مشروع قانون لمكافحة الكراهية والعنف باسم الدين..مصادرة ما تبقي من المجال العام

قراءات, قضايا

09  يناير  2018

طرحت مشيخة الازهر مشروع قانون لمكافحة الكراهية والعنف باسم الدين، ومن المتوقع مناقشته في دور الانعقاد الحالي لمجلس النواب. لاقى مشروع القانون منذ طرحه اعتراضات واسعة من منظمات المجتمع المدني والقوي السياسية المصرية، التي اعتبرته وصاية دينية على معتقدات المواطنين المصريين.[1] سار مشروع القانون المقترح على نفس منهج قانون بناء الكنائس الذي خُصص أكثر من ثلثه لتعريف المصطلحات المستخدمة فيه، علماً بأن غالبها لا يثير أي لبس كمصطلحات المنبر، والصحن، والمنارة. ويعتمد مشروع القانون المقترح على الإسهاب في تعريف المعروف والمعلوم بالضرورة، لفتح المجال لمصادرة بعض الحقوق العامة بدلا من مواجهه الكراهية كجريمة.

بدأ مشروع القانون الذي جاء في 16 مادة بتعريف عدد من المصطلحات المستخدمة به، والتي اشارت المذكرة الإيضاحية للقانون أن السبب من وراء هذه التعريفات بيان مقصود الكلمات والعبارات الواردة في القانون على نحو يدفع عنها اللبس والغموض. إلا أن التعريفات التي تم إدراجها بمشروع القانون لم يؤد أي منها الغرض المشار إليه، حيث أسهبت في تعريف بعض المصطلحات المعروفة بالضرورة، واقتضبت عند تعريف بعض المصطلحات الهامة وعلى رأسها تعريف خطاب الكراهية، كما استبعدت هذه التعريفات بعض المواطنين من مجال الحماية التي من المفترض أن يفرضها القانون.

بين تعريف المُعرف، وترك المُجهل، وتضييق مجال الحماية

أورد مشروع القانون تعريفات لعدد من المصطلحات المعلومة بالضرورة والتي لا تحتاج إلى أي إيضاح ولا يحمل أي منها شيئا من اللبس أو الغموض منها (الدولة: مصر، المجتمع: المصري، الكتب السماوية: التوراة والإنجيل والقران، دور العبادة: المساجد والكنائس والإدارية والمعابد والأماكن المرخصة للعبادة، التمييز: كل تفرقة أو استثناء على أساس الدين أو العقيدة)، كما عرّف القانون المؤسسات التعليمية: بأنها الكيانات المعنية بالتعليم أيا كان نوعها أو طبيعتها، وهو كمن عرف الماء بعد الجهد بالماء، ثم تضيف لمتن التعريف “أيا كان نوعه أو طبيعته”.

وفي الوقت الذي أسهب فيه مشروع القانون في تعريف المصطلحات السابقة نجده عرف مصطلح خطاب الكراهية: بأنه “كل قول أو سلوك أو فعل علني يحرض على العنف أو يدفع إلى إثارة الفتنة الاجتماعية”. ورغما عن أن هذا المصطلح هو صلب القانون، إلا أنه جاء تعريفا مقتضبا، وغير منضبط، فلم يحدد التعريف أي معايير يمكن بناء عليها تحديد الخطاب الذي يمكن وصفه بخطاب الكراهية، واكتفى بالإشارة إلى النتيجة التي ستترتب على هذا الخطاب، وهو أن يكون محرضا على العنف أو يدفع إلى ما أسماه المشروع “إثارة الفتنة الاجتماعية”، وهي جملة فضفاضة جدا، تحتاج إلى تعريف مستقل.

الحماية للأديان السماوية وليس للمواطنين

تحدثت المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون[2] عن أنه “يأتي لمواجهه أي خطاب من شأنه الحض على نشر الكراهية والعنف والتمييز باسم الدين، أو بعث الفرقة بين أبناء الوطن الواحد وشق صفوف المجتمع وتمزيق نسيجه”. وفي هذا الاطار نصت المادة 2 على أنه من بين أهداف القانون “إعلاء مبادئ المواطنة والمساواة امام القانون وحرية العقيدة وحسن النية وقبول الآخر”. إلا أنه، وعلى النقيض من ذلك، فإن مادة التعريفات قصرت الحماية القانونية على الأديان السماوية، ليكرس القانون بذلك حماية لمعتنقي الأديان السماوية الثلاث وليس حماية للمواطنين المصريين، ولتصبح كلمات مثل المواطنة ونسيج الوطن ما هي إلا كلمات لتمرير هذا القانون، الذي يكرس لتحكم الدولة في عقيدة مواطنيها، وليس حماية الأقليات، واحترام الاختلاف العقائدي. فمشروع القانون بشكله الحالي لا يعترف بأصحاب العقائد غير السماوية كالبهائيين والملحدين واللادينين من المواطنين المصريين، على الرغم من أنهم الفئات الأكثر عرضة للاضطهاد وخطاب العنف والكراهية باسم الدين.

سرية البحث العملي في الأديان

بينما نصت المادة 3 على أن هذا القانون لا يخل بحقيقة اختلاف العقائد أو تعارضها أو حرية البحث العلمي فيها، أو حرية البحث العلمي في الأديان، ما يشير إلى أن صناع القانون مدركون لخطورة الحظر الذي سيفرضه القانون حال تطبيقه على حرية البحث العملي، إلا أن المادة 4 استدركت ذلك ونصت على انه لا يجوز الاحتجاج بحرية الرأي والتعبير والنقد أو حرية الإعلام أو النشر أو الإبداع للإتيان بأي قول أو عمل ينطوي على ما يخالف أحكام هذا القانون ومدي تأثيره. كما نصت المادة 6 على عدم جواز طرح المسائل العقائدية محل الخلاف أو التعارض للنقاش العلني في وسائل الاعلام، وكأن مشروع القانون يتيح البحث العلمي في الأديان ولكن في إطار من السرية، وبعيدا عن أي وسيلة من وسائل النشر

مواد التجريم: صياغات أدبية لجرائم وهمية

غلبت الطبيعة الإنشائية والبلاغية على لغة مواد التجريم الواردة بمشروع القانون، ولم تحدد أي منها معيارا لأي جريمة من الجرائم المذكورة.

فنصت المادة (6) على أنه “لا يجوز طرح المسائل العقائدية محل الخلاف أو التعارض للنقاش العلني في وسائل الإعلام على نحو يدفع المؤمنين بها للتصادم أو العنف” ولم تحدد أي من مواد القانون ما هي المسائل العقائدية محل الخلاف، وماهي المسائل العقائدية محل الاتفاق. كما لم تضع المادة أي معيار يمكن بناء عليه التحقق من وقوع هذه الجريمة غير المحددة.  ويساهم النص بهذه الصورة الفضفاضة في مصادرة أي مساحة من مساحات حرية الرأي والتعبير، كما أنه اعتبر سبب التجريم هو تصادم المؤمنين بها، وبذلك نجد القانون يواجه الأفعال العنيفة الناتجة عن ذلك في المادة (8) “يحظر نشر أو تكرار نشر أخبار أو صور أو حوارات أو أي مواد إعلامية سواء كانت مرئية أو مقروءة أو مسموعة إذا كان نشرها يؤدي إلى الحض على الكراهية أو زيادتها أو تأكيدها”

ولم يكتف الشروع هنا بتجريم فعل غير محدد المعايير كالحض على الكراهية، ولكنه أضاف بعض الملامح البلاغية ليؤكد على ضرورة مواجهة هذه الجريمة غير المحددة، بأن اعتبر زيادة الكراهية أو تأكيدها جرائم أيضا.

مصادرة المجال العام … سحب تراخيص المؤسسات الإعلامية والتعليمية

ألزم القانون في المادة (10) كافة المؤسسات التعليمية والإعلامية بنشر ثقافة التسامح والإخاء واحترام عقيدة الآخر، والمواطنة وآداب الاختلاف، ونبذ الكراهية والعنف والتعصب والتمييز على أساس الدين، واعتبر هذا الالتزام جزءا لا يتجزأ من تراخيص ممارسة النشاط لهذه المؤسسات، ثم قرر في المادة (15) إلغاء التراخيص الممنوحة للمؤسسات التعليمية والإعلامية التي تخل بهذه الالتزامات.

وللمرة الاولي في تاريخ قانون العقوبات المصري نجد عقابا مفروضا على الاخلال بالتزام، ليس فقط غير محدد ولكنه غير مُعرف من الأساس. فما معني الالتزام بنشر ثقافة التسامح والإخاء، وما هي معايير وأدوات نشر هذه الثقافة، وكيف يمكن إثبات تراخي أحد المؤسسات عن نشر هذه الثقافة، وماهي الطرق المتبعة في نشر ثقافة المواطنة والتي يمثل عدم الاقتضاء بها إخلالا يترتب عليه سحب ترخيص مؤسسة تعليمية أو إعلامية، وكيف لكل من هذه المؤسسات أن تثبت قيامها بدورها في نبذ الكراهية والعنف والتعصب.

 ولا يمكن النظر لهذا المشروع بعيدا عن ملابسات طرحه، في ظل ظرف عام تتهم فيه السلطة التنفيذية وعلى رأسها رئاسة الجمهورية كل من الإعلام والقضاء بالتسبب في عدم قدرة الدولة على التصدي للإرهاب[3]، ما دفع إلى تعديل قوانين الإجراءات الجنائية وتشكيل المجلس الأعلى للإعلام، وحجب عشرات المواقع الصحفية[4] مما لم ينتج عنه سوى تضييق المجال العام بشكل كبير جدا، وفي ظل ظرف خاص يتأجج فيه الصدام المحتدم بين الأزهر ومؤسسة الرئاسة، مع اتهامات الأخيرة للأزهر بغياب دوره في تجديد الخطاب الديني، ما دفع الأزهر إلى طرح مشروع القانون السابق عرضه، في محاولة للزود عن نفسه في مواجهه الهجوم الإعلامي والرسمي الموجه له، والذي يحمله نتيجة انتشار العنف والإرهاب، وكأن السلطة التنفيذية لا دور لها في مواجهه الإرهاب إلا انتقاد الإعلام والقضاء والأزهر. وبقراءة نصوص القانون نجد أنها لا تلبي سوى رغبة السلطة في مصادرة ما تبقى من هامش ضيق للمجال العام بعد فرض حالة الطوارئ، وإصدار قوانين الإرهاب والكيانات الإرهابية والتعديلات المتتالية على قانون الإجراءات الجنائية، وقوانين الإعلام الأخيرة. وفي ظل هذه الظروف لا أجد سبيلا إلا مناشدة الأزهر أن ينتبه لما يحدث من حوله وألا يجعل من نفسه سيفا للسلطة التنفيذية تنتزع به آخر ما تبقي من مساحات المجال العام. فمواجهه التطرف ليس مهمة الأزهر فحسب ولكنه مهمة كافة أجهزة الدولة وسلطاتها.

___________________________

[1]  المبادرة المصرية للحقوق الشخصية – الوصاية الدينية ليست حلا –  http://tinyurl.com/y9yuulqq

[2]  نص مشروع قانون الأزهر لمكافحة الكراهية والعنف باسم الدين http://tinyurl.com/yaawpeso

[3]  هجوم المنيا يعرّي سياسات مكافحة الإرهاب: والسلطة مهووسة بمصادرة المجال العام http://legal-agenda.com/article.php?id=3688

[4]  حجب 21 موقعا في مصر بالتزامن مع دول خليجية: حرية الرأي بين مطرقة الطوارئ وسندان مكافحة الإرهاب http://legal-agenda.com/article.php?id=3684

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة ليست السطور التالية مقالا تقليديا عن الطائفية وأسبابها، بل هي مزيج من تأملات وانطباعات ذاتية، وقراءة من وجهة نظر علم النفس وعلم الاجتماع، وتلخيص لنقاشات موسعة داخل الحركة الديمقراطية، أتمنى أن تكون مفيدة في إثراء النقاشات حول الموضوع.

سالي توما

الأخلاق والتغيير

محسن البلاسي