ميتافيزيقا العلم !!

قضايا

21  يناير  2018

ترددت كثيرا قبل صياغة هذا العنوان الذى قد لا تستسيغه الذائقة الابستمولوجية للمعنيين بشئون الفكر والعلم. فهناك بون شاسع بين الميتافيزيقا كطريقة ذاتية لتناول العالم ومقاربة ظواهره تنحو تجاه تبنى يقين مطلق، لايخضع لفحص واختبار المصداقية، سوى عبر عملية عقلية مجردة قد تنطوى على حيل أو خدع منطقية، وبين العلم الذى يقدم رؤية موضوعية لتفسير مشاهدات الإنسان اليومية والقيام بالفحص التجريبى وإجراء الحسابات المحايدة بعد جمع البراهين والأدلة ليتسنى القيام بعمليات الاستقراء والاستدلال التنبوء حتى. وبين ذاتية الميتافيزيقا وإطلاقها، وموضوعية العلم ونسبيته، بين يقين الميتافيزيقا وشك العلم، نمى وترعرع بينهما ذلك الخصام الذى اتسعت شقته عبر القرون. إن التشابه الفذ بين نبوءة الميتافيزيقا بنهاية الحياة على الأرض سابقا ونبوءة العلم بنهاية الكون حاليا، ناهيك عن فرضيات العلم الأكثر إدهاشا، هو ماجعلنا نرى فى علم الكون الحديث مثلا، مجالا لتلاقى ولا أقول مصالحة العلم والميتافيزيقا.

لامناص والأمر كذلك من صك مصطلح “ميتافيزيقا العلم!” عند مقاربة نظريات نشأة الكون الحديثة، وبالخصوص ماتطرحه بعض نظريات الفيزياء الحديثة، سواء النظرية النسبية أو نظرية الكم أو نظرية الأوتار، من إمكانية وجود ما بات يعرف بالأكوان الموازية ضمن متعدد أكوان شاسع بشكل يفوق الخيال، وهى الفكرة التى تشبه إلى حد بعيد عند تصورها، ما جادت به قريحة البشر من صور وخيالات حتى قبل أن يتعلم الإنسان طرق العد والإحصاء ناهيك عن اكتشاف مبادئ العلوم وأسس الرياضيات. ففى تلك الفترة البدائية اعتمد البشر على الحدس والتأمل والتفكير المجرد، مما اتاح إمكانية انطلاق عنان خيال العقل البشرى، بل وهلاوسه البدائية أحيانا، لرسم عوالم موازية لعالمه المعاش ومفارقه له. عوالم تمور فيها حيوات روحانية فضفاضة، تمتلئ بأحداث اسطورية لكائنات متخيلة، وتذخر بصراعات بين أرباب خير وشر ربما عكست صراعه الذاتى مع الواقع، بل وقد عزى الإنسان وجوده نفسه كنتيجة لإحدى الصراعات. لقد انتشرت هذه الأفكار الميثولوجية أينما تواجدت الجموع البشرية فى البرية، وحيثما استقرت بالخصوص فى حضارات قديمة عبر المساحة الجغرافية التى شملت بلاد الصين والعراق والشام واليونان، ولا ننسى هنا تلك الحضارة الفرعونية وماقدمته من تصور تفصيلى وشامل لحياة أخرى مفارقة لحياة الإنسان على الأرض وهو التصور الذى تطور فيما بعد ليمثل جوهر أكثر التصورات الميتافيزيقية شيوعا حتى الآن.

فى الوقت الحالى، تجبرنا نظريات الفيزياء الجسيمية او فيزياء الفضاء على قبول عددا من المفاهيم المحيرة بل والصادمة للحدس العام، والتى كانت فى السابق حكرا على الفكر الميتافيزيقى، فمثلا تتنبأ ميكانيكا الكم – وهو ما أثبتته التجربة العلمية مرارا – بإمكانية تواجد نفس الكينونة المادية أو الجسيم الفيزيائى فى مكانين مختلفين فى نفس اللحظة، بل ووجود ارتباط شرطى وتأثير متبادل بين جسيمين تبلغ المسافة بينهما اتساع الكون ذاته، كما تفترض الأكوان الموازية وفى المدى البعيد للكون اللانهائى، وجود مجرة تبدو مشابهة تماما لمجرة درب التبانة، ونظام شمسى صورة طبق الأصل لنظامنا، وكوكب يشبه الأرض شبها كبيرا بكل معنى الكلمة، ومنزل لايمكن تمييزه عن منزلك، يقطنه شخص يبدو مثلك تماما، يقرأ نفس المقال حالا ويتخيلك فى مجرة بعيدة كذلك، ويصل بالضبط لنهاية هذه الجملة. المدهش هو أنه لا توجد وحسب تلك النسخة الواحدة فقط،حيث تنعم نسخة منى ومنك ومن كل شئ آخر كنسخة بديلة للواقع الذى نعيشه هنا فى هذا الكون اللانهائى، بل عدة نسخ لانهائية منا تتفاوت بالضرورة عن بعضها البعض.

تفترض نظرية التضخم، وجود إنفجار هائل وتمدد فضائى فائق السرعة أثناء لحظات الكون المبكرة جدا،ومع تمدد المكان اللانهائى – وهو فرض يتوافق مع كل الملاحظات حاليا – سيكون من المقبول علميا وجود عوالم موازية (يرجح أنها هناك) ولو كان التضخم صحيحا، كما تقترح أغلب الملاحظات الفلكية الدقيقة، فإن الإنفجار الذى خلق منطقتنا من المكان قد لا يكون استثناء. وبدلا من ذلك، فالآن وفورا، ربما ينتج هذا التمدد التضخمى فى عوالم بعيدة أكوانا  فوق أكوان وربما يستمر فى فعل ذلك للأبد. وماهو أكثر من ذلك، أن كل من تلك الأكوان المنتفخة لديها تمددها المكانى اللانهائى، ومن ثم تحتوى بشكل لانهائى على العديد من العوالم الموازية. قطعا يعد موضوع الأكوان الموازية نوعا من التأمل العلمى اذا جاز التعبير، لكن ينبغى هنا التفريق بين بعض مقولات “العلم الكاذب” الذى ينطوى على تلاعب بنتيجة التجربة ولى عنق المشاهدة لاستنتاج فكرة تتوافق مع رؤية مسبقة، وبين التصورات العلمية الموضوعية التى تجد لنفسها أساسا حقيقيا فى معادلات العلم ونظرياته حتى وإن قاربت فى طرحها جموح الخيال، وحيث لا توجد حتى الآن تجربة أو ملاحظة قد وطدت فكرة الأكوان الموازية ولا حققتها فى الطبيعة، فلن نتمكن منالاقتناع بأى شئ غير مدعوم ببيانات لايمكن إنكارها.

نحن الآن متأكدون من أننا نعيش على سطح كوكب من مجموعة كواكب تدور حول نجم متوسط الحجم ضمن 100 مليار نجم تحتويهم مجرتنا “درب التبانة” التى تشكل واحدة من 100 مليار مجرة أخرى فيما استطعنا فقط أن نرصده فى هذا الكون الشاسع. لاشئ يدهش العقل أكثر من معرفة أن هذا الكون يتمدد كما عرفنا من قياسات هابل، وأنه قد جرى حساب عمره بدقة يؤكد عليها العلم حاليا برقم ذى أربعة أعداد (13,72) مليارسنة، حيث جرى عندها انفجار كبير – تؤكده إزاحة حمراء من المجرات البعيدة فى كل اتجاه – ليتشكل كوننا المرصود حاليا. ويستتبع تلك الدهشة رعب “يوم القيامة” العلمى. نعم إن رؤية علم الكون للمستقبل البعيد مرعبة، حيث سيمضى العلم قدما، وبعد ترليوني سنة، سيكون الكون قد تمدد لدرجة كبيرة بحيث أن كل المجرات ستتراجع وراء الأفق بشكل مطلق، لن تكون تلك المجرات غير مرئية وحسب بل وأبعد من أن تترك أثرا غير مباشر حتى، ليختفى كل أثر للانفجار الكبير على الأرجح، وإلى الأبد، دون أية إمكانية لاستعادته. وفى النهاية سيؤول الكون إلى اللاشئ من حيث جاء من قبل، لن يكون هناك شئ، أى شئ، ولا حتى الذرات.

وفقا لنظرية الكم الفيزيائية، وبحسب مفهوم “التقلبات الكمومية” يمكن أن ينبثق الوجود المادى برمته من “اللاشئ” ليصبح واقعا متعينا، وبحسب مفهوم “الانتروبيا” ينزع هذا الواقع المادى المتعين للتلاشى مرة أخرى، وقد تعاد الكرة مرات ومرات فى سديم سرمدى بين انبثاق واندثار لانهائيين. يقول لنا العلم أننا قد أتينا من لاشئ وإلى اللاشئ سنعود، ألا يذكرنا هذا بأشهر مقولات الميتافيزيقا تراجيدية والخاصة بنشأتنا من الترابوحتمية عودتنا اليه. لكن هناك فرق أكثر جوهرية من التشابه البلاغى بين المقولتين، فالعلم قد توصل الى مقولته عبر استخدامه لمسابر عقلية موضوعية وبنيات معرفية جرى اختبارها والتأكد من صحتها عبر قرون، بعكس الميتافيزيقا التى اعتمدت فقط على المشاهدة البدائية دونما اختبار أو تجريب. وبرغم هذا سيكون أمرا سيئ جدا لو تصورنا أن الصورة التى يقدمها العلم هى الأخرى قاتمة وكئيبة، فالواقع غير مدين لنا بالراحة أبدا. فضربة العدم الأبدى القاضية، لديها فخامة لنقل أنها تستحق، على أقل تقدير،أن نواجهها بشجاعة. وعلى غرار ما تطرحه التنويعات الميتافيزيقية، فإن الفيزياء لاتخبرنا وحسب بكيفية وجود “شئ ما” من اللاشئ، بل تذهب لأبعد من ذلك، وتبين لنا أن اللاشئ نفسه غير مستقر، وكأن هناك شئ ما مضطر للقفز منه إلى الوجود، وهو ما يحدث طيلة الوقت. فالجسيمات والجسيمات المضادة تدلفان فى طرفة عين إلى داخل وخارج الوجود كيراعات مادون ذرية، مبيدة إحداها الأخرى، ومن ثم تعيد خلق نفسها بالعملية العكسية من العدم. ومرة أخرى، ألا تذكرنا أيضا فكرة إنبثاق “شئ ما”إلى الوجود من “اللاشئ” كما تخبرنا الفيزياء بفكرة الميتافيزيقا عن كيفية نشأة الوجود.

الخلق الذاتى لشئ ما من لاشئ قد حدث على نطاق واسع فى بداية المكان والزمان، فى المفردة المعروفة بالانفجار الكبير والتى تلتها فترة تضخم، عندما كان الكون وكل شئ فيه، قد استغرق جزء من الثانية يصعب تصور ضآلته. يالغرابة هؤلاء العلماء فى الحقيقة!، فهل هم بنفس سخافة اللاهوتيين فى العصور الوسطى عندما كانوا يحصون عدد الملائكة على رؤوس الدبابيس أو يتجادلون بشأن “لغز” عدد أجنحة الملائكة وغير ذلك من الترهات الميتافيزيقية. الأمر قطعا ليس كذلك، ليس بتلك السطحية على الأقل. طبعا هناك الكثير مازال العلم لا يعرفه بعد، ويعمل عليه بكل همة ونشاط. لكننا نعرف مثلا من ضمن ما نعرفه، أن عمر الكون ليس وحسب الآف بل مليارات السنين، ونعرف هذا بثقة وبدقة مذهلتين، وهو وإن كان مثيرا للاعجاب بما يكفى، إلا أنه لاشئ مقارنة بدقة بعض التكهنات الأخرى التى يمكن للعلم أن يذهلنا بها حاليا. وتجدر الاشارة هنا الى أن ريتشارد فايمان قد قال فى مكان ما، أن بعض تكهنات ميكانيكا الكم – المبنية على افتراضات تبدو أكثر غرابة من أى شئ حلم به حتى اللاهوتيين الأكثر سذاجة – قد تم التأكد من صحتها بتلك الدقة التى تجعلها مكافئة للتكهن بالمسافة بين نيويورك ولوس انجلوس بفارق عرض شعرة واحدة.

قد يتأمل اللاهوتيون فى أجنحة الملائكة وفى رؤوس الدبابيس أو أيما كان المكافئ لهما حاليا. وقد يبدو أن لدى علماء الفيزياء ملائكتهم الخاصة ودبابيسهم الخاصة، “الكوانتات” و”الكواركات”، لكن هنا يتجلى السحر الحقيقى فى غرابة واقع يدير الرأس. فعلماء الفيزياء بمقدورهم إحصاء ملائكتهم بشكل صحيح لأقرب واحد صحيح من إجمالى عشرة مليار ملاك، لا ملاك زيادة ولا ملاك أقل. قد يكون العلم عجيبا وغير مفهوم، أكثر عجبا وأقل فهماً من أى ميتافيزيقا سابقة، لكنه صالح للعمل وتحقيق النتائج الملموسة، فيستطيع أن يحلق بك إلى كوكب زحل، وينطلق بك حول الزهرة والمشترى فى الطريق. ولا ننسى هنا التذكير أنه وخلال ما يقرب من قرن واحد فقط انتقل الإنسان من مجرد التحليق البدائى فى محاولاته الأولى لتعلم تكنولوجيا الطيران، إلى أن راحت مراكبه الفضائية تجوب الفضاء الشاسع بين كواكب مجموعته الشمسية بل وقد خرج بعضها بالفعل إلى رحابة مجرتنا السعيدة. قد لانفهم مكيانكا الكم، ومانزال لانعرف على وجه الدقة تفسيرا لبعض الغاز الكون وما يشكل كتلته بالفعل، فكتلة المادة المرصودة لا تمثل سوى 5% من مجمل كتلة الكون، لتبقى المادة السوداء والطاقة السوداء التى تشكل أكثر من 95% من كتلة الكون الباقية غير معروف عنها شئ بعد، لكن النظرية التى تتنبأ بالعالم الحقيقى حتى عشرة خانات عشرية لا يمكن بأى معنى مستقيم أن تكون خطأ. فى حين أن الميتافيزيقا لاتفتقد وحسب للدرجات العشرية، بل تفتقد حتى لأصغر إشارة على الاتصال بالعالم الحقيقى.

العلم يطرح الأمر بهذه البساطة، نحن نعيش فى كون لا غاية له، الأمر الذى يعتبره البعض مكافئا للقول بأن الحياة ذاتها بلامعنى. لكن هذا الكون مفعم بالقوة والنشاط، وهو ما يجعل حقيقة وجودنا أكثر إدهاشاً، كما يحفزنا على إستنتاج معنى لأفعالنا الذاتية وجعل وجودنا الموجز مبارك بالوعى وبفرصة ممارسة درجة أكبر من المتعة والسعادة. ولأن هذا لايهم فعلا، فإن ما نحبه للكون ليس له صله بالموضوع وجل ما يمكننا فعله هو محاولة فهم ملابسات وجودنا وحسب. فمن أكثر رحلات إستكشاف البشرية لفتا للنظر والتى جرت على الإطلاق فى تاريخها التطورى، كانت رحلة التنقيب الملحمى لاستكشاف وفهم الكون على مقاييس كانت ببساطة غير معروفة منذ قرن مضى. لقد دفعت تلك الرحلة حدود الروح البشرية، مازجة الرغبة فى تتبع البرهان حيثما كان مع شجاعة تكريس العمر لاستكشاف المجهول، بإداراك كامل بأن تلك الجهود قد تذهب سدى، وهو ما يتطلب فى النهاية مزيجاً من الإبداع والشجاعة والمثابرة التى تليق بجنسنا كبشر.

وكما فى أسطورة سيزيف، يمكننا مقارنة الجهود العلمية المبذولة حاليا بمهمته الخالدة فى دفع الصخرة لأعلى الجبل، لتعود فقط وتسقط فى كل مرة قبل أن يصل للقمة. كان سيزيف يبتسم، وكذلك ينبغى علينا، فإن رحلتنا مهما كانت محصلتها، ستعطى جائزتها الخاصة. فالتقدم الضخم الذى صنعناه فى القرن الماضى قد قاد العلماء، لأعتاب المعالجة التجريبية لأعمق الأسئلة التى وجدت منذ أن اخذنا نحن البشر أولى الخطوات المترددة لفهم من نحن ومن أين أتينا. ليبقى هدف العلم، رسم صورة مستنيرة عن الكون كما نستطيع فهمه، ووصف التكهنات النظرية التى تقود الفيزياء حاليا للأمام بينما يحاول العلماء استخلاص الحقائق العلمية أثناء إجراء الملاحظات التجريبية وصياغة النظريات العلمية. وفى خضم هذه العملية تطور أكثر سؤال له مغزى من تلك الأسئلة جنبا إلى جنب مع فهمنا لآلية عمل الكون، لماذا توجب أن يوجد هذا الكون من الأساس؟.

للإجابة على هذا السؤال، ومحاولة فهم العمليات التى تتحكم فى الطبيعة بطريقة تتيح لنا القيام بتكهنات علمية، أو حتى التأثير على مستقبلنا الخاص، نكتشف أننا نعيش فى كون فيه الفضاء الفارغ – ما كان سابقا مقبولاً أنه “لاشئ” – يمتلك ديناميكية جديدة تهيمن على التطور الحالى للكون. “اللاشئ” الفيزيائى هنا يختلف تماما عن “العدم” الفلسفى، ففى العلم لا وجود لما يسمى بالعدم أو انتفاء وجود أى شئ فى حيز زمكانى ما، إذ باستمرار ومهما كان اللاشئ فارغا من أدق الجسيمات المرصودة حتى، تبقى هناك إمكانية انبثاق المادة أو الطاقة قائمة. لقد اكتشفنا أن كل العلامات تفترض كون استطاع بشكل معقول أن ينشأ من لاشئ أعمق – متضمنا غياب الفضاء نفسه – والذى ربما يوما ما يعود إلى لاشئ، عن طريق عمليات لا يمكن فهمها وحسب، بل وإدراك أنها لا تتطلب أى سيطرة أو توجيه خارجى، وهذا هو الفرق الحدى بين العلم والميتافيزيقا حتى لو اختلطت أو تشابهت بينهما صور المستقبل البعيد وتنبؤاته المحزنة. وبهذا المعنى، فإن العلم، لايجعل الإيمان الميتافيزيقى مستحيلا، بل يجعل بالأحرى عدم الإيمان هذا ممكنا، ليصبح الاعتقاد الميتافيزيقى نفسه أقل ضرورة شيئا فشيئا فى فهم وتفسير الكون أو أقل صلة بالموضوع، ليكون عندئذ التمسك بفكرة ميتافيزيقية ما دون غيرها على عاتق كل منا، ومن غير المتوقع طبعا أن يخمد الجدل الدائر بهذا الشأن فى أى وقت قريب. لكن لو كنا أمناء فكريا، سينبغى علينا القيام باختيار واعى، تخبرنا به الحقيقة العلمية وتدلنا عليه التجربة الموضوعية، وليس فقط محض وحى الخيال.

تبدو قضية نشأة كوننا من “اللاشئ” إلى حد بعيد بديلا فكريا أكثر حتمية بالنسبة لبعض علماء الكون فى الوقت الحاضر، بما تثيره من إرتباك أو جدل فكرى حاد. لكن السؤال الأكثر إرباكا من سؤال نشأة الكون من “اللاشئ” هو السؤال الذى سأله اينشتين عما اذا كان لأية قوة ميتافيزيقية خيارا فى خلق الكون. حيث يعطى هذا السؤال حافزا أساسيا تقريبا لمجمل البحث فى البناء الجوهرى للمادة والفضاء والزمن – وهو البحث الذى شغل ومازال الكثير من العقول الفلسفية والعلمية. هناك اختيار صارم للإجابة على هذا السؤال، فبشكل واضح، لو أن هناك نظرية واحدة تتضمن مجموعة فريدة من القوانين التى تصف وتحدد بالفعل، كيف أتى كوننا للوجود والقواعد التى تحكمت فى تطوره منذ ذلك – وهو هدف الفيزياء منذ نيوتن وجاليليو – إذن سيبدو أن الإجابة هى “لا، كان على الأشياء أن تكون بالطريقة التى كانت وتكون عليها”. لكن إذا كان كوننا غير استثنائى، واعتبر جزء من متعدد أكوان هائل ويحتمل أن يكون لانهائى، فستكون الإجابة على سؤال اينشتين مدوية “نعم، فهناك حشد مهول من خيارات الوجود”.

لن يمكننا حسم الأمر. فقد توجد هناك مجموعة لانهائية من التراكيب المختلفة للقوانين، وتنويعات من الجسيمات والمواد والقوى وحتى الأكوان المتميزة التى قد تنشأ فيما يعرف بمتعدد الأكوان. وقد يكون هناك تركيب معين فقط بشكل حصرى جدا، تركيب ينتج عنه كون من النوع الذى نعيش فيه، أو واحد شبيه به جدا، يمكنه دعم تطور كائنات تستطيع أن تسأل مثلنا هذا السؤال!. ستظل الإجابة على سؤال أينشتين معلقة، وسواء كانت هناك قوة ميتافيزيقية أم طبيعة مادية ما قد استطاعت أن تشمل متعدد الأكوان ذلك، فسيكون أيهما مجبر على خلق كون يستطيع فيه أن يسأل اينشتين هذا السؤال. وفى سيناريو آخر قد لايرضى البعض، حيث توجد حضارات أخرى ليس كون موازى آخر وحسب بل فى كوننا المرصود ذاته، وهو ما سيشكل معضلة غير مسبوقة أمام مجمل إرثنا الميتافيزيقى، ليستنتج البعض الآخر أن إمكانية وجود قوة ميتافيزيقية كلية القدرة ليس لديها حرية خلق كوننا، الأمر الذى يستتبع دون شك أن تلك القوة غير ضرورية أو فى أفضل الأحوال زائدة عن الحاجة.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة