الثورة حكاية: عالحلوة والمرة(ضرورة الرفاقية في زمن الهزيمة)

قراءات, قضايا

25  يناير  2018

يوافق اليوم الذكرى السابعة للثورة، تلك اللحظة التي نشعر أن الزمن تجمد عندها والتي غدت تقويمنا الوحيد تقريبا، فأي حدث تعتمد أهميته على توقيت حدوثه قبل أو بعد الثورة وأي صديق تعتمد درجة قربه أو بعده على ما مررنا به سويا في سنين الثورة.

الثابت أن إحساسنا بالثورة متغير، كأي حدث وقع في الماضي، فكما يقول كونديرا  “وقوع الماضي في وقت سابق لا يعني أنه صار منتهيا أو لا سبيل لتغييره، فكلما نظرنا إليه تبدى لنا بلون مختلف”وينطبق ذلك على ما تستدعيه ذاكرتنا كل عام عن الثورة والذي يتغير بتغير موقعنا السياسي ومستوى هزائمنا الشخصية والعامة.  وبعيدا عن منزلقات النوستالجيا التي قد ننجرف أليها أو مساعي أسطرة لحظة يناير 2011من ناحية وبعيدا عن التهوين من الثورة أو محاولة عدم الاعتراف بها كالحدث الرئيسي المشكل لما نحن عليه الآن من ناحية أخرى قد يكون من المفيد أن نستدعي هذ العام ما يساعدنا على استحضار  الروح الرفاقية لسنين الثورة الأولى.

بداية علينا الاعتراف أننا لم نكن أبدا الثوار المثاليين، أغلبنا كان مفرط الثقة في رأيه، – وﻷننا لم نكن هزمنا بعد- كانت ثقتنا الكبيرة في آرائنا تدفعنا أيضا لعنف مفرط ضد الآراء والمحاولات ووجهات النظر الأخرى،  ولا أعني هنا عشرات الآلاف ممن ملأوا الميادين ولا أشير إلى حوادث طرد صحفي أو متظاهر من الميدان بعد اتهامه بالعمالة او الخيانة بعد سجال أو مناقشة عادية ففتيل المشاحنات في الميدان لم يكن من الصعب أبدا إشعاله، ولكن أعني بالأساس مجموعاتنا الصغيرة، الماركسيون الذين يرون الأناركيين متعالين وغير واقعيين والاناركيون ممن يرون الماركسيين حمقى لاستمرارهم في محاولات بناء حزبي أو الاشتراك في الانتخابات، الباحثون والمنتمون إلى مجموعات حقوق الإنسان المتشككين في جدوى استمرار المشاحنات مع الداخلية دون ترجمة ذلك لمكتسبات في السياسات والقوانين،   وأمثلة اخرى مشابهة مشحونة بفائض الثقة والأحكام  التي كنا نطلقها مجانا ضد بعضنا. على أن خلافاتنا الحادة لم تمنعنا في أوقات كثيرة من العمل معا في أوقات عصيبة، تنظمنا في مجموعات صغيرة أو كبيرة في كافة القضايا تقريبا، عملنا معا على توثيق الانتهاكات، وجمع الشهادات والأرشفة، وضد المحاكمات العسكرية للمدنيين، ولمساعدة أهلي الشهداء والمصابين، وعلاج الجرحى، وإخراج النساء من دوائر الجحيم، وعمل قوائم ثورية لمجلس الشعب. ومشينا سويا في جنازات ومسيرات ومظاهرات كثيرة، ركضنا سويا من زخات الخرطوش وقنابل الغاز، وشهدنا مواقف بطولية وبسالة مذهلة من أناس نعرفهم ولا نعرفهم، تجربة جماعية لم يكن أحد منا يحلم أن يعيشها.

لكن لا ميدان يجمعنا اليوم، وليس هناك حلول سهلة أو مكان نذهب إليه جميعا ونعفي أنفسنا من الإجابة على سؤال ما العمل، ولا أحد منا يملك دليل الثائر المحبط للتعاطي مع الفشل، ليس ذلك فقط لكننا محاطون بشراك المرارة والأسى والسخرية العنيفة وقائمة اتهاماتنا جاهزة دائما تجاه من نختلف معهم.  تخبرني صديقتي الإيرانية إن هزيمة الموجة الخضراء هناك في 2009كانت سببا في يأس وهجرة الكثيرين لكن ما عجل بهذه الهجرة وجعل الهزيمة أكثر مرارة هي انقلاب النشطاء ضد بعضهم البعض والمناخ المسمم الذي شاع بعد تراجع الموجة الثورية والذي كان أقسى على كثيرين من بطش السلطة.

دائما ما أنسى ذلك وأنا استشيط غضبا مما يكتبه رفيق ثورة على فيسبوك تعليقا على حدث ما أو عندما يقدم مقترحا لفعل سياسي ما واجد نفسي اتهمه بأنه مدعي وراغب في الاستعراض أو انتهازي….إلخ، عندما أعود وأتذكر حديثها أخجل من نفسي، بل ويبدو لي عجيبا حقا حجم الخلاف الذي يدب بين رفاق الثورة خاصة من ذوي الميل اليساري، في وقت تنفذ فيه إحكام الإعدام بالجملة، ويقتل المصلون بالجملة أيضا في عمليات إرهابية على الكنائس والمساجد، وفي وقت أصبحت الدولة فيه لا تخجل من سياساتها الرأسمالية الفجة بل وتباهي بالإفقار والتجويع الذي تسببت فيهما بدعوى أن هذا هو طريق التنمية الصعب، وفي وقت تضيق علينا الصفحات الإلكترونية فيه بما رحبت بسبب الحجب المستمر لكل المواقع الأخبارية التي لا تؤيد للعسكر، في وقت لا يخجل الإعلاميون فيه من نشر مكالمات شخصية لسياسيين ولا يتورعون عن التهليل للقمع والتعذيب والاختفاء القسري، ومع عودة أقسام الشرطة لحالتها الأولى كمعسكرات تعذيب وقتل!

لماذا نتطاحن ضد بعضنا إلى هذه الدرجة إذا كنا نتفق في مواقفنا من جميع ما سبق تقريبا؟!!!

نعلم الآن أن معدنا طيبا وانتصارا للحق وحلما بأرض أفضل يجمعنا دوما، ولا يجدر بالحالمين الانقلاب على بعضهم بهذا الشكل! من السهل أن نحول من ماتوا أو من هم قابعين في السجون إلى رموز رومانسية أو شخصيات مثالية أو آلهة صغيرة منزهة عن الخطأ، لكن لا أحد منهم كذلك، ونحن أيضا من نحيا على الجانب الآخر من أسوار السجون والمقابر لسنا مثاليين، ففينا العصبي والبخيل والعنيد والدوجمائي وفينا الساذج والقاسي والعنيف ولكننا رفاق وللحق نحن محظوظون، أغلبنا على العهد،ومن انسلخ منا عن قناعاته الثورية وانضم لمعسكر السلطة ما هم إلا استثناءات نادرة. ولدى كثير منا فضيلة مراجعة الذات والاعتراف بأخطاء كثيرة في مواقفنا من 30يونيو ورابعة وما تلاها.

ربما يدفعنا اليأس لرؤية خلافنا مع أصدقائنا بشكل أكثر كارثية من فظائع النظام العسكري الذي يجكمنا، ربما يستدعي أي فعل او محاولة تنظيم تقدم عليها مجموعة منا ذاكرة الفشل والصدمات النفسية التي جلبتها علينا محاولاتنا في السنين السابقة عند الباقين. لا أحد لديه خارطة طريق للخروج مما نحن فيه، وقد يختار بعضنا المحاولة مرة أخرى في تجارب تنظيمية خجولة ومرتبكة حزبية أو غير حزبية، وقد يختار آخرون معارك يراها الغالبية دونكيشوتية، وقد يستغرق البعض في التأمل والتفكير في أخطاء الماضي، وسيكتفي بعضنا بالمشاهدة الصامتة ورفض أي اشتباك مع ما يحدث، ربما يكون اختلافنا رحمة، لكن في هذه الأوقات العصيبة بالذات ومهما اختلفنا على ما يجب أن نفعل أو لا نفعل، يجب أن نذكر أنقسنا أننا متفقون على المبادئ وأننا بشر نخطئ ونصيب.

ما أحوجنا إلى الرفاقية الآن من أي وقت مضى، لم نستطع تجنب الهزيمة السياسية ولكن خسراننا لا يجب أن يكون مبينا، فلنبق على الصداقة والود!

كل عام ونحن رفاق![1]

________________________________________

[1]          شكر خاص لماهر عبد الرحمن

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

من التحرير إليكم: انتزاع الديمقراطية فيما يتجاوز ترامب ربما يكون التشابه الأكثر إثارة للقلق بين ما يتعرض له المصريون الآن تحت النظام العسكري الفاشي وبين لحظة ترامب في الولايات المتحدة هو عدم استعداد أصحاب الخبرة التنظيمية والمواطنين العاديين للمواجهة.

عاطف سعيد

عندما تصبح الصورة بألف كذبة احتلت الصورة الفوتوغرافية - لمدة 150 سنة من تاريخها وحتى الثمانينيات من القرن الماضي - منصب الحقيقة المطلقة. ولكن في أيامنا هذه، ومنذ 25 سنة تقريبا، صرنا نعيش في عصر الصورة المركبة، صورة علاقتها بالواقع غامضة ومقصود غموضها ويمكن أن تكون في أيادي فنانين لتقدم أمثلة راقية من الجمال والتفكير والعمق البشري، ويمكن أيضا أن تكون في أيادي السلطات القمعية - أي ليكون دورها تسهيل مزيد من السيطرة والقمع.

ياسر علوان