الثورة حكاية “الناس مغلولة من كتر الافترا” ذكريات مواطنة قبطية عن يوم 25 يناير

قراءات, قضايا

27  يناير  2018

عايزه أكتب علشان لا تسقط مني أي تفاصيل. من فترة عايزه أكتب وأعتقد أن كان من الأفضل أن أكتب بعد مرور سنة تقريبا إلا كام يوم 15/1/2013 لأن هناك أشياء بدأت تظهر كانت مبهمة بالنسبة لي، وهناك أشياء اختلفت قراءتها واتضحت بعد فترة ليست بقليلة، وما زال الكثير يظهر شيئا فشيئا.

البداية ليست يوم 25/1/2011، ولكن يوم 1/1/2011، حين علمت بدعوة للتظاهر بدوران شبرا ضد حادث كنيسة القديسين بالإسكندرية وظهور التقصير أو التواطؤ الأمني البشع.. عرفت الدعوة من إحدى صديقاتي، من الفيسبوك، أن هناك مجموعات من الشباب تدعو الكل (مسلمين ومسيحيين) لاستنكار الحادث ومحاسبة المسئول عن هذا الحادث الأليم، والذي راح ضحيته الكثير من المسيحيين وأعتقد بعض المسلمين.. ما جعلني أشارك أن الدعوة ليست داخل وسط معين فقط ولكن كل المصريين وفي الشارع، ولقد فاض بنا الكيل. إلى متى نظل ساكتين؟ شاركت مع آخرين مثلي كثيرين. الحادثة حديثة، والكل مقهور ومجروح من تكرار مثل هذه الحوادث الطائفية وغير الطائفية ولا أحد يتم محاسبته.

أول مرة أشترك في مظاهرة ضخمة هكذا، وأول مرة أشترك أصلا في مظاهرة، وأول مرة اكتشف آخرين في نفس حالتنا، ليسوا في جزيرة منعزلة. هناك العديد والعديد يعاني ويرى الظلم والفساد. هناك أشخاص يتحدثون عن العدالة والمساواة والحرية. لم أكن أعرف هؤلاء الناس ولم أسمع عنهم غير سمع قليل، وكان دائما التشكيك فيهم وأنهم قلة “مندسة”. تغيير الحقائق وقلبها. وهذا غير صحيح. هؤلاء هم المصريون الذين كنت أعمل معهم من خلال عملي الذي دائما كان مع الناس من خلال التمريض أو محو الأمية. هؤلاء هم المصريون. لقد وجدنا جزء مننا كان يُسرق.

كنت أظن أننا ننفخ في إربة مخرومة، أو نعمل نقطة في بحر، ولكن النقط بدأت تتجمع لتعمل بحيرة (ترعة)، بركة، أي شيء ولكننا لقينا بعض. لا يمكن أن يمحى من ذاكرتي هذا اليوم. الكل مغلول، محروق، مجروح. الهتاف من القلب “دم القبطي زى المسلم”. “باطل”. “حبيب العدلي”. “نظيف”. وحسني مبارك؟

نعم باطل. كل ما فعلوه باطل وغش وفساد. العدد بدأ يزيد. حتى من لا يعلم ومر من خلال أتوبيس أو ميكروباص أو عربية كان ينضم. هناك شيء ما يحدث، ولكن ما هو؟ لا أعرف.

زاد أعداد من يتكلمون ويحاولون مثلي نزع الخوف. حاولنا، رغم نزولنا لأول مرة، أن نغلق شارع شبرا أو نتحرك. ولكننا لم نستطع لأن الأمن المركزي كان محيطا بنا من كل جانب ولم يتركنا نفعل ذلك. تعليمات! “اعملوا كل اللي انتم عايزينه في المكان ده”. وكل ما تكبر الدائرة اللي فيها المتظاهرين، الرتب المسئولة تزود عدد العساكر والدوائر المحيطة بهم ونحن نضغط بأجسامنا حتى نصبح دائرة كبيرة. الناس مع بعض تعطي ثقة وتنزع الخوف وتقوى.

دائما كنت أعمل مع الناس من خلال محو أمية أو لقاءات اجتماعية أو حتى صحية، والتركيز دائما على التفكير وإخراج الإمكانيات وتحليل المواقف مع الاحترام الكامل للاختلافات وإخراج الإمكانيات واكتشافها معا وهذا يعطي ثقة كبيرة في النفس.. ولكن كان هناك شعور باليأس.وبعدين إيه الحل؟ إلى متى سيظل الوضع هكذا؟ التعليم والصحة في الأسوأ وكل شيء، ولكن دول أكتر مجالين عملت بهم حتى نكتسب ثقتنا في عمل كريم، نخرج فيه كل الإمكانيات والمرتب يكفينا بحياة كريمة. إلى متى؟ الفقراء يزدادوا فقرا وماديا وعلميا وكله. تشعر انك تنحت في الصخر.. حتى الجرائد لم أعد أتابعها. الأخبار زي ما هي، وخاصة التي تسمى الجرائد الرسمية. وحتى المعارضة لا جديد. ولا مانع من أن نعرف الأخبار كل كم شهر، فلا حركة ولا حراك.

ولكن بعد هذا التحرك في الشارع في مظاهرة الدوران بسبب أحداث القديسين بدأت أتابع على الفيسبوك بعض الأخبار، وأتعرف على بعض المجموعات الشباب على الفيسبوك وأتابع بعض الأخبار. طبعا ليس من القنوات أو الصحف الرسمية.

من وقت لآخر أتابع أخبار من الفيسبوك. سمعت عن قصة خالد سعيد، وبعض الدعوات من الجبهة الوطنية للتغيير، والجمعية الوطنية للتغيير وعلمت بما حدث في تونس، وتصريحات أن مصر ليست تونس؟؟؟؟

ثم بدأت دعوات 25 يناير والتي كانت هناك أكثر من مجموعة تدعو إليها ممن يدعون للنزول لمجابهة الداخلية المستبدة. وهناك من يدعو للمظاهرات للتغيير، وهناك من يدعو لرحيل النظام كله لأنه باطل..وهو بالفعل باطل.

أنا مع هذه الدعوات وليحدث ما يحدث. بدأت أنشر بعض الحاجات على الفيسبوك من هذه الدعوات وبدأت الناس تتفاعل. إما بالاستجابة أو المتابعة أو التريقة.. أنا نازل يوم 25 يناير.. أنا قاعد في بيتنا يوم 25 يناير.. من يريد أن يشارك فليشارك.. من يريد أن يراقب فليراقب.. ومن يريد أن يقعد في بيته، ماشي، لكن لا تحبط الناس (كتبتها على الفيسبوك) وليحدث ما يحدث. سنشارك أنا وآخرين أعرفهم جيدا، زوجي وأختي وصديقتي وزوجها وابن أختي وبعض الشباب الذين أعرفهم من أنشطة مختلفة.. فلنشارك. ولكننا لا نعرف أين الطريق؟ أو ماذا سوف يحدث؟ ولكنها بداية لنا.

ثم يأتي يوم الثلاثاء 25/1/2011

ينتظر الجميع.. والإعلام يصر أن مصر ليست تونس.. إلى جانب رسائل التخويف والترهيب حتى لا ينزل الناس.. الشرطة مستعدة.. سوف ينزل المخبرين (بملابس مدنية) والحزب الوطني ليمنع من يريد التخريب.. ثم مزيد من التحذيرات والتخويفات.. لا توجد أي أخبار من الشارع.. والكل يستهزأ أن ثورة مصر على الفيسبوك فقط، وذلك حتى الساعة الثانية ظهرا، وهو موعد التظاهر بدوران شبرا المتفق عليه. زوجة أخي تتصل لتتأكد أننا لم ننزل أو نشارك. وأؤكد لها أنني لا أشارك وأدينا قاعدين نتفرج.

كنت أنا وزوجي قررنا النزول والمشاركة. لقد فاض الكيل. جاء من العمل وكنت مستعدة. وإحنا على الباب أقول له “طيب خليك انت علشان اللي في البيت ولو حصل حاجة حد يعرف يجيب التاني” وهو يقول لي نفس الكلام “لأ خليكي انتي” وفي النهاية قررنا أن ننزل سويا وليكن ما يكن، وأمي وأمه وابننا يتصرفوا. أخدنا من على الفيسبوك أرقام احتياطي ربما يتم القبض علينا. نزلنا من بيتنا مشيا إلى الدوران، حوالي محطة أوتوبيس.

عند وصولنا إلى دوران شبرا، مكان التجمع المتفق عليه، وجدنا كمية عربيات أمن مركزي كثيرة جدا وكمين عساكر كبير جدا لا نستطيع حصره. ايه كل ده؟ فيه ايه؟

وليكن! مش هنخاف. هنكمل وليكن ما يكون. وجدنا مجموعة من المتظاهرين، حوالي 50 شخص مثلا ومجموعة من الشباب تهتف وحوالي صف عساكر يحاصرهم في دائرة. دخلننا في وسط الدائرة (العساكر)، وهم كل شويه يحاولوا تضييق الدائرة علينا حتى لا يزيد عدد الناس.. شويه ووجدنا مجموعة أخرى قادمة. وعندما زاد العدد بدأ الخوف يقل بداخلنا شيء ما وعندما وجدت القيادة العدد في الزيادة أحضرت مجموعة من العساكر حتى يحجزوهم في دائرة أخرى، بحيث لا تقترب المجموعتين من بعض.. نحاول تقوية بعض “كتفي في كتفك، همي وهمك” “يا بلدنا يا وسيه يا تكيه سرقوني شوية حرامية” “باطل.. حسني مبارك، العدلي، سرور، مجلس شعب، مجلس شورى” “ارحل.. ارحل”.. تعلو الهتافات وترتفع الأصوات، نمتلك قوة أكثر، نحاول مع الشباب كسر الدائرة العسكرية حتى نضم على بعض.. يضغط العساكر علينا بشدة ونصرخ “بتعملوا ايه، احنا ناس هتموتونا” يأتي رتبة (ببدلة مدني) “عايزين ايه بس؟ اعملوا اللي انتم عاوزينه في مكانكم” “خليهم يفتحوا الدايرة اللي حابسينا فيها” ونزق بأجسادنا أجساد العساكر وتقول لهم “احنا بنعمل كده عشاننا وعشانكم”.. نتمكن من فتح الدائرة ونضم على الشباب الرائع الذي اكتشفنا وجوده في هذه اللحظة، والضمير الجماعي جعلنا نثق فيهم بدون أن نعرفهم.. عندما يوجهونا نستجيب وندعو الآخرين حتى نصبح قوة وأكثر عددا.. تعالوا من هنا، فنذهب ونضم على بعض ويجري وراءنا العساكر بتشكيلاتهم حتى يحاصرونا ويغلقون الطريق أمامنا. نتركهم ونجري للناحية الأخرى. يشاور المسئول للعساكر فيجروا لسد الطريق الناحية الأخرى. وهكذا كما يقال، كر وفر، دون أن يستخدم شيء لمنعنا غير السد وأجسادهم ونحن نحاول إيجاد طريق للتحرك.

وفجأة، وفي وقت فارق جدا، رأينا أكثر من مسيرة تضم علينا من روض الفرج، من داخل شوارع شبرا والترعة.. وجدنا أنفسنا في الدوران والعدد يتزايد بسرعة رهيبة، وهذا العدد ينزع الخوف، يعطي الأمل والقوة للاستمرار ولابد من التحرك، إلى أين؟ لا نعرف.وجدنا بعض الشباب يجادلوا معنا ويدعونا للهروب من العساكر والتوجه نحو التحرير (فليكن! يللا يا جماعة على التحرير)

التشكيلات الأمنية تحاول سد الطريق أمامنا.. تجمعنا فأصبح العدد كبير، لا أستطيع أن أعرف كم ولكن العدد كبير وكل اللي يشوف يضم وكمان هتاف “يا أهالينا ضموا علينا، الحرية ليكوا ولينا”. هتاف رائع، يجعل الناس في الشارع تضم .. أو في محل يتساءلوا: يعني هيحصل حاجة؟.. تعالوا، بإذن الله هنقدر مع بعض

“انزل.. انزل.. انزل” والكثيرون يشاورون من البلكونات مؤيدين حتى لو لم ينزلوا المسيرة. ثم مزيد من الجري كمجموعة واحدة تحاول الهروب من تشكيلات العساكر، وفعلا استطعنا الجري من شارع شبرا إلى الترعة، والشارع بأكمله مليء بالناس والكل يهتف “ارحل، ارحل، ارحل” و”باطل، باطل”. والأعداد تزيد كل ما تقدمنا في الشوارع في طريقنا إلى التحرير.

تركنا التشكيلات العسكرية وغالبا حتى نجعل مجموعات أخرى بعدنا تنضم للمسيرة العملاقة التي استطاعت أن تترك الشرطة وتذهب إلى التحرير. ذلك طمأن الناس وجعلها تنضم إلى المسيرة لأنه لا يوجد شرطة تمنعنا، فزاد العدد ومشينا بالهتاف حتى التحرير، ووصلنا ميدان التحرير حوالي الساعة 4.30 تقريبا.

عندما وصلنا التحرير كان قد سبقنا إلى التحرير مجموعات أخرى وكأنها جهزت الميدان.. كانت غالبا مجموعات دار القضاء ونقابة الصحفيين وبولاق على ما أعتقد.. وجدنا بالميدان أنه لا توجد أي سيارة وأنه مغلق من جميع الجهات.. آثار معارك دارت.. آثار قنابل الغاز الكثيفة.. والرائحة تملأ الجو.. آثار مياه.. بعض الشباب المصاب.. بعض الإصابات وأماكن تجميع الشاش والبلاستر عليها.

لن أنسى هذا المشهد المهيب وهذا الإحساس الرائع الذي شعرت به في هذه اللحظة وكأنه الانتصار. لم نكن نعرف لماذا “التحرير”؟ ولكننا وصلنا وكأنه هدف. وعندما وصلنا وجدنا هذا المنظر الذي وصفته، والبشر الذين كانوا يملئون الميدان وفي أكثر من جهة.

بمجرد وصولنا والنظر في وجوه الناس كنا وكأننا نكتشف بعضنا البعض كمصريين في وطن واحد، وكأننا نرى بعضنا أو نكتشف وجودنا معا لأول مرة.. إحنا كتير زي بعض، متشابهين وان كان هناك اختلافات كثيرة، ولكن يجمعنا همنا  وقهرنا ومعاناتنا، وأيضا حينا لهذا الوطن.

جلسنا على أرض الميدان في الوسط تقريبا على الأرض التي كانت تسير عليها السيارات من قبل، وأقول أنا عمري في حياتي التي عشتها في مصر ما جلست في هذا المكان، وكأنني أصبح لي الحق في أرض بلدي وكأننا “حررنا” أرضنا.. إحساس رائع أحاول وصفه. بالفعل لم تكن كلمة التحرير لها أي معنى بالنسبة لي غير مكان زحمة، ولكن في الثورة وبعدها كنت وكأنني اكتشفت أن كلمة “التحرير” لها معنى الحرية. حتى معنى “التحرير” وجمال الكلمة مع مساوئ الحال لم أكن أنتبه إليه!!؟

أجد شباب وشابات ورجال وسيدات ومسنين وأطفال، محجبات وغير محجبات وكل الناس، كل المصريين موجودين، ونكتشف ونتعرف على بعض في لحظة مختلفة وفارقة. لقد التحمت الأجزاء المنفصلة وشعرنا “بالقوة”، بالكثرة، بحقنا في أرض التحرير. الكل يخللي باله من الكل، الكل يخاف على الكل، يتواصل، يتكلم، يعبر، يشجع، يساعد. من يضع خل في الشال الذي حول رقبتي حسب التعليمات التي وضعها الشباب مسبقا على الفيسبوك حتى نضعها على أنوفنا أثناء إطلاق الغاز.. وعندما دخلنا نضع الخل على الشال أو المنديل حتى نستطيع تحمل رائحة الغاز السابق إطلاقه إلى جانب الذي يتم إطلاقه بين الحين والآخر، وخاصة كلما رأوا أعداد الناس أو الضمير الجمعي يعود إلينا كشعب.

الكل سعيد رغم المعاناة، رغم الغاز، رغم المجهول؟ وبعدين بعد كل الناس دي؟ والتجاوب غير العادي؟ ماذا بعد؟ أعتقد أنه كان تساؤل يدور في ذهن كل من دخل الميدان واكتشفنا أنفسنا وعددنا الرائع أيا كان، لا أستطيع أن أعرف، ولكنه رائع وعظيم. هذا الوقت كان بالنسبة لنا من الأوقات التي لا يمكن أن تنسى ويصعب وصفها.

ويعود التساؤل: طب هنعمل ايه؟ وكان رد بعض الشخصيات هو “هنحتل الميدان” وقعدت أضحك أنا ومن معي. “نحتل؟” “نحتل؟” أيوه صحيح، “نحتل”. ما هو ولاد الكلب خلونا نحسن دايما إن البلد بتاعتهم وإحنا مالناش فيها حاجة. وأقول والله فكرة. “نحتل” الميدان ونشل حركة البلد كلها، يمكن نعرف نعمل حاجة!

يزداد العدد وتأتي الناس بالتدريج من مسيرات، ثم بعد ذلك أفراد وعلى التوالي حتى امتلأ الميدان ولم يعد هناك أحد غيرنا. ومجموعات الداخلية في جهة واحدة فقط.. في الشارع المؤدي إلى وزارة الداخلية ومجلس الشعب ولكنهم واقفين دون التعدي أو محاولة التقدم من مكانهم. وهذا أيضا كان غريب بالنسبة للأحداث.

لن أنسى ذلك الشاب الذي لا يزيد عمره عن 21، 22 سنة ومصاب إصابة بسيطة في رأسه يوجد عليها شاش وبلاستر، معه بوكيه ورد. أسأله: “انت جايب الورد ده ليه؟” يجيب: “كنت جايبه للشرطة. قلت أقول لهم كل سنة وانتم طيبين لو عاملونا كويس، فضربونا، فقلت خسارة فيهم”. وضحكنا كلنا وقلت له: “ده انت على نياتك أوي. انت فاكر الشرطة هتطبطب علينا. أنا مش عارفه هم ساكتين ليه؟ مريب شويه وضعهم”.

يقول شخص بجانبنا: أصل العدد كبير. ولو عايزين يفضوها هيفضوها.. ولا يكونوا عاوزين يشوفوا آخرة اللي ممكن ينزل إيه وآخرة الناس المتجمعة إيه؟ يمكن..هنشوف!

حوالي الساعة السابعة أو الثامنة مساءا يزداد الميدان حماسا وقوة وإصرار. الأعداد تزيد والإحساس بالقوة والعزيمة والضمير الجمعي يحرك الناس ويهتف الميدان بصوت يعلو تدريجيا إلى أن يصبح صوت واحد يرج مصر كلها “الشعب يريد إسقاط النظام” لأكثر من عشر أو خمسة عشر دقيقة، وتشعر بأن شيء يسري في جسدك وأجساد الآخرين.. الهتاف يخرج من الأعماق بقوة غير عادية.. لحظة تاريخية لا يمكن أن تنسى “الشعب يريد إسقاط النظام”.

ولأول مرة أشعر بقيمة الانتماء لهذه الأرض، لهؤلاء الناس، البشر، الشعب.. لقينا بعض وتمسكنا ببعض، وجدنا بلدنا مصر المخطوفة المسروقة المغتصبة، مصر بتاعتنا كلنا دي طلعت فعلا من حقنا.. بلدنا جميعا، بلدنا مننا ولنا.. “الشارع لنا”.. لأول مرة في حياتي في بلدي وأفتخر بذلك ..الناس في بلدنا ما زالوا رائعين، مازال لدينا حياة ومبادئ واستعداد للبذل من أجل بلدنا، ناسا وشعبا وأنفسنا.

الهتاف الآخر الذي يتردد من وقت للتاني، وخاصة بعد هتاف إسقاط النظام هو “حرية، حرية، حرية” مع التصفيق الشديد وخاصة حين يوجه للشرطة، والتي، على ما أعتقد، كان يتمنى الجميع أن تكف عن العنف. وفعلا عندما توقفت القوات عن ضرب الغاز، وذلك عندما أصبح الميدان (التحرير) مملوء بكل الشعب  المصري، أصبح هناك حالة سلام بيننا وبينهم، منا وليس منهم (وعليهم إثبات لك). نتعامل عادي ونتكلم والناس تجيب بسكويت وأكل، حاجات بسيطة، وكل مجموعة تتقاسم بينها وأيضا تشارك قوات الشرطة. بمعنى تعطي لهم الأمان.. ولكن… ليس لهم أمان.. ولكن لديهم أوامر!!

بعد تزايد الأعداد وتوافد كل المجموعات والمسيرات تقريبا، وكل من سمع من أي أخبار عالمية أو عربية ينزل وهو غير مصدق، يتحدث الناس “أنا أول ما سمعت نزلت”. “ده اليوم اللي الواحد كان منتظره من سنة 1977” يقول شخص يتحدث معي، “اللي قالو عليها انتفاضة الحرامية”.. وأحاديث شباب وشابات، كبار وصغار..وبدأ التفكير.. هنعمل إيه؟

بدأت بعض مجموعات الشباب ومجموعات من بعض الأشخاص الآخرين يطوفون بالميدان ويقولوا إحنا  هنحتل الميدان بالفعل ونعتصم حتى الصباح ونضغط على الحكومة والرئيس..وإسقاط النظام كله.. وزارة الداخلية.. مناقشات واقتراحات. هل ممكن أن يحدث شيء؟ هل ممكن الاستجابة؟ هل يمكن التأثير؟.. خلاص نعتصم ونشوف هنوصل معاهم لإيه!.. وبدأ التجهيز لذلك. نجمع فلوس من بعض الشباب نجيب أكل للناس، وبطاطين علشان الدنيا ساقعة، والكل يشارك ويدفع دون أي سؤال، وكل مجموعة مع بعضها تذهب لإحضار شيء لتشربه أو لتأكله وتتقاسم مع من بجانبها دون سابق معرفة.. والمجموعات والأشخاص كلها تتبادل الحديث عن المشاكل والآمال، عن المواقف والمظالم والأحوال، وتختلف من شخص لآخر، من أول مرة، من مرات عديدة، من سمع ومن نزل، ومن ينتظر من سنوات عديدة.

نجد أشخاص عديدة نعرفهم من قبل، لم نتوقع أن نجدهم في التحرير.. تحرير مصر.. نجدهم ونسلم على بعض ونتحدث.. إيه الأعداد دي كلها؟.. الناس انفجرت واستوت خلاص (خلااااص).. من كل الطبقات والأطياف.. من كل الشعب.

مثال لمن أعرفهم ونزلوا في ذلك اليوم العظيم 25/1/2011.. نزول أختي، عاملة، في أواخر الأربعينات، ظلت في المسيرة حتى نفق شبرا وعادات لأنها لم تستطع المشي أكثر من ذلك، وحتى تعود تطمئن ماما وتجلس معها شويه، هي وابني وحماتي.. ابن أختي، 17 سنة تقريبا، ظل حتى آخر اليوم.. صديقتي وزوجها وأنا وزوجي وصديق آخر لنا والعديد من الأصدقاء الذين نعرفهم.. شباب نعرفهم من أنشطة وأماكن مختلفة، غير الأشخاص الكثيرين الذين شعرنا معهم أننا كلنا نبحث عن بلدنا، عن حقنا في حياة كريمة محترمة (عيش – حرية – عدالة اجتماعية).. نريد أن نعيش في بلدنا حياة كريمة، نعمل ونجتهد ونبتكر ونجعلها أحسن بلاد العالم.

استمرينا حتى الحادية عشر مساء في مصرنا الحبيبة (تحرير مصر)، في هذا الجو الرائع المملوء بالتفاؤل والمناقشات والتمشية للتعرف على أشخاص وقصص وكفاحات كثيرة.. وتركنا المجموعة اللي كانت معانا أنا وزوجي حتى نطمئن على من في البيت (أمي وابني وحماتي) ونحضر ملابس تقيلة شويه لأن الجو بدأ يبرد ولكي نعود مرة أخرى.

ومشينا حتى المتحف المصري لمحاولة الخروج وإيجاد أي وسيلة مواصلات لأن المترو معطل طبعا. فوجدنا تاكسي يلف ويريد أن يرى ماذا يحدث. أوقفنا التاكسي وركبنا وهو يتساءل: هو فيه إيه؟.. حكينا لسائق التاكسي عن المظاهرات في كل مكان وعدد الناس الهائل بالميدان.

قال السائق، “سامع حاجات كده في ميدان التحرير، بس مش عارف فيه إيه. واللي في الميدان عايزين إيه بقى؟ ويا ترى هيحصل حاجة؟”

قلت له “الأعداد كبيرة قوي والناس عايزين مبارك يمشي وإسقاط النظام”.

قال “زي تونس يعني؟ وهي الشرطة هتسيبهم؟”

قلت له: “هم ضربوا غاز وخرطوش وفيه ناس اتصابت. بس لغاية دلوقتي قاعدين يتفرجوا بس، مش عارفين يعملوا إيه.. غالبا لأن العدد كبير.. لما نشوف”.

المرة دي الناس مغلولة من كتر الافترا!

(كاتبة المقال فضلت عدم نشر اسمها )

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (1) لماذا بقيت الثورة المصرية وقد امتد فورانها وزخمها قرابة عامين ونصف عاجزة عن بلورة أحزاب سياسية مؤهلة للتدخل المؤثر والفعال في ترتيبات السلطة السياسية ما بعد اسقاط مبارك وزمرته؟ كيف لم تنجح ثورة شعبية كبرى كهذه في بلورة ولو حزب ثوري واحد؟

هاني شكر الله

القانون وشيزوفرانيا الحكم في مصر ثلاث مسائل كانت وما زالت تلح على مصر كدولة ومجتمع، قبل الثورة وبعدها: 1) تشكيل سلطة قوية مصحوبة بآليات قانونية، 2) التحديث (وهنا تحديداً المقصود هو تطوير آليات الحكم ومزيد من كفاءة مأسستها)، 3) مجتمع صاحب مسؤولية سياسية وجنائية ومدنية عن أفعاله.

علي الرجال

مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية (2) منهجية تقييم التجربة الثورية إذن هي في المحل الأول قراءة دروس التاريخ وليس محاسبتها بأثر رجعي، فليس بوسعك أن تحاكم تجربة تاريخية ما استنادا إلى ما تعلمته منها بالتحديد.

هاني شكر الله

ثورة من؟

أحمد حسن