أنصار السيسي بين توقيع الملايين وتمويل أصحاب المليارات

أفكار

27  ديسمبر  2017

من المقرر أن تشهد سنة 2018 في مصر انتخابات رئاسية سوف تكون الثانية في ظل الدستور الحالي للبلاد الذي تم إقراره إثر استفتاء كانون الثاني/ يناير 2014، تمهيداً لانتخاب المشير عبد الفتّاح السيسي رئيساً للبلاد. وقد شكّل انتخاب السيسي عودةً إلى التقليد الساري في الجمهورية المصرية منذ نشأتها والقاضي باعتلاء رجل عسكري سدة الرئاسة، وهو التقليد الذي جاء انتخاب محمد مرسي في عام 2012 ليمثّل استثناءً منه لم يتعدّ السنة الواحدة.

هذا ولم يمثّل انتخاب السيسي تجديداً لذلك التقليد فحسب، بل عادت معه معظم سمات وتقاليد حكم الرئيس السابق حسني مبارك، الذي أطاح به المجلس الأعلى للقوات المسلحة تحت ضغط جماهير «ثورة يناير». وقد حصلت العودة على درجات بعد الإطاحة بمرسي في الثالث من تموز/ يوليو 2013، بدءًا بتولّي رئيس المجلس الأعلى للحكم من مقعد وزير الدفاع في المرحلة الانتقالية التي تلت الإطاحة بمرسي حتى الانتخابات الرئاسية في عام 2014 التي شهدت تعبئةً لأجهزة الدولة ولأوساط رأسمالية المحاسيب فاقت كل ما شهدته مصر في الحملات الانتخابية السابقة. من زار القاهرة أثناء تلك الحملة كان يصطدم منذ المطار وحتى قلب العاصمة بكثافة هائلة من صور المرشح العسكري تتراوح بين متوسطة الحجم والعملاقة بحيث يتملك المرء شعورٌ بأنه تحت رقابة «الأخ الأكبر» كما وصفها جورج أورويل في روايته الشهيرة «1984». ولولا أن حكم السيسي كان بحاجة ماسة إلى اعتراف دولي بشرعيته بسبب ظروف ولادته، لحصل لحمدين صباحي، الذي تجرّأ على منافسة السيسي، ما حصل لأيمن نور عندما جرؤ على منافسة حسني مبارك سنة 2005 وكلّفته جسارته أربع سنوات ونصف السنة من الحبس.

وها أن عهد السيسي يُعيد على مصر الكرّة بأشكال باتت مطابقة تماماً لتقاليد عهد مبارك. فقبل أيام قليلة، عقدت حملة «علشان تبنيها» مؤتمراً صحافياً لتُعلن نتائج الجهود التي بذلتها منذ بضعة أشهر في جمع تواقيع على عريضة تطالب عبد الفتّاح السيسي بالترشّح لرئاسة ثانية، وكأنها تريد بذلك العوذ من تكرار تجربة عريضة حملة «تمرّد» التي شكّلت محطة أساسية على درب الإطاحة بمحمد مرسي. وبالرغم من أن بعض أجهزة الدولة كان قد أيّد حملة «تمرّد» بعد أن تبيّن أنها تحوز على زخم شعبي حقيقي، يبقى الفرق بين تلك الحملة التي ظلّ الطابع النضالي طاغياً فيها وحملة «علشان تبنيها» فاقعاً ومعبّراً.

والفرق الأبرز أن حملة التأييد للسيسي أثرى بما لا يُقاس، وقد أخذت تملأ القاهرة وسائر المدن المصرية بإعلانات عملاقة على طراز حملة سنة 2014، ويتباهى منظّموها بأنهم افتتحوا 168 مقراً في جميع محافظات مصر، بالإضافة إلى تعيين منسقين للحملة في 36 دولة أخرى. وقد جمعوا من التواقيع ما يزيد عن 12 مليونا، في ظرف شكّل فيه رفض التوقيع عملاً جسوراً للغاية نظراً للأجواء القمعية السائدة. أما الأكثر لفتاً للانتباه فهي شخصية قائد الحملة محمد الجارحي، وهو من زعماء «حزب مستقبل وطن»، أبرز أحزاب الموالاة في عهد السيسي.

يخبرنا موقع «علشان تبنيها» أن الجارحي عضو رئيسي في مجالس إدارة الشركات التالية: مجموعة حديد الجارحي، شركة مصر للتسويق والصلب، شركة مصر الوطنية للصلب (عتاقة)، الشركة المصرية لمنتجات الحديد والصلب، الشركة المصرية للصلب العبور، شركة ويست فيلج، شركة ماس مسترباتش للبلاستيك، شركة صن بيتش، شركة ثري أم تي للأغذية والمشروبات والمطاعم. هذا فضلاً عن كونه عضواً في مجلس إدارة غرفة الصناعات المعدنية في اتحاد الصناعات المصرية، وعضواً في لجان العمل، وتنمية الموارد البشرية، والتصدير، ومراجعة وفحص الأسعار الاسترشادية لمواد البناء والحراريات والصناعات المعدنية، في الاتحاد المذكور.

وبكلام آخر، فإن زعيم حملة «علشان تبنيها» أشبه ما يكون بأحمد عزّ، أبرز أوجه رأسمالية المحاسيب في عهد مبارك والعضو البارز في «الحزب الوطني الديمقراطي» الحاكم في ظلّ الرئيس المخلوع، الذي راكم ثروة عظيمة تُقدّر بالمليارات من خلال دوره في صناعة الحديد والصلب. ويبدو الجارحي وكأنه نسخة مجددة عن أحمد عزّ الذي شاخ مع شيخوخة الرئيس الذي حضنه، مثلما يبدو السيسي وكأنه نسخة مجددة عن سلفه الذي أنهت «ثورة يناير» ولايته. ونجد تجديداً مماثلاً في واجهة حزب الرئيس الحالي، «حزب مستقبل وطن»، الذي يترأسه الشاب محمد بدران. أما خلف الواجهة، فنجد أركان رأسمالية المحاسيب التي سادت في عهد مبارك. ففي مقابلة أجرتها معه قناة بي بي سي العربية في أوائل أيلول/ سبتمبر الماضي، أفصح بدران عن أن حزبه تموّله مجموعة من رجال الأعمال، على رأسهم أحمد ابو هشيمة ومنصور عامر وكامل أبو علي وكامل أبو ريدة. والحال أن جميع الذين ذكرهم بدران كانوا من مموّلي «الحزب الوطني الديمقراطي».

وبات السؤال الآن: هل يُصاب من سوف يجرؤ على منافسة السيسي في عام 2018 بما أصاب أيمن نور في عام 2005، أو أن أي منافسة جدّية، لا شكلية، سوف تُمنع من الأساس؟ ويبدو أن النظام سائرٌ نحو منع خالد علي، مرشّح المعارضة التقدّمية، من منافسة رئيسه، هذا إن لم ينته به الأمر إلى زجّ المحامي الجسور في السجن سلفاً واحتياطاً.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الاقتصاد السياسي والحركات العمالية والانتفاضات الشعبية في 2011 تميل التحليلات الغربية للانتفاضات العربية التي اندلعت سنة 2011 إلى التأكيد على دور شباب الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي أو منظمات المجتمع المدني. ولعل التركيز على الحركات الاجتماعية للعمال والعاطلين قبل اندلاع هذه الانتفاضات وأثناءها يوفر مزيدا من العمق التاريخي والفهم الأصيل.

جويل بنين

قراءات في ثورة يناير 2011: لقد أنتجت "يناير" الكثير من وجهة نظري. نحن فقط بحاجة لإعادة قراءتها على أنها بداية لحالة صيرورة ثورية مستمرة طالما استمرت أسباب وجودها.

محمد رمضان

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة في التحليل الأخير، التمحور حول الأمن هو تمحور حول هيمنة الدولة البوليسية وإن أخذت طابعا حداثيا في آليات الحكم، ولكنها تجهز على فكرة الحرية والمساواة ومن ثم فكرة المواطنة والحقوق.

علي الرجال

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة هناك مجموعة من الخطوات الأولية التي يجب إتباعها قبل الشروع في الحديث عن كيفية المواجهة، أولى تلك الخطوات تتعلق بالتعرف على سياق التفجيرات، وثانيها متعلق بالتعرف على العقل السياسي للجماعة المتبنية للحادث، وثالثها مرتبط بالتعرف على الأهداف الخفية من وراء تلك الأحداث، وخامسها مرتبط بالإجابة عن سؤال هل هناك طائفية بمصر؟

محمد مختار قنديل