جمعة الغضب.. الجماهير في مهمة تحرير الشوارع

قراءات, قضايا

29  يناير  2018

شارع شبرا هادئ تماما، خالي من المارة. جلست على أحد المقاهي بعض الوقت ثم توجهت إلى ميدان رمسيس. خطيب الجمعة في جامع الفتح يدعو إلى الاستقرار والحفاظ على البلد.. الجامع ممتلئ عن آخره. آلاف يصلون في منتصف شارع رمسيس، يحتشد أمامهم مباشرة صفوف وصفوف من قوات الأمن المركزي ومدرعات الشرطة تسد الطريق المؤدية إلى ميدان التحرير. خلف الجامع من ناحية شارع عماد الدين حشود أخرى لقوات الأمن المركزي. ترجلت إلى أحد الممرات القريبة للجامع انتظر انتهاء الصلاة. أجد مجموعات من الشباب، كل مجموعة من عشرات ينتظرون انتهاء الصلاة مثلي.. الصلاة وصلت إلى “التحيات” والجميع ينتظر “التسليم” كأنها إشارة البدء..أمام الجامع؛ السلام عليكم ورحمة الله.. لم يقل الثانية وكانت قنبلة غاز قد أطلقت على حرم المسجد.. كصوت الرعد “الشعب يريد إسقاط النظام” تزلزل ميدان رمسيس.. الهتاف من داخل الجامع ومن الشوارع الجانبية ومن قلب ميدان رمسيس.. عشرات الآلاف من الجماهير لم أر مثلها من قبل.. الأمن يضرب بالهراوات ويطلق قنابل الغاز في كل مكان.. بدأت المعركة.. حالات اختناق وكر وفر بدأت بين الأمن والمتظاهرين.. الأمن يضرب بعنف، خاصة في شارع رمسيس المؤدي إلى التحرير.. تفرقت المظاهرة الحاشدة وتفتت إلى عديد من المظاهرات الصغيرة.. كنت ضمن مظاهرة من المئات انطلقت إلى منطقة السبتية.. حملني شاب وبدأت الهتاف على الطريقة القديمة.. شخص يقود الهتاف والجماهير تردد خلفه. سرعان ما اكتشفت عدم مناسبة هذه الطريقة مع وضع “المعركة”.. الجماهير الآن في حالة كر وفر واشتباكات.. الهتاف الجماعي أصبح هو الأصح.. انطلقنا في حواري السبتية نردد “الشعب يريد اسقاط النظام”. دخل الأمن خلفنا وبدأ في إطلاق القنابل بشكل أفقي في مستوى الرأس والصدر فيما يشبه إطلاق الرصاص.. بدأ سقوط المصابين.. شاب يضع يده على وجهه الدامي، وآخر يحمل زميل مختنق بالغاز .. الأمن يمطرنا الآن بالقنابل ويمطر سوقا شعبيا معنا.. قنبلة غاز تصيب “فرشة” إحدى السيدات.. الأهالي بالمنطقة يتضامنون معنا.. نوافذ البيوت القديمة الفقيرة تلقي لنا بالبصل وزجاجات الخل وزجاجات المياه الغازية.. صاحب كشك يفتح لنا الثلاجة ويقول “خدوا كل الحاجة الساقعة اللي فيها.. ربنا يقويكم” .

خرجنا بالمظاهرة إلى الكورنيش في محاولة للالتفاف على تجمعات الأمن.. تحركنا في اتجاه التحرير فإذا بقوات أمن مركزي ضخمة تتمركز فوق وتحت كوبري ١٥ مايو، تسد طريق الكورنيش المار بوزارة الخارجية ومبنى الإذاعة والتلفزيون ماسبيرو.. أطلقوا علينا الغاز والخرطوش بكثافة.. أصابنا التعب وتقهقرنا إلى الخلف.. وجدنا أنفسنا أمام أبراج ساويرس السياحية المطلة على النيل.. دخل بعضنا إلى الممر الفاصل بين البرجين، جلسنا  نسند ظهورنا إلى الأبراج لنستريح … فجأة تساقطت علينا مياة زجاجات مياه معدنية و”فوط بيضاء”.. بعض السائحات تلقين بها من أعلى لمساعدتنا.. خرج من الفندق رجل يبدو أنه من أمن الفندق ونظر إلى أعلى وقال “هما الشراميط المغاربة”.. يقصد غالبا فوجا سياحيا من مواطني دولة المغرب.. عندها اشتبك المتظاهرون مع أمن الفندق والهتاف “يسقط يسقط حسني مبارك”.. عند هذه اللحظة قام أمن الفندق بإخراج “كراتين مياه معدنية” وزعها على المتظاهرين في محاولة لتهدئة الموقف.. لم يفوتنا الإشارة بأيدينا لأعلى لتقديم الشكر للرفيقات المغاربة قبل أن نتحرك لاستكمال المسير إلى التحرير.

مرة أخرى نفشل في اجتياز جحافل الأمن المركزي، خاصة وبعض منها يطلق الغاز والخرطوش من أعلى الكوبري.. فجأة سمعنا هدير “الشعب يريد اسقاط النظام”. نظرنا خلفنا لنجد مسيرة على مرمى البصر كأنها السيل، مظاهرة شبرا الخيمة قادمة، العين لا تبصر آخرها.. مئات الآلاف من الجماهير.. تتحرك نحونا، هادرة، كأن شعبا بأكمله قادم نحونا.

كنست مسيرة شبرا حشود الأمن المركزي أمامها، عبرت النار، فتحت الطريق إلى ميدان عبد المنعم رياض، بعد أن قدمت المزيد من دماء الشهداء والمصابين.

تحركتُ ومعي مجموعة من الأصدقاء إلى شارع الجلاء للتأكد عما إذا كان الشارع قد فُتح إلى ميدان التحرير.. وصلنا فإذا بحرب شوارع حقيقية..الأمر هنا أصعب.. شارع الجلاء يعلوه كوبري ٦ أكتوبر.. قوات الأمن تتحصن بعمدان الكوبري الخراسانية الضخمة وتطلق النار.. صوت الرصاص في كل مكان.. دوي إطلاق قنابل.. دخان قنابل الغاز والكاوتش المحروق كثيف يجعل من الشارع نفقا مظلما خاصة مع قرب الغروب ووجود الكوبري أعلى الشارع.. أرى عسكري يطلق الغاز نحونا بشكل أفقي.. نحتمي بعمود الكوبري.. صوت رصاص يصطدم بجسم الكوبري المعدني.. لم نعد نميز بين صوت إطلاق الرصاص الحي والخرطوش والغاز بسبب صدى الصوت في هذا النفق .

في الامام، مئات من الشباب في شكل مجموعات تشتبك مع قوات الأمن المركزي تريد المرور إلى التحرير.. مجموعة تدفع بصندوق حديدي ضخم خاص بهيئة نظافة وتجميل القاهرة، يشكل نوعا من الحماية من طلقات الرصاص يستخدمونه كدرع يتقدمون به.. حرقة في العين وضيق في التنفس نتيجة الغاز الكثيف.. دخان يتصاعد من كل مكان.. إطارات سيارات مشتعلة في منتصف الطريق، ودخان يتصاعد من سيارة أمن مركزي.. لم أعد أتحمل التواجد أكثر من ذلك في هذا النفق. خرجت إلى شارع رمسيس .

عند تقاطع شارع رمسيس مع ٢٦ يوليو، أمام دار القضاء العالي ونقابة المحامين، تتمركز قوات الأمن المركزي، تطلق الغاز والخرطوش في ثلاثة اتجاهات… علينا في شارع رمسيس، وعلى مظاهرة قادمة من ٢٦ يوليو، وناحية متظاهري شارع الجلاء “النفق”.

شاب، أو بالأحرى طفل، يبدو من فقراء الأحياء الشعبية، ينتعل “شبشب”، يحمل فوق كتفه حاجز حديدي خاص بمرور القاهرة، يتحرك وسط الغاز والخرطوش والطوب.. يتحرك بخفة نحو قوات الأمن المركزي غير مهتم بكل ما حوله!!.. حتى وصل إلى سيارة الأمن المركزي ووضع هذا الحاجز اسفل إطارات السيارة مما تسبب في تعطلها.. في تلك اللحظة كانت سيارات الأمن المركزي تنسحب من التقاطع. بعضها ترك عساكر الأمن على الإسفلت وهربت.. اندفعت أعداد كبيرة من المتظاهرين نحو السيارة المتعطلة… أكثر من عشرين مجند بالسيارة.. مشاجرة بين المتظاهرين وبعضهم البعض.. بعض المتظاهرين يريدون الفتك بهؤلاء العساكر والبعض الآخر يرفض الاعتداء على “الغلابة”.. انتصر الفريق الأخير.. بدأ نزول عساكر الأمن من السيارة واحد تلو الآخر.. ينزل يسلم خوذته ودرعه وعصاه إلى المتظاهرين.. ويصطحبه البعض باتجاه صيدلية الإسعاف لخلع ملابس الشرطة خشية أن يفتك به متظاهرون آخرون بسبب ملابسه.. لم تمر دقائق وتصاعد دخان كثيف من تلك السيارة.

فجأة نرى “كول” أمن مركزي قادم من شارع رمسيس عكس الاتجاه.. حالة من الارتباك. من أين أتى هذا الكول، فقد حررنا ميدان رمسيس منهم؟!.. بدأ كل شخص يستعد لمواجهة جديدة.. ومع اقتراب الكول لاحظنا أن سائق أول سيارة “مدني” يرتدي تيشرت احمر، وأن هناك آخر يمسك بالباب من الناحية الأخرى ويقف على سلم السيارة ويشير لنا بسترته.. السيارات في حوزة المتظاهرين.. أشاروا لنا بعلامات النصر ودخلوا إلى منطقة الوكالة.. شاب يقف إلى جواري قال “هيتفككوا ويتباعوا خردة في السبتية”.

نحن الآن في ميدان الإسعاف، لا تفصلنا عن التحرير إلا أمتار قليلة. نرى أعدادا ليست كبيرة من المتظاهرين فوق كوبري أكتوبر تحاول النزول إلى التحرير.. مدرعات الأمن المركزي تطلق الغاز والخرطوش بجنون بميدان عبد المنعم رياض كأنها معركتهم الأخيرة.. صوت سارينة مدرعة الشرطة يدوي، ذلك الصوت المزعج.. كأنه صوت الموت.. ألسنة لهب تخرج من فوهة بندقية عسكري المدرعة تجاه المتظاهرين.. يسقط مصاب بالخرطوش.. المدرعة تنسحب إلى داخل الميدان.. يسرع المتظاهرون خلفها يشعرون بالانتصار .

دخلنا أطراف التحرير جريا.. حشود من عساكر الأمن المركزي راجلة تتراجع إلى الخلف وأمواج من البشر تتقدم بخطى متسارعة.. تتلاحم امواج البشر القادمة من شارع رمسيس مع القادمين من شارع طلعت حرب وكوبري قصر النيل… العساكر تهرب من الميدان.. بعضهم يقفز فوق الأسوار الحديدية ليهرب..

أعاد الأمن تنظيم صفوفه عند مجلس شورى ومدخل شارع الشيخ ريحان وشارع محمد محمود، وحشود المتظاهرين تتوافد على الميدان.. اظن انني لم اعد اسمع أي هتاف.. فقط اصوات قنابل الغاز وطلقات الحي والخرطوش.. معركة حقيقية تجري للسيطرة على ميدان التحرير.. من حين لآخر أرى شابا مصابا أو ربما شهيدا يحمله متظاهرون متجهين به إلى الخلف.. دخلت إلى شارع محمد محمود حتى مكتبة الجامعة الأمريكية.. الغاز كثيف جدا.. بدأت أشعر بالدوار.. وضعت يدي على حائط المكتبة أتلمسه لأعود للخلف..لم اعد أرى.. فتحت عيني فوجدتني انظر إلى السماء محمولا على اكتاف اتنين من المتظاهرين في قلب الميدان . تنفست هواء أفضل.. انظر إلى ميدان التحرير.. الإضاءة الصفراء خافتة.. الأمواج البشرية بدأت تستريح في ميدان التحرير وبعضها ينضم إلى صفوف المواجهة عند مناطق الاشتباك.. اشعر بأن الشوارع تحت سيطرة الناس.. لم يبق إلا مربع صغير.. هو محيط وزارة الداخلية ومجلس الشورى .

قوات الأمن تتمركز الآن أمام مجلس الشورى وتطلق قنابل الغاز بأعداد اقل نحو الميدان.. فجأة تظهر مدرعة جيش من نوع (فهد).. يخرج من برج المدرعة ضابط جيش ويشير بيده للمتظاهرين الذين أحاطوا بالمدرعة أن افتحوا الطريق.. صعد إلى ظهر المدرعة حوالي ثمان شباب.. تحركت المدرعة في اتجاه تمركز الأمن.. فتحوا لها الطريق ودخلت خلفهم ثم سدوا الشارع.. بعد دقائق تخرج مدرعة الجيش من بين صفوف الأمن المركزي والشباب الثمانية اختفوا.. لم تخرج المدرعة من الميدان بعد واذا بقنابل غاز تتساقط فوق رؤوسنا كالمطر.. صاح احد الشباب “الجيش دخلهم ذخيرة”.. عندها بدأت مجموعات في مطاردة المدرعة.. صدمت اثنين أثناء هروبها.. أظن أنهم استشهدوا.. عند هذه اللحظة أدركت الدفعات الأولى التي وصلت الميدان أن هناك متغيرا جديدا… الجيش دخل على الخط.

وللحديث بقية ……

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ثورة من؟

أحمد حسن

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (5) شهدت الثورة المصرية اللحظة الرابعة لبزوغ مجال سياسي حي وحيوي من شأنه أن يفتح آفاقا واسعة، رحبة لتطور ديمقراطي غير مسبوق في تاريخنا الحديث كله، مجال سياسي يصنع صنعا في الشوارع والميداين، يصنعه فقراء الوطن وكادحيه في مواجهة صريحة وضارية مع البرجوازية المصرية ودولتها.

هاني شكر الله

قراءات في ثورة يناير 2011: كان الأمر غيرُ عاديّ.. ولم يكُن هناك تفسيرٌ لما يحدث بالشارع لدى كُلٌ منا.. ولم تكن هناك –في نفس الوقت- أية تنبؤات لما ستؤول إليه الأوضاع قُدُما.. إلا أن الاهتمام كان مُنصَبا على جلال اللحظة وهيبتها..

محمد هشام

قراءات في ثورة يناير 2011: إن الكاتب ﻻ يطلق أشباحه باتجاه المستجوبين.. إنه في الحقيقة لا يستجوب بل يجرد، يشكك في كل الأيديولوجيات –دون أن يقترب من أي أيديولوجيا فعلية– ويعلن من علياء عالمه أننا –في بلد جهول- طبعا عدا كاتبنا.

أحمد حسن