مجلة التطور: ماهية التأسيس والصراع الأيدولوجي

بروفايلات

13  يناير  2018

“نحن نؤمن بالتطور الدائم والتغيير المستمر”

“نحن نقاوم الأساطير والخرافات ونكافح القيم المتوارثة”

“نحن لا نريد منك أن تتبعنا، وإنما نريد منك أن تشق معنا الطريق”

“الدولة التي لا عدالة فيها خير لها ألا تكون”

“لكل فرد في الدولة الحق في أن يعيش حرا 24 ساعة في اليوم”

“الفن معمل بارود”

“على الدولة أن تكفل للمواطن حقه في الشعر والجنس والخبز”

فوق هذه الأعمدة شُيدت مجلة “التطور” في مصر في يناير 1940 كامتداد لتيار جماعة الفن والحرية، وكخطوة تقدمية مهمة في تاريخ الصحافة اليسارية والثورية في مصر. لكن الشهادات والأقاويل والروايات تعددت  حول كواليس تأسيس مجلة “التطور”، وما دار بداخلها خلال سبعة أعداد صدرت منها.  شيدت المجلة في البداية  بقوام أغلب كوادره من التروتسكيين والقريبين من الفكر التروتسكي من جماعة الفن والحرية،  بالإضافة لوجود قوى أخرى كان لها تأثيرها في تحرير المجل،ة وخاصة كوادر هامة من ممثلي “تحرير الشعب” بعد ذلك كامتداد لتواجدهم في جماعتي “الفن والحرية”  و”الخبز والحرية “) وهنا تعددت الروايات حول ماهية التأسيس وهذا ما  يؤكد أن “التطور” كان مسرحا للعديد من الصراعات والانتماءات الأيدلوجية من داخل الحركة اليسارية في ذلك الوقت.

فيقول “أنور كامل”:

في البداية  اتصلت بجماعة “المحاولين”  لكن صلتي بهذه الجماعة  لم تتعد زيارتين أو ثلاثة، لكنني لم أشعر بالقدرة على الاندماج معهم. وفي عام 1936 أصدرت كتابا أسمه الكتاب “المنبوذ” وقد صدر عن دار نشر كان يملكها “أحمد الصاوي”، وهي دار “مجلتي”، وعن طريق هذا الكتاب تعرفت بـ”كامل التلمساني” وقويت العلاقات بيننا بشكل وثيق ومستمر. وعن طريق”التلمساني” تعرفت بـ”جورج حنين” وتوثقت علاقتي به، وكان يرتب في ذلك الحين هو وعدد من المصريين للانفصال عن”المحاولين”. وبعدها اتصلنا بالنادي الديمقراطي، لكن لم نشعر بالارتياح معهم، وهكذا انفصلنا أنا و”جورج حنين” وكونّا جماعة الفن والحرية وأصدرنا سلسلة من النشرات، وأذكر أن أول نشراتنا كانت عنيفة جدا  بعنوان “يحيا الفن المنحط”،  وكان الاتجاه العام للبيان معادي للفاشية ودفاع عن حرية الرأي. وبعدها أصدرنا نشرة ثانية وكانت دراسة “لأندريه جيد” اعتقد أن عنوانها كان “دفاع عن الثقافة”. عقب ذلك تجمع حولنا عدد من الشبان وأحسست انه لابد أن تكون لنا مجلة. فحصلت على ترخيص مجلة “التطور” وكنت رئيس التحرير وصدر العدد الأول في يناير 1940.

أما “مارسيل إسرائيل” مؤسس التنظيم الشيوعي السري “تحرير الشعب” فكان له رواية أخرى، فيقول:

كما قام أعضاء تحرير الشعب بوضع أيديهم على مجلة “التطور” وأصدروها بعد ذلك  باسم “الفن والحياة”، وحولوها من مجلة فوضوية وسريالية إلى مجلة عمالية، لكن لسوء الحظ لم يتسع أمامها الوقت لتدعيم تأثيرها، فقد منعتها الرقابة بعد صدور عدة أعداد منها. وبعد أن فقدت “تحرير الشعب” كل من الإتحاد الديمقراطي و”الفن والحرية” كمنابر علنية، كونت بدلا منهما منبرين علنيين آخرين هما “الخبز والحرية” والذي اختير أسمه بوحي من معارضة المثقفين الفوضويين في اختيارهم لاسم الفن والحرية. أما التجمع الثاني فسُمي “ثقافة وفراغ”.

وهذا يعني أن “أنور كامل” استخدم مجلة “التطور” لتكون جنينا تنظيميا يتجمع فيه اتجاه شيوعي مصري، لكن انضم إلى “التطور”  كوادر سرية من تنظيم شيوعي سري آخر وهو “تحرير الشعب” الذي كان يرأسه “مارسيل إسرائيل”.

 ولكن  من المتفق عليه  أن “جورج حنين” قد قام  بتمويل مجلة “التطور” ورأس تحريرها “أنور كامل” وساهم “رمسيس يونان” بقوة في تحريرها، وهذا يعني أن عقل المجلة كان محركه الأكبر من التروتسكيين. لكن المجلة احتضنت أقلام  كل من الوطنيين الذين يقاومون الاحتلال الإنجليزي لمصر والشيوعيين الذين يرغبون في الدعاية للنظرية الماركسية، التروتسكيين الذين يعادون النموذج السوفييتي في تطبيق النظرية الماركسية، والليبراليين الرافضين لقيود التقاليد الاجتماعية البالية سواء كانت دينية أو جنسية أو مجتمعية.

وقد أدى هذا التنوع الأيديولوجي الموجود في الكتيبة الفكرية لمجلة “التطور” إلى أن تراوحت  مواقف المجلة من صفحة لأخرى، فقد تجد الاتجاه التروتسكي بارزا  في صفحة ما،  ثم تقلب الصفحة فتجد مقالات ودراسات فلسفية  ماركسية خالصة، وقصائد وأعمال فنية سريالية.  لكن على الرغم من ذلك، لم يأت ذكر الإتحاد السوفييتي إطلاقا  في أي من أعداد المجلة ولا حتى مرة واحدة، تجنبا للصدام الفكري الحاد الذي كان يتصدر هذه المرحلة. رغم ذلك كان  الصدام الفكري بين التروتسكيين وحاملي الرؤى والأيدلوجيات الأخرى آت لا محالة. فبعد ثلاثة أعداد شهرية تحمل تمويلها “جورج حنين” على أمل أن تتبلور الرؤى التروتسكية لتصبح المجلة تروتسكية خالصة، شعر أن الأمر بدأ يخرج عن سيطرة التروتسكيين، فأخذ يستخدم أسلوب الضغط المالي بدعوى أنه لا يستطيع تمويل المجلة، حتى أن العدد الرابع صدر في أبريل عام 1940 وقد كُتب على غلافه (لظروف خارج إرادتنا تأخر صدور هذا العدد كما ظهر في نصف حجمه المعتاد) وبرغم التطاحنات الأيدلوجية داخل المجلة فقد أصرت الجماعة القائمة على تحرير المجلة على تمويل العدد الخامس دون انتظار تمويل “جورج حنين”، فصدر العدد الخامس في نصف حجمه أيضا، إلى أن سحب “جورج حنين” الضمان المالي للمجلة فسحبت الحكومة ترخيص المجلة وتوقفت عن الصدور بعد عددها السابع في سبتمبر1940.

لكن هناك شهادة أخرى قالها “أنور كامل” فيما بعد تقول بأن “حسن رفعت” باشا وكيل وزارة الداخلية قام باستدعائه إلى مكتبه وطلب تخفيض حدة المواد المنشورة في المجلة حتى لا تضطر الحكومة إلى مصادرة المجلة. وما يؤكد هذا الأمر هي كلمات أنور كامل في افتتاحية العدد الخامس  حيث كتب افتتاحية بعنوان “نحن ودعاة الرجعية” قال فيها :

“قامت بعض الجمعيات بحملات متعددة ضد مجلة “التطور”. ولقد رفعت إحدى هذه الجمعيات إلى رئيس الوزراء كتابا تشير فيه إلى خطورة الدعوى التي تنادي بها هذه المجلة وإلى أنها تعمل على نشر الإباحية وهدم الفضيلة والدين وتقويض أركان النظامين الاجتماعي والدستوري اللذين تسير بمقتضاهما البلاد”.

هناك شهادات أخرى كشهادة “مارسيل إسرائيل”  تقول أن التضييق الحكومي كان وراء توقف مجلة “التطور” عن الصدور. أيا كان الأمر،  فإن أهمية مجلة “التطور” كانت تكمن في أنها كانت تجمعا تقدميا للمثقفين اليساريين على وجه الخصوص ،وبوابة عبور لهم من مصر الثلاثينات إلى مصر الأربعينات، التي تميز اليسار الماركسي فيها بالنضوج والتبلور النظري بعد أن كان في الثلاثينيات قد مر بمراحل جنينية تحمل كثيرا من الشروخ.

لكن، لكي نفهم طبيعة الصراعات الأيدلوجية داخل مجلة “التطور”، وبالتالي طبيعة الصراعات بين صفوف الطليعة الثقافية في ذلك الظرف التاريخي، هناك العديد من المواقف والمقالات والرؤى التي يظهر فيها هذا الصراع وعلينا أن نتفحصها جيدا.

فإذا عدنا إلى أحاديث “أنور كامل” رئيس تحرير مجلة “التطور” مع الباحثة الأمريكية “س. بوتمان” عام  1980سنجد  “أنور كامل” ينفي  في هذه الأحاديث أنه كان تروتسكيًّا في أي يوم من الأيام، سواء كان ذلك عند إصدار مجلة “التطور” 1940 أو بعد ذلك.

لكن الحقيقي أن جماعة الفن والحرية السريالية في مصر كانت الأم الشرعية لمجلة “التطور”، وكان التوافق الأيديولوجي بين السرياليين وبين التروتسكيين قد تطور قبل ذلك بسنوات منذ اتخذوا موقفا حادا من محاكمات موسكو في أعوام  36،37،38 ؛ ثم جاء بعد ذلك بيان  “نحو فن ثوري حر”،  الذي اشترك في كتابته كل من “أندريه بريتون” مؤسس الحركة السريالية العالمية و”ليون تروتسكي” مؤسس الأممية الرابعة. لقد كان هذا البيان دعوة لإنشاء إتحاد أممي في الفن، وقد نشأت جماعة الفن والحرية في مصر كمحاولة للمساهمة في هذا الإتحاد الأممي للفن، إلا أن هذا الإتحاد لم يكتمل، فسارت جماعة الفن والحرية في مسارها حتى وصلت امتداداتها إلى إنشاء مجلة “التطور”.

لقد كان اغلب السرياليين معجبين بتروتسكي إعجابا شديدا لكننا لا يمكننا في كل الأحوال وصف السرياليين التروتسكيين الخالصين، فلقد تبنت الحركة السريالية العالمية، وبالطبع المصرية ،مفهوما أناركي عن حرية الفن، ولذلك  كانت هناك اتهامات  معاصرة لمجلة “التطور” تتهمها بأنها شيدت  كمنبر للفوضويين والأناركيين.

وأغلب الظن أن هذه الاتهامات كانت بسبب بعض المقالات والترجمات الأناركية، مثل عرض “جورج حنين” لكتاب “مباعث النيران” ل”نقولا كالاس” وبعض الكتابات ل”كنتروفيتش”، هذا بالإضافة لما كُتب على الغلاف الخلفي للعدد الأول : “هل تريد أن تقتل كل الأدب والفن الحر في مصر؟ وأن تقضي على كل إصلاح وتجديد يتطلبه المجتمع؟ إذن فلا تشتري هذا العدد فستقتصد قرشين.”

ونأتي إلى كاتب آخر كتب في العدد الأول من مجلة “التطور” وهو “عبد المغني سعيد” الذي لم يكن  سرياليا أو  تروتسكيا،  بل كان  من الملتفين حول “محمود حسني العرابي” بعد عودته  من ألمانيا، وكانت مجموعة العرابي وسعيد هي المجموعة التي عقدت صلات مع عبد اللطيف البغدادي وغيره من الضباط الشبان.

وقد كتب أولى مقالاته في مجلة “التطور” بعنوان”ذلك الفقر الأزلي”، يقول في نهايته :

“فمتى أدرك أصحاب المصانع انه لا سبيل لتقدم صناعتهم ورواج منتجاتهم إلا برفع مستوى معيشة العمال عن طريق زيادة أجورهم، ومتى أدرك أصحاب المؤسسات التجارية والصناعية أن ما يدفعون للدولة من ضرائب مباشرة يُنفق منها على رفع مستوى معيشة العمال والفلاحين يعود إليهم باتساع سوقهم، ومتى أدرك رجال الحكم أن لا سبيل لتدعيم مركزنا السياسي والحربي إلا برفع مستوى المعيشة والقضاء على الجهل، متى أدرك رجل الحكم أن الإصلاح فكرة أساسية تتصل حلقاتها ببعض، بحيث لا تنمو نواحيه المختلفة إلا إذا نفذت في وقت واحد وفي اتجاه واحد ..كان طريق الإصلاح أمامهم سهلا ممهدا واستطاعوا بشيء من الروتين الحكومي  القيام بذلك الإصلاح المتطرف أو الثورة السلمية المنظمة” وهذا ينم عن موقف إصلاحي بحت.

ولقد كان لـ”عبد المغني سعيد” شهادته الخاصة عن ماهية تأسيس مجلة “التطور” في مذكراته، التي نشرتها مجلة الثقافة العمالية، فيقول أن أنور كامل كان في ذلك الوقت على علاقة تنظيمية مع محاولات “هنري كوريل” لتأسيس تنظيم الحركة المصرية  للتحرر الوطني ولقد نفى “هنري كوريل” و”أنور كامل” فيما بعد هذه العلاقة التنظيمية التي كتب عنها “عبد المغني سعيد”.

لكن كل هذا يطرح سؤالا مهما: لو كان ل”هنري كوريل” أو”مارسيل إسرائيل” علاقة تنظيمية  بمجلة “التطور” فلماذا لم يقم أحدهما بتمويل المجلة حين انسحب “جورج حنين” من تمويلها؟

أما إذا نظرنا للخريطة الأيدلوجية لمجلة “التطور” منذ تأسيسها حتى توقف صدورها، فسنجد أن “جورج حنين” كان الممول  و”أنور كامل” كان رئيس التحرير. “جورج حنين” تروتسكي يميل إلى الأناركية بعض الشيء، وكان “أنور كامل” يميل إلى التروتسكية وإن كان يختلف مع هذا التوجه في بعض الأمور، إلا أنهما كانا أصحاب اتجاه يساري ثوري تبلور فيما بعد. فقد أنفصل “أنور كامل” كليا عن جماعة الفن  والحرية منذ العدد الخامس من “التطور” مؤسسا الخبز والحرية، آملا في تنظيم يضم ثوار مصريين بعيدا عن الكوادر الأجنبية ،على العكس من “جورج حنين” الذي أستمر بالاختلاط مع الكوادر الأجنبية وكتابة الشعر بالفرنسية حتى مغادرته لمصر وإقامته في فرنسا حتى وفاته. وكان هناك أيضا “عبد المغني سعيد”، الذي تبنى موقفا إصلاحيا خالصا ومستكينا .وهناك موقف  ماركسي راديكالي عنيف ضد النظام الرأسمالي وتابعيه بكل أشكالهم وأنواعهم:  وتبنى هذا الموقف كل من  “عصام الدين حفني ناصف” و”علي كامل” و”رمسيس يونان” و”فيصل شهبندر” و”عبد العزيز هيكل”، عضو “تحرير الشعب”،الذي قام بنشر مسرحيتين من فصل واحد في أخر عددين من مجلة “التطور”،

كما كان ل”عبد الحميد الحديدي” و”رمسيس يونان” و”أنور كامل”  اتجاه قوى وحاد الطرح نحو تحرير المرأة المصرية المستعبدة، فكان ل”رمسيس يونان” مقال في العدد الثاني من “التطور” في فبراير 1940 بعنوان “حول إلغاء البغاء “مشكلة لها جذور ” يقول فيه: “ونحن لا نرى في البغاء إلا إفرازا قذرا لمجتمع مريض ملوث الدماء وإعلانا صارخا عن فساد هذا المجتمع في تقاليده  ونظامه الاقتصادي وثمرة مرة لمختلف أساليب الاستغلال المادي والروحي التي جعل منها هذا المجتمع أساسا لبنيانه، ولهذا فإننا لا نتفق مطلقا مع أولئك الذين يحاولون للبغاء أنواع العلاجات المرتجلة التي لا يراد بها سوى ستر العيوب وطلائها بمختلف المساحيق والأصباغ”.

كما كان ل”عبد الحميد الحديدي” مجموعة مقالات مهمة في مجلة “التطور” حول المرأة وتحررها وكانت عناوينها كالتالي: “كيف تكون لنا ثقافة جنسية” و”ذكور وإناث” و”الحب والجنس”. كما كان هناك مقال مهم في اتجاه تحرير المرأة  ل”كريستايل بانكهرست” بعنوان “المرأة المحاربة من أجل حقها في الانتخاب”

مجلة “التطور” والطفرة الأدبية والفنية

 لقد كانت “التطور” أول مجلة يسارية ثورية تطرح وبشدة دور الفن التقدمي وأهمية ربطه بالمجتمع على عكس ما وجه إليها من اتهامات بأنها كانت منبرا لأصحاب المنابر العاجية بالإضافة للترجمات الأدبية الاستثنائية التي لم تترجم إلى العربية من قبل ولم يعرفها القارئ العربي سوى عن طريق مجلة “التطور” ومن قبلها كوادر جماعة الفن والحرية.  فقد تم طرح رؤى لربط الفن بالمجتمع كان أبرزها مقال لـ”كامل التلمساني” بعنوان “نحو فن حر” ومقال “على كامل” “الثقافة والرجل المثقف” الذي نادى فيه بأن تكون الثقافة للجميع ولكل الطبقات على السواء وندد فيه بالاستغلال الطبقي الثقافي،

ولا ننسى أبدا ترجمة جورج حنين الأهم في مجلة “التطور” حيث ترجم فصل في الجحيم لآرثر رامبو، كما كانت هناك دراسة قوية عن الشاعر “بول إيلوار” في العدد الأول بعنوان شاعر العيون الخصبة، كما احتوى العدد الأول على قصة قصيرة للكاتب الاستثنائي “ألبير قصيري “بعنوان “قتل الحلاق امرأته”  وترجمها إلى العربية “على كامل”،  وقد  برز فيها انحياز  “ألبير قصيري” الثوري والواضح للطبقة الكادحة المصرية.فيما يلي  قطعة من تلك القصة توضح هذا الانحياز:

كان الطفل قذرا لكنه كان جميلا، كان عاريا تحت رداءه الملون بلون الأرض، كان يحمل حزنه في كل جوانب جسده.

ثم يأتي الحوار بين الحداد وأبنه :

– إن العيد ليس لنا يا ولدي فنحن فقراء،

– ولما نحن فقراء ؟

– اسمع يا ولدي،اذهب واجلس في ركن ودعني أشتغل،إذا كنا فقراء فذلك لأن الله نسينا

– ولكن متى سيذكرنا الله يا أبي ؟

– عندما ينسى الله إنسانا ينساه إلى الأبد يا ولدي.

وهناك قصة أخرى عظيمة  لألبير قصيري في العدد الثاني من “التطور” بعنوان “اضطرابات في مدرسة الشحاتين” يبرز فيها انحياز ألبير قصيري الواضح للطبقات الكادحة.

ولأول مرة في تاريخ الصحافة المصرية تم دمج الفن التشكيلي بالشعر داخل صفحات مجلة “التطور” كطرح ومنبر  للحركة السريالية، مثل نشر لوحات بصحبة قصائد ل”بيكاسو” و”بول أيلوار” و”كامل التلمساني” و”أنور كامل” و”فتحي البكري” و”فؤاد كامل” و”أنجلو دي ريز” وغيرهم.

مجلة “التطور” والدين وسلطته

لقد تناولت مجلة “التطور” مسألة الدين وسلطته في العديد من المقالات الهامة في ذلك الوقت، كان أبرزها وأشجعها هو مقال “زكي سلامة” في العدد الثاني بعنوان “نشوء فكرة الله وتطورها”.  ومن مقدمة المقال نقتبس الكلمات التالية:

“في البدء كان الله إحساسا يخفق في قلب الإنسان، وكان الإنسان طفلا صغيرا يتخبط في ظلمات الليل البهيم، يتحسس طريق الحياة بوحي من شعوره أكثر منه من وعيه، فيرعبه حجر يتدحرج أو غصن يهوى، أو برق يخطف أو برق يقصف، وتتراءى له كل هذه الظواهر كأنها مخلوقات حية مثله، لها من القوة والجبروت ما ليس له، وتتألب عليه عن قصد وسوء نية، فيعمل على مقاومتها طورا وعلى التضرع إليها طورا آخر، ظنا منه أن هذا الحجر المتدحرج إنما هو إله”

ايضا كان هناك مقال عاصف شديد اللهجة لـ”أنور كامل” في العدد الثالث من “التطور” بعنوان “تيارات رجعية” فكان المقال هجوما وتحليلا شاملا لسلطة رجال الدين عبر التاريخ ودورهم الرجعي وصراعهم التاريخي مع أي حراك تقدمي في المجتمعات، ثم يحول هجومه على جماعة الإخوان المسلمين، دون أن يذكر اسمهم، بينما يقول عنهم:

“جماعات نشأت في مصر في السنوات الأخيرة وعملت على مزج الدين بالسياسة من جديد مستغلة في هذا اسم الدين في الخصومات السياسية والمنازعات الحزبية الرخيصة. وإذا كانت هذه الحركات الرجعية قد اتخذت لنفسها هذا الشكل الهستيري الحاد فقد كان طبيعيا أن تضع في مقدمة أهدافها العمل على خنق حرية الفكر.

أيضا كان هناك هجوما عنيفا في مقال ل”عصام ناصف” على الشيخ “المراغي” وأطروحاته وهناك أيضا مقال ل”أنور كامل” بعنوان “بين الجامعة والأزهر”، يطالب فيه بفصل الجامعة عن الأزهر  حتى لا يكون الجيل الجديد مترددا بين العقلانية العلمية والرجعية الدينية.

وهكذا كانت “التطور” مصفاة وبوابة  لعبور طليعة المثقفين الثوريين في أواخر ثلاثينات القرن الماضي من مرحلة السخط المجرد والرفض غير المؤدلج إلى مرحلة الوعي الطبقي العلمي. البعض مر إلى الأربعينات متسلحا بهذا الوعي الطبقي العلمي والبعض الآخر اكتفى بالسخط القاصر والمراهق غير الواعي، فانقسمت جماعة الفن والحرية وتأسست جماعة الخبز والحرية بالإضافة لتنظيمات سرية أخرى كان لها دور بارز في الحركة الشيوعية المصرية والحركات التقدمية الأخرى  مثل “تحرير الشعب” و”الحركة المصرية للتحرر الوطني” وغيرها.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

أيام يوليو

دانيل جايدو

المَجد لكُلّ عَر-عَر

بسمة عبد العزيز

التجريد ضرورة ثورية موضوع المقال هو المنهج الجدلي عند ماركس، وبوجه أخص، "التجريد" كنمط من التفكير يكمن في صميم المنهج الجدلي.

عمر الشافعي