رسائل السيسي وموقف المعارضة (ثقوا في أنفسكم)

قراءات, قضايا

06  فبراير  2018

عدة رسائل حملها خطاب السيسي الأخير، ليس أخطرها تأكيده على ديكتاتورية حكمه، أو إعلانها بشكل واضح وصريح للجميع. فالرجل منذ اللحظة الأولى، وفي حوار ترشحه الأول مع لميس الحديدي وابراهيم عيسى، أعلن أنه الديكتاتور القادم الذي – ربما ينتظره البعض. لكن الجديد هنا هي رسائله التي جاءت بقدر أعمق من الصراحة، وكأنه يقول للجميع (أنا مش بس كده، لا كمان هافضل كده، ولسه قدامنا كتيير، واللي مش عاجبه). بل أنه لجأ إلى تحديد موقعه ومرجعيته بشكل تام وواضح للجميع.

اختار السيسي صيغاً مختلفة لتحديد هذا الموقع، وهي الصيغ التي رآها البعض رسالة لنظامه من الداخل، رغم أن الكلام كان شديد الوضوح منذ اللحظة الأولى أنه ابن هذا الداخل، وأن أي تحرك سيكون هو وهذا الداخل في مواجهته بشكل كامل. أعلنها السيسي “أنا مش سياسي”، حتى لو انتقل لموقع سياسي. ولم يبق له إلا أن يقول بوضوح أنا رئيس عسكري، ووجودي في منصبي هو باختياري واختيار هذه المؤسسة. بل وجاءت الرسالة مكتملة في باقي تصريحاته، معلنا للجميع أن “حياته وحياة الجيش” ستكون في مواجهة أي محاولة لتكرار ما جرى منذ 7 سنوات، (قاصدًا الثورة)، والتي لخص رؤيته لها في حدود أنها جاءت كتهديد لأمن واستقرار مصر، مشيرًا إلى أنه – وهذه المؤسسة – دفعوا الكثير لإعادة الوضع لما قبل هذه الثورة “مش اللي ما نجحش ساعتها هينجح دلوقتي”، ومحددا، لمن لازالوا يراهنون على غير أنفسهم، موقع (المؤسسة) مما جرى تماما.

اختار السيسي أن يبدأ جملته، والتي جاءت مواكبة لمشهد الانتخابات الرئاسية والحديث عن الموقف منه، بتحذير صريح وواضح لكل من يحلمون بتغيير الوضع الحالي بأن هذا لن يكون مسموحاً، قائلا “احذروا”، وهي رسالة مركبة تقول أن هذا التغيير لن يكون مقبولًا ولو في إطار هذه الآليات الشكلية (الانتخابات) أو محاولة استغلالها. فالرجل هنا يوجه رسالة واضحة لكل محاولة من خارج هذه المؤسسة، لتغيير نظامه، مهما كانت المحاولة ضعيفة، معلنا أنهم سيكونون صفًا واحدًا، حتى لو وصل الأمر أن يدفع “حياته وحياة الجيش” – على حد تعبيره –  ثمنا لدفاعه عن الوضع الحالي.

الرسالة التي جاءت في إطار الحديث عن الانتخابات الرئاسية، وليس أي شيء آخر، موجهة أيضا لكل من يظن أن المواءمات قد تضطر المؤسسة العسكرية، أو تضطره، في لحظة ما لتكرار السيناريو القديم بتغيير شكلي، مؤكدة بأن هذا لن يتكرر، فالأمر قد يصل لقضية حياة أو موت لطرف من الطرفين، (من يطالبون بالتغيير، ولو عن طريق الانتخابات، في مواجهة حياته وحياة المؤسسة الأقوى في مصر)، وأنه حتى الانحياز الشكلي أو التكتيكي المؤقت لن يتكرر؛ يقولها في حضرة قائد هذه المؤسسة، والذي يرد ب”ـ تمام مصفقا” للرئيس؛ وفي الخلفية مشهد ما جرى في لحظات لكل من فكر أو حاول، وكيف تم إخراجه من المشهد فورا بمجرد الإشارة له ولو بتصريح عابر على طريقة “لن أسمح لفاسد”، بما يعني أن اختبار فرض السيطرة داخل نظامه محسوم دائما له، وبضربات قاضية سريعة (تحييدا أو سجنا أو إخراجا من المشهد تماما).

وبينما يجري الحديث عن انتخابات رئاسية حتى ولو شكلية، يكمل السيسي رسالته بأنه لن يكون هو ومؤسسات النظام في معركة الحياة والموت بمفردهم، ملوحا للجميع أنه قد يلجأ لاستدعاء قطاعات من مؤيديه والمستفيدين من حكمه داخل الشعب لهذه المعركة، وشاهرا التفويض بما يحمله من آليات الحشد والقدرة عليه في مواجهة الانتخابات؛ وأن هذا التفويض الذي مُنح له سابقًا كقائد للجيش، والذي سيستدعيه بعد أن أعاد تحديد موقعه مرة أخرى، لن يكون في مواجهة الإرهاب المحتمل – الذي فشل في مواجهته- وإنما في مواجهة “الأشرار، أي أشرار” – على حد تعبيره – الذين يظنون أو يعتقدون – مجرد اعتقاد – أن بإمكانهم إعادة جزء من المشهد الذي جرى منذ 7 سنوات، ولو حتى باستخدام الاليات الديمقراطية المتاحة شكليا. فالرسالة هنا أن دوركم لا يتعدى كونه ديكور، وأن أي محاولة جادة، مهما كانت ضعيفة، للخروج من هذا الإطار سنواجهها بكل عنف. فإما أن تقبلوا بقواعد اللعبة التي أفرضها، أو تخرجوا أو نخرجكم منها تماما.

ولم ينس السيسي في الخطاب أن يحدد إطار وحدود الدور المسموح به للجميع، موجهًا حديثه لبعض الأصوات في الاعلام، الذي سيطر عليه بالكامل وأممه إلا قليلا، لمجرد أنها طالبت بقليل من السياسية بعد تحول المشهد الانتخابي لمشهد هزلي، يبحث فيه النظام عن منافس يرضى بالقواعد الهزلية للسباق، قائلا “انتوا فاكرين لما آجي أعمل قوة سياسية حقيقية في مصر، الموضوع سهل”، مشيرا إلى أن الكلام عن السياسة والعمل السياسي له حدود.. ويضع السيسي الحدود المسموحة لاجئا مرة أخرى لأليات التحذير،”وانت بتتكلم عن بلدك مع ناسك أحذرـ لما تكون بتكلم نفسك انت حر، قاعد مع أسرتك ميجراش، قاعد مع أصحابك ممكن تعدي، لكن وانت بتكلم شعب خللي بالك قوي، لأن إذا كنا مؤمنين بالله، هنا.. الفتنة تؤدي لضياع دولة”.. ويكمل “احنا محتاجين وقت كتيير قوي”.

فالمسموح الآن، وحتى يمر الوقت “الكتيير” الذي لم يحدده المرشح الرئاسي، هو الكلام مع نفسك وأسرتك، أما مع أصحابك، فممكن يعدي وممكن ما يعديش، وهو ما تم ترجمته في اليوم التالي لبلاغات في مواجهة معارضة رفعت شعار “خليك في البيت”. فحتى البقاء في البيت لابد أن يكون بشروط طبقا لقواعد اللعبة التي يريد النظام فرضها على الجميع.

ورغم وضوح الرسائل، إلا أن أي معارضة حقيقية لابد أن تتوقف أمام أسبابها، وتدرك أنها لم تكن لتأتي لولا وجود محاولات حقيقية لكسر الاجراءات الشكلية، وجرها إلى المجال العام الأوسع، سواء من خلال تغيير قواعد لعبة الانتخابات الشكلية التي كان يريد النظام فرضها، بمحاولة فرض قواعد حقيقية تستدعي الناس حتى ولو لم تكتمل المحاولة، أو عبر محاولة جديدة لاستثمار ما تم فضحه من خلال محاولة المشاركة عبر الدعوة لاستكمال الفضح، ودخول قطاعات أوسع من المعارضة كطرف حقيقي في اللعبة. فإذا كانت رسالة السيسي “عودوا لأماكنكم أو سنعيدكم إليها فرادى”، فإن أول خطوة يمكن أن تحدث هو الحفاظ على ما تم تحقيقه من خلال تحرك جماعي، والسعي للحفاظ على أكبر قدر من التوحد في مواجهة محاولات إعادة خلخلة المشهد، والحفاظ على النصف خطوة التي اكتسبتها المعارضة، ولو بنصف محاولة حقيقية، والبناء عليها، وعلى المعارضة أن تدرك أن دعاوى الانسحاب الكامل من المشهد لن تصب إلا في صالح من يحاولون فرض الهيمنة الكاملة. فمهما كان الدور هامشياً ستظل موجوداً، وستظل قدرتك على انتزاع مساحات أكبر مرهونة بتطوير مواهبك أو امكانياتك عبر الاحتكاك وإدراك حدود قدرة جمهورك. أما خيار الخروج التام، حتى ولو بدعوى تطوير هذه المواهب، فسيترك الساحة للاعب وحيد، وربما اختار ما تبقى من جمهورك خيارك وانعزل معك.

وستبقى الرسالة الأهم من حديث السيسي، حتى ولو لم يتضمنها كلامه أو جاءت في شكل تهديد، هي “ثقوا بأنفسكم أكثر، ولا تراهنوا على تناقضات ليست بيدكم، وربما تفاصيلها بيد غيركم وهو القادر على التحكم فيها”.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (1) لماذا بقيت الثورة المصرية وقد امتد فورانها وزخمها قرابة عامين ونصف عاجزة عن بلورة أحزاب سياسية مؤهلة للتدخل المؤثر والفعال في ترتيبات السلطة السياسية ما بعد اسقاط مبارك وزمرته؟ كيف لم تنجح ثورة شعبية كبرى كهذه في بلورة ولو حزب ثوري واحد؟

هاني شكر الله

مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية (2) منهجية تقييم التجربة الثورية إذن هي في المحل الأول قراءة دروس التاريخ وليس محاسبتها بأثر رجعي، فليس بوسعك أن تحاكم تجربة تاريخية ما استنادا إلى ما تعلمته منها بالتحديد.

هاني شكر الله

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري في 25 يناير 2011 انفجر المجال السياسي فجأة، مندفعا كالبركان من تحت القشرة الأرضية الجرداء المتكلسة والمتعفنة للرأسمالية المصرية وحكمها الأوليجاركي، ولد كالعنقاء، مشتعلا، صاخبا، متوهجا، رائعا في بهائه، مدهشا في خصوبته وابداعه ونبل قيمه؛ ولد يصرخ بالحرية والعدالة الاجتماعية ويكشف عن بطولة واقدام واستعداد للتضحية يندر لها مثيل في التاريخ الإنساني كله

هاني شكر الله