الثورة حكاية: “تصوير” التحرير

قراءات, قضايا

04  فبراير  2018

في ميدان التحرير، في يناير وفبراير 2011 رأى المصريون أنفسهم للمرة الأولى من خلال عيونهمهم فاستمتعوا بهذا اللقاء مع الذات، لتصبح المشاركة في تلك التجربة وتسجيلها جزءا من وعي مجتمع مستعدلعمل المستحيل من أجل إعادة صياغة المجتمع المصري نحو الأفضل.

وكان ذلك الوعي فرديا من حيث هو خبرة شخصية ضمن الحشود، كما كان وعيا أخلاقيا لأن تسجيل كل شيء أضحى أمرا ضروريا لمجتمع يعمل بجد من أجل الحفاظ على نفسه وبناء مجتمع جديد؛ كما كان أيضا وعيا جماعيا. لم يرفض أحد أن يكون في صورة فوتوغرافية أو شريط فيديو قبل أن تأتي “موقعة الجمل” يوم 2 فبراير بالدخلاء والمتسللين ومن ثم بالشك إلى التحرير. كان الكثيرون من الناس يبحثون عن الكاميرات لأننا شعرنا – مثلما صدحت أغنية صلاح جاهين/عبد الحليم في كل يوم – بأننا جميعا جزء من نفس الصورة، وأن الانقسامات داخل المجتمع المصري أصبحت أقل أهمية من الروابط التي جمعت بين الناس في ذلك المجتمع. (كان التصوير في شوارع القاهرة مثل هذا قبل 28 يناير ليقابل برد فعل عدائي). كذلك عبر هذا الوعي الجماعي عن نفسه أيضا من خلال الإنترنت، حيث كان الأفراد والمجموعات في التو واللحظة يرفعون المادة التصويرية ليشاهد العالم حالة التحرير بمن وما فيه والأسباب التي دفعتهم إلى هناك ولتحفيز المزيد من المصريين على النزول إلى الشارع والانضمام إليهم.

اختلط وعي التحرير بالصورة والصوت والكلمة في تعبير كله شغف ذوأبعاد مذهلة. ورغم اهتزاز الصور وانخفاض الدقة والسرعة الشديدة وانعدام المهنية الشديد، تراوحت الصور بين ما هو عادي إلى ما هو بطولي في إنتاج سيل من الوعي يبرز من خلاله كم هائل من الدهشة والاكتشاف والشعور القوي بالوجود.

 وجود هناك.

لقد كان حجم المادة المسجلة هائلا حتى باءت كل محاولات تجميعها وتصنيفها بالفشل. فقد جاءت هذه المادة من مصادر لا تُعد ولا تُحصى وتتنافس فيما بينها – حيث كل من يملك هاتفا محمولا استخدمه لتسجيل شيء ما في تلك الأيام الثمانية عشر الأولى. في هذه المادة –الموزعة بين أرجاء البلاد الأربعة – تكمن الذاكرة الجماعية للثورة.

2

وإذ أصبح ميدان التحرير، لفترة قصيرة، في قلب الأحداث العالمية، كذلك احتل موقعا مركزيا في وسائل الإعلام الدولية. وهبط عليه المصورون والصحفيون وأطقم الكاميرات من كل مكان. كانت الثورة المتلفزة التي انتجها هؤلاء المهنيون “تليجينيك”. 1) قصة مبسطة ومتماسكة بصريا حيث يمكن بسهولة تمييز الأخيار والأشرار، 2) متظاهرون شجعان وجذابون، مجتهدون، ويجيدون الحديث، 3) والعنف يتحول الى مشهد (قتال وإراقة دماء بدون أي ألم) ، و 4) مراسلون يعرضون أنفسهم للمخاطر  الذين يأخذون المخاطر لينقلوا لك الأخبار. كانت بداية الثورة أنيقة، مثلما كانت نهايتها. نهاية القصة. الجميع يعودون إلى ديارهم، باستثناء المصريين الذين لا يزالون يعيشون تداعياتها.

لقد كان وجود المصورين المحترفين واضحا في التحرير لأنهم يحملون في العادة أكبر وأحدث الكاميرات، وغالبا أكثر من واحدة. كانوا يلتقطون تلك الصور الدقيقة، الحادة، الملونة التي تلتقط اللحظات وتثبتها فتصل للعالم فور التقاطها. لقد بذلوا جهدا لكي يصبحوا بديلا عن عيوننا.

جاءوا من كل مكان. تنافسوا بشكل مكثف للحصول على اللقطات الأكثر إثارة. وسعوا للحصول على أفضل المواقع من أعلى، أو في وسط الأحداث، وجازفوا بما لم يجازف به بعض المتظاهرون. التقيت بمصور فوتوغرافي مستقل من اليابان لم يكن يعرف شيئا عن مصر، لكنه كان يعلم أن تصوير التحرير سوف يمكنه من نشر صوره. أراد طاقم تصوير فرنسي، وصل للتو، أن يصور ويلتقي هؤلاء المدونين الذين سبق أن ظهروا في وسائل الإعلام الفرنسية. لم يكن لديهم الوقت لينظروا حولهم ويستكشفوا. الأمر المثير للانتباه هو أن الكثير من المصورين الذين التقيت بهم كان لديهم بالفعل فكرة جيدة عن الصور التي كانوا يأملون في التقاطها – وكأنهم ينفذون سيناريو مرئي، وكأن تطور الأحداث أمر ثانوي.  لم يكن أحدهم، تقريبا، يتحدث العربية.

قد يكون هؤلاء المصورين الصحفيين صادقين في اهتمامهم بالمتظاهرين ومستقبل مصر. إلا أن هذا الاهتمام لا علاقة له بسبب وجودهم في التحرير أو طريقة عملهم. هم جنود المشاة لوسائل الإعلام الرئيسية – نظام دولي للإدارة البصرية. فالأخبار هي عملية بيروقراطية يوفر لها المصور المواد الخام للمنتج النهائي – واجهة بصرية تظهر لنا يوما بعد يوم أن الدراما الوحيدة في الحياة تنبع من الأحداث الدراماتيكية: الثورة والحرب والمجاعة والكوارث الطبيعية وتلك من صنع الإنسان، الاكتشافات المذهلة ومسابقات رياضية لا تصدق.

لقد أخذتالتطورات التكنولوجية بعيوننا إلى السماوات، وأعماق المحيطات، وقلب المادة، والأطياف تحت الحمراء والأشعة فوق البنفسجية. بل وحتى الرؤية الليلية. إننا نرى حتى من خلال الكاميرات المفككة. أصبحنا نرى أكثر، ولكن بتأمل أقل. ذلك أننا نادرا ما نرى ما وراء الواجهة المحسوبة التي تحيط بنا. وقد أقنعتنا الواجهة، من خلال واقعية الصور الفوتوغرافية، أنها طريق مختصر للحقيقة – وأنه لا يوجد شيء آخر يستحق المشاهدة.

3

في وقت متأخر من المساء، يوم 28 يناير 2011، عند الحدود الجنوبية للتحرير بطول المجمع: استمر القتال هنا طويلا في الليل، لم يتبق لي طاقة أمنحها. لم أصور الاشتباكات، والشجاعة، والتهور، وضبط نفس المتظاهرين والمصابين والمختنقين. لم أكن أعرف ما يمكنني أن أفعله بالكاميرا: ليس بعد، ربما أبدا، وبالتأكيد ليس خلال الأحداث. عندما جلست للراحة، خطر لي أن الصور الأولى سوف تركز على معقل وزارة الداخلية وقلعة القمع البيروقراطي. كنت قد تعرضت للمضايقات والتحذير مرات كثيرة من أفراد في الأمن على مدى السنوات العشرين الماضية بأن التصوير محظور هنا –رغم أنه لم يخطر على بالي أبدا أن أفعل. سوف يصبح ذلك تمردي الشخصي جدا ضمن الثورة الأوسع.

لقد كنت، في الواقع، أصور الثورة على مدى عشرين عاما. فقد كان النضال اليومي للمواطن المصري العادي هو جوهر تصويري.عيش! حرية! عدالة اجتماعية! الشعار الرئيسي للثورة هو محور هذا الكفاح. الصور التي التقطتها في التحرير هي غيض من فيض. ولن تجد فيها إشارات واضحة إلى الاحتجاج السياسي على وجه التحديد، لأن الثورة طويلة المدى تتكشف بمعدل وبأشكال لا تستطيع وسائل الإعلام التعرف عليها أو تمثيلها.

تصويري الفوتوغرافي يطرح (وتؤكد الثورة) أن مصر التي تُعرض علينا هي إسقاط مسبق – سواء في تصوير القرن التاسع عشر لمكسيم دو كامب، أو في وسائل الإعلام اليوم (سواء التي تسيطر عليها الدولة أو العالمية منها)، أو في صناعة السياحة. ولم تزد الصور سوى إضافة هالة من الحقيقة على هذا الوهم.

إنني أصور كي أرى بنفسي، كي أحاول أن أرى فيما يتجاوز الواجهة، وبالتالي بهدف تعميق فهمي للعالم. ونادرا ما أغادر مصر لأفعل ذلك، لأن الاكتشافات قاب قوسين أو أدنى – إذا نظرت بعناية، وإذا كنت تثير الصور بدلا من إنتاجها، وإذا كنت على استعداد للتفاعل بدلا من مجرد المراقبة، وإذا كنت على استعداد للبحث والنبش عن إيقاعات الحياة التي لا تظهر فور أن تظهر حاملا الكاميرا. تكشف صوري أن هناك الكثير من الدراما في الحياة اليومية، وأن الصور يمكن أن تصور اللقاءات البشرية انطلاقا من التضامن، وأنها يمكن أن تعكس ما هو  أكثر من اللحظة الآنية.

كان التصوير في ميدان التحرير تحديا جديدا. الوقت مضغوط والأمور تحدث بسرعة كبيرة. ولكن بما أن الجميع كان يستخدم الكاميرا فإن أحدا لن يلقي القبض علي لأنني أصور المُجَمَع. مع انسحاب الأمن وتأسيس مجتمع (التحرير)، تبخرت المحرمات ضد تصوير الغرباء (وأي شيء آخر غير مشهد سياحي لامع) واختفى العداء تجاه المصورين لفترة من الوقت. لأول مرة كان الناس يأتون لي، وهم الناس الذين كانوا فيما مضى ينظرون لي مبادرين بالشك. وبغض النظر عن مكانهم في الحياة، كان المصريون يشعرون بالفخر، وأرادوا تسجيل إحساسهم المكتسب حديثا بالمواطنة. وقد اكتشف الشباب – أكبر مورد إنساني مُهمَل في مصر –أن احترام الذات لا يستند إلى التبادل والربح، وإنماإلى استعدادهم حماية الميدان ولو على حساب حياتهم. وفي المقابل، استحقوا احترام وامتنان الجميع في التحرير. لكنني احتجتبشكل عامإلى وقت أطول من اللازم كي أستوعب هذه التغيرات.. فقد استبطنت المحرمات، خاصة تلك الخاصة بتصوير نساء لا علاقة لي بهن.

المستقبل في التعاون. عبر الثقافة، والطبقة الاجتماعية، والجنس. نحن جميعا -بما في ذلك معظمنا الذين يعيشون هنا – نرى العالم العربي من خلال احتلال الإعلام لعيوننا. معا فقط نستطيع أن نخلق عالما أفضل، من خلال اتساع إحساسنا بأنفسنا، وباستكشاف العالم الذي تواطئنا جميعا في صنعه وباعترافنا بالآلام التي سببناها للآخرين. ذلك كان الوعد الذي حمله التحرير خلال ثمانية عشر يوما مدهشة.

_______________________

نشر هذا المقال لأول مرة بالانجليزية يوم 13 نوفمبر 2012 في جدلية.

للاطلاع على المقال الأصلي

http://www.jadaliyya.com/Details/27335/Imagining-Tahrir

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

يناير والثورة المفارقة للدولة كانت وما تزال يناير هي معركة حول التاريخ وسردياته في هذا البلد، حول إمكانات الدمج اليومي للمعرفة التي تمتلكها السلطة وتكوين سرديات متسقة حول الدولة التي ترعى مواطنيها، يناير كانت اللحظة التي توقف عندها المدجنون داخل الدولة كمفارقين لها حتى ولو جزئيا.

محمد رمضان

من يناير إلى يوليو: قراءة في ثورة ودولة يوليو بمناسبة مرور ٦٥ عامًا على انقلاب الضباط الأحرار(١) اندفع قادة الثورة يضربون ذات اليمين وذات اليسارببراجماتية عملية يحركها تطور الأحداث. لم تكن القضية لديهم هي التحالف الاستراتيجي مع هذا وضد ذاك، بقدر ما كانت تغييب المجال السياسي في مجمله باعتباره عقبة أمام التعبئة الشعبوية المطلوبة لإحداث قفزة التراكم المستقل المطلوبة للبزوغ على ساحة التنافس العالمي.

تامر وجيه