مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية (5)

قراءات, قضايا

06  يناير  2018

هل هناك حقا نظرية لينينية في الحزب؟

أنت بصدد بناء منظمة حزبية ماركسية تتطلع للثورة الاشتراكية، حديث العهد إلى هذا الحد أو ذاك بالتقليد الماركسي وبالنضال الحزبي، تخطو خطواتك الأولى في مسار بالغ التعقيد وحافل بالمشقة والمخاطر، أليس من البديهي أن تتضمن أسئلتك الأولى سؤالي: بم نبدأ؟ وما العمل؟ ومن محاسن الصدف أن لينين شخصيا، قائد الثورة الاشتراكية الأولى في التاريخ، وقد أضفيت عليه مسوح القداسة والعصمة(وجسده الضئيل يرقد محنطا في الميدان الأحمر في موسكو) صاحب مؤلفين مهمين ومتتابعين زمينا بعنواني: “بم نبدأ؟” و”ما العمل؟”.

الإجابة إذن جاهزة في المقرر، وما عليك إلا أن تحسن قراءتها واستيعابها لتعمل على تطبيقها وتكييفها في ظل ظروف هي بكل تأكيد شديدة الاختلاف عن ظروف بناء حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي وانقسامه إلى بلاشفة ومناشفة في مطلع القرن.

المشكلة أن الأمر أكثر تعقيدا بكثير من أن يجد اجابته في نصين كتب أولهما (بم نبدأ) في 1901 والثاني (ما العمل) في 1902. ولكن دعني أذهب لأبعد من ذلك لأطرح سؤالا مهرطقا: هل هناك فعلا ما يمكن أن نطلق عليه “النظرية اللينينية في الحزب”؟

لا أظن. فلينين في النصين المشار إليهما كان معنيا بأمرين جوهريين، أحدهما عام والآخر شديد الخصوصية. واعتقادي أن “العام” هو فقط الذي يصلح أن نطلق عليه صفة “النظرية”، أما “شديد الخصوصية” فيبقى مادة أولية يمكن أن يُستنتج منها اسهامات نظرية عامة، ولكنها لا تصلح لأن تكون كذلك في حد ذاتها. وإذا كان الأمر كذلك، يعدو إسهام “بم نبدأ” و”ما العمل؟” وبعدهما “خطوة للأمام، خطوتان للوراء” هو في حقيقة الأمر اسهاما حاسما في نظرية الثورة الاشتراكية، بأكثر كثيرا مما هو اسهام في نظرية عامة للحزب الاشتراكي الثوري.

نظرية في الحزب أم نظرية في الثورة؟

جوهر صراع لينين مع النزعة البرنشتينية في الحركة الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا، ومع مارتوف ومؤيديه في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي، هو في حقيقة الأمر صراع ضد الميول الإصلاحية المتنامية وقتها في صفوف الحركة الاشتراكية الديمقراطية بوجه عام، وهو ما تمثل في حالة النضال الثوري في روسيا القيصرية في تأكيد لينين على أن “الثورة الديمقراطية” هي في صميم المهمات الثورية للطبقة العاملة والكادحين، ومن ثم حزبهم السياسي، وليست  شأنا يُترك للبرجوازية الليبرالية؛ بينما يعنى الحزب الاشتراكي بالدفاع عن المصالح الاقتصادية المباشرة للعمال والكادحين، ويتحالف مع البرجوازية الليبرالية ويسير في ركابها فيما يتعلق بانجاز الثورة الديمقراطية، وهو ما أثبتته بدلا من المرة عشرات المرات تجربة النضال الثوري للحركة الاشتراكية خلال القرن العشرين وحتى يومنا هذا.

تصدي الطبقة العاملة وحزبها الثوري لقيادة الثورة الديمقراطية كحلقة من حلقات الثورة الاشتراكية (“الديمقراطية الأتم”، كما وصفها لينين في “الدولة والثورة” عام 1917) هو في تقديري الإسهام النظري الأهم إطلاقا لمؤلفي لينين المشار اليهما أعلاه، وهو ما استمر لينين في البرهنة عليه والصراع حوله (لا بين البلاشفة والمناشفة والثوريين الاشتراكيين فحسب، ولكن في صفوف حزبه البلشفي نفسه) طوال المسيرة الحافلة للنضال الثوري الروسي من “بم نبدأ” و”ما العمل”، وحتى “رسائل من بعيد” و”موضوعات إبريل” و”الدولة والثورة” عام 1917.

ماذا إذن عن “نظرية الحزب”؟

نجد أنفسنا هنا إزاء أطروحتين متمايزتين في واقع الأمر: 1- حزب مناضلين أم حزب متعاطفين (الصراع حول المادة الثانية من لائحة الحزب)، و2- نظرية الوعي والعفوية، والعلاقة بين النضال السياسي والنضال الاقتصادي.

في الأطروحة الأولى يتبنى لينين، ويدافع بشراسة، عن تصور لبناء الحزب كحزب من المناضلين الأشداء، مختبرين في المعارك اليومية، يتمسكون لأقصى حد بصيانة سرية الحزب، يحترفون العمل الثوري في نضال لا ينقطع، ومنضبطين “انضباطا حديديا”، وهو ما تم التعبير عنه لائحيا في قصر عضوية الحزب على من ينتمون لمنظمة حزبية، وليس كل من يوافق على برنامج الحزب ويتعاطف مع مبادئه.

لا شك عندي في أن هذه الصيغة كانت هي الصيغة الأمثل لبناء حزب ثوري في ظل حكم أوتوقراطي قمعي مُغرِق في الاستبداد، ذلك الذي مثلته روسيا القيصرية. ولكن ليس هناك ما يبرهن على أنها الصيغة الأمثل لكل حزب اشتراكي ثوري في كل زمان ومكان، وذلك فضلا عن أن حجج لينين في هذا المقام عرضته لانتقادات بالغة العنف ممن لا يمكن الشك في ثوريتهم، ومن بينهم ليون تروتسكي وروزا لوكسمبورج، واتهما لينين بالاستبداد والديكتاتورية. وفي أي الأحوال لا يمكننا اختزال نظرية عامة للحزب الاشتراكي الثوري في مادة لائحية.

أما في واقع الأمر، فالتاريخ الفعلي للبلاشفة يكشف عن مبالغات هائلة في حقيقة “الانضباط الحديدي” لحزبهم، والأهم، في أثرها على مسار النضال الثوري في روسيا وصولا لثورة أكتوبر 1917. فقد كان من مصلحة البرجوازيات في العالم بأسره إنكار أن ثورة أكتوبر كانت ثورة الجماهير الغفيرة من العمال والفلاحين والجنود، منظمين في منظمات جماهيرية ابتدعوها بأنفسهم في ثورة 1905، وقاموا باحيائها في فبراير 17، وأن ينسبونها في المقابل لمؤامرة حفنة من الكوادر المدربة والمنضبطة “انضباطا حديديا” لزعيم ديكتاتور اسمه لينين. ولعله من الواضح ما كان “للرفيق” ستالين من مصلحة مشتركة في هذا المضمار.

لا شك في أن بناء الحزب البلشفي كحزب مناضلين كان له تأثير ما في أن يكون هو الحزب المؤهل لقيادة سوفيتات العمال والفلاحين والجنود للمضي قدما بالثورة الديمقراطية في فبراير 17 لنتيجتها المنطقية الوحيدة، ألا وهي الثورة الاشتراكية في أكتوبر من العام نفسه. ولكن الأهم تماما، وبصورة حاسمة، هو أن أولئك المناضلين قد تربوا على أن الثورة الديمقراطية هي شأن الطبقة العاملة وجماهير الكادحين وحزبهم أو أحزابهم السياسية، وبالتالي فما هي إلا حلقة في مسارالثورة الاشتراكية. أي أن الأمر الحاسم في الانتقال من ثورة فبراير الديمقراطية – وقامت بها سوفيتات العمال والفلاحين والجنود وركبتها البرجوازية الليبرالية-إلى ثورة أكتوبر الاشتراكية – وقامت بها تلك السوفيتات نفسها – هو أمر يتعلق بالسياسة الثورية للبلاشفة أكثر بكثير مما يتعلق بمدى انضباط وصرامة تنظيمهم الحزبي، فضلا عن أسطورة ديكتاتورية لينين وانصياع البلاشفة لأوامره.

ومع ذلك، يبقى ذلك الأثر مبالغ فيه بشدة في حقيقة الأمر. فنحن إزاء حزب لم تتجاوز عضويته خلال ثورة فبراير 25 ألف عضوا، لتصل إلى 250 ألفا عشية ثورة أكتوبر، وكان البلاشفة أقلية في السوفيتات في فبراير، ولا يتحولون إلى أغلبية إلا في أواخر سبتمبر من العام نفسه. أما لينين “ديكتاتور الحزب” فكان بدوره أقلية في اللجنة المركزية للبلاشفة، ويتعامل ستالين وزينوفييف،بعد أن توليا رئاسة جريدة الحزب “البرافدا” مع نصوصه الحاسمة في ضرورة الانتقال فورا للثورة الاشتراكية، أي “رسائل من بعيد”، و”موضوعات إبريل” بالحذف والححب. وبينما يطالب لينين بالنضال ضد الحكومة المؤقتة، تدعو جريدة حزبه “البرافدا”، تحت رئاسة ستالين وزينوفييف، لتأييدها. تروتسكي، ورغم خصومة مع لينين تعود لمطلع القرن، ينضم للبلاشفة وهو في السجن في أغسطس 17، ليصبح خلال أسابيع محدودة رئيس سوفيت بتروجراد والقائد العملي للانتفاضة المسلحة في أكتوبر. كامنيف وزينوفييف لا يكتفيان بالاعتراض على قرار اللجنة المركزية بالانتفاضة المسلحة، ولكن يفشيان سر الانتفاضة وتوقيتها، مما يدعو لينين للمطالبة بفصلهما من الحزب، ومع ذلك يبقى كلاهما عضوا في المكتب السياسي للحزب (وكان من سبعة أعضاء فقط، بما فيهم لينين وتروتسكي) ويتولى زينوفييف رئاسة الأممية الشيوعية من عام 1920 حتى يزيحه ستالين في 26 ثم يقوم باعدامه في 36.

أين “الانضباط الحديدي” و”ديكتاتورية لينين” في كل هذا؟ وأغلب ظني أن زعيم تنظيم من بضعة عشرات عندنا ربما يحظى بسلطات ونفوذ وهيبة لم يتمتع بها لينين طوال حياته.

لا مشكلة إذن في رؤية لينين لمقتضيات بناء حزب ماركسي ثوري في روسيا القيصرية، ويمكن الاستفادة منها كتجربة خاصة في ظروف خاصة، تُستخلص منها استنتاجات عامة، قابلة للتطويع والتطبيق في ظروف مختلفة، ولكنها لا ترقى بالتأكيد لأن نتعامل معها كنظرية عامة في الحزب الاشتراكي الثوري. فثمة ظروف نضال قد تقتضي منظمة حزبية تقتصر على مناضلين محترفين، وأخرى قد تتطلب تنظيما حزبيا فضفاضا يتسع لكل من يتبنى برنامج الحزب، سواء كان مناضلا محترفا أو متعاطفا مع مبادئ الحزب ورؤيته ومتبنيا لبرنامجه. وغني عن الذكر أن السرية أو العلنية أو نصف السرية ونصف العلنية، هي أمور تخضغ تماما للظروف العينية المحددة للنضال في المكان والزمان.

المشكلة الكبرى هي أن كتابات لينين في مسألة الحزب الثوري تم تحويلها – على أيدي الستالينية بشكل أساسي، وإن لم تقتصر عليها – لحجج تكرس منهجا استبداليا مدمرا، فتستبدل الطبقة بطليعتها، والطليعة بالحزب، والحزب بلجنته المركزية، واللجنة المركزية بمكتبها السياسي، والمكتب السياسي بالزعيم الملهم الرابض على قمة الجميع. وفي ظل نزعة استبدالية كهذه لا يعدو “الانضباط الحديدي” غير خضوع للاستبداد. وإذا كان يمكننا تبرئة تجربة البلاشفة من تلك النزعة الاستبدالية بوجه عام، ولا تصل إلى كامل تبلورها إلا مع استيلاء ستالين على الحزب، فليس بوسعنا تبرئة كتابات لينين في قضية الحزب منها تماما، وهي تحفل في حقيقة الأمر بما قد يؤيدها. بل ولعلي أضيف أن ستالين لم يأت من فراغ، وأن تجربة البلاشفة بعد ثورة أكتوبر، وفي ظل قيادة لينين وتروتسكي، لم تخل من مقدمات مهمة لميول استبدالية واستبدادية، لا أظن أن الحرب الأهلية وحروب التدخل بكل ويلاتها تقدم تبريرا كافيا لها.

تنظير الملموس: الحزب الثوري كأركان حرب

يبقى الأهم من ذلك كله، والأكثر وبالا على مسألة الحزب الاشتراكي الثوري في كتابات لينين آنفة الذكر، هو مسعاه لصياغة الاحتياجات الملحة والملموسة تماما لبناء حزب ثوري في روسيا القيصرية في مطلع القرن العشرين كنظرية عامة، وذلك عبر صياغته لمقولتين حاكمتين ومترابطتين، هما: “حزب الطليعة” و”الوعي والعفوية”. ولعلي أؤكد بداية أن نقدي لما يسمى “بالنظرية اللينينية في الحزب” لا يعنى رفض منطلقاتها الجوهرية في أن لا ثورة اشتراكية بدون حزب اشتراكي ثوري، ولا حزب اشتراكي ثوري بدون نظرية ثورية. المشكلة ليست هنا، كما سأوضح لاحقا. ولعلي أعيد التأكيد أيضا على انحيازي التام لما وصفته أعلاه بنظرية لينين في الثورة، وهي عندي جوهر كتاباته في التنظيم، ألا وهي الماثلة في القول بأن الثورة الديمقراطية هي شأن الطبقة العاملة وجماهير الكادحين، في المدينة والريف، وليست قط شأنا يُترك للبرجوازية الليبرالية. وقد بيّن التاريخ بدلا من المرة ألف (من الثورة الفرنسية في 1789 إلى الثورة المصرية في 2011) أن هذه لا تلبث تجهض الثورة الديمقراطية، إما بتدجينها وتقليم أظافرها أو بتسليمها – خيبة أو طواعية أو كلاهما معا – لمنقذ ما، يتولى مهمات انهاء الثورة، استيعابا أو قهرا أو كلاهما معا. ولعلي أزيد، أن ما الثورة الاشتراكية إلا ثورة ديمقراطية مستمرة، وما الاشتراكية – على حد قول لينين نفسه – إلا ديمقراطية حتى النهاية، ديمقراطية أتم.

غير أن ثمة مفارقة كبرى في صياغة لينين لمفهوم حزب الطبقة العاملة باعتباره “طليعة” الطبقة، أركان حربها، كتيبتها المتقدمة، أشجع عناصرها، وأكثرهم وعيا واقداما، وهذه تكمن ببساطة في انها تتناقض بشكل حاسم مع تجربة الثورة الروسية نفسها في 1905 وفي فبراير وأكتوبر 17، والتناقض نفسه يبدو ساطعا في كل ما نعرفه من تجارب ثورية.

ولا نجادل هنا في أن النضال الثوري، بما فيه تلك اللحظات السحرية للنهوض (في إضراب عمالي او انتفاضة طلابية أو تمرد فلاحي أو ثورة شعبية) لا يشمل في أي زمان ومكان كامل الفئة الاجتماعية أو الطبقة أو الشعب من أصحاب المصلحة في ذلك النضال، أو كل الساخطين على الظلم والاضطهاد والاستغلال والتواقين للحرية ولمجتمع وحياة أكثر عدالة وانسانية. دائما هناك من يتقدم الصفوف، من يبدون استعدادا أعلى للمقاومة والتضحية ويظهرون شجاعة وإقداما، بل وابداعا خلاقا ومدهشا، عادة ما يفوق أقصى توقعات الكوادر الحزبية الثورية.

وهنا تكمن المشكلة. فالقول بأن حزب الطبقة العاملة الثوري هو طليعة الطبقة ويسير ورائهما الفلاحون وجماهير الكادحين بمختلف فئاتهم الاجتماعية، يختزل التعقيد الهائل للعملية الثورية اختزالا مروعا، ويوحي بجيش نظامي يتحرك وفقا لأوامر أركان حربه، ولطالما استخدم لينين التشبيه الأخير (أي أركان الحرب) كوصف لطبيعة الحزب الثوري ولدوره. غير أن تجربة النضال الثوري في كل مكان وزمان، بما فيها تجربة الثورة الروسية نفسها، تقدم صورة شديدة الاختلاف، تكاد تماثل الفارق بين الصورة الفوتوغرافية لبطاقة الهوية أو جواز السفر وبين لوحة لبيكاسو.

البلاشفة لم يخترعوا السوفيتات وانما ابتدعها العمال الروس في ثورة 1905، ولم يتوقعوا، لا هم ولا غيرهم من الأحزاب اليسارية الروسية، ثورة فبراير 1917 وهي التي أطلقها احتجاج(عفوي) شاركت فيه مئات الآلاف من العاملات الروسيات في بتروجراد بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، لتنبعث السوفيتات كشكل للتنظيم الجماهيري الواسع يضم ملايين العمال والفلاحين والجنود، ويشكل الأداة الحاسمة لاستمرار الثورة.

ودعنا هنا نتوقف عند ثورة أكتوبر نفسها، فهي تبدو للوهلة الأولى أبلغ تأكيد لمفهوم حزب الطليعة: قيادة الحزب البلشفي تتخذ قرار الانتفاضة المسلحة للاستيلاء على سلطة الدولة، وتحدد توقيته، وتقدم قيادته السياسية والعملياتية، ويُنفذ القرار بدقة متناهية وبتنظيم بالغ الإحكام، وبانضباط تُضرب به الأمثال، فلا تُسرق حتى “علبة نشوق” واحدة من قصر الشتاء بعد اقتحامه.

غير أن واقع الحال لم يكن بهذه البساطة. بل ولعل تجربة الثورة الروسية بين فبراير وأكتوبر 17 تقدم لنا نموذجا ساطعا لجدل العلاقة بين الحزب الثوري والجماهير المنخرطة في عملية ثورية كبرى، وتكشف عنها كعلاقة بالغة التعقيد، يتبادل ويتبدل في مجراها التأثير والتأثر بين أطرافها المختلفة (من أحزاب سياسية وتنظيمات جماهيرية وجماهير غفيرة تمور بالثورة) بسرعة مذهلة، يستحيل اختزالها في صورة جنرالات يتقدمون الصفوف وخلفهم جيشا عرمرم يسير بالخطوة السريعة نحو الاستيلاء على السلطة السياسية.

ملخص موجز: ثورة فبراير تطيح بالنظام القيصري وتشكل حكومة مؤقتة تهيمن عليها البرجوازية الليبرالية؛ البلاشفة أقلية في السوفيتات، يتعرضون للقمع، ويُتَهَمُون بالعمالة للعدو الألماني؛ البلاشفة أنفسهم منقسمون بين استراتيجيتين متناقضتين، تدعو إحداها لتأييد الحكومة المؤقتة والقبول بموقع حزب المعارضة الأول في دولة برجوازية بازغة، والأخرى للسير بالثورة الديمقراطية نحو نهايتها المنطقية، الثورة الاشتراكية؛ البلاشفة يتحولون للأغلبية في السوفيتات وتروتسكي رئيسا لسوفييت بتروجراد؛ شعار “كل السلطة للسوفيتات”؛ الانتفاضة المسلحة 24 أكتوبر 1917.

ما تقدمه هذه اللوحة ليس حزبا ثوريا “طليعيا” يجر الجماهير وراءه، ولكن جماهير منظمة تدفع بالحزب الثوري أمامها، انطلاقا من تجربتها الخاصة، وفي إطار تفاعل حي بينها وبين الحزب، وذلك بقدر ما يصطدم فورانها الثوري بمساعي البرجوازية الليبرالية وحلفائها المتذيلين لاجهاض الثورة بالالتفاف حولها وتدجينها: “استعادة للاستقرار”، وهو ما لا يُسفر في نهاية الأمر، وكما بينت التجربة التاريخية في كل مكان، إلا عن انتصار الثورة المضادة، عن ذبح الثورة. ثورية البلاشفة، وقيادة لينين، لا تتبدى في جرجرة الجماهير للثورة، ولكن في انهم كانوا الأكثراستعدادا وقدرة على الاستجابة للاندفاع الثوري لجماهير العمال والفلاحين والجنود المنظمين في السوفيتات، بل وتبين تلك اللوحة أن ذلك الاندفاع الثوري الجماهيري كان في حقيقة الأمر هو العنصر الجوهري في حسم الخلاف داخل الحزب البلشفي نفسه لصالح مواصلة الثورة.

المناضلون الحزبيون الثوريون يحرثون الأرض ويمهدونها للثورة، ولكنهم لا يفجرون ثورات، ولا انتفاضات كبرى أو صغرى، ولا حتى إضراب عمالي عابر أو مظاهرة طلابية كبيرة أو صغيرة، وليس بوسعم ذلك. ولكن ما أن تندلع هذه حتى تدفع بأولئك إلى مقدمتها. الحزب الثوري لا يقود الجماهير للثورة ولكن الثورة هي التي تختار الحزب الثوري لقيادتها، هي التي تدفعه أمامها.

تنظير الملموس: وعي الحزب وعفوية العمال

يستهل لينين مقدمة “ما العمل” باقتباس من رسالة من لاسال لماركس تعود لعام 1852، يؤكد فيها لاسال على أهمية الصراع الداخلي في الحزب وينتهي الاقتباس بعبارة فظيعة: “الحزب يقوى بتطهير نفسه”. كلمة “التطهير” في حد ذاتها مروعة، مستعارة من التراث الديني، وتفترض أن الخلافات داخل الحزب الثوري هي بين أطهار وفاسدين، وتفترض صراطا مستقيما هو الماركسية الحقة، ومنحرفين عن ذلك الصراط، ينبغي “تطهير” الحزب منهم.

وفي الحقيقة لم يشهد حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي “تطهيرا”، ولكن انقساما بين بلاشفة ومناشفة، أغلبية وأقلية، في مؤتمره الثاني عام 1903، بل ولا ينقسم الحزب انقساما نهائيا حتى 1912، لتؤول مهمة “التطهير” لستالين، “فيطهر” الحزب الشيوعي السوفيتي من قيادته التاريخية بإعدامهم واحدا تلو الأخر، ويبعث بمن يغتال القائد الثاني للثورة البلشفية، تروتسكي، وهو بعيد في منفاه الأخير في المكسيك.

لنا عودة مع “التطهير” عندما نستأنف نقاشنا النقدي لتجربة حزب العمال الشيوعي المصري، ولكن ما يعنينا هنا في “ما العمل” هو مناقشة الوجه الثاني لما يسمى بالنظرية اللينينية في الحزب، وهو المتعلق بصياغة الحزب الثوري “كحامل للوعي”، “للرسالة التاريخية” للطبقة العاملة، وذلك في مقابل “جنين الوعي” عند الحركة العمالية “العفوية”، حيث لا يقود الأخير إلا لنزعة اقتصادية، تنتمي في نهاية الأمر للأيديولوجية البرجوازية، وصولا للقول بأنه “لا يمكن الحديث عن أيديولوجية مستقلة تصوغها الجماهير الكادحة بنفسها في مجرى حركتها، والاختيار الوحيد هو إما الأيديولوجية البرجوازية أو الأيديولوجية الاشتراكية.” فلا يعود وعي الحركة العمالية “العفوية” مجرد وعي ناقص أو “جنيني”، ولكن وعيا “برجوازيا”.

يعترف لينين لاحقا بأنه “شد العصا” أكثر من اللازم في “ما العمل” وفي غيره من مواقفه وكتاباته في لحظات صراع مختلفة في مجرى الكفاح (وهو ما يبرزه توني كليف في مؤلفه المهم عن “بناء التنظيم” ويشمل نقدا مهما لـ”ما العمل”)، ولكن ما بقي لنا ولغيرنا ممن اختاروا الماركسية مرشدا للنضال هو العصا المشدودة أكثر من اللازم، وليس العصا بعد “انعدالها”.

أعدت قراءة “ما العمل” في أواخر السبعينات في سياق صراع عنيف داخل حزب العمال الشيوعي المصري، وأكثر من مرة منذ حينها، وفي كل قراءة يفاجئني مدى اندفاع لينين في “شد العصا” مما يصل به لصياغات غير ماركسية، بل وغير لينينية. ينقل لينين فكرة “الوعي والعفوية” عن كاوتسكي، ويمضي بها بعيدا إلى حدود مذهلة، فيبدو في مواضع مختلفة من مؤلفه ناسيا أن الماركسية نفسها هي ابنة الحركة العمالية، وأن الحركة العمالية نادرا ما كانت “عفوية” تماما، بل وعرفت التنظيم والوعي الطبقي (أي وعيها بذاتها كطبقة اجتماعية متحدة المصالح الأساسية) قبل أن تكون هناك ماركسية أو أحزاب ماركسية، وأن الحزب لا يصنع الطبقة ولكنها تصنع نفسها بنفسها، بنضالاتها هي، عفوية كانت أو منظمة، وبتراكم خبرة تلك النضالات، فلا تعود العملية التاريخية الحافلة، شديدة التعقيد، لتكون الوعي الطبقي الثوري عملية تفاعل حي بين الطبقة وتجاربها النضالية ومنظماتها النقابية والحزبية بل والثقافية والفنية والرياضية، ولكن تبدو كعلاقة أساتذة وتلاميذ، حيث الوعي الثوري يبدو مكتملا ومختزنا منذ البداية في الحزب الثوري، وما عليه إلا “نقله” أو “تصديره” للطبقة، فتكاد تختفي حقيقة أن الوعي الثوري لدى الحزب الثوري نفسه، إنما هي عملية سيرورة تاريخية قوامها إعمال النظرية في الممارسة؛ كما تكاد تختفي حقيقة أن الجماهير في حركتها الثورية كثيرا ما تسبق الحزب الثوري المقيد ببناه الأيديولوجية التاريخية، لتطرح عليه إما الاستجابة لمتطلبات حركة الجماهير وتعديل واعادة صياغة تلك البنى، أو التخلي عن الحركة الجماهيرية والعمل على تدجينها وشدها للخلف.

هذه حقيقة يعرفها – أو من المفترض أن يعرفها – كل مناضل حزبي ارتبط فعلا بالحركة الجماهيرية، وكل مناضل مصري، حزبي كان أو غير حزبي، شارك في ثورة يناير.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية (1) الإرادة الثورية تُفرض من الشارع وليس من خلال مؤسسات الدولة التي قامت الثورة في مواجهتها، أيا ما كان شكلها. حق الاقتراع العام انتُزِع في الشارع، والحقوق النقابية تم انتزاعها في المصانع والشوارع وكذا حقوق المرأة وحقوق الأقليات الدينية أو العرقية.

هاني شكر الله

جرامشي والثورة الروسية

دانيللا موسى  ,  ألفارو بيانكي