الثورة حكاية: مرور عابر “من المدونات إلى التحرير”

قراءات, قضايا

28  يناير  2018

2004

كنت أجلس على المقهى، مع صديق منتمي لجماعة الإخوان، كنت تعرفت عليه من منتدى على الانترنت، كانت المنتديات في تلك الفترة، هي التطور لمجموعات ياهو البريدية، كان ذلك المقهى، هو مكان تجمعنا، وكنا في انتظار صديق أخر ينهي أخر سنواته في كلية الطب.

عندما وصل، أخذ يحدثنا عن صيحة جديدة، مع ظهور الويب 2.0 وتدعى البلوجز “لم نكن قد وصلنا لتعريب الكلمة لمدونات بعد” وكيف أن هناك عالم جديد مختلف تماما عن المنتديات، لكن أغلبة بالانجليزي، ونادرا ما تجد شيء بالعربية، غير مدونتين أو ثلاثة.

لم أتحمس كثيرا يومها، فكيف يقرأ الناس ما أكتبه، وهم لا يتصلون بي، ولا توجد منصة حاكمة (كالمنتديات)، تمكن الناس من تصفح كل المواضيع، وتسمح بالاشتباك مع ما يكتب، سواء بالرفض أو بالقبول.

لكن خفوت حماسي لم يمنعني يومها من إنشاء مدونتي الأولى، والتي أسميتها “الموكوس”.

تعاملت مع الموضوع في البداية بخفة، كان الجميع مبتعدين عن السياسة، ويتحدثون عن أفكار مجردة، أو تجارب شخصية حياتية، بعيدة كل البعد عن الطبقة التي أنتمي إليها، والمدينة التي أقطنها، أو يتحدثون في الأدب أو السينما، كنت مهتما بالاثنين، لكني لم أكن أجيد التحدث عنهم، شعرت إني غريب في كوكب بعيد عني، لكني أكملت.

أنشأت وقتها ثلاث مدونات دفعة واحدة، واحدة للسياسة أعطيتها الكنية التي أستخدمها من طفولتي “Malcolm X” وأخرى للأدب، و تركت “الموكوس” كما هي، للمواضيع الخفيفة أو السباب وخلافه.

لم تظهر التصنيفات بعد في تلك الحقبة، ولم أعرف وقتها أن بإمكاني دمج الثلاثة معا.

مضيت على استحياء استكشف ذلك العالم، الذاخر بكل المنبوذين من المجتمع، العدميين والملحدين والتكفريين، المثليين،  وشارحي النسبية بشكل فلسفي، كنت يوميا أصدم بما أقرأ، وأحاول الفهم، أقرأ كثيرا، حتى أستطيع أن أهضم الجمل المغلقة على عقلي.

كان هناك الكثيرين ممن هم مثلي، الآتين من خلفيات إسلامية أو دينية، ويحاولون التوفيق بين أفكارهم وبين معتقداتهم الدينية، أو ما كنت أدرك وقتها أنه مجرد ترقيع، لا توفيق، لكني ومن هم مثلي، لم نجد الجرأة سريعا كي نتخلص من الإرث الذي ولدنا وتربينا عليه.

كان أغلبنا في بدايات عشريناته، وكان أغلبنا يتلمس موطأ قدم له في الحياة.

2005

بنهاية 2004 ظهرت الحركة المصرية من أجل التغيير، التي أصطلح على تسميتها بـ “كفاية”، كنت على موعد مع صديق مغترب، هاتفني قبل الموعد، يخبرني أن هناك مظاهرة، وأنه توقع وجودي فيها، نظرا لمحاولاتي السابقة في التنسيق مع آخرين لعمل مظاهرات في إسكندرية تدعو لدعم مرشح توافقي في مواجهة نظام حسني مبارك، والذي استقرينا عليه بعد تصويت على الانترنت ليكون عمرو موسى (كنا أطفالا).

أخبرته أني لا أعرف شيئا عن المظاهرة، لكوني لا أشاهد التلفاز.

عندما قابلته أخبرني عن مظاهرة صامته، دعا إليها تحالف جديد، مكون من قوى سياسية وأفراد، تجمع أعضاءها على سلم دار القضاء العالي بوسط المدينة، لاصقين على أفواههم ملصق مكتوب عليه بالأصفر والأحمر “كفاية” .

أخرج حاسوبه المحمول، وأراني صور المظاهرة، لم أتمالك نفسي، وقررت السفر في اليوم التالي للقاهرة، كي أحاول الوصول والانضمام لهؤلاء الأشخاص.

وقتها كنت قد أنشأت علاقات مع عدد من الخارجين عن الإخوان منهم المهندس أبو العلا ماضي، والذي وصلت إلى مكتبه في اليوم الثاني، وعلمت أنه أحد أعضاء الحركة، ودلني على مقرها في وسط المدينة بوعد بمقابلة جورج إسحاق، منسق عام الحركة في ذلك الوقت.

جلست معه سريعا، وقبل أن أنتهي وجدت من يخبط على كتفي، زاعقا بإسمي. كان محمد الشرقاوي، أحد الأصدقاء الذين تعرفت عليهم من المنتدى ومن قبله من إحدى المجموعات البريدية، التي اشتعلت فيها المشاكل، بسبب أحد أعضائها الذي سيتحول بعد ذلك إلى أحد المدونين، المكروهين أيضا من الجميع، والذي يحاول الجميع تفاديه، والمسئول عن نشر تسجيلات وصور خاصة (لم نعرف وقتها إن كان هو من صورها، أو سُربت إليه من الأمن) والتشهير بكثيرين، حتى اللحظة.

جلست مع شرقاوي على مقهى بوسط المدينة، وعرفني على كثير من الوجوه التي كنت أعرف أسماء مدوناتهم فقط، منهم من أصبح صديق عمر، ومنهم من اختفى تماما.

أخبرني عن شباب من أجل التغيير، المجموعة التي يودون إنشاءها كي تستقل عن قيادة العواجيز للحركة. تحمست كثيرا، لكني أخبرته أني لم أنتمي يوما لأي حركة أو حزب. طمئني قائلا أن شباب من أجل التغيير، هي مجموعة غير أيديولوجية، وكل أعضاءها سيحافظون على ذلك (وهو ما لم يحدث بالطبع، فقد بدأ الاستقطاب بين الثلاث تيارات الرئيسية- تروتسكيين، ناصريين، إسلاميين مع أول يوم لظهور الحركة).

عدت إلى الإسكندرية محملا بالكثير من الأحلام، والطاقة.

لم يمض وقت طويل، حتى اشتعلت منطقتي في الإسكندرية بأحداث فتنة طائفية، بدأها مجموعة من السلفيين، الذين أتوا من السويس، حاملين أشرطة فيديو لمسرحية قيل أنها عرضت في كنيسة مار جرجس في شارع محرم بك.

اندلعت مظاهرات غاضبة، كنت أعرف الكثير ممن اشتركوا فيها، الذين لم يكن لهم أي علاقة بأي شيء، سوى أنهم يريدون أن يأخذوا المسيحيات سبايا لهم. لم يكونوا غاضبين، بل أغبياء- جهلة طامعين. وكان يقود المظاهرات في تلك الفترة، ياسر برهامي، أحد أعمدة السلفية في محرم بك والإسكندرية.

قمت وصديقي، الذي عرفني على المدونات في تلك الفترة بتغطية تلك التظاهرات، وما أعقبها من القبض على أحد المدونين، الذي قام بنشر وطباعة تدوينات تهاجم السلفية والمتدينين الجدد.

كانت تلك هي أول حالة اعتقال لمدون بسبب أراء نشرها على الانترنت، وكانت هي التجميعة الأولى، لمن عرفوا بـ (الآباء المؤسسين)، ذلك اللقب الذي أطلقناه على أنفسنا للسخرية.

كنا لا نتجاوز الخمسة عشر مدون، وكان لا يجمعنا شيء غير إيماننا بالحرية، في أقصى صورها.

بدأ تكتلنا ذلك يتجه نحو السياسة بقوة، بعد حادثة القبض على محمد الشرقاوي، وتكسير حاسوب علاء عبد الفتاح، في إحدى المظاهرات، التي لم يكن مشاركا فيها (علاء كان أحد أسياخ رفض العمل السياسي، لكن تكسير حاسوبه، كانت نقطة التحول، والتي استغل بعدها كل طاقته التقنية والمعرفية، لمجابهة النظام، قبل أن يسافر إلى جنوب أفريقيا، ويعتزل السياسة)

علاء والكثير منا في تلك الفترة كانت لهم خلفية تقنية قوية، سواء كانوا عاملين في ذلك المجال، أم مجرد هواة، ذلك السلاح الذي استخدمناه بقوة بعد ذلك في تغطية ونشر التحركات المعارضة، خاصة حركة كفاية والحركات العمالية.

2006

إن كان عام 2005 شهد صعود المدونات، خاصة بعد حديث محمد حسنين هيكل عنها “مدونة بهية على وجه الخصوص” وبعده تسجيل لقاء مع عدد من المدونين في تلك الفترة، فعام 2006 هو عام نجومية المدونات والمدونين بلا منازع.

مع بداية اهتمام الفضائيات الإخبارية (الجزيرة، بي بي سي، العربية، الحرة الخ) بإنشاء محتوى عربي يخاطب الشباب، ويقوم بصنعه عدد من الشباب الذين تدربوا على صناعة الأفلام الوثائقية في تلك القنوات، وأنشئوا عدة شركات تهتم بإنتاج محتوى مرئي لتلك القنوات الإخبارية. كانت تحركاتنا المفاجئة، وأفكارنا التي كانت تحمل قدر كبيرا من التمرد تساعدهم كثيرا على ذلك.

في شهر مارس، شهد ميدان التحرير أول اعتصام ناجح، على خلفية دعوة من أحد قيادات حركة كفاية في تلك الفترة “د.يحيى القزاز” لدعم حركة القضاء، الرافضة لتزوير الانتخابات، والتي كان رمزاها هما المستشاران البسطاويسي ومكي، والتي لم يهتم بها أحد من الحركة، وتلقفها المدون في تلك الفترة عمرو عزت وحاول التكتيل لها وسطنا.

تحمسنا جميعا للدعوة، ونشطنا في الحشد لها، وقمنا بتجريب برمجية جديدة، رشحها أحد المدونين والمهتم بالبرامج المفتوحة المصدر في تلك الفترة، تلك البرمجية كانت تتيح إرسال رسائل نصية قصيرة من الموبايل لتظهر على الإنترنت.

كانت تلك التقنية بالنسبة إلينا فتحا جديدا في تلك الفترة، التي لم تشهد بعد تفعيل خدمة الإنترنت على الهواتف المحمولة، ولم يكن تويتر وأشباهه قد ظهر بعد.

في الليلة السابقة للمظاهرة-الاعتصام، كنا في منزل أحد المدونين الأوائل، نقوم بعمل لافتات استعدادا للغد، وواجهنا مشكلة، فكل الحركات والأحزاب والتنظيمات تكتب أسمها على لافتتها، فمن نحن؟ وماذا سنكتب.

أتى اقتراح ساخر من أحدنا، أن نطلق عليها 30 فبراير، للسخرية من الجميع، و أولهم نحن.

يوم لن يأتي أبدا، وغير موجود، يناسب حركة، لن تأتي أبدا، ولا يريد أعضائها أن تكون موجودة، لن يفهمها أحد، ولن يفهم السخرية السوداء التي شكلتنا وغلفت كل حركاتنا، غيرنا.

تحمسنا جدا، واعتمدنا الاسم الساخر، لم نهتم كثيرا بالهجوم المتوقع، فنحن لا نريد شيئا سوى حريتنا، في أن نكون ما نحن عليه، بلا رقيب أو خطوط حمراء، كنا نحمل داخلنا الكثير من الغضب والسخرية…. وبعضنا كان يمتلك الكثير من العنف، الذي ازداد مع الأيام والسنين. نصطدم دائما مع كل الصور النمطية عن كل شيء، كنا أشبه بإتحاد للخارجين عن كل المألوف، فكريا، ثقافيا، عقائديا. وكنا نريد فقط الحرية في أن نكون، ما نريد أن نكون، دون رقابة، أو خوف.

بعد نجاحنا في الاعتصام (وهو الاعتصام الأول الناجح في ميدان التحرير منذ انتفاضة الخبز)، قررنا نقل الاعتصام صباح اليوم التالي إلى شارع عبد الخالق ثروت أمام نادي القضاة، ذلك الاعتصام الذي استمر حتى تم فضه بعنف من قبل قوات الأمن في فجر 23 إبريل، والقبض على عدد مننا.

عدنا مرة أخرى للاعتصام، فتم مواجهتنا بآلاف من جنود الأمن المركزي، واعتقالنا جميعا.

قضينا فترات مختلفة من السجن، كان أقصاها لمحمد الشرقاوي، الذي أفرج عنه و أعتقل بعد الإفراج بيومين، وتعرض لتعذيب عنيف، لتصل مدة محكوميته إلى 5 أشهر، وهي ثاني أطول مدة لمسجون سياسي في الألفينات، بعد قضية الاشتراكيين الثوريين، والتي سجن فيها أحد أعضاءها لمدة عام. كان نظام مبارك أكثر ذكاءا ودهاءا وأقل بطشا وغباءا مما يحدث الآن.

بعد خروجنا من السجن، ولأن الصدف (التعيسة منها على وجه الخصوص)  كانت تعمل لصالحنا، ففي ثاني أيام العيد، وأثناء ما كنا جالسين على مقهى في وسط المدينة، أتى إلينا شخص نعرفه من المظاهرات وكفاية، يخبرنا أن هناك حالات اعتداء جماعية على النساء في شارع طلعت حرب.

كنا أربع أشخاص، وبرفقتنا مصور صديق، يعمل في وكالة AP فوجئنا بحالات اعتداء وتحرش واسعة في محيط سينمات شارع طلعت حرب. يومها اتصلت بعلاء عبدالفتاح، لأخبره ليكتب على المدونة، أن هناك حالة سعار جنسي واسعة، وأن الشرطة ترفض التدخل، وإننا استطعنا إنقاذ فتاتين كانوا شبه عرايا، بعد تقطيع ملابسهم من قبل المسعورين جنسيا. لم يصدقني علاء يومها، واعتبرني أقوم بتهويل الأمر.

عدت إلى المنزل، وكتبت ما حدث، أحدثت تلك التدوينة ضجة ضخمة جدا، لتصبح أعلى تدوينة قراءة في تاريخ المدونات “تجاوزت حاجز المليون، وهو رقم شديد الضخامة في تلك الفترة” مما دفع المدون الآخر الذي كان معي، لرفع الصور التي كان قد التقطها بعد إلحاح شديد مني، لأنه كان يرى أن ما يحدث أمر طبيعي ويحدث كل عام. كنت جديدا على القاهرة، وكان أول عيد في حياتي أقضيه فيها بعيدا عن أسرتي، فلم يكن ذلك الشيء أمرا عاديا بالنسبة لي.

انشغلت بنا الفضائيات والصحف في تلك الفترة، وأوردنا شهادتنا في الكثير من الصحف والقنوات، وبدأ الاهتمام بالظاهرة منذ تلك اللحظة.

تلك السنة 2006 كانت لحظة صعودنا الأقوى، والتي لن تتكرر مرة أخرى، إلا قبل ال25 من يناير 2011.

2007

مع بدايات 2007 ظهر تويتر ومعه الفيسبوك، اللذان سحبا البساط من التدوين تدريجيا، لم يعد هناك احتياج لإنشاء مدونة كي تعبر فيها عما يعتمل داخلك، لم تعد الكتابة وإجادة مبادئها حتى أساسا للتعبير، أصبح هناك شيء أسرع، وأسهل، وكان الثمن هو التنازل عن تلك الحرية، والقبول بالإعلانات، والقبول بتحكم الفيسبوك في المحتوى الخ.

لكن حركة التدوين، خاصة المهتمين بالشأن العام منهم (والذين تناقص عددهم تدريجيا)، استمرت في الدعوة لتحركات رافضة للنظام السياسي، سواء في الاستفتاء الذي قام به مبارك في تلك الفترة، لتغيير مواد في الدستور المصري، أو في دعم تحركات نقابية وعمالية، خاصة إضرابات عمال المحلة التي كانت تغلي في النصف الثاني من 2007،  والتي شهدت تصاعد متزايد، انتهت بدعوتهم في ديسمبر من نفس العام لإضراب عمالي عام في 6 إبريل 2008 .

مع النصف الثاني لـ2007، فرض مبارك نفوذه تماما مع التعديلات الدستورية والاستفتاء عليها، وبسط جناح جمال مبارك سلطته على الحزب الوطني الحاكم في تلك الفترة، والمواجهات العنيفة للشرطة مع المتظاهرين، والصراعات بين الأجنحة السياسية داخل حركة كفاية والتي قضت تماما على مستقبلها، إلى الحد الذي دفع بعدد من شباب الحركة إلى حمل نعش يمثل كفاية في المظاهرة السنوية للحركة.

دخل أغلبنا في موجات إحباط عنيفة، دفعت ببعضنا للرحيل من مصر، وبناء حياة كاملة خارج الوطن، كجنوب أفريقيا في حالة علاء، والتي لم يعد منها، إلا في الثاني من فبراير 2011، كي يشارك في الأحداث، والتي لم نجرؤ في بدايتها على تسميتها ثورة.

2008

خفتت قوة المدونات السياسية، وأتجه الأغلب إلى الكتابة الشخصية، الأدبية، أو الفكرية. كنا نخوض فترة صعبة من الإحباط والاكتئاب العام. حاولنا أن نبحث عن أي متنفس، ووجدناه في دعوة عمال المحلة لإضراب 6 إبريل.

تلك الدعوة التي كانت خالصة من أجل مطالب عمالية، تم سحبها من تحت أرجلهم، وتحولت بسبب نشطاء سياسيين ليبراليين (جلهم من حزب الغد – أيمن نور) في تلك الفترة، إلى دعوة لإضراب عام وتحولت لمطالب سياسية، وتم نسيان تماما المطالب العمالية، ومطلقي الدعوة من الفئات العمالية.

حاولت مجموعة من المدونين، أن يواصلوا التذكير قبل السادس من ابريل، أن الدعوة بالأخص لدعم العمال في المحلة وأكثر من مصنع ومنطقة عمالية، لكن الفضائيات والصحف، بالإضافة إلى النظام السياسي والأحزاب، أصرت على التجاهل، وأصبح الموضوع هو مجرد سخرية من دعوة أطلقت على موقع تواصل اجتماعي ناشئ “فايس بوك”، خاصة أن هؤلاء النشطاء أطلقوا مطالب لا تمت لأي واقع بصلة.

بداية من الخامس من إبريل 2008 تم اعتقال عدد من النشطاء الشبان والمدونين، الذين في أغلبهم لم يكونوا موافقين على دعوة المجموعة، التي تم التعريف بها بعد ذلك على أنها 6 إبريل، بل كان وجودهم، هو للتذكير بأصل الدعوة، ومن أطلقها، وما هي أهدافها.

واصل المدونين المهتمين بالنشاط السياسي، دعواتهم وحشدهم للتحركات المعارضة، والتي كان آخرها، هي قضية الحد الأدنى للأجور، والتي أستطاع المحامي الشاب في ذلك الوقت (خالد علي) الفوز بها، وتم إقرارها من قبل المحكمة الإدارية العليا، وتمت الدعوة إلى مظاهرة حاشدة في الثاني من مايو 2010 لمطالبة النظام بتبني المطلب. ذلك المطلب الذي كان وقود اشتعال الشارع في تلك الفترة، والذي التحم باعتصام العاملين بالضرائب العقارية، الذين كانوا يطالبون بالسماح لهم بالعمل تحت لافتة نقابتهم المستقلة، والذين نجحوا فيه أيضا بدعم من التنظيمات والحركات العمالية التي كانت في منتهى قوتها في تلك الفترة.

 تزايد النشاط على الفيسبوك من بعد ذلك، وأهمل الجميع الترابط الذي كان موجودا بين الانترنت والشارع، وأصبحت الدعوات تطلق من فضاء الانترنت، دون أي وجود حقيقي في الشارع. حتى المجموعة التي أنشأت حديثا (6إبريل) لفظت من الكثيرين، بسبب تصرفات قيادتها.

استمر الوضع المتدني  حتى ظهرت صفحة كلنا خالد سعيد، التي أنشأت للمطالبة بحق الشاب السكندري خالد سعيد، الذي قتل تحت تعذيب الشرطة في إسكندرية.

قامت الصفحة بالدعوة للكثير من الفعاليات الرمزية الناجحة، بالتشابك مع الكثير من المؤثرين، سواء على الانترنت (المدونين) أو في الشارع (تنظيمات سياسية غير معترف بها رسميا) حتى تم الوصول إلى الخامس والعشرين من يناير، والتي أطلقت الصفحة الدعوة للتظاهر فيه، للمطالبة بعزل ومحاسبة حبيب العادلي، وزير الداخلية في ذلك الوقت، وقيادات الوزارة. تلك الدعوة التي تعاظمت قوتها، مع انطلاق ثورة تونس، وخلع بن علي، وتحولت إلى ثورة شعبية في جمعة الغضب، في الثامن والعشرين من يناير.

مع بداية الثورة المصرية، كانت النهاية الحقيقية للمدونين السياسيين، الذين انشغلوا في الميدان والاشتباكات والاعتصامات، ولم يعد هناك أي متسع من الوقت للتدوين، والأرض مشتعلة، ولم ينتبهوا إلى ذلك إلا في عام 2013 مع إزاحة مرسي، و حالة القمع الغير مسبوقة في التاريخ الحديث، والتي كانت أسوأ نتائجها هي مذبحة رابعة، والتي كانت أكبر انكسار لنا. ومن بعدها دخل الجميع، في حالة من السواد، والهزيمة، والتي مازالت تتلبسنا حتى اللحظة.

(هذا المقال هو تأريخ شخصي كتب على عجل من أحد المهزومين، لذلك أرجو المغفرة، في حالة إغفالي أي شيء، فلا أقصد أي تقليل من دور أي أحد، خاصة إني شخصيا، مررت سريعا على أحداث كثيرة، دون ذكرها، وأتمنى أن أستطيع إعادة الكتابة مرة أخرى، وكتابة كل شيء تفصيليا في لحظة أفضل من الراهنة)

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

قراءات في ثورة يناير 2011: لقد أنتجت "يناير" الكثير من وجهة نظري. نحن فقط بحاجة لإعادة قراءتها على أنها بداية لحالة صيرورة ثورية مستمرة طالما استمرت أسباب وجودها.

محمد رمضان