Dégage (من قالها أولًا؟)

بروفايلات, قراءات

29  ديسمبر  2017

رجل يبدو في منتصف الثلاثينات من عمره يصرخ في منتصف طريق عام وكأنه أحد أنبياء العهد القديم وقد أتاه الوحي قائلا “الشعب التونسي ميموتش .. الشعب التونسي العظيم .. تحيا تونس الحرة .. المجد للشهداء .. الحرية للتوانسة .. بن علي هرب .. بن علي هرب”.

هذا المشهد الحماسي الذي نقلته القنوات الفضائية لأحدهم يحتفل برحيل عهد ديكتاتورية بن علي قد جاء على إثر أحداث الثورة الشعبية التونسية التي امتدت لما يقرب من الشهر في جميع أنحاء تونس تطالب برحيل رأس النظام الذي تعمد إفقار شعبه وتفشت بينهم البطالة، ومنهم محمد البوعزيزي رمز الثورة التونسية وشرارة اشتعالها.

تبدأ الأحداث في فجر السابع عشر من ديسمبر ٢٠١٠ حين يخرج البوعزيزي إلى عمله اليومي كبائع متجول يقود عربته، لتعترضه الشرطية فادية حمدي وتحدث بينهما مشاحنة تنتهي بصفعها له صارخة في وجهه Dégageأي ارحل بالفرنسية، ولا أحد يعرف ان كانت وجهت كلمتها إلى الشاب أم إلى النظام الذي تمثله، فربما لم تعتقد أن الشاب الذي صفعته سيكون السبب في بداية إشتعال الأحداث بقيامه بإحراق نفسه أمام مبنى البلدية احتجاجا على الظلم الواقع عليه بعد أن أيقن من انعدام فرص حصوله على حقوقه، واحتجاجا على ضيق سبل المعيشة تحت سياسات الإفقار وعدم توفر الموارد، وتكتمل صورة الحدث الملحمي بتأخر سيارة الإسعاف لمدة ساعة ونصف الساعة عن اللحاق بالشاب وهو يحترق أمام مبنى البلدية.

في اليوم التالي يتحول الأمر من قضية البوعزيزي نفسه إلى قضايا كل هؤلاء الفقراء والمواطنين الذين يواجهون مخاطر البطالة وقلة الموارد فإما الحياة الكريمة أو صفعة مصحوبة بكلمة ارحل، ويخرج آلاف المتظاهرين من ولاية سيدي بوزيد محتجين على الأحوال المعيشية وارتفاع نسب البطالة والفقر في المجتمع التونسي، وينفجر الوضع تدريجيًا وترتد كلمة ارحل الى صاحبها مع تفاقم الاحتجاجات تشتبك مع رجال الأمن في مواجهات دامية تهدد عرش النظام وتهدد حالة الركود الزائف التي يستغلها النظام لتمرير سياساته.

رأس النظام تهزه الاحتجاجات ويزور البوعزيزي في مستشفاه داخل مشهد تمثيلي مُذاع على القنوات الفضائية للتهدئة، ولكن تتغلب قضية البوعزيزي نفسه على شخصه، فالأمر لا يتعلق بالشاب وإنما بقضيته التي يُمثلها بواقعه الاجتماعي وهنا تحدث النقطة التحول للأحداث فهي ليست احتجاجات لحظية لحدث ولكنها مظاهر ثورة شعبية اشتعلت جذوتها بحدث اجتماعي مرتبط بمطالبها الاجتماعية في الحياة الكريمة وتوفير سبل المعيشة في مواجهة النظام بسياسات إفقاره للشعب.

يموت البوعزيزي متأثرًا بحروقه بعد ثمانية عشر يوما داخل المستشفى، وتزداد الاحتجاجات متأثرة بأن مصيرها الموت لو رضخت للنظام مرة أخرى وأن سبيلهم الوحيد هو الاستمرار في الاحتجاجات والمطالب لأنه لا سبيل للعودة عن مطالبهم إلا بتحقيقها وإحداث فارق ما بالنسبة للأحوال المعيشية وهو مالم يكن ليتحقق إلا برحيل النظام ورأسه بن علي.

البوعزيزي لم يكن الوحيد الملهم لشعبه ولكن حالته الخاصة اجتمعت بها كل عوامل فساد نظامه من قمع أمني وتردٍ للأحوال الاقتصادية فكان ملهمًا لطبقته الاجتماعية وأشباهها لتثور على حالتها الراهنة في مواجهة النظام المُفقر لها، وإلهام البوعزيزي لم يتوقف عند حدود بلاده فانتقلت ظاهرة البوعزيزية إلى باقي البلاد العربية فأشعل العديدون النار في أنفسهم كوسيلة للاحتجاج وإعلان حالهم بأنه لا جدوى من الحياة إن لم تكن تلك الحياة كريمة تليق بهم.

ينتصر البوعزيزي في قبره ويهرب بن علي مُعلنًا انتصار الثورة التي تنتقل شرارتها إلى كل من يملكون نفس الحق في المطالبة بالحياة الكريمة ورفض القمع الأمني الذي تستغله الأنظمة لفرض سياساتها الاقتصادية على الشعب، فثورة البوعزيزي كانت موجهة لرفض كافة أشكال القمع الذي يمارسه النظام فهو يستغل الأحوال الاقتصادية ليقمع به التطلعات الاجتماعية فلا يمكن لها إلا التفكير في قوت يومها، وإن احتجت يواجها بأدوات القمع الأمني ولكن الثورة لا تتوقف عند أدوات القمع ولكن تكسرها و تتخطاها لتتمكن من الانتصار.

وسيرة البوعزيزي لا تتردد بصفته ولكن بصفة طبقته الاجتماعية المتطلعة لحياة أفضل في مواجهة النظام الذي يعمل على إفقارها حتى لا تتطلع إلى تقدم ما وتنكسر شوكتها، وهذه الطبقة لا توجد فقط في تونس ولكنها توجد في كل البلاد التي تحكمها الديكتاتوريات الأمنية التي تتعمد تهميش الطبقات الأفقر وتغلبة طبقات رجال الأعمال عليها وعلى مصائر حياتها تحت سياسات الإفقار وتحويل حياتهم إلى تروس تعمل بشكل دائم من أجل خدمة غيرها فيفقد الشعب بشريته فتكون الثورة والاحتجاجات هي سبيله الوحيد للعودة إلى الحياة مرة أخرى، وربما حدث خاص كإحراق مواطنًا لنفسه كفيلا ليشعل الأحداث  ويطالب كل ذي حق بحقه فقط عندما يشعر بأن خطر الحياة أكبر من خطر التخلص منها

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ذكريات أغسطس: عن الزنزانة والجلاد ومحمد السيد سعيد لم يمضي أكثر من أسبوعين إلا وأصبحنا مطلقي السراح تحتفل بنا نقابة الصحفيين وجمعيات حقوق الإنسان والأحزاب، بينما تمت إقالة زكي بدر بعدها بشهور.. لنواصل نحن الاجتهاد دفاعا عن حق الشعب، بينما يحفظ له التاريخ، و لامثاله، لقب الجلاد!

مدحت الزاهد

إحتفال من نوع آخر

أحمد جمال زيادة

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (5) شهدت الثورة المصرية اللحظة الرابعة لبزوغ مجال سياسي حي وحيوي من شأنه أن يفتح آفاقا واسعة، رحبة لتطور ديمقراطي غير مسبوق في تاريخنا الحديث كله، مجال سياسي يصنع صنعا في الشوارع والميداين، يصنعه فقراء الوطن وكادحيه في مواجهة صريحة وضارية مع البرجوازية المصرية ودولتها.

هاني شكر الله