خريف الممالك العربية والحلم الإسرائيلي

قراءات, قضايا

30  ديسمبر  2017

في 28 فبراير 1955، أطلقت إسرائيل عملية (السهم الأسود)، الغارة الإسرائيلية على غزة، وكانت تلك الغارة الأكبر من نوعها ضد دولة عربية، منذ انتهاء حرب فلسطين في نهاية الاربعينات، من القرن الماضي. وهي تعكس ترقب “تل أبيب” البالغ لثورة قامت على ضفاف نهر النيل:  ثورة 23 يوليو 1952. 

أدت عملية السهم الأسود إلى تحول كبير في مجريات الأحداث السياسية، في الشرق الاوسط، وإزاء رفض الولايات المتحدة الامريكية تسليح الجيش المصري، حيث أبرم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، صفقة الاسلحة التشيكية –السوفيتية، في 27 سبتمبر 1955، وهي الصفقة التي غيرت ملامح الشرق الاوسط.

في مطلع ديسمبر الجاري أعلن دونالد ترامب رسميًا أن القدس عاصمة إسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، ووصف في خطاب له بالبيت الأبيض أنه “تأخر كثيرًا”.

يأتي هذا القرار وسط أنباء صحافية نقلتها وكالة رويترز عن مسؤولين، أن الرئيس الأمريكي أكد لنظيره الفلسطيني محمود عباس، عن وجود خطة سلام قيد الإعداد عندما أبلغه نيته الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، فيما يتزامن ذلك مع تصريح مماثل لوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، حيث لمح هو الآخر لنظيره الأمريكي، عن وجود خطة سلام في الشرق الاوسط، والتي من شانها حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلى فى خطوة واحدة. 

 تأتي زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للشرق الاوسط، والتي بدأت بسوريا، من خلال قاعدة حميميم في اللاذقية، شمال سوريا، وبعدها القاهرة ثم أنقره، ولقاءه السيسي وأردوغان، والأأخير  أعلن وزير خارجيته “مولود جاويش أوغلو”، أن بلاده لم تعد ترى خطراً فى الحكومه السورية. 

تأتي زيارة بوتين للقاهرة عقب زيارة رئيس المجلس الرئاسي الليبي، فايز السراج، وذلك، للتباحث بشأن تطورات الملف الليبى، وجهود العاصمة المصرية، بغية تسوية الأزمة الليبية، حيث جاءت تصريحات الرئيس المصري، لتبرز تطابقاً في وجهات النظر المصرية الروسية، حول المستقبل السياسي لليبيا وسوريا، ورفض موسكو لقرار ترامب الخاص بوضع القدس.

موسكو التي وقعت مع القاهرة عقد المحطة النووية فى الضبعة وجملة من الإتفاقيات الاقتصادية والعسكرية، فضلاً عن مناقشة عودة الرحلات الروسية لمصر، تنتظر من القاهره تحالفاً استراتيجياً، يعزز التواجد الروسي على أنقاض النفوذ الأمريكي، فى الشرق الاوسط، وأن تنضم لطهران وأنقره ودمشق، بعيداً عن النفوذ الأمريكي، وإدارة ترامب الذي يتلاعب بورقة فلسطين ومستقبل الدول المتحالفة مع إدارته وسط التفاعلات والمتغيرات الإقليمية. 

تحتفظ اسرائيل بتاريخ طويل من العلاقات مع الولايات المتحده الأمريكية، وتعتبر فترة ما بعد حرب أكتوبر ،1973 من الفترات التى شهدت تطوراً نوعياً على مستوى تدخل واشنطن في العلاقات العربية الاسرائيلية، بإعتبارها الشريك الرئيسي، فى محادثات السلام، التي انتهت بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد للسلام، بين مصر واسرائيل فى نهاية مارس .1997

وكانت مرحلة ما بعد حرب أكتوبر 1973، فصل في خريف العلاقات المصرية السوفيتية، بعد قرار الرئيس السادات طرد الخبراء السوفيت، في العام1972، ومن ثم، التوجه الاستراتيجي نحو التحالف مع واشنطن.

كان خروج موسكو من القاهرة لحساب واشنطن عاملاً مساهماً، فى الوصول إلى الأهداف الأمريكية، وتصفية أي نفوذ لها، وصولاً للحظة تفكك الإتحاد السوفيتي، وهيمنة واشنطن على العالم “أحادي القطبية”، وشائعة “نهاية التاريخ”.

في عام 1928، أطلق حسن البنا، من مدينة الإسماعيلية، جماعة الإخوان المسلمين، والتي ظلت لسنوات امتدت لمنتصف الثلاثينات، من القرن الماضي، تمتنع عن التداخل والاشتباك مع الشأن السياسي فى مصر، لحساب التمدد وخلق حواضنها الإجتماعية وتجسير ذلك بقوة عبر بناء هياكلها التنظيمية وتعميقها في المجتمع، وتمرير نشاطها بدأب وبصورة مؤثرة، داخل القاهرة والمحافظات المصرية، فضلاً عن التواجد والإنتشار فى الأقطار العربية، حيث كانت فلسطين واحدة من البلدان التي شهدت نشوء شعب الاخوان.

تمثل حركة حماس الفلسطينية التي ظهرت أواخر عام 1987، الامتداد الطبيعي لجماعة الإخوان المسلمين، في القاهرة، والتى حازت على قاعدة شعبية داخل فلسطين بما سمح لها أن تتجاوز حركة فتح، خلال انتخابات 2006، الأمر الذي أظهر الخلاف والإنقسام بين الفصائل الفلسطينية، حول الرؤى والتحالفات الاقليمية.

شكلت ثورات الربيع العربي منعطفاً حاداً فى العلاقات العربية العربية، والعربية الإسلامية، وبخاصة، علاقات الدول العربية، مع تركيا وايران، فيما عكست الأزمه السورىة متغيراً عنيفا في التوازنات الاستراتيجية بالمنطقة العربية؛ إذ تازمت علاقة حماس بطهران على خلفية الأوضاع بدمشق، والتوتر الذي غلف العلاقات بين حماس والنظام السوري، في لحظة لم تكن فيها الأمور استقرت بعد في الأزمة السورية.

إيران التي تتمتع بنفوذ بالغ في العديد من العواصم العربية، على إثر الخريف الذي ضرب تلك العواصم، أعادت حماس مرة أخرى إلى ممراتها الدافئة، بعد استقرار الاوضاع السورية، وشهدت طهران وصول أعضاء حركة حماس مرة أخرى، بهدف استعادة تحالفها القديم مع إيران، التى تواجه واشنطن ورئيسها دونالد ترامب، الذي يضع أكثر من علامة استفهام حول الاتفاق النووي، الذي أبرمه سلفه باراك أوباما مستندة في ذلك إلى حليفها الروسي.

ومثلما كانت دمشق الحد الفاصل بين حماس وطهران، كانت الأخيرة حداً فاصلاً بين حماس والرياض، الأمر الذي دفع جريدة الرياض السعودية، وصف حماس بأنها: “حركة إرهابية”.

وفى الوقت الذي بدأت فيه وفود حركة حماس زيارتها إلى طهران، استقبلت العاصمة السعودية، رئيس السلطه الوطنية فى مشهد أقرب للاستدعاء منه للزيارة، وذلك لمناقشة الاوضاع بغزه ومسار اتفاق المصالحة.

تعاني الرياض من وضع إقليمي دقيق وقلق متعاظم من نفوذ طهران المتنامي، في بغداد ودمشق والحوثيون باليمن وحزب الله في لبنان، وترقب لقاء محمود عباس مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة لمناقشة تداعيات قرار “ترامب” الأخير، بشأن القدس علة الأوضاع بغزة وحماس.

تدرك الرياض جيداً أن قرار ترامب الأخير بشان القدس من شأنه أن يضعف من حركة فتح، ورئيسها أبو مازن، ويقدم الفصيل التاريخى فتح في صورة مهترئة، كمن انتهت صلاحيتهم التاريخية وفاعليتهم السياسية لحساب حركة حماس، التى سمحت لها الظروف والمتغيرات الإقليمية في المنطقة، دورة حياتية متجددة ومنتظمة، إقلمياً ودولياً.

ذلك السيناريو يسمح لحركة حماس أن تمتد على خط واحد مع حزب الله بلبنان، وتتحرك مع باقي القوى الإقلمية المتحالفة مع طهران وأنقرة، مما يمثل عبئاً وضغطاً غير محتمل على الرياض، كما يدفعها وحلفاءها لمضغ قرار ترامب، والمضى قدماً فى الإلتحاق بالتبعية الأمريكية.

وبالرغم من التحالف التقليدي بين واشنطن والرياض واتمام الرياض لصفقة بمئات المليارات، إلا أن واشنطن في الأسبوع الأول من ديسمبر الجاري، فاجأت المملكة بتصريحات رئيسها الذي يطالب فيها بفك الحصار عن الموانئ اليمنية، وضرورة السماح بإيصال الغذاء والدواء للشعب اليمني، فضلا عن انتقاد الخارجية الامريكية للسياسة الخارجية السعودية، وضرورة التفكير والتمعن في عواقب قرارتها وتوجهاتها.

أنقرة التي اقتربت من موسكو على خلفية الأزمة السورية، واستقبلت بوتين في زيارة للشرق الأوسط، تستضيف قمة طارئة لمنظمة التعاون الاسلامي، وسيكون لروسيا بصفتها دولة مراقبة مع المنظمة تمثيل في هذه القمة، وتحتفظ بعلاقات جيدة مع حركة حماس.

وثمة حشد إقليمي بخلفية ودعم روسي، أنتجته الأوضاع والتفاعلات الاقليمية، ينذر واشنطن بتراجع دورها ونفوذها في الشرق الأوسط، مما يجعلنا ندرك المغزى الحقيقي والدلالات المنطقية، وراء إعلانها القدس عاصمة لاسرائيل.

الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، أكد أن التظاهر ضد قرار ترامب يشكل بيئة حاضنة، لكل حركات المقاومة المتصاعدة، واعتبر أنه يجب الضغط على بعض الحكومات العربية، لقطع العلاقات مع إسرائيل ووقف كامل أشكال التطبيع بينما دعا السلطة الفلسطينية وجامعة الدول العربية وقف عملية السلام.

طهران التي تتابع الأمر عن كثب ألقت بكرة اللهب في الرياض وطالبتهم بضرورة قطع العلاقات مع تل أبيب وقال حسن روحاني خلال كلمته أمام البرلمان الايراني:” لتتوقف السعودية عن قصف اليمن وعن توسل علاقات الصداقة مع إسرائيل، لا نريد من السعودية أكثر من ذلك، حينها لن تكون هناك مشكلة”.

قرار ترامب الأخير بشأن القدس جدير بأن يمنح طهران وحلفاءها حق استخدام أقسى العبارات ضد تل أبيب وأن تصطف مع الحقوق العربية في فلسطين، ومناصرة حركات المقاومة، حزب الله وحماس، في مواجهة إسرائيل، وهو ما يفصح عنه في المقابل، رد الفعل الإماراتي الذي جاء على لسان ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان: “قرار ترامب طوق نجاة للجماعات المتشددة والتنظيمات المسلحة”.

القاهرة التي استقبلت بوتين ترهن واقعها الاقليمي بتحالفها مع الرياض وأبو ظبي وواشنطن، ينبغي أن تتحرى المتغيرات الاقليمية والخطط الأمريكية في المنطقة، وتضطلع بمسئولياتها وتتحرك مستندة إلى ثوابت التاريخ والجغرافيا، إذ أنها النقطة الحائرة، على مسار العلاقات الاقليمية والدولية، وتملك قوة التأثير في الحلف الذي ستقرر الانضمام معه.

اعتراف ترامب الأخير ليس مجرد تنفيذ لوعد أطلقه خلال حملته الانتخابية، بل قرار تدفع به واشنطن الأمور نحو الحافة لمواجهة النفوذ الروسي المتزايد، في الشرق الأوسط، ويفتح الباب لجملة من المتغيرات الاستراتيجية، ودفع المنطقة العربية لاعلان علاقاتها الدبلوماسية مع تل أبيب، وتتحقق تطلعات نتنياهو بأن تهبط طائرته بالرياض.

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. حسام محمد شكري

    اشكر الكاتب علي هذا التحليل المتبحر في هذا الموضوع الشاءك المعقد …هناك بعض الملاحظات المتمثلة فيمايلي …التحليل عبارة عن مقاطع تحليلية اجدها في مرات مترابطة واخدها في مرات متباعدة وكانها جمل متقطعة …كذلك لابد من رؤية للكاتب بعد هذا العرض المتعمق ماهي رؤيتة فيماهو أت .كذلك ماهو المطلوب من مصر في هذة المتاهة من الاحداث ..اشكر الكاتب علي مجهود الثرد الذي يعكس متابعة دقيقة لمجريات الاحداث ..

موضوعات ذات صلة

معترك جديد

أحمد ماهر

ما بين الأدب والصحافة أحد سبل الهروب من آلام الصحافة كان من خلال العمل في قسم الإخراج الصحفي، الذي – على حد تأكيده – منحه حرية أن يعمل ككاتب رأي، يكتب عمودا من حين لآخر في نفس الوقت الذي اجتهد فيه سرا على تطوير محاولاته الأدبية. "كانت الفروق بين الصحافة والأدب تتكشف أمامي تدريجيا؛ فروق تتعلق بالمتطلبات النفسية والحياتية لكل منهما بما يجعلهما أقرب إلى العداء.

نورهان توفيق

المَجد لكُلّ عَر-عَر

بسمة عبد العزيز