عن الإرهاب والعدالة المكانية الغائبة

قراءات, قضايا

08  يناير  2018

في إطار أكثر من نقاش على مدار الأعوام الأربع الماضية، والتي شهدت أسوأ العمليات الإرهابية وأكثرها عددا وانتشارا وضحايا في تاريخ مصر، دائما ما كانت هناك محاولات جادة لتفسير الفعل الإرهابي وخطوط انتشاره وأماكن توزيع العمليات الإرهابية والمستهدفين منه، وردات فعل الشارع والأطراف السياسية المختلفة لهذا الحادث أو ذاك، لكن أيا منها لم يشهد جدلا أعمق من محاولة تفسير حادث حلوان الذي كدر صفو الاحتفالات بأعياد الميلاد من حيث محاولات تفسير ردة فعل أهل المنطقة ومقارنتها بردات فعل أخرى تجاه استهداف الكنائس.

لكن المحاولة الأكثر جدية وإثارة للأسئلة وتفتيحا للذهن مما قرأت هي محاولة الدكتور مصطفى كامل السيد، التي طرحها على صفحته والتي أنقلها نصا هنا: “ما هو الفارق بين سكان حلوان وسكان أطفيح. الأولون فيهم مسلمون هبوا للدفاع عن كنيسة وحماية جيرانهم من الأقباط، وبعض الآخرين خرجوا في مظاهرة عارمة يرددون فيها ذلك الشعار البغيض الذي أكره أن أكرره، ولا يخجلون من القول بأنهم اتفقوا مع جيرانهم الأقباط على ألا يقيموا فوقها منارة، أو يرفعوا عليها الصليب أو يضعوا فيها جرسا؟ وأين هي الدولة التي سجن ممثلوها صاحب المبنى الذي كان المسيحيون يتعبدون فيه بدعوى أنه خالف القانون لعدم حصوله علي تصريح بالسماح بالعبادة فيه؟ علما بأن دستور هذه الدولة وتصديقها على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية يلزمها باحترام حرية العقائد بما في ذلك حق أصحاب العقائد المختلفة في ممارسة شعائر عبادتهم علنا وخصوصا، فلنا أن نسألها هل تظهر نفس الغيرة علىاحترام قوانينها بالنسبة لآلاف الزوايا المنتشرة في كافة أنحاء البلاد وبدون ترخيص؟ أم أنها تفسر التزاماتها القانونية على نحو يختلف ما بين السنة والشيعة، المسلمين وغير المسلمين؟”.

“هل يكون الفارق بين سكان حلوان وسكان أطفيح هو الفارق بين المدينة الصناعية بتعدديتها الاجتماعية والمدينة الصغيرة بدرجة التجانس الاجتماعيالأعلى فيها. ولكن ألا تعرف المدن الصغيرة في الوجه البحري مثلا ما تعرفه أطفيح من ممارسات؟ أم أن الفارق هو أن بعض محدودي الفهم من المسلمين لهم تأثير أقوي في مجتمع أطفيح عنه في حلوان؟ وما الذي يحول دون أن يصبح أغلب المسلمين في مصر مثل سكان حلوان؟ وأن يُصبح كل رجال الدين في مصر مثل خطيب الجامع في حلوان الذي دعا المسلمين لحماية كنيسة الأقباط؟ لو كان هناك خبر واحد أسعدني في سنة ٢٠١٧ فهو موقف سكان حلوان”.

ولأني أعتبر نفسي واحدا من أولئك الذين عاشوا تحدي المينة-القرية، حاولت الاشتباك مع بعض أسئلة أستاذي الدكتور مصطفى كامل، فحلوان رغم أن لمعظم سكانها أصولا ريفية صعيدية أو بحراوية إلا أن مستوى الخدمات فيها أعلى طبعا بمراحل، وشبه الدولة موجودة فيها بأكثر من المعنى الأمني، بينما كل المراكز والمدن على خط النيل، من أول حلوان لحد أسوان باستثناء عواصم المحافظات شبه الدولة=الحكومة= الشرطة تعيش وفقط مع حرمان شديد من الخدمات العامة ونشاط زراعي طاغي ولايؤمن العيش وحده للسكان بالإضافة لهجرات جماعية للخليج وليبيا مع صور نمطية سلبية سائدة عن الآخر لدى المسلمين والمسيحيين، وإن تعايشوا معا. يعني حضرتك متخيل أنه 90% من المواطنين في المنطقة من أول البدرشين لحد أبوسمبل من الممكن يضيعوا يوما في كل شهر من أجل تغيير أنبوبة بوتاجاز ويوما آخر لصرف المعاشات، وإذا أراد أحدهم أن يسحب مالا من ماكينة صراف آلي أو أراد الذهاب للجامعة أو إلى أقرب مستشفى عام، قد يحتاج لتغيير 3 وسائل انتقالات مرتفعة التكلفة، ليس من بينها أية وسيلة نقل عام تشير إلى أنه هناك شبه دولة في تلك المنطقة، ناهيك عن أن أكثر من 60% من القرى التابعة لمدن الصعيد بأكمله ليس بها صرف صحي، وعلى المواطن أن يتحمل كلفة هذا الصرف غير الصحي.فأية عدالة تلك؟ وكيف يمكن تعويض هؤلاء المواطنين عن سنوات الحرمان تلك؟

لنا أن نتخيل، وفي ظل ظروف البطالة والتضخم والركود التي فاقمتها السياسات الاقتصادية الخاطئة،أن ثمة العديد من الأسر في مدن وقرى الأقاليم تتحمل كلفة أعلى للحصول على خدمات أكثر رداءة من تلك التي يحصل عليها ساكنو العاصمة وعواصم المحافظات. فالطالب الذي يسكن في أية مدينة من المدن الممتدة على الخط الواصل بين الجيزة وأسوان إذا أراد الذهاب للجامعة، فإنه، مالم يكن ساكنا مباشرة على خطة الجيزة أسوان الزراعي، غالبا سيغير أكثر من 3مواصلات لكي يصل إلى جامعته وبكلفة يومية لن تقل عن 20جم ذهابا وإيابا.والمسافة بين كثير من القري والمدن وبين عاصمة المحافظة أو المكان الذي تتوافر فيه الجامعة قد تتجاوز المسافة بين القاهرة والإسكندرية. يعاني الطلبة وأساتذة الجامعة وكثير من الموظفين في الأقاليم، وبالذات في الصعيد، أضعاف ما يعانيه نظرائهم في القاهرة والدلتا حيث المدن المتقاربة،ثم يتم وصمهم إما بأنهم صعايدة ومقفلين ودماغهم حجر أو فلاحين لئام من أشرار الخلق المتطفلين على المدن، مع أنه لو كان هناك شبكة نقل عام فائق السرعة وأسعارها في متناول الجميع، فإنني شخصيا لا أعتقد أن المدن والعشوائيات كانت لتنمو بتلك السرعة، ولا أعتقد أن أكثر من نصف سكانها الحاليين كانوا سيفضلون البقاء فيها.

تبقى مناقشات مدى التقصير الأمني من عدمه في هذه الحوادث سطحية في بعض جوانبها، لكن النتيجة الأسوأ، التي لا يريد الكثيرون الاعتراف بها، هي أننا وصلنا لترهل أمني يلخصه مشهد انسحاب المدرعة أمام مسلح، بينما المدرعات من نفس النوع كانت تدهس المتظاهرين العزل، وعلى أقل تقدير كانت تواجه التظاهرات السلمية بضراوة كلما سنحت لها الفرصة.هذا الترهل هو نتيجة طبيعية لسياسات الفساد والمحسوبية التي تداربها البلد منذ زمن طويل، وهي نتيجة حتميةلكون قرابة الـ60 ألف ضابطخريجي كلية الشرطة وقرابة الـ120 ألف ضابط خريجي الكليات الحربية، هم ابناء اللواء والعقيد والقاضي وأعضاء مجلس الشعب أو على قرابة ومصالح مباشرة معهم، مع توافقات الدولة مع كبار العائلات في الصعيد. هذه التوازنات والتوافقات تحتاج بالضرورة لمراجعة جذرية للحفاظ على استقرار أي نظام واستقرار المجتمع الذي يريد أن يحكمه ويحتفظ فيه بعلاقات طيبة بين المؤسسات والمجتمع بعد ثورة أو ثورتين كما يحلو للبعض.

ففي أي دولة في العالم تقاس نجاعة أجهزة ومؤسسات الدولة، وبالذات الجهاز الأمني،بمدى قدرتها على ممارسة الضبط للخارجين عن القانون وليس ممارسة الضبط على المدنيين الذين يمارسون حقا قانونيا ودستوريا بالتظاهر والاحتجاج السلمي على أوضاعهم المعيشية المتردية التي من أقل حقوقهم التعبير عن الامتعاض منها.

كما أن معيار قوة الاقتصادات في تنويعها لمصادر دخول مواطنيها وتحقيقها لتوازنات بين القطاعات الاقتصادية المختلفة، لا يجب أن يعتمد على قطاع أو قطاعين كالخدمات بينما يُترك المزارعون وحدهم يواجهون منافسة عالمية شرسة على أرض دولتهم وليس في الخارج فقط، بل إن من عناصر ضعف الاقتصادات اعتمادها بشكل كبير على القطاع الخارجي (استثمارات وقروض ومنح وتحويلات عمالة وخدمات مرتبطة بالسياحة ومرور العبور بالقناة) لأنها مرتبطة أكثر بعناصر لا تمتلك الحكومات المحلية التحكم بها ولا توقعها، ممايضع اقتصادها في حالة لايقين متناهية.

ثمة أوضاع لا مساواة مكانية متزايدة وحرمان من الخدمات العامة لدي ساكني الأطراف لا يمكن إنكاره رغم قلة البيانات المتاحة عنه، لأنه ملاحظ لكل ذي نظر. لكن هذه الأوضاع تحتاج لمشاريع بحثية جادة ولإتاحة جيدة للمعلومات التي تمكن من الوقوف على حقيقة هذه اللامساواة في الخدمات ومؤشرات التنمية لكي يتم التحديد الدقيق لأولوية أماكن وقطاعات على أخرى في خطط وسياسات تستهدف التنمية، ذلك إن كانت هناك إرادة حقيقية لمواجهة هذه المظالم المتراكمة لتحييد أحد أسباب التطرف والعنف وهو سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

بالطبع لا يمكن تبرير العنف والإرهاب تحت أي ظرف، لكنني كباحث أظن أن الكثير من الأسئلة في محاولة لتفسير ظاهرة تنامي العنف والتطرف والإرهاب لابد أن تُطرح وتناقش بعمق أكبر، وهي ليست موجهة لهدم الدولة أبدا، بل تستحضر دورا أكبر للدولة ورغبة مستبطنة في دولة قوية ومجتمع قوي يستطيعان معا ووحدهما تجاوز معضلة الإرهاب وتحقيق التنمية والعدالة والكرامة لجميع المصريين

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

معترك جديد

أحمد ماهر

الربيع العربي: ضد التفاؤل والتشاؤم السطحيين إن استيعاب القصة بعقدتها متعددة الجوانب لن يحمينا فقط من العواطف السياسية السطحية، بل سيوفر لنا أيضا الدروس الصحيحة المستفادة للتعامل مع صراعات المستقبل. ويعد كتاب "الأعراض المرضية" لجلبير أشقر، وكتاب "عمال ولصوص" لجويل بينين، نموذجين جيدين للتحليلات الهامة التي تهدف للفهم الصحيح لما حدث.

عاطف سعيد