كيف انتصر البلاشفة؟

100 عام على الثورة الروسية, خبرات

04  يناير  2018

في مساهمتي هذه أود أن أعيد النظر في الاستنتاجات الرئیسیة لكتاباتي عن عام 1917، خاصة فیما یتعلق بالسؤال الشائك الذي مازال يثير خلافا سياسيا كبيرا حول کیفیة فوز البلاشفة في النضال من أجل السلطة في عام 1917 بتروجراد. ومع ذلك، اسمحوا لي أن أبدأ ببضع كلمات عن آراء المؤرخين السابقين بشأن هذه المسألة.

بالنسبة للمؤرخين السوفيت، كانت ثورة أكتوبر 1917 هي التعبير المشروع عن رغبة جماهير بتروجراد الثورية – انتفاضة شعبية مسلحة لدعم سلطة البلاشفة بقيادة حزب طليعي على درجة عالية من الانضباط يقوده ببراعة فلاديمير لينين. وعلى الجانب الآخر يرى المؤرخون الغربيون نجاح البلاشفة كنتيجة لضعف الحكومة المؤقتة في تعاملها مع اليسار الرديكالي؛ حادث تاريخي، أو في أغلب الأحيان كنتيجة لانقلاب عسكري محكم يفتقر إلى أي دعم شعبي كبير، نفذته مجموعة صغير موحدة على درجة عالية من السلطوية وقدرة كبيرة على التآمر، بقيادة لينين ودعم ألمانيا المعادية لروسيا. وبالنسبة للمؤرخين الذين يتبنون وجهة النظر الأخيرة – وقد انضم لهم اليوم الكثير من مؤرخي روسيا – فإن هيكل وممارسات الحزب البلشفي في 1917 كانت المقدمة وجاءت السلطوية السوفيتية كنتيجة حتمية لها.

الاستنتاجات التي توصلت إليها من خلال عملى البحثي حول 1917 ابتعدت بشكل واضح عن هاتين القراءتين التقليديين. ولكي أوضح هذه النقطة اسمحوا لي أن ألقي الضوء على بعض اللحظات المهمة التى وقعت في صيف وخريف 1917 والتي يتم تجاهلها في أحيان كثيرة. هذه الأحداث، كما أراها، لها أهمية خاصة في فهم طبيعة “ثورة أكتوبر” في بتروجراد ومجرى أحداثها. وبعد ذلك سوف أُجمل كيف يبدو “أكتوبر الأحمر” بالنسبة لي اليوم.

انتفاضة يوليو

أول اللحظات التي أود الالتفات اليها هي “انتفاضة  يوليو” المجهضة والتى بدت للكثيرين وقتها وللكثير من المؤرخين الأوروبيين منذ ذلك الحين كمحاولة فاشلة من قبل لينين للاستيلاء على السلطة وكبروفة نهائية لـ “أكتوبر الأحمر”.

في كتابي “مقدمات الثورة” توصلت إلى أن انتفاضة يوليو، الدموية، عديمة التنظيم، الفاشلة، كانت انعكاسا دقيقا لرفض جنود حامية بتروجراد، التي كانت تعاني ويلات الحرب، شحنهم إلى الجبهة دعما للقوات الروسية هناك، كما كانت انعكاسا لنفاد صبر حقيقي، على نطاق واسع، ومتصاعد، وعدم رضا، من جانب عمال المصانع في بتروجراد، والجنود، وبحارة أسطول البلطيق، تجاه استمرار المجهود الحربي والنتائج الاجتماعية والاقتصادية الهزيلة التى نتجت عن ثورة فبراير 1917. وبالنسبة لدور البلاشفة في التجهيز والتنظيم لانتفاضة يوليو فقد توصلت إلى أن اندلاعها كان في جزء منه حصاد أربعة أشهر من الدعاية والتحريض البلشفي، وأن قواعد البلاشفة قد لعبت دورا رائدا في انطلاقها، وأن القيادات المتطرفة لذراعي الحزب الفرعيين، المنظمة البلشفية العسكرية واللجنة البلشفية في بطرسبرج، قد شجعت قيام الانتفاضة بسبب ضغوط ونفاذ صبر أعضائها، وذلك على غير رغبة من لينين وغالبية أعضاء اللجنة المركزية البلشفية.

وفي دراستى لانتفاضة يوليو غامرت باطلاق العديد من التعميمات الأوسع نطاقا لما لها من آثار هامة على الأحداث اللاحقة. مجموعة من هذه التعميمات تتعلق بالمواقف الجماهيرية في بتروجراد في ذلك الوقت تجاه الحكومة المؤقتة، والسوفيتات، والبلاشفة. وبدراسة تطور الرأي العام الشعبي بين فبراير ويوليو، خلصت إلى أن الحكومة المؤقتة، في نظر قطاع واسع من عمال وجنود وبحارة بتروجراد المسيسين بأي شكل من الاشكال، كانت آداة للمستفيدين طبقيا، معادية لأي تغيير اجتماعي او سياسي حقيقي وتتعامل بفتور مع المطالب الشعبية. من ناحية أخرى وعلى الرغم من أن القطاعات الدنيا من سكان بتروجراد قد وجهوا النقد المتزايد للاشتراكيين الوسطيين بسبب دعمهم للحكومة الانتقالية واستمرار المجهود الحربي، إلا أنهم مع ذلك كانوا ينظرون للسوفيتات على جميع مستوياتها على أنها مؤسسات ديموقراطية حقيقية للحكم الذاتي الشعبي. ومن هنا جاء الانجذاب الشعبي الهائل المتنامي لاثنين من الشعارات السياسية الرئيسية للبلاشفة: كل السلطة للسوفيتات، و السلام الفوري.

أما بالنسبة لوضع البلاشفة، فقد انتهت انتفاضة يوليو بهزيمة مؤلمة بدت نهائية بالنسبة لهم. ومع ذلك فإن ما يبدو أكثر أهمية بالنسبة لي هو الشعبية الكبير التى حظى بها البرنامج البلشفي الراديكالي قبل واثناء انتفاضة يوليو. ففي الوقت الذي وصلت فيه التطلعات الشعبية لتغيير حقيقي عنان السماء، وفي الوقت الذي كانت الجماعات السياسية تطالب بالصبر والتضحية من أجل المجهود الحربي، ساهم البرنامج البلشفي الراديكالي، والتجاوب الواضح من قبل الحزب مع احتياجات وتطلعات المواطنين العاديين، في خلق التأثير والقوة الواضحة التي اكتسبها الحزب في شهور قليلة.

هذه المجموعة من التعميمات قادتنى إلى مجموعة أخرى بدت واضحة في خبرة يوليو. المجموعة الثانية متعلقة بالصورة التقليدية للحزب البلشفي في 1917 كمنظمة متحدة سلطوية تآمرية يسيطر عليها لينين بإحكام. وقد خلصت، بناءا على أبحاث إمبريقية مستفيضة، إلى أن هذه الصورة يكاد لا يكون لها علاقة بالواقع. فالتنظيم البلشفي لم يكن ببساطة تنظيم من أعلى إلى أسفل؛ فمنذ مارس 1917 ضم التنظيم قطاعات على اليسار و اليمين والوسط وكل واحد منهم ساعد في تشكيل سياسات الحزب. وعلى نفس الدرجة من الأهمية، كما بدا لي، كانت حقيقة أنه وبسبب الأوضاع غير المستقرة والمتغيرة باستمرار المتفاوتة من مكان لآخر التى سيطرت على بتروجراد الثائرة في 1917، ناهيك عن روسيا ككل، لم تكن اللجنة المركزية البلشفية ببساطة قادرة على السيطرة على الكيانات التابعة لها إلا بشكل اسمي فقط. كانت التنظيمات الأدني حرة نسبيا في تكييف خطابها وتكتيكاتها وفقا لرؤيتها لتطور الأوضاع على الأرض. ومن الصعب، كما خلصت، المبالغة في تقدير أهمية هذا العامل في تفسير سلوك الحزب البلشفي أثناء ثورة 1917.

علاوة على ذلك فقد وجدت أن مفهوم لينين قبل الثورة حول حزب صغير محترف متآمر قد أصبح معدوما بعد “ثورة فبراير” وأن أبواب الحزب قد انفتحت بسرعة على مصراعيها لتضم عشرات الألاف من الأعضاء الجدد الذين أثروا بدورهم في سياسات الحزب. بعبارة أخرى، وإلى حد كبير، كان التنظيم البلشفي في بتروجراد مفتوحا على، ومتجاوبا مع، هموم الجماهير الشعبية. وبلا شك تسبب هذا الوضع في صعوبة كبيرة في يوليو، ومع ذلك فقد انتهت إلى أنه، على المدى الأطول، كانت روابط البلاشفة، واسعة النطاق، المزروعة بعناية في المنشآت، والمصانع، ووسط منظمات العمال، والوحدات العسكرية، مصدرا هاما لقوة الحزب وقدرة في النهاية على الاستيلاء على السلطة.

رد الفعل

اللحظة الكاشفة الثانية في عام 1917 التى أريد أن أتطرق لها هي الفترة القصيرة من رد الفعل التى شهدتها بتروجراد بعد إنهيار وهزيمة انتفاضة يوليو. كان ذلك الوقت عندما تحولت البداية الناجحه للهجوم الروسي على الجبهة الشرقية إلى أبشع هزيمة للجيش الروسي، وعندما أصبح الكساندر كيرنسكي رئيسا للوزراء. كان كرنسكي وقتها على رأس حكومة ائتلاف ليبرالي اشتراكي وسطي معني في المقام الأول بقمع البلاشفة واستعادة السلطة السياسية والنظام (بالقوة إذا لزم الأمر)، بالأضافة، على نحو ما، إلى دعم الجبهة المنهارة.

لفترة وجيزة بدا وكأن الحركة الثورية العمالية قد وصلت إلى حالة سكون، وبدا وكأن الرأي العام في بتروجراد قد اتجه يمينا بشكل نهائي.

ومع ذلك، وعلى الرغم من الخطاب المتشدد الحاد من قبل كيرنسكي، والذي استمرت في ترديده المجموعات المدنية والعسكرية المحافظة والتى عادت مؤقتا للظهور، بدا من الواضح أن أيا من التدابير القمعية التي أعلنها كرينسكي بصوت عال إما لم تنفذ بالكامل أو لم تحقق أهدافها (وهذا لا يعنى أن هذه التدابير في حال تنفيذها كانت ستنجح في استعادة النظام). الأكثر من ذلك أن التزايد البادي لخطر الثورة المضادة والذي انعكس من خلال فاعليات مثل مؤتمر موسكو ــ ذلك المؤتمر الكبير للقوى المحافظة في منتصف أغسطس 1917 والذي حظى بدعاية صاخبة ــ قد زاد من الشكوك الجماهيرية تجاه الحكومة المؤقتة ونواياها مما حفز الرغبة في نسيان الماضي والتوحد مرة أخرى دفاعا عن الثورة. وقد وجدت أن الاستجابة الجماعية لما كانت تعتبر شعبيا تهديدات خطيرة على الثورة قد انعكست في العديد من وثائق ورسائل الدعم المتبادلة في ذلك الوقت.

وإذا كان عداء المواطنين العاديين للبلاشفة قد تبدد، خلال أسابيع قليلة بعد انتفاضة يوليو، في مواجهة التهديدات الواضحة من قبل الثورة المضادة، فإنه قبل النصف الثاني من أغسطس ــ وقبل محاولة كورنيلوف اليمينية الفاشلة للانقلاب ــ كان هناك اشارات متزايدة أن الحزب بآلته التى لم تتأثر، قد بدأ مرحلة جديدة من النمو السريع المذهل. وأستطيع القول أن نتائج انتخابات برلمان مدينة بتروجراد في منتصف أكتوبر كانت دليلا على عودة شعبية الحزب البلشفي للصعود مرة أخرى، حيث حقق البلاشفة في تلك الانتخابات التى أجريت في جميع أرجاء المدينة انتصارا مبهرا.

قضية كورنيلوف

ربما، في ظل التهديدات المباشرة التى كانت تواجهها الدولة الروسية من قبل قوى عسكرية خارجية وتدهور سياسي واجتماعي واقتصادي من الداخل، ومع فشل حكومة كيرنسكي الواضح في وقف التدهور المتزايد، كان أمرا حتميا أن تنظر المجموعات الليبرالية والمحافظة صوب قيادة الجيش أملا في الخلاص. وقد تبلورت جهود بعض هذه القوى فيما صار يعرف بقضية كورنيلوف في نهاية أغسطس.

عند التفكير في انقلاب كورنيلوف اليميني الفاشل، فإن ما يشغلنى بشكل أساسي اليوم ليس أهداف وتطلعات الجنرال الشخصية والتى مازالت محل جدل، أو ما إذا كان كيرينسكي متورطا فعلا في محاولة انتزاع السلطة من السوفيتات واستعادة النظام عن طريق دكتاتورية عسكرية قوية. في السياق الحالي، أكثر ما يهمني في هذه اللحظة التاريخية الكاشفة بشكل خاص هو ما كشفه النضال ضد كورنيلوف في بتروجراد عن انحيازات وقوة المواطنين العاديين وعن تأثير تجربة كورنيلوف على مكانة البلاشفة.

دعوني أذكركم في عجالة بما حدث في بتروجراد بعد إعلان كيرنسكي في 27 أغسطس أن الجنرال كورنيلوف رفض الاعتراف بسلطته وأن القوات التى تدعم كورنيلوف موجودة بالفعل على متن القطارات وعلى وشك الوصول إلى العاصمة. حزب الكاديت، الحزب الليبرالي الروسي الرئيسي، الذي كان متعاطفا مع أهداف كورنيلوف وغير واثق ومستخف بكيرينسكي، رفض تأييده. للحظة قصيرة جدا بدا وكأنه لا يمكن ايقاف قوات كورنيلوف عن احتلال العاصمة وأن الحكومة المؤقتة ستسقط بكل تأكيد. ولكن كل القوى السياسية على يسار الكاديت ــ البلاشفة والمناشفة والاشتراكيين الثوريين والأناركيين وكل منظمة عمالية ذات أى شأن وكل لجان الجنود والبحارة على جميع المستويات ــ اتحدت معا فورا دفاعا عن الثورة.

تحت قيادة اتحاد عمال السكة الحديد، تم قطع الاتصالات بين كورنيلوف في جنوب روسيا وقواته المتجهة إلى بتروجراد كما تم تعطيل القطارات المقلة للجنود المتمردة عن طريق اخراجها عن القضبان. تم عزل قوات كورنيلوف في كل مكان، واضطر الضباط للوقوف بلا حيلة أمام حشود المندوبين عن المنظمات الجماهيرية، الذي أرسل بعضهم من بتروجراد وبعضهم الآخر من المدن والقرى المجاورة، والذين تمكنوا من اقناع قوات كورنيلوف الذين تم اختيارهم بسبب انضباطهم ألا يتحركوا وأن يتعهدوا بالولاء للثورة. ويكفي القول أن المسألة برمتها انتهت في غضون أيام دون اطلاق رصاصة واحدة.

في أول رد فعل لهذا الانتصار على الثورة المضادة، قامت معظم المنظمات التي شاركت في الحركة ضد كورنيلوف بالإعلان عن وجهة نظرها حول ما يجب أن يكون عليه شكل الحكومة القادمة وتركيبتها وطبيعتها وذلك عبر سيل من البيانات السياسية. ومن الواضح أن هذه البيانات لم يتم وضعها من قبل كيان واحد لأنها اختلفت بشكل كبير عن بعضها البعض في التفاصيل. ومع ذلك كان المشترك بين أغلب تلك البيانات هو الرفض القاطع لأى نوع من استمرار التعاون السياسي مع الطبقات المستفيدة والميل نحو التشكيل الفوري لنوع من الحكومة الاشتراكية بشكل حصري تستطيع أن تنهى الحرب البشعة. وبدا واضحا للكثيرين، ومن بينهم البلاشفة، أن الهزيمة السريعة للجنرال كورنيلوف تؤكد وجود إمكانية سياسية هائلة لأن يعمل كل الاشتراكيين سويا.

يبدو لي أن هناك تداعيات سياسية جديرة بالذكر لتجربة كورنيلوف. انهزمت الحركة اليمينية كما بدا واضحا وقتها. وبسبب أدائهم قبل وبعد الأزمة أصبح الكاديت محل شك واسع حول أنهم كانوا في نفس فريق الجنرال، وبهذا صاروا أضعف وانخفضت معنوياتهم. علاوة على ذلك، وبسبب الخلافات الداخلية المريرة حول طبيعة وتشكيل الحكومة القادمة لم يكن المناشفة ولا الاشتراكيين الثوريين أفضل حالا. فقد أصبح بداخل كل منهم أجنحة يسارية تنمو بسرعة وكانت الأهداف السياسية المباشرة لهذه الأجنحة متماشية بشكل وثيق مع أهداف البلاشفة المعتدلين. في الوقت نفسه استمر انهيار الاقتصاد الروسي في التسارع. وفي بتروجراد أصبحت أزمة نقص الغذاء والوقود أكثر حدة.

بطبيعة الحال أضرت قضية كورنيلوف كذلك بسمعة كيرينسكي سواء لدي اليمين المهزوم أو اليسار. من الواضح أن البلاشفة، من بين كل القوى المتنازعة على السلطة كانوا الأكثر استفادة من التحرك اليمينى الخاسر. ومع ذلك لا أرى من الصواب القول، كما فعل ومازال يفعل الكثير من المؤرخين حتى الآن، أن هزيمة كورنيلوف جعلت انتصار لينين حتمي. من المؤكد أن فشل كورنيلوف كان دليلا على الفرص الهائلة المتاحة أمام اليسار كما أنه أظهر مرة أخرى الانجذاب الشعبي الهائل تجاه برنامج البلاشفة للتغيير الجذري. ولكن هذا لا يعنى أن المزاج الشعبي العام كان بلشفيا بمعنى أنه كان يريد أن تأتي حكومة بلشفية للحكم. ويبدو لى أن هذه كانت النقطة الحاسمة، لأن فكرة أن يكون هناك حكومة بلشفية لم تطرح علنا من قبل. ففي نظر عمال وجنود وبحارة بتروجراد كان البلاشفة يمثلون ويدافعون عن سلطة السوفيتات ــ ديموقراطية السوفيتات الشعبية متعددة الأحزاب. وكان ذلك عائقا أمام الاستيلاء من جانب واحد على السلطة. فكما أظهرت فيضانات القرارات السياسية بعد كورنيلوف، كانت الطبقات الدنيا في المدينة منجذبة أكثر من أي وقت مضى إلى إمكانية إنشاء حكومة سوفيتية توحد جميع العناصر الاشتراكية الديمقراطية.

وعلى أية حال، فإن انتفاضة يوليو الفاشلة والتفاعل اللاحق أظهرت المخاطر الكامنة في الإفراط في الاعتماد على المزاج الشعبي. وكان هذا الاستنتاج لا مفر منه أيضا. وعلاوة على ذلك، فإن تاريخ الحزب منذ ثورة فبراير كشف عن احتمال حدوث خلافات برامجية ونشاط غير منظم وغير ملتزم داخل صفوف البلاشفة. لهذا ففي أعقاب قضية كورنيلوف، كان السؤال حول ما إذا كان الحزب سيجد قوة الإرادة المطلوبة، والانضباط التنظيمي، والحساسية لتعقيدات الوضع السائد المرشح للتفجر إذا ما استولى البلاشفة على السلطة، مازال مطروحا دون إجابة واضحة.

أكتوبر الأحمر”

هذه إذا كانت قراءتى للحظات تاريخية ذات دلالة في صيف 1917، غالبا ما يتم تجاهلها، في الوقت الذي أراها ذات أهمية واضحة في فهم “أكتوبر الأحمر”.  والآن دعوني أحاول أن أوضح كيف بدى انتصار البلاشفة في أكتوبر 1917 على ضوء هذه الخلفيات.

يذكر أنه في منتصف سبتمبر، قام لينين، وكان مازال مختبئا في فنلندا، بارسال رسالتين تاريخيتين بالغتا الأهمية لقيادة الحزب في بتروجراد. في تلك الرسائل، التى جاءت حرفيا دون مقدمات، طالب لينين بأن يقوم البلاشفة في بتروجراد بتنظيم انتفاضة مسلحة والإطاحة بالحكومة المؤقتة “دون إضاعة لحظة واحدة”. وجدير هنا التذكير بأن توجيهات لينين هذه قد قوبلت بالرفض وبالإجماع من قبل اللجنة المركزية.

وكما تظهر السجلات، كان هناك عدة أسباب وراء رد الفعل السريع الرافض ــ بل والمذعور. أول هذه الأسباب أن توجيهات لينين الصادمة وصلت في نفس توقيت بدء مؤتمر الدولة الديموقراطية حيث كانت قيادات الحزب في العاصمة تستعد، ولديها الاحساس بأن لينين يؤيدها، لإقناع غالبية المندوبين المشاركين انه على المؤتمر تبني تشكيل حكومة جديدة اشتراكية تماما.

فشل هذا الجهد. والحقيقة أن السبب وراء تجاهل القيادة البلشفية أوامر لينين حتى بعد أن أصبح واضحا أن مؤتمر الدولة الديمقراطية لن يتخلى عن سياسة التحالف كان يرجع جزئيا إلى تأثير البلاشفة المعتدلين مثل ليف كامينيف. لكن الأهم من ذلك هو أنه حتى القادة البلاشفة مثل تروتسكي، الذي اشترك مع لينين، من حيث المبدأ، في الافتراضات النظرية الأساسية بشأن ضرورة وجدوى الثورة الاشتراكية المبكرة في روسيا، كان متشككا في جدوى حشد العمال والجنود والبحارة وراء التحرك الفورى الذي أصر عليه لينين.

وكان الوضع مشابها لذلك خلال ذروة رد الفعل الذي ساد في أعقاب انتفاضة يوليو. في ذلك الوقت تجاهل معظم قيادات الحزب في بتروجراد مطالبات لينين بالتخلي عن السوفيتات لأنها لم تعد كيانا ثوريا. الآن، ومع نهاية سبتمبر، بدا أن هؤلاء البلاشفة كان لديهم مرة أخرى تقدير أكثر واقعية من لينين حول حدود نفوذ الحزب وسلطته بين المواطنين العاديين، واستمرار ارتباطه بالسوفيتات ككيانات ديمقراطية شرعية تتعاون من خلالها كل المجموعات الثورية الصادقة لاتمام الثورة. وبالتالي، جنبا إلى جنب مع يسار الاشتراكيين الثوريين، بدأوا في الربط علنا بين الاستيلاء على السلطة وإنشاء حكومة ائتلافية اشتراكية بالكامل وبين الدعوة إلى مؤتمر وطني آخر للسوفيتات يعقد بشكل مبكر كوسيلة للاستفادة من شرعية السوفيتات على مستوى شعبي.

وكان تأثير توقعات العمال والجنود والبحارة على التكتيكات البلشفية أكثر وضوحا خلال الأسبوعين السابقين على الاطاحة بالحكومة المؤقتة. فمن المؤكد أنه في جلسة سرية تاريخية للجنة المركزية في العاشر من أكتوبر شارك فيها لينين، تم الاتفاق على القيام بانتفاضة مسلحة  “الخطوة المطلوبة”. ولكن على الرغم من هذا الضوء الأخضر لتنظيم انتفاضة مسلحة، لم يتم استدعاء جماهير بتروجراد إلى حمل السلاح.

مرة أخرى، كان ذلك يرجع جزئيا إلى الجهود المحمومة التي يبذلها الوسطيون البلاشفة بقيادة كامينيف لمنع العنف الفوري ضد الحكومة.

لكن في أعقاب القرار التاريخي الذي اتخذته اللجنة المركزية في العاشر من أكتوبر، من الواضح أن قادة الأحزاب الأكثر نضالية والأقرب اتصالا مع العمال والعسكريين الأقل رتبة – البلاشفة الذين وقفوا مع لينين من حيث المبدأ – استكشفوا بجدية إمكانيات تنظيم انتفاضة مسلحة شعبية. وبعد عدة أيام من المرور في “المناطق” (في الورش والمصانع والثكنات العسكرية) أضطر عدد كبير منهم إلى استنتاج أن الحزب لم يكن مستعدا بشكل فعلي للشروع في تحرك فوري ضد الحكومة.

وخلص هؤلاء أيضا إلى أن معظم المواطنين العاديين لن يستجيبوا لنداء من قبل الحزب للانتفاض قبل اجتماع الاجتماع العام للسوفيتات الذي يقترب بسرعة، فعلى كل حال، البلاشفة أنفسهم كانوا في انتظار انعقاد المؤتمر العام المبكر ليعتمد كأعلى سلطة سياسية في روسيا الثورة. وكان رد فعل بعض القيادات المناضلة من البلاشفة تجاه هذه المشكلات هو الإصرار على تأجيل انطلاق الانتفاضة إلى حين استكمال التحضيرات العسكرية المطلوبة.

ومع ذلك، كان هناك نهج عام آخر: أن يتم استخدام السوفيتات، بسبب مكانتهم على مستوى شعبي، بدلا من أجهزة الحزب، للإطاحة بكيرنسكي؛ وبناء على ذلك، يجب أن يقدم الهجوم على الحكومة على أنه عملية دفاعية نيابة عن السوفيتات، كما يجب استغلال كل فرصة لتقويض سلطة الحكومة المؤقتة سلميا؛ يجب أن تكون الإطاحة الرسمية بالحكومة مرتبطة بمؤتمر السوفيتات الثاني مستمدة شرعيتها منه. وكان قادة البلاشفة الذين يشاركون هذه الآراء أكثر ثقة من لينين بأن أغلبية المندوبين في مؤتمر السوفيتات ستدعم تشكيل حكومة ائتلافية اشتراكية خالصة. هذه النظرة، كما وجدت، تبناها الكثير من القيادات البلشفية في بتروجراد (وأبرزهم تروتسكي).

في كتابي “البلاشفة يصلون إلى السلطة” حاولت أن أعيد تركيب سعي البلاشفة الناجح تجاه تنفيذ تكتيكاتهم لا تكتيكات لينين ــ وعلى وجه الخصوص استخدام الخوف من تهديدات الثورة المضادة في انشاء  الجهاز سري غير مرتبط بالحزب، ألا وهو اللجنة الثورية المسلحة لسوفيت بتروجراد. وتحت ستار حماية الثورة، استطاع هذا الجهاز السيطرة على حامية بتروجراد بأكملها تقريبا، بما في ذلك عملية نزع سلاح الحكومة دون طلقة نار واحدة.

لم يبدأ العمل المسلح ضد الحكومة الذي طالب به لينين لأكثر من شهر إلا بعد أن رد كيرنسكي على اغتصاب اللجنة الثورية العسكرية لسلطة القيادة على الحامية من خلال الشروع في حملة عسكرية ضد البلاشفة. حدث هذا في وقت متأخر من ليلة 24-25 أكتوبر، قبل ساعات فقط من الموعد المقرر لافتتاح المؤتمر الثاني لجميع السوفيتات الروسية. وقتها، لم يكن هناك إلا عدد قليل مهزوز ومرتبك من القوزاق والطلاب والجنديات يدافعون عن حكومة كيرنسكي التي كانت منعزلة ومعزولة في قصر الشتاء.

في كتابه “أكتوبر الأحمر” خلص روبرت دانيلز، المؤرخ الامريكي المعروف والمتخصص في دراسة الشيوعية الروسية، إلى أن انتفاضة 24-25 أكتوبر المتأخرة كان لها أهمية تاريخية حاسمة، لأنها بدفعها المناشفة والاشتراكيين الثوريين للانسحاب من مؤتمر السوفيتات العام قضت على إمكانية أن يشكل المؤتمر حكومة اشتراكية ائتلافية يكون للاشتراكيين الوسطيين صوتا مؤثرا فيها. وبهذا تكون الانتفاضة قد مهدت الطريق نحو تشكيل حكومة بلشفية خالصة ألا وهي مجلس مفوّضي الشعب.

هذه، بالمناسبة، كانت أيضا وجهة نظر سوخانوف. وقد أشار تحليل الهوية السياسية للمندوبين المشاركين في المؤتمر، ومواقفهم حول مسألة الحكومة، وديناميات الجلسة الافتتاحية الحاسمة للمؤتمر إلى أن هذا هو الحال بالفعل. لكن النقطة الأكثر أهمية التي اتضح لي هي أنه بعد هجوم كيرنسكي العسكري المفهوم ولكن الميؤوس منه على البلاشفة، أصبح العمل المسلح الذي دعا إليه لينين ممكنا.

إن عمال وجنود بتروجراد الذين دعموا البلاشفة في الإطاحة بالحكومة المؤقتة فعلوا ذلك لأنهم مقتنعون بأن الثورة والمؤتمر كانا أمام خطر وشيك. وحده إنشاء حكومة اشتراكية خالصة متعددة الأحزاب من قبل المؤتمر السوفييتي، يعقبها اتخاذ قرارات بشأن مستقبل روسيا السياسي الدائم من قبل جمعية تأسيسية تمثيلية، كان يقدم الأمل في تجنب الموت على الجبهة وتحقيق حياة أفضل، أكثر حرية وأكثر وأكثر عدلا. وأكرر هنا أن هذا هو ما كان البلاشفة يمثلونه بالنسبة للرأي العام الشعبي.

ما بعد بتروجراد

اسمحوا لى أن انهى المقال بالإشارة إلى أثر لكل ذلك اليوم، في مئوية الثورة، كما أراه اليوم على الإجابة على سؤال: “كيف أنتصر البلاشفة؟” من الواضح بالتأكيد أن الإجابة على هذا السؤال أكثر تعقيدا مما تقدمه التفسيرات السوفياتية والغربية التقليدية. ومن المؤكد أنه كان ولا يزال صعبا بالنسبة لي كما كان الحال بالنسبة لجميع مؤرخي الثورة الروسية تقريبا تصور النجاح البلشفي في غياب تدخلات لينين الحاسمة (وعلى وجه الخصوص دعوته لمواصلة الثورة عند عودته إلى بتروجراد في أبريل 1917، ونداءاته للاستيلاء الفوري على السلطة ابتداء من منتصف سبتمبر 1917). تدخلات لينين هذه هي مثال حي على الدور الحاسم أحيانا للفرد في التاريخ.

ومع ذلك، وبنفس الأهمية لصعود البلاشفة السريع ونجاحهم الساحق، يأتي التوافق بين برنامج البلاشفة الشعبي وطموحات الجماهير في وقت كانت الحكومة الانتقالية محل لوم دائم على تدهور الاوضاع الاقتصادية واستمرار المجهود الحربي بالاضافة لاتهامها بتحمل إن لم يكن دعم الثورة المضادة. كان هذا الصعود في الوقت الذي كانت الأحزاب الروسية الثلاثة الكبرى ــ الكاديت والمناشفة والاشتراكيين الثوريين ــ قد فقدت الكثير من المصداقية بسبب دعمهم الواضح لكيرنسكي وسياساته الداخلية والخارجية. الفارق الأصيل بيني وبين الكثير من مؤرخي “ثورة أكتوبر” هو أنني أرى أن الحزب كان قادرا على احتواء رؤى نظرية مختلفة ودرجة معتبرة من المبادرة واستقلال التكتيك من جانب الكيانات التابعة، بالإضافة إلى بنية الحزب اللامركزية وتجاوبه مع المزاج العام المتطور، كل ذلك كان له نفس التأثير إن لم يكن أكثر على نجاح الحزب بقدر الالتزام الثوري والوحدة التنظيمية وطاعة لينين. من الواضح أن التكتيكات الناجحة للبلاشفة في بتروجراد في خريف 1917 خرجت من التبادل المستمر للأفكار المتعلقة بتطور الثورة والتفاعل المستمر بين أعضاء الحزب على كل المستويات وبين عمال المصانع والجنود والبحارة.

كما رأينا في أكثر من مناسبة في يوليو وسبتمبر وأكتوبر عام 1919 أصدر لينين مجموعة من التوجيهات لم تم تنفيذها كما هي في الأغلب كانت نتائجها ستكون كارثية. في كل مرة كان وكلاء وقيادات البلاشفة، أكثر انسجاما مع الواقع السياسي المتغير بسرعة وتجاوبا مع الرأي العام الشعبي، إما رفضوا أوامر لينين أو كيفوها لتناسب الظروف  السائدة. لو لم يكن الأمر كذلك غالبا ما كان البلاشفة لينجحوا. من هذا المنظور يمكن القول أن “اكتوبر الأحمر” في بتروجراد كان إلى حد كبير تعبيرا صادقا عن القوى الجماهيرية، وأنه كان صراعا سياسيا معقدا، بقدر ما كان انتصارا عسكريا، تم من خلال تحديد مصير الحكومة الانتقالية حتى قبل أن تحسم العمليات العسكرية المشهد في النهاية.

هل تغير تفسيري لأسباب نجاح البلاشفة في بتروجراد بشكل كبير؟ الاجابة: لا، ليس بشكل كبير. لو عاد بي الزمن ربما أغير عنوان كتابي الأول “مقدمات الثورة”.

مع منظور قرن كامل، تظهر انتفاضة يوليو وحتى ثورة فبراير وأكتوبر كمراحل رئيسية لعملية سياسية واجتماعية أساسية كبرى يمكن بشكل أدق أن تسمى “الثورة الروسية الكبرى”. الاطلاع على الأرشيفات الروسية، ومجموعات الوثائق المنشورة حديثا والدراسات العلمية، تسلط ضوءً جديدا على مواضيع كانت مهملة طويلا، مثل ثورة 1917 في المقاطعات، مما يضيف تفاصيل جديدة قيمة إلى معرفة  التطورات التي حدثت في المركز الروسي. ومع ذلك، فإن التفاصيل الجديدة هذه لم تقوض إحساسي العام بأهمية بنية الحزب البلشفي والانجذاب الشعبي لسلطة السوفيتات الديمقراطية في شرح “كيف فاز البلاشفة”.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

علم النفس السياسي البرجوازي: نقد العقل القمعي وميتافيزيقا الجلاد… ضد أحمد عكاشة يعد التأسيس لعلم النفس السياسي من الضرورات العلمية والثورية نظرا لأهمية هذا الحقل المعرفي في تفسير الظواهر السياسية المركبة والمعقدة سيما تلك المرتبطة بتشريح بنى الاستبداد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والديني وكيفية ممارسة الأيديولوجيا البرجوازية في مجال نوعي، وفهم سيكولوجيا الجماهير الكادحة لتهيئتها للإطاحة به.

سعيد العليمي