سوريا: بلبلة في واشنطن وعنتريات على ضفاف البوسفور وبَرَدى…

قراءات, قضايا

17  يناير  2018

نشر في موقع: القدس العربي

بلغت البلبلة القائمة في واشنطن إحدى ذرواتها في مجال تقاطع السياسة الخارجية والاستراتيجية العسكرية يوم الأحد الماضي. فقد أعلنت قيادة القوات الأمريكية المتواجدة في شمال سوريا، وتضمّ ألفي جندي حسب ما اقرّ به البنتاغون قبل شهر وبعد أنباء متضاربة عن تعدادها، أعلنت أنها في صدد تشكيل حرس حدود قوامه ثلاثون ألف عنصر من «قوات سوريا الديمقراطية»، التي تشكل «وحدات حماية الشعب» الكردية عمودها الفقري. ويأتي هذا الإعلان، فضلاً عن تأكيدات سبقته تشير إلى تمديد بقاء الوجود العسكري الأمريكي في سوريا حتى أجل غير مسمى، ليؤكد تصميم البنتاغون، والوزير المشرف عليه حالياً، الجنرال جيمس ماتيس، على المضي قدماً في الاستناد إلى «قوات سوريا الديمقراطية» حليفاً رئيسياً على الأراضي السورية. هذا وناهيكم من أنباء لم تؤكَّد، مفادها أن البنتاغون سلّم القوات المذكورة صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف.
وتندرج هذه السياسة في البراغماتية المعهودة لدى العسكريين في عدم الاكتراث للاعتبارات الأيديولوجية على حساب الفعالية العسكرية. هكذا رأينا القوات الأمريكية في تصديها للقوات اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية لا تتردد في مساندة القوات الشيوعية الصينية، على سبيل المثال لا الحصر. ومن يدرك السوابق التاريخية لا يتعجب من اختيار البنتاغون للقوات الكردية السورية حليفاً رئيسياً في محاربة تنظيم داعش على الأراضي السورية، كما لا يعجب من قرار العسكريين الأمريكيين الاحتفاظ بهذه الورقة الثمينة إزاء امتداد السيطرة الإيرانية/الأسدية المدعومة من روسيا على الأراضي السورية، فضلاً عن الاتكال عليها لمنع تسلل مجدّد لجماعة داعش عبر الحدود التركية والعراقية، علماً بأن الدولتين التركية والعراقية قد أثبتتا أنه لا يمكن الاعتماد عليهما في هذا الصدد.
أما البلبلة فتكمن في التضارب الفاقع بين قرار الجنرالات وأمنيات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يتصرف بوحي من أيديولوجية غارقة في الرجعية لا تنسجم مع براغماتية العسكر. والحال أن ترامب، الذي يكره كل ما له صبغة يسارية، كان قد أبلغ زميله التركي رجب طيب أردوغان، في حديث تلفوني بتاريخ 24 تشرين الثاني/نوفمبر أنه «أعطى تعليمات واضحة» لوقف تسليح «وحدات حماية الشعب» مصرّحاً أنه «كان ينبغي إنهاء هذا العبث منذ وقت طويل»، حسب ما نقل وزير الخارجية التركي. ولم ينفِ البيت الأبيض هذا النبأ، بل أكّده بتصريح رسمي أشار بكلام ديبلوماسي إلى «تعديلات وشيكة في الدعم العسكري الذي نقدمه لشركائنا على الأرض في سوريا، الآن وقد انتهت معركة الرقّة».
ومن الواضح أن للبنتاغون كلمة الفصل في الأمور العسكرية في وجه رئيس أمريكي يتخبط في غوغائه ولا هيبة له ولا احترام في نظر معاونيه، كما بيّن التحقيق المدوي الذي تضمنه كتاب «النار والغضب: داخل بيت ترامب الأبيض» وقد بات أشهر من نار على علم.
أما استراتيجية البنتاغون في الاعتماد على «قوات سوريا الديمقراطية» فيبدو أنها أصابت، لو قسنا فعاليتها بردود الفعل التي أثارها قرار تشكيل حرس الحدود من طرف موسكو وطهران ودمشق. فقد أدان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قرار البنتاغون متهماً الولايات المتحدة بأنها «لا تريد المحافظة على وحدة الأراضي السورية» (ظنّ اننا نسينا مواقف موسكو السابقة في التعاون مع القوات الكردية).
وبينما أكّدت طهران أن الحرس المزمع تشكيله «محكوم عليه بالفشل»، أعلنت دمشق أنه يشكّل «تعدّياً صارخاً على السيادة السورية» (ونعلم كم أن النظام السوري حريص على تلك السيادة!) وأن أي مواطن سوري يلتحق بالحرس المذكور سوف يُعتبر «خائناً».
أما الرئيس التركي فقد تخطى الجميع بالعنتريات، متوعداً في خطاب رنّان، ألقاه قبل يومين، بأن واجبه هو «وأد جيش الإرهاب»، وهو يقصد الحرس المزمع تشكيله بالطبع، انسجاماً مع تقاليد أنظمة الاضطهاد القومي في وصف الحركات التي تقاومها بالإرهابية، كما اعتدنا من الدولة الصهيونية إزاء المقاومة الفلسطينية. وقد أضاف أردوغان، قاصداً الأمريكيين: «أنزِلوا أعلامكم عن التنظيم الإرهابي بأنفسكم كي لا نضطر لأن نسلّمها لكم بأنفسنا. وانزعوا شاراتكم عن بدلات الإرهابيين كي لا نضطر لقبرها إلى جانب الإرهابيين».
تذكّرنا هذه العنتريات برفض أردوغان رفضاً صارماً الاعتذار من روسيا بعد إسقاط إحدى طائراتها في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، مع ردّه آنذاك بأن روسيا هي التي يتوجب عليها أن تعتذر، مما حدا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بوصف تركيا بأنها «تلحس الأمريكان في مكان معيّن» (كذا، في مؤتمر بوتين الصحافي بتاريخ 17 كانون الأول/ديسمبر 2015). وقد رأينا كيف أن الرئيس التركي ما لبث أن بلع المرّ وتراجع عن موقفه العنتري بعد أقل من عام ليعتذر من بوتين وينقلب إلى مشارك في لعبة موسكو في سوريا على حساب المعارضة السورية، وقد دفعت هذه الأخيرة ثمناً باهظاً لهذا الارتداد منذ معركة حلب حتى اليوم.
ويبدو أن «الجيش السوري الحرّ» قد استخلص العبرة من كل ذلك، لا سيما إزاء الهجوم الجاري حالياً في منطقة إدلب، فقرّر التوجّه نحو واشنطن من جديد. ومنذ أيام قليلة، يزور وفد من الجيش المذكور العاصمة الأمريكية لإجراء محادثات في البيت الأبيض والبنتاغون توخياً الحصول على دعم أمريكي نوعي من خلال إقناع واشنطن بالاتكال على «الجيش السوري الحرّ» ركيزةً ثانية لاستراتيجيتها في سوريا إلى جانب «قوات سوريا الديمقراطية».

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة