليات ومؤسسات وأنشطة التلقي والتفسير والتقييم التي يشكلها في الأساس علاقات وشكل وسائل الإنتاج في المجتمعات، فيصبح منتجا يغمر نسيج عقل المتلقي، ماثلا فيه بوصفه إعلاما وإقناعا وإغراء وحثا وفتنة للحواس والوعي والذهن والوجدان.

يقول تيري أيجلتون في (الأيدلوجية والنقد الأدبي):

“الكل الأدبي واستمراره له معايير وافتراضات تروج لها مؤسسات الإنتاج والتوزيع ودور النشر والجمعيات والملاحق الأدبية والهيئات الرقابية السافرة والمستترة. وتدخل تلك المعايير والافتراضات عن الأدب وخصائصه الوظيفية إلى الأجهزة التعليمية، من المدرسة إلى الجامعة، بوصفها وسائل حيوية لإدراج الأفراد في أشكال الإدراك الحسي والأشكال الرمزية والقيمية للأيدلوجية البرجوازية السائدة وسيكولوجيتها الجمعية. وتمارس هذه الخصائص دورها على نحو طبيعي تلقائي وفي فورية حسية انفعالية تحسدها عليها أشكال التلقين الأيدلوجي والقمع الأيدلوجي الأخرى بفضل سهولة المادة اللغوية للأدب”.

ليست الذات القارئة إلا فسيفساء من أنساق اجتماعية ثقافية ووجود اجتماعي في زمن معين، وفعل القراءة ليس نشاط متساويا عند كل فاعل. فالتواصل والعلاقات الاجتماعية بكل تناقضاتها التاريخية هو الوسط الذي تتشكل فيه ملامح الوجود النوعي للظاهرة الأدبية،  فطريقة التلقي يحددها الوجود الاجتماعي بصراعاته الأوسع نطاقا، فالذوات القارئة تستجيب للأعمال الأدبية وفقا للتجسيديات الأيديولوجية والسيكولوجية الجمعية السائدة، ووفقا لموقع الذات القارئة من الصراع الطبقي.

وإذا عدنا إلى بداية عصر البرجوازية كطبقة سائدة،  كان التخصص الوظيفي للأدب متجها نحو الخيال والعواطف الذاتية، ومن ثم تم خلق قوالب جديدة فرضت نفسها على الأجناس الأدبية بقوة كقالب الرواية والدراما الاجتماعية والسير الذاتية الشخصية. وحلت تلك القوالب محل قوالب وأشكال أخرى مثل ما تبقى من قالب الملحمة والحكم والمواعظ المنبرية والمراسلات الديوانية والخطابة في الأدب العربي القديم والشعر الذي يمدح في القيم الدينية والقبلية السائدة وأشكال تجسيد تلك القيم بين علية القوم. فالتصنيف الأدبي ليس فعلا محايدا على الإطلاق، إنما مصدره هو نقاد ولغويون وأدباء الطبقات السائدة في العصور المختلفة. فمن المستحيل القول بأن التصنيف الأدبي في مجمله يحتوى على ثوابت مطلقة شريفة ومبادئ راسخة تحدد ما هو الأدب الرديء والجيد،  إنما هو خاضع لمتغير دائم واستبعاد واحتواء ناتج عن فعل طبقي من النقاد واللغويين والأدباء القريبين من المؤسسات الحاكمة،  مهمتهم هي استبعاد وإخفاء الصراع الطبقي والدلالة الأيديولوجية في الأدب لإضفاء الطابع المؤسسي على الإنتاج الأدبي السائد،  ويتجلى ذلك في المؤسسات الرسمية لتعليم الأدب كالجامعات التي ترسخ لتقاليد أدبية تعتبرها قومية وهي قد عفا عليها الزمن مثل الشعر العمودي الذي ظل منتجا للشعراء القريبين للسلطة في أغلبه. إذا عدنا للتاريخ الأدبي للبشرية جمعاء فسنجد أن كل رائعة أدبية خالدة إنما كانت تمثل جوهرا مناقضا لهذا العرف الذي تسعى الطبقات الحاكمة إلى ترسيخه واستبعاد ما دونه. إنما تتمثل الأعمال الخالدة في ذاكرة الإنسانية في تجسيد السيكولوجية الجمعية للطبقات الثورية الصاعدة، وبوتقة تتضمن ذاكرة إنسانية لكفاح الإنسان سواء كان فردا أو مجتمعا ضد الاستغلال والقهر بكل صوره، وبوتقة تحوي كفاح الإنسانية لتطوير ثروتها البشرية. إلا أن التاريخ الأدبي للبشرية يعلمنا بأن هذا المنتج التقدمي المعارض للأشكال الأدبية المؤسساتية السائدة وغير المقنن وغير المعترف به،  والذي يعبر عن جماعات شعبية خاضعة فرضت عليها السيادة، دائما ما ينجح في الاستيلاء على المكانة التي تليق به لينحّي ويبتلع المنتج المؤسسي.

فالتعريف الحقيقي للأدب والفن في نظري هو عرض لوعي الإنسانية بذاتها وتناقضات تطورها ومآزق ومآسي ما يقف أمام هذا التطور ومفارقاته ليجيب عن السؤال الأهم: ما هو الإنسان؟وما هو مصيره؟

نشأة المنتج الأدبي البرجوازي في المجتمعات الرأسمالية:

يرتبط تكون الاتجاه الرومانسي في الأدب بنشأة وتطور البرجوازية في أوروبا قبل الثورة الفرنسية وبعدها. ففي النصف الثاني من القرن الخامس عشر وفي أوروبا استندت الأنظمة الملكية على برجوازية المدن كحليف لها وبدأت تدريجيا في تحطيم سلطة النبالة الإقطاعية،  خالقة دولا ملكية مستندة على القوميات الجامعة لممالك العصور الوسطى. وفي إطار هذه الدول القومية تطورت المجتمعات البرجوازية الحديثة. في البدء كان الصراع بين البرجوازية كطبقة صاعدة وبين سلطة النبالة كطبقة محتضرة. ففي إيطاليا حدث ازدهار فني وأدبي على خطى العصر الكلاسي القديم، وفي فرنسا وألمانيا ظهر أدب جديد مختلف نوعيا عن سابقه، وبدأت الأشكال الإقطاعية الثقافية والاقتصادية في السقوط تدريجيا بإرساء أسس للانتقال من الحرفة إلى المانيفاتورة، التي كانت بذرة لانطلاق الصناعات الحديثة. بدأت دكتاتورية الكنيسة الروحية والسياسية في الاحتضار، واعتنقت الشعوب الجرمانية البروتستانتية،  أما الشعوب الرومانية فكانت أكثر انفتاحا وميلا للتقدم، فأخذت تعيد قراءة الفلسفات التقدمية اليونانية. كانت هذه الفترة من أقوى النقلات التقدمية التي عرفتها البشرية. جاء عصر البحث والتنقيب الفكري بعد الخروج من كهف العصور الوسطى الظلامية. لم يكن ضيق الأفق البرجوازي قد تشكل بعد. فمغامرة البحث والتحرر من الجمود كان لها اليد العليا المحركة، فحدثت ثورة ثقافية واسعة المدى أنتجت عمالقة فكر هذا العصر،  ولم تكن عبودية تقسيم العمل قد ظهرت بعد بشكلها الحالي.

بعد الثورة الصناعية الكبرى وثبوت أركان النظام الرأسمالي الجديد،  تحول العمل الإنساني من إبداع حر يهدف إلى تحرير صاحبه من الحاجة، إلى سلعة تسيطر على خالقها. فقد أصبح الإنسان تدريجيا عبدا لهذا العمل ليحقق مضطرا غايات جماعات أخرى مسيطرة تناقض مصالح هذا العامل،  فبدأ هذا المستعبد بتوسل للأدب والفنون لتعبر عن اغترابه عن الواقع، بالتوازي مع محاولات الجماعات السائدة والحاكمة لإنتاج أدب وفن وعلم جمال يكرسون ويبررون فيه الاستغلال الطبقي، فأنتج الواقع في هذه المرحلة مسارين للأدب، إما أدب شعبي واقعي يسعى لنفي الاغتراب الناتج عن المجتمعات الرأسمالية، أو أدب مؤسسي تنتجه وتحميه الطبقات الحاكمة ومثقفوها يكرس ويبرر للطبيعة التاريخية الساحقة للشعوب وفقا لما قاموا بتصديره.

لكن الأدب على مدى تاريخه يمتلك خصوصية تطورية حتى وإن كانت نسبية. فحتى هذا الصراع بين المسارين كان يطرح الجدل بين العام التاريخي مع الخاص الفردي في آلية انعكاس معقدة تعكس الأعماق الواضحة لهذا المجتمع وهذا الصراع.

جان جاك روسو (1712 – 1778):

كان جان جاك روسو ممثلا لانعطاف فكري مال إلى الإصلاح الجذري في زمنه، فقد انعكست في كتاباته مصالح وآلام الطبقات الكادحة من الفئة الثالثة، وطرح بصورة أولية تناقضات الحضارة المنتظرة، وأولها عدم المساواة الاجتماعية، بل وطرح نقدا للأدب والفن الذي عاصره، فكان يرى أن العلم والفن لم يساعدا على تحسين السلوك البشري وإنما على ترديه في هذا العصر متلائما مع التغيرات الطبقية التي جدت، مقارنا الموقف الفني بالحياة الواقعية لا القوانين الأدبية والفنية الأزلية. كما طرح مفهومه عن صدق العمل الأدبي الواقعي متمثلا في:

أولا: تصوير الصفات الأساسية والنموذجية لا الصفات الوضعية والظاهرية للحياة الواقعية

ثانيا: تصوير المعنى الحياتي لهذه الظاهرة أو تلك ومكانها الحقيقي وأهميتها من وقائع وأحداث الحياة.

ثالثا: أن يكون ارتباط الحوادث في العمل الأدبي والفني ومنطلقها الداخلي متلائمين مع سير الحوادث الطبيعية في الحياة الواقعية.

لكن جان جاك روسو لم يخرج أو يحيد عن الفلسفة المثالية فقد كان له رؤى أخلاقية مثالية في تحليل الأدب المسرحي،  فقد اتسم طرح روسو بتناقضات عديدة إلا أنه دائما كان يسعى إلى ترسيخ علم جمال ديمقراطي يهدف إلى الدفاع عن الأدب والفن كتعبير عاطفي وفكري. ثم جاءت البرجوازية كطبقة صاعدة وثورية خلال الثورة الفرنسية بشعارات الحرية والإخاء والمساواة، وبطبيعة الحال خلق هذا الصعود الثوري أدبه الخاص وتكون جنين المدرسة الرومانسية الأولى في الأدب بشكله البرجوازي التقدمي في هذا الزمن، فاحتفت ومجدت الرومانسية الأولى في الإنسان الفرد وحريته الذاتية وقدراته، فتحدث هذا الأدب بعواطف وأحاسيس المجتمع ككل بخطاب الطبقة البرجوازية الصاعدة.

وقد كانت ملامح المدرسة الرومانسية الأولى في الأدب تتلخص في غلبة الخيال وتمجيد العاطفة انطلاقا من الفلسفة المثالية والتأثر بالطبيعة والهيام بها والهروب إليها وتحطيم قيود الكلاسيكية. فنشاهد أبطال أعمال شكسبير، وولادة العالم الشجاع الجديد المناضل من أجل حريته، وكسر الولاء لأفكار الإقطاع وما قبلها من ظلام الإمارات الظلامية في أوروبا. كذلك على نفس النحو أعمال راسين وكورناي والتصورات والرؤى اليوتوبية لميلتون وتوماس مور وهم يرسخون للنضال حول حرية الفرد وقيمته الذاتية والتحرر من الدكتاتوريات الفكرية خاصة ديكتاتوريات الكنيسة. في هذه الأعمال الأدبية يمثل الإنسان مركز الجمال في الطبيعة الأم، بذاته المنفردة المتحررة التي لا تتناقض مع الجموع.

لكن سرعان ما تبرز التناقضات ويتراجع الدور التقدمي للبرجوازية ومن ثم آدابها لتبدأ مرحلة جديدة من التناحر والصعود والتغييرات، فينضج النظام الرأسمالي وتستكمل البرجوازية هيمنتها التاريخية عبر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، ويمكننا أن نطلق أدبيا على هذه الفترة لفظ العصر الفكري اليوتوبي أو عصر الاشتراكية اليوتوبية الخيالية وهو الفترة التي تمثل انتقال البرجوازية كطبقة ثورية صاعدة إلى كونها طبقة محافظة.

فيكتور هوجو ومقدمة كرومويل:

كانت مقدمة مسرحية كرومويل بمثابة بيان تأسيسي وترسيخي للرومانسية كاتجاه ثوري في ذلك الوقت يثور على المدرسة الكلاسيكية المعبرة عن الأرستقراطية الملكية، معتبرا أن الرومانسية هي ذلك الأدب الثوري الذي يعبر عن الثورة الفرنسية، فيعرف هوجو الرومانسية ويقول: “إنها الثورة الفرنسية محققة في الأدب…أليست هي حرية الإلهام وإخاء الفنون ومساواة الأجناس الأدبية، بل مزجها بعضها ببعض؟”

ثم يقول عنها أنها الحنين إلى الماضي حين كان الإنسان قريبا من الله في تأملاته ووجوده، ولم يكن لقيثارته سوى ثلاثة أوتار: الله، الروح، الإبداع. ويستمر هوجو في طرحه المعادي للكلاسيكية المعبرة عن الأرستقراطية الملكية بهجوم ناري على القوالب والاتجاهات الأدبية السابقة كالملحمة والتراجيديا ودراما أرسطو.

لكن هوجو في مقدمته لم يطرح مبادئ واضحة للرومانسية الثورية وإنما صب كامل طرحه على الهجوم على الكلاسيكية. ويمكننا القول بأنه اختصر مبادئ الرومانسية بأنها مضاد الكلاسيكية، مختصرا إياها في الخيال المجرد والتعبير عن الذات الفردية والنجوى والبكاء الداخلي الفردي. لذلك تجلت الرومانسية في أوضح صورها في ذلك العصر في إنتاج الشعراء كبليك ولوتريامون ومالارميه ولامارتين أكثر من الروائيين، بالإضافة إلى أن النزعة القومية كانت الصفة التي تسود الإنتاج الأدبي للرومانسية وتجلت هذه النزعة في الروايات والمسرحيات أكثر منها في الشعر حيث الطبيعة الوصفية التفصيلية هي الغالبة.

تحول الأدب البرجوازي كأدب محافظ:

في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر بدأ الأدب البرجوازي في خلق كابحات أمام طرحه السابق فيما يخص تحرر وتطور الفرد وتنمية قدراته واحترام استقلاله الذاتي، وبدأت هذه الكابحات تسير باتجاه اغتراب الإنسان وتشيؤه وتنمية إحساسه بالتيه والضياع. فيطلق جورج لوكاش على هذه الكابحات لفظ التماثلية أو التنميط، حيث التعامل مع الفرد بمنطق الكم، بدءا بأمثلة كفرض زي موحد على العاملين في كل مهنة، والتعامل مع الفرد بوصفه رقما، مرورا بترسيخ القوانين القامعة لحرية الفرد وحرية الطبقات الكادحة (البروليتاريا الصاعدة في هذا الوقت) وانتهاء بترسيخ الطابع التنافسي الوحشي القائم على الاستغلال، بما ينمي شعور الفرد بضآلته أما منظومة الاستغلال. نرى ذلك في أدب جوته الذي كان شاهدا على تحول البرجوازية إلى طبقة محافظة وهو ما عاصر الفلسفة المثالية الهيجلية، فنجد أبطال جوته يحاربون التمرد فقط للتمرد مترنحين بين الخير والشر والله والشيطان وليس من أجل ثورة إنسانية تقوم بتغيير جذري يحرر الإنسان من الاستغلال.

أبطال أدب هذه المرحلة يتمردون بطموح يوتوبي نحو كمال إنساني قاصر ويرفضون الانتحار، ولكن يظل الوضع كما هو عليه لا ينبئ بغد إنساني مختلف دون اللجوء لأسباب موضوعية لهذا التمرد بدون تجاوز حدود وممكنات الوضع الطبقي.

لقد أدت الثورتان الصناعيتان إلى تطورات ومنجزات مادية وتقنية، لكنها أيضا – وبعد مرور بعض الوقت والتغيرات الطبقية – أدت إلى اغتراب الأدباء في هذا العصر، فكانت سبل المقاومة تتلخص في محاولات فردية للتجريب الفني الذي سرعان ما كان الأدب المؤسسي البرجوازي يطمسه على مستوى الشكل والمضمون، فاستسلم أدباء كثيرون في هذا الظرف التاريخي إلى التجريب الشكلي غير المرتكز على وعي اجتماعي وتاريخي، فارتهن إلى حاجة السوق الأدبي أو إلى مسار الفن للفن الانعزالي مبتعدا عن تعميم ظواهر الواقع، فاستسلموا إلى الفلسفة البرجوازية المثالية التي تسعى لأن يبقى الوضع كما هو عليه، ومن ثم أصبح الفن السائد هو ذلك الفن المنعزل عن الواقع وحركته، المعتمد على الإنتاج السلعي التخديري والاستهلاكي، واصطناع العوالم الوجدانية في ظاهرها والاصطناعية التخديرية في باطنها، دون إدراك للواقع المعاش للمجتمع القائم على الاستغلال الطبقي والقهر الاجتماعي، بل تعامل هذا المسار الأدبي السائد مع المآسي الإنسانية بوصفها قدرا أزليا من السماء ولا بديل سوى البكاء والاستسلام لها.

وبطبيعة الحال ومع تطور الرأسمالية العالمية ووصولها إلى مرحلة الإمبريالية صدرت رأسماليات المركز أبنيتها الفوقية لرأسماليات الأطراف فانتقلت الرومانسية الغربية إلى الأدب العربي، لكنها انتقلت في أشد صورها رجعية.

الرومانسية العربية والأدب البرجوازي العربي:

يمكننا أن نجزم بأن الترسيخ الأهم للرومانسية كلسان حال أدب البرجوازية العربية كان على يد عباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني بكتابهما (الديوان) عام 1921، بالإضافة  إلى كتاب (الغربال) لميخائيل نعيمة. وكان الكتابان منطلقا لتأسيس جماعات أدبية تدافع عن هذا الطرح فتأسست عدة جماعات أهمها:

1-  الديوان (بقيادة العقاد والمازني وعبد الرحمن شكري) تحت شعار بيت شعر لعبد الرحمن شطري يقول ويعبر عن الجماعة: “ألا يــــا طـــائـر الفــــردوس إن الشــــعر وجــــدان”

2-  الرابطة القلمية: وقد أسسها شعراء خارج بلادهم الأصلية على الخطى النقدية لكتاب (الغربال) لميخائيل نعيمة تحت قيادة جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي ورشيد أيوب.

3-  جماعة أبولو 1932: تحت قيادة أحمد زكي معروف وأحمد شوقي وانضم إليها إبراهيم ناجي وحسن الصيرفي وغيرهم.

لقد انشغلت أغلب رموز هذه التيارات بالماضي القومي والديني وربطه بالحاضر أكثر مما انشغلت بحاضرها ومستقبلها، فكان لأغلبهم معارك فكرية ضد أي اتجاه أدبي تجديدي وتقدمي. فالعقاد على سبيل المثال كان يربط الأخلاق الدينية دائما بدفاعه عن جمود الأدب، فحارب تيارات تجديدية عديدة سواء كانت فكرية أو أدبية، وانشغل في معاركه بالشكل بعيدا عن المضمون، فخاض معارك متطرفة مع أحمد شوقي المحافظ مثله. ولا يمكن لأحد أن ينسى جرائم العقاد الشعرية والأدبية حين أصبح مقرراً للجنة الشعر في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب وإقصاءه لكل من يخرج عن العمود الشعري المتحجر، هذا بالإضافة لعداوته الرجعية للمرأة التي تستند لرؤى دينية.

ذلك بالإضافة إلى أحمد شوقي، الذي ولد في قصر الخديوي إسماعيل وظل خادما شعريا للقصر والسلطات المتعاقبة يوظف شعره لمدح السلطة الخديوية وظل يعادي بشدة أي حراك شعبي أو وطني ضد القصر أو الأتراك إلى أن فشل في التقرب من سلطة السلطان حسين كامل بعد خلع الخديوي عباس حلمي فنفته بريطانيا إلى اسبانيا عام 1915، ثم عاد من منفاه بعد خمس سنوات محاولا التقرب من الشعب بعد ثورة 1919 لأن مصلحته الشخصية تقتضي ذلك.

وبطبيعة الحال فإن هذه التيارات الأدبية والنقدية المحافظة وامتداداتها التي تلتها على مر قرن سابق من الزمان كان لأغلبها علاقة متصالحة جدا مع السلطات الحاكمة والحامية للطبقات الحاكمة ومؤسساتها الدينية والثقافية والسلطوية إلا استثناءات فردية منها.  فانحرافاتها تكمن في أنها انحرفت بالأدب كثقافة تقدمية إلى كونه بوقا إعلاميا ركيكا لهذه الطبقات الحاكمة، يبث سم الكسل الفكري ليتم ترسيخ الوضع القائم، واقفا كعائق أمام التعارض المبدئي بين مفهوم الثقافة وعلاقتها بالسلطة. فالثقافة بشكل عام هي الرؤى الإنسانية الكلية والنقدية التي تتجاوز الواقع المعاش والسائد بشكل فوقي. أما السلطة فهي التجسيد العملي لمفهوم الدرع الحامي للطبقة والنظام وعلاقات الإنتاج الحاكمة. وتسعى السلطات بكل أشكالها ومفاهيمها إلى تثبيت وتحنيط الواقع وإعادة إنتاجه وهيمنة مشروعه بشكل دائم ومتحجر. لكن على الجانب الآخر تجذب وتسيطر كل سلطة على مجموعات ثقافية ما من الممكن أن تتجسد في أدباء وشعراء وصحفيين الخ.. لتجبرهم من أجل مصالحها ومصالحهم على التعبير عن هذه المصالح عبر ضخ المخدرات الأدبية والفكرية الزائفة والرجعية. إن هذا الالتباس بين ثقافة السلطة وسلطة الثقافة تستخدمه دائما الأنظمة القمعية لتمييع دور الثقافة في نشر الوعي من أجل الحفاظ على مصالحها النابعة من استغلال الشعوب.

القاهرة 2017:

فاكر أول لايك عملته ليها

كان وقتها أحساسك أيه

لما كنت بتراهن على نفسك

إنك هتعلقها بيك

وإنك هتبعت المرادي الأدد

وإنها مش هتكسف معاليك

فاكر أول كلمة ما بينكم

لما قلتلها بعزك

وكنت معاها زي الملاك

لما كنت بتعبر عنها في البوست

هذه كلمات من أحد أكثر ما يسمونه بـ”دواوين الشعر” المباعة في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2017 لشاب أسمه وليد ديدا. بل هناك كتاب ونقاد دافعوا باستماتة عن إطلاق وصف شعر على هذه الكلمات، بل دافعوا أيضا عن طبيعة المبيعات الخيالية لهذه الأوراق.

تتزاحم مع هذه النوعية من الأوراق الأكثر مبيعا روايات الرعب والعفاريت الميتافيزيقية والتغيبية بالإضافة للروايات البوليسية التي تجسد رجال السلطة بمظهر السوبرمان الخارق ذي الملائكية الرومانسية الطاهرة وهو يحارب أعداء الوطن من وجهة نظر الكاتب والسلطة بالطبع. كل هذا يحدث برعاية دور نشر رأسمالية تتوافق مصلحتها الربحية مع مصلحة الطبقة الحاكمة في تدجين وتخدير عقل المتلقي وتغييبه بشتى الطرق.

إن هذا هو نتاج الرومانسية المصرية الركيكة وما آلت إليه عبر تاريخها كمعبر عن اليمين البرجوازي المحافظ. وهذا هو نتاج النزعة التجارية التي تستخدمها الأنظمة الحاكمة في تغييب وتجريف عقول الجماهير.

أما هذه الكلمات فجزء من قصيدة لشاعر اسمه مختار عيسى، كتبها في حب حاكم مصر منذ ما يقارب الثلاث سنوات:

“حتما تجيء.. نورًا يزغرد في الحَلكْ.. فتزفنا خُضرًا إلى أسمائنا الأولى..وتفك أسر أميرتكْ.. يا سيدي.. الخفق لكْ.. والعزف لكْ.. خُذنا معكْ.. فنساؤنا حبلى بنجمك في الفلك”.

منذ ما يقارب المائة عام والبرجوازية المصرية، وخاصة الصغيرة منها، تترنح علاقاتها مع السلطات الحاكمة، بدءا من علاقتها المخصية مع النظام الإقطاعي الملكي وما مرت به من إعادة تشكيل ملامحها في العهد الناصري (عهد الرأسمالية الوطنية) وتكملة التشوه الطبقي الذي مرت به في عهد انفتاح السادات ثم مبارك، ثم جاءت الانتفاضة الجماهيرية بموجاتها المتتالية منذ يناير 2011 كاشفة ومعرية للتشوه التاريخي الذي أصاب البرجوازية المصرية وكاشفة عن نتائج استمرار تذيلها وتبعيتها للأنظمة الحاكمة وحجرية تطورها سواء كان المعلن أو المقنع. فالبرجوازية المصرية الصغيرة طبقة سائلة، استُخدمت دائما كأداة لإعادة إنتاج التخلف والرجعية لصالح تسيد الطبقات الحاكمة، خاصة بعد ثورة يوليو وحكم ما نستطيع أن نسميه العسكرتاريا أو رأسمالية الدولة في عهد عبد الناصر المتحالفة في الأساس مع اليمين الديني، حتى وإن كان هذا التحالف يمر بصراعات شكلية على شكل السلطة. كل هذا أنتج برجوازية صغيرة عاجزة عن الحركة ولا تفعل شيء سوى الاستسلام والتذيل الذي تجلى وظهر بوضوح بشع بعد الانقلاب الطبقي الذي تسبب فيه السادات إرضاء لأمريكا. أدى ذلك إلى افتقاد البرجوازية الصغيرة في مصر لأي نزعات تنويرية ثقافية تقدمية، بل فقط هي تابعة ومتذيلة وصامتة تجاه نظم الاستبداد والقمع الطبقي، بالإضافة لسلطة رجال الدين المتحالفة دائما مع الطبقات الحاكمة والتي تبث أفيونها الفكري في البناء الفوقي لهذه العلاقات الطبقية. كل هذا أنتج منظومة طبقية منتجة للخوف والتغييب والريع الثقافي، أصبحت البرجوازية المصرية منتجا مشاركا للسلطات الحاكمة في إنتاجه.

وبالنسبة لدور النشر والإنتاج الثقافي للرأسمالية، التي هي نتاج لكل هذا، بل تدعي أنها تقوم بطفرة كمية في إنتاج الأوراق وبيعها، فنقول لهم أنه لا تطور أو تقدم في الأدب كمنتج فوقي إلا بمواجهة نقدية لظواهر الظلام والركاكة والسوقية الأدبية وربطها بأسبابها الموضوعية. لا تطور أدبي دون تغيير سياسي واقتصادي واجتماعي وتشريعي لا يحاكم من يكتب أدبا حقيقيا، ليحل محل هذا الهراء. لن يحدث تقدم أدبي عبر حراك فوقي نخبوي باسم الليبرالية، ولا بإقامة أسواق للكتب.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الغذاء والزراعة والتغير المناخي (1) في ظل النظام الحالي، هناك إمكانية لإجراء تخفيض كبير في الانبعاثات. لكن هذه سوف تتطلب في الأغلب تطورات تكنولوجية أو تغيرات في الممارسات الزراعية، وهو ما قد ترفضه الشركات غير الراغبة في تقليل أرباحها، أو المزارعون الذين يفتقرون إلى رأس المال اللازم لاستخدام هذه الوسائل. لكن مجرد وجود هذه الوسائل يبين أن تبنّي نظام غذائي مرتكز على الحاجة وليس الربح، يمكنه تخفيض الانبعاثات.

مارتن إمبسون