ملخص ما جرى ويجري في دول الربيع…تونس نموذجا

قراءات, قضايا

24  يناير  2018

مع حلول الذكرى السنوية السابعة للثورة المصرية، لا تتوقف الأخبار تقريبا عن احتجاجات في تونس، مهد الربيع العربي، إلا لتبدأ مجددا، في الوقت الذي توقفت فيه تقريبا أي أخبار شبيهة من مصر.

قد لا يكون ثمة ما بقي ليقال عن ثورات الربيع العربي ما عدا العِبَر، والعبرة الحية اليوم هي قصة “المؤامرة” الدولية على روح هذا الربيع التي انتهت الى تظاهرات تونس واحتجاجاتها العارمة.

فخلف الهتافات الزاعقة باللهجة التونسية، قصة الفخاخ التي نصبها العالم لبلدان الربيع العربي في محاولة لكبح تأُثير الربيع على شرعية قواعد الاقتصاد النيوليبرالي الراسخة والذي كانت الثورة في حد ذاتها تمثل تشكيكا صريحا فيها. وكأنما كان خصوم الثورات  يعرفون عن امكانياتها وما تنذر به بأكثر كثيرا مما كان يعرف الكثيرون ممن شاركوا فيها.

فلم تمض الا شهور قليلة بعد الثورة المصرية – واندلاع الانتفاضات العربية الواحدة تلو الأخرى – حتى كان “المجتمع الدولي” قد قرر أن يمد يد العون لاقتصادات المنطقة ومن ضمنها تونس، على النحو الذي يرتضيه وبنفس الصيغ القديمة عبر “شراكة دوفيل”.

وشراكة دوفيلDauville هي  مبادرة دولية أطلقتها مجموعة دول الثماني في اجتماع قادتها في مدينة دوفيل بفرنسا  في مايو عام 2011 مع عدد من المؤسسات المالية الدولية هي  البنك الأفريقي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وصندوق النقد العربي، وبنك الاستثمار الأوروبي، والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، ومؤسسة التمويل الدولية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الإسلامي للتنمية، وصندوق الأوبك للتنمية الدولية، والبنك الدولي.

تستهدف المبادرة- وفقا لأدبياتها المعلنة- مساندة دول العالم العربي التي تمر بمرحلة تحول في أربعة مجالات أساسية ذات أولوية، هي تحقيق الاستقرار، وخلق الوظائف وفرص العمل، والمشاركة/الحكم الرشيد، والاندماج في الاقتصاد العالمي. وتشمل الشروط الضمنية لهذه المبادرة ضمان التزام “بلدان الربيع” والانتقال السياسي باقتصاد مفتوح: “فتح المجال أمام مبادرات ثنائية وإقليمية لتخفيض العوائق أمام النفاذ للأسواق وللتجارة وزيادتها بين الدول التي تشهد انتقالا (سياسيا) ودول الثماني، وبالذات عبر اتفاقيات عميقة للتجارة الحرة”.

وأوضح صندوق النقد الدولي رؤية الشراكة في بيان عن تأسيسها في مايو قائلا”إن الوصول لمستويات النمو المرجوة سيؤدي إلى المزيد من الاستثمارات و تحسن في الإنتاجية”، “وفي حين أن بعض الزيادة في الاستثمارات العامة قد يكون مطلوبا على المدى القصير لتحسين  البنية التحتية والخدمات في المناطق الريفية الأقل تطورا، ينبغي في المقابل أن يلعب القطاع الخاص الدور الأكبر، بما في ذلك جذب الاستثمارات الأجنبية”.

وضمت المبادرة في مايو من دول التحول تلك مصر وتونس، قبل أن تنضم المغرب و الأردن في  سبتمبر من نفس العام، بالإضافة لعدد من “الممولين” الجدد هم الكويت و قطر والسعودية وتركيا والإمارات.

وارتبطت تونس بقرضين مع صندوق النقد الدولي منذ انتصار الثورة: الأول بقيمة 5.34 مليار دولار في العام 2013 والثاني بقيمة 2.9 مليار دولار في العام 2016.وحث الصندوق  تونس ضمن برنامج الاتفاق الثاني على “زيادة مرونة سعر الصرف للحفاظ على الاحتياطيات بما يتيح استخدامها في مواجهة ما يطرأ من صدمات خارجية كبيرة”، وهو توجه انتهى عمليا إلى تراجع سعر العملة التونسية بنسبة 49% من عام 2013 وحتى يونيو من عام 2017.

وبالرغم أن مجمل اتفاقات الصندوق مع دول المنطقة يستند إلى إجراءات التقشف أو”الضبط المالي” – وفقا للتعبير المهذب الذي تفضله مؤسسات التمويل الدولية-  وخاصة فيما يتعلق بتقليص الأجور الحكوميةبهدف تخفيض عجز الموازنة والدين العام، إلا أن ما حدث فعليا هو ارتفاع كبير في الدين العام التونسي وصولا إلى 22% من النفقات العامة المتوقعة في العام الحالي، وارتفاع كبير في الدين الخارجي نتيجة القيود التي فرضها صندوق النقد الدولي على الاقتراض الداخلي، حتى اضطرت تونس العام الماضي لاقتراض 998 مليون دولار من قطر، استخدم نصفه لتسديد قرض قطري سابق كانت تونس قد تخلفت عن تسديده- تبعا للمرصد التونسي للاقتصاد، وهو مؤسسة تضم عددا من الباحثين المستقلين. وبالتزامن تقريبا مع توقيع الاتفاق الأول مع صندوق النقد، بدأت الحكومة في وقف ثم تخفيض عدد الوظائف الحكومية.لذلك فصندوق النقد الدولي يبدو “متوترا” بعض الشئ، وقد أدرك على الأرجح أن مجرد اندلاع الاحتجاجات قد يعيد الجدل حول مسؤوليته عما آلت إليه الأوضاع.

فبعد يوم واحد من نشر مقال يلقي بمسؤولية الاحتجاجات في تونس على سياسات الصندوق الأربعاء الماضي في صحيفة الجارديان البريطانية ، نشر الصندوقعلى موقعه الرسمي ردا على المقال بقلم  “جيري رايس”، مفعما بلهجة دفاعية بشدة.

وفي نفس اليوم، نشر “جهاد أزعور” مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي مقالا على مدونة الصندوق بنفس المضمون تقريبا. إذ قال “أزعور”، الذي شغل في السابق منصب وزير المال اللبناني، إن تصاعد “التوترات” والاحتجاجات الاجتماعية في العديد من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يمثل”إشارةً واضحة لعدم تحقق تطلعات شعوب المنطقة – للفرصة والرخاء والعدالة – حتى الآن”، لكنه سارع لاستباق أي مطالب شعبية في هذا السياق قائلا إن”من الخطأ التراجع عن العملية الجارية للإصلاح الاقتصادي”.

استخدم “أزعور” في دفاعه المحموم عن “الإصلاحات” تلك حججا مكررة من قبيل أن الصندوق يحرص في  البرامج التي يدعمها “على توجيه اهتمام متزايد لحماية الشرائح الأقل دخلا من أثر الزيادات الضريبية وتخفيضات الإنفاق”على حد قوله، مضيفا إن تونس وفقا لهذا التصور”توسعت(فيها) الحكومة في برنامج التحويلات النقدية لأصحاب الدخول المنخفضة، فضاعفت عدد الأسر المستفيدة “.

ومن ضمن الحجج المكررة أيضا، ما استند إليها”أزعور” في تبريره لما دعا إليه الصندوق في مختلف أنحاء المنطقة من تخفيض لدعم الطاقة، من أن “هذا الدعم يعود بالنفع على أثرياء المجتمع في الأساس”.

وفضلا عن ذلك، دافع “أزعور” عن “برامج الإصلاح”التي يتبناها الصندوق  كونها – كما يقول –تُصمَّم بما يتلاءم مع ظروف كل بلد ويُشترط أن تتبناها الحكومة بشكل كامل، وبالتشاور “مع أهم الأطراف المعنية –بما فيها المجتمع المدني – وهي سمة أصبح الصندوق يحرص على وجودها في البرامج التي يدعمها حول العالم” على حد قوله.

أصبحت مقولة كتلك- حرية الحكومات في تبني برامج “الإصلاح” – من أشهر أكاذيب الصندوق وأكثرها تكرارا خاصة بعد الربيع العربي، كما يبدو مثلا من مقال “الدعم المالي لبلدان التحول العربي” لمسعود أحمد مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي في أغسطس 2012.

قال “أحمد” في مقاله إن الصندوق اتبع “في تقديم الدعم منهجا جديدا يستفيد من دروس الربيع العربي وتجربة الصندوق في بلدانه الأعضاء البالغ عددها 188 بلدا. ونعلم أن البرامج يرجح لها النجاح حين تكون مصممة من السلطات الوطنية ومملوكة لها وحين تحظى بتأييد واسع داخل البلد المعني”.

ويكفي أن نتذكر في هذا السياق البيانات المضحكة لوزارة المالية المصرية قبل توقيع الاتفاق مع مصر  في عام 2016 حول برنامج القرض باعتباره “برنامج مصري مئة بالمئة حظي بموافقة مجلس النواب وهو جزء من رؤية مصر 2030”.

في المقابل يعترف صندوق النقد الدولي على موقعه الرسمي بمشروطية كل عمليات الإقراض، موضحًا أنه ينبغي على حكومة البلد الذي يقترض من الصندوق الموافقة على “تصحيح” سياساتها الاقتصادية للتغلب على المشكلات التي دفعتها إلى طلب المساعدة المالية من المجتمع الدولي، “وتعمل هذه الشروط على ضمان قدرة البلد العضو على سداد القرض إلى الصندوق حتى تتوافر الأموال لأعضاء آخرين في حاجة إليها”، وفقًا للصندوق، الذي اعتبر أن تلك “البرامج الوطنية”هي وليدة إصلاحات على إجراءات الإقراض في عام2009  لتعزيز ما أسماه بـ “الشعور الوطني” بعدما أصبح يسمح للبلدان بصياغة برامجها، التي يجب مع ذلك أن تستوفي شروط الصندوق.

هذا المضمون – حق الحكومات في صياغة ما يسمى بالبرامج الوطنية بنفس المضمون الذي يرتضيه صندوق النقد الدولي – يعبر عنه بيان صندوق النقد الدولي في نشرة الصندوق بشأن شراكة دوفيل في سبتمبر عام 2011. إذ ذكر البيان أن وزراء مالية مصر والأردن والمغرب وتونس قدموا في اجتماع دوفيل وقتها “استراتيجيات بلدانهم القومية للإصلاح الاقتصادي في المدى المتوسط ” وهي استراتيجيات وإن كانت تتلاءم مع ظروف كل بلد- كما يقول الصندوق- لكنها تشترك جميعا في عدد من التفاصيل من ضمنها “دعم النمو بقيادة القطاع الخاص ودعم جهود الاندماج إقليميا وعالميا”.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة