الثورة حكاية: “ابني في سور السجن وعلّي.. بكرة الثورة تقوم ما تخلّلي”

قراءات, قضايا

25  يناير  2018

ربما لا يمكننا تذكر الثورة أو تأريخ الثورة أو سرد حكايتنا عن الثورة وعلاقتنا بها دون تذكر أجواء ما قبل الثورة. كنا نؤمن بها،نكتب عنها، ننتظرها، نحلم باليوم الذي “تقوم” فيه لتخلصنا من كابوس ظلم واستبداد الحكم، لكننا ورغم كل ما قرأناه عن الثورات في العالم لم نكن نتصور كيف ستنطلق ومتى.

يكاد لم تخل مظاهرة أو وقفة احتجاجية أو حتى معرض طلابي من هتاف للثورة أو حديث عنها، على المستوى الشخصي كنت ممن يهتفون “من أجل الثورة”. نعم كنت مؤمن بحدوثها أشد الإيمان ولكن كنت احيانا انظر إلى جحافل الأمن المركزي التي تحيط بمظاهرتنا الصغيرة واقول هل نستطيع فعلا هزيمة كل هذا الجبروت الذي يفوقنا عددا وعدة؟!

كان بعض الشك في إمكانية حدوث الثورة يتسلل إلى عقلي  عندما كنت انظر إلى قوتنا وقواتهم  السوداء المسلحة، كان هذا الشك يأتيني دائما ونحن في حالة سكون، سرعان ما كان يزول هذا الشك من نفسي عندما كنت “اهتف” بين جموع الناس.

الدعوة لمظاهرات ٢٥ يناير تملأ الفيسبوك، رعشة في القلب والجسد، غدا يوم غير عادي، التفاعل كبير، هل يتحقق ما هتفنا به منذ أيام على سلم نقابة الصحفيين في مواجهة الأمن المركزي “مرعوبين مرعوبين.. بكرة تشوفوا المصريين” عندما كانت الثورة مشتعلة في تونس؟

عشية ٢٥ يناير أجلس مع بعض الرفاق نتناقش عن ترتيبات “المظاهرات”، حيث كانت مهمة الاشتراكيين الثوريين وحزب الكرامة في القاهرة الخروج بمظاهرات شبرا حسب ما اتفق عليه بين القوى السياسية بأن تتولى كل مجموعة منطقة محددة تكثف تواجدها فيها، تخرج بمظاهرة في شوارعها لجذب اكبر عدد ممكن من المواطنين للمشاركة في “الثورة”. على ما أتذكر كانت مهمة شباب من أجل العدالة والحرية الانطلاق بمظاهرات المطرية، وتتولى ٦ ابريل مظاهرات بولاق وناهيا، في حين كان يتولى شباب الجمعية الوطنية للتغيير.

مظاهرات الهرم وفيصل مرورا بميدان الجيزة ….الخ لن استغرق في التفاصيل ربما اكون قد نسيت بعض منها.

المهم أن تكتيك الحركة في هذا اليوم هو ” كرة الثلج”، حيث كنا قد وصلنا إلى قناعة أن غالبية الشعب تريد الخلاص من النظام والمشاركة في المظاهرات لكن نحن بحاجة إلى “مجموعة تبدأ الهتاف” في كل منطقة لتشكل كرة الثلج، تتدحرج فيزيد حجمها في مسيرتها نحو “التحرير” فتتحول كرة لهب تحرق نظام مبارك.

في هذه الليلة (٢٤ يناير) اتصلت بي زميلة شابة لتخبرني أن برنامج “بلدنا بالمصري” المذاع على قناة ON tv يرغب في استضافة “ممثلين” عن أصحاب دعوة التظاهر في ٢٥ يناير. وافقت على الفور، وفي السيارة التي أرسلتها لنا القناة لتنقلنا من وسط البلد إلى مدينة الإنتاج الإعلامي اتفقنا، هي وأنا على تقسيم الأدوار في حديثنا بالبرنامج، بحيث أتولى أنا الحديث عن أسباب دعوتنا للنزول مع التركيز على القضايا الاجتماعية والعمالية والتأكيد على ثقتنا في مشاركة واسعة من الجماهير، وأن تتولى هي “تطمين” الناس ودعوتهم للنزول وأنها شخصيا والكثير من أصدقائها سوف يشاركون. طبعا كان هذا “التطمين” ردا منا على حالة الذعر التي كان النظام يروج لها خاصة بعد بيان حبيب العادلي وزير الداخلية الذي توعد بالويل لكل من يخرج من بيته.

في القناة تقابلنا مع “المذيعة” ريم ماجد مقدمة البرنامج، أخبرتنا على انفراد ان هناك تعليمات بعدم الهجوم على مبارك، وجهتنا إلى أن نقول كل ما نريد دون ذكر “اسم مبارك”. ممكن تقولوا النظام. كانت منحازة لنا وللدعوة وتريد لنا أن نستفيد من وقت الحلقة أفضل ما “يقطعوا الهوا” عنها.

في البرنامج حضر “لمناظرتنا ” اثنان يمثلون وجهة نظر النظام، كان تمثيلا يدلل على مدى الإفلاس الذي وصل إليه نظام مبارك والحزب الوطني. مثّل النظام مروة هدهد منسقة حملة “مبارك أمان مصر” وعمرو عمار منسق حملة “لا لمخططات  تقسيم الوطن والعصيان المدني.”

كسبنا فريق مبارك في البرنامج لأن تاني يوم ناس كتير قابلتنا في المظاهرات وقالولنا “شفناكم امبارح في التليفزيون فقررنا ننزل”.

شبرا – ٢٥ يناير 

كان مقررا أن يكون المكان المعلن كنقطة انطلاق المظاهرة هو “دوران شبرا”، ومكان بديل هو الانطلاق من “مسرة”، وزي ما توقعنا، احتشد الأمن المركزي في دوران شبرا وضرب كردون أمني ضخم وحاصر من تجمعوا في دوران شبرا.

توجهنا إلى المكان البديل في مسرة وبدأنا المسيرة بعشرات من أعضاء الحركات السياسية وانطلقنا  في شوارع شبرا الفرعية، نتحصن بها ونتقوى بمن ينضمون إلينا منها، تزايدت أعداد المسيرة باستمرار، كانت للهتافات الاجتماعية دور كبير في جذب شباب وبنات شبرا الجدعان للمشاركة معنا، كانت نساء شبرا تشير لنا بعلامات النصر من بلكونات البيوت، كن يتفاعلن مع هتافات؛

غللوا السكر غللوا الزيت.. بيعونا عفش البيت

اللي بيرفع في الأسعار.. خللا العيشة مرة مرار

كيلو العدس بعشرة جنية.. متر مدينتي بنص جنية

عايزين حكومة حرة.. العيشة بقيت مرة

خرجنا إلى شارع شبرا الرئيسي بضعة آلاف متجهين صوب ميدان التحرير وأثناء مسيرتنا وصلنا تليفون أن مظاهرة من عشرين ألف دخلت التحرير. ارتفع حماس المسيرة إلى عنان السماء وارتفعت أصوات الهتافات وتسارعت الخطى صوب التحرير. عند نفق شبرا تمركزت حشود الأمن المركزي ومع لحظة وصولنا انقضت جحافل الأمن تضرب المسيرة بالغاز والعصي والخرطوش. وطارد الأمن المتظاهرين في كل مكان. كنت ضمن مجموعة احتمت بمدخل عمارة، صعدنا السلالم جريا ومن خلفنا الأمن. وجدنا باب إحدى الشقق مفتوحا، دفعنا الباب واقتحمنا الشقة تقريبا واغلقنا الباب خلفنا. احدثنا حالة من الذعر في نفوس أصحاب البيت، واتضح لنا أنهم أقباط، فوجئوا باقتحام أكثر من ١٠ أشخاص غرباء لبيتهم.

“إحنا بنجري من الأمن”

“طيب اطمنوا ماتخافوش”

“استنوا هسمع اذا في حد على السلم”

قالت سيدة من أهل المنزل: “وطوا صوتكم عشان في عساكر على السلم”

بعدها قدموا لنا الماء والعصير وطلبوا منا البقاء أطول فترة ممكنة حتى تهدأ الأمور بالشارع، جلسنا بعض الوقت وبعدها أصرت رفيقة معنا على النزول وقالت:

“انا هنزل الشارع ومعايا كارنية صحافة، لو لقيت الدنيا هادية هكلمكم تنزلوا”

لم تمر دقيقتان على نزولها حتى اتصلت تخبرنا: “مفيش حد في الشارع الدنيا أمان انزلوا”

نزلنا وكان معايا رفيقة أخرى، ولسه هنوقف تاكسي لقينا عشرات المخبرين ومعاهم ظابط امن دولة بيشاور علينا  جرينا. رفيقاتي في شارع فرعي وانا جريت في شارع شبرا.  كان بيجري ورايا اتنين مخبرين الطوال العراض دول. ملحقونيش فبدأوا يقولوا امسك حرامي عشان الناس تمسكني.

كنت اقول للناس انا كنت في المظاهرات يسيبوني، لحد ما ظهر مواطن شريف جري ورايا بالفسبا. دخلت شارع فرعي ودخلت عمارة وطلعت السلم قلبتين. وأنا على السلم افتكرت أنهم بيرموا الناس من فوق البيوت ويقولوا “ده وقع وهو بيهرب”. نزلت لقيت المخبرين على الباب وقبضوا عليا.

كان المواطن الشريف لسه واقف بالفسبا. راح مخبر قايله انزل يا ابن الوسخة واخد منه الفيسبا.

ركب يسوقها وانا وراه ومخبر ركب ورايا، بقيت محشور بينهم، والمخبر اللي سايق يقولي كنتوا بتقولوا في المظاهرة “يا بلدنا يا وسية سرقوكي شوية حرامية” ويضرب بالكوع في بطني، واللي ورا يكمل الهتاف ويضرب بالبوكس في راسي لما دوخت..

أخدوني على قسم شرطة روض الفرج وهناك لقيت رفاق وأصدقاء وحوالي ٣٠ شاب مقبوض عليهم.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

قراءات في ثورة يناير 2011: لقد أنتجت "يناير" الكثير من وجهة نظري. نحن فقط بحاجة لإعادة قراءتها على أنها بداية لحالة صيرورة ثورية مستمرة طالما استمرت أسباب وجودها.

محمد رمضان

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… اقتصر سعي هذه الورقة على إعادة تقديم وتحرير الإشكاليات المتعلقة بموقع ما تعارف الفقهاء على تسميته بالشريعة في البناء الدستوري والقانوني المنظم لعمل أجهزة الدولة الحديثة كما كشف عنها الجدل الدستوري التالي لتحولات يناير ٢٠١١ عبر منهجية ماركسية مطورة. ولم تتجاوز ذلك إلى التفكير في مخارج لهذه الإشكاليات، إلا عرضا بالطبع وفي معرض إشارتها لاجتهادات قائمة بالفعل كوثيقة الأزهر الصادرة في يونيو ٢٠١١.

عمرو عبد الرحمن