“بوعزيزي”.. “بسبوسة” سيدي بوزيد و قطعة السكر الأولى

بروفايلات, قضايا

26  ديسمبر  2017

إنها الذكرى السابعة لاحتراق الشاب الصغير، اشتمت الأرض رائحة جلده المتفحم فغضبت السماءالمتواجدة بقلوب مئات من الشباب المحب للحرية، الكاره للظلم داخل البلدة الصغيرة “سيدي بو زيد” في تونس.

هكذا ألتفتُ للخبر في 20 ديسمبر 2010 بعد ثلاثة أيام من احتراق الشاب بائع الخضار ونقله للمستشفى وخروج الشباب في البلدة غضباً من أجل ما تعرض له على يد شرطية بالمدينة صفعته على وجهه أمام رفاقه بالسوق وصادرت بضاعته.
وتوالت الأيام.

كانت حوادث الانتحار غضباً او يأساً من الأوضاع العامة قد تكررت في مصر قبل حادثة “البوعزيزي” كما أن الاحتجاجات الشبابية ضد الفقر والبطالة قد تكررت أيضاً في عدد من المدن الصغيرة في الجزائر وتونس بالسنوات الأخيرة، ولذا وفي ظل إحساس عام بالغضب اليائس لم أتخيل أبداً أن مطراً سينهمر من كل تلك السموات الساكنة بقلوب شباب سيدي بوزيد وأن تستجب لهم السموات الشاهدة على مآسي حياتنا اليومية فوق تلك الأرض، لم أتخيل أن يستجب القدر ـ كما قال الشابي ـ لصرخة الشعب.

توالى العنف في مواجهة الاحتجاجات، وأصبح للأمر بعداً آخر يستدعي المتابعة، كانت قناة الجزيرة الاخبارية قد اعتادت بالنصف الثاني من سنة 2010 على تخصيص ساعة تحت عنوان “نشرة المغرب العربي”، لم أكن من متابعيها دائماً لكن مع تصاعد الأحداث في تونس، أصبحت أواظب على مشاهدتها.
كان مشهد زيارة الرئيس التونسي “بن علي” للشاب الغارق في آلامه بالمشفى شديد الاستفزاز، ولم يخفف من وقعه علينا كمتابعين إلا تحول الهتاف في شوارع “تونس” كلها إلى “إرحل”.
أصبحت للأمور أبعاد أخرى لكن لم يذهب عقلي إلى رحيله بالفعل، فقد كنا نهتف دوماً يسقط حسني مبارك عن قناعة كاملة منذ 2004 لكن لم ننتخيل أبداً متى تأتي اللحظة.
تتوقف الشاشة عن أحد رموز الحراك بتونس وهو يتحدث على شاشة الجزيرة: ” الشرطية المذنبة هى من ألهمتنا هذا الهتاف، فهذا ما رددته في وجه بوعزيزي قبل أن تصفعه على وجهه، ومن يستحق أن يسمعها هو “بن علي” الذي أغرق بلدنا في الفقر والفساد”.
مات الشاب في الرابع من يناير، وأعادت القناة انتاج التقارير عن حياته وبيته ومشهده الأخير فازداد الوجع وجعاً، والغضب غضباً، كان الكبير بين تسعة أبناء، يعيش مع أمه وعمه الذي تزوجها لرعايتهم بعد وفاة الأب.
كانت التفاصيل كاشفة لحجم العنف والبغضاء الذي صبغ الكثير من حولنا، لم توقفه الشرطية مرة واحدة، خرج من بيته فى الزقاق الضيق وفوق عربيته الخضروات والفاكهة، أوقفته الشرطية التي كانت على رأس دورية أمن، تدخل العم واستغاث بمأمور قسم الشرطة للعفو عن إبن أخيه وقد حدث، ولكن ما أن وصل إلى السوق إلا وعادته الشرطيى وأمرت الجنود بحمل الميزان والاقفاص، اعترض الشاب فصفعته على وجهه أمام الجميع.
قسوة لا يبررها إلا العناد الشخصي، التفصيلة الثانية التي أوقفتنى بهذا التقرير هو أن “بوعزيزي” ـ أسكنه الله الجنة ـ لم يحرق نفسه فوراً داخل السوق بعد شعوره المتزايد بالإهانة، خاصة في ظل الثقافة الذكورية العربية التي لا تقبل الإهانة من سيدة، فقد ذهب إلى مقر البلدية وحاول تقديم شكوى ليدافع عن نفسه يرد إليه كرامته لكن ما كان من هؤلاء المسئولين إلا أن ردوا في وجهه الباب، حاول أن يعلن غضبه فلم يجد إلا جسده وسيلة للاحتجاج.
تساءلت يومها هل أدرك ما يدور بالشارع بينما هو بالمشفى؟ هل سمع عن الاحتجاجات، هل فهم بينما الضمادات تغطي كل وجهه سر زيارة “بن علي” أم  كان في عالم آخر يملأه الوجع والحسرة على أحلام لن يحققها أبداً.
فهمتكم، قالها “بن علي” بعد 30 عاماً من الفساد والإفقار والبطالة فازدادات غضبة المتظاهرين وقاد اتحاد الشغيلة بتونس الاعتصام بالعاصمة فما كان من الفاسد إلا “الهرب”، بكينا جميعاً مع  فيديو “بن علي هرب” اجتاحنا الأمل كما لم يكن يوماً، لاح الحلم في كل بلد عربي وبعد10 أيام كانت بداية الشرارة في مصر بميدان التحرير ومنه إلى ليبيا ثم سوريا ثم البحرين ثم اليمن.
وفي أول إبريل وتحت وهج شمس الثورة، تنازلت أم بوعزيزي عن مقاضاة الشرطية، واقتنعت بشعارات العدالة الانتقالية، تم حفظ القضية، ولم يحفظ كل رموز الفساد والبطش ماء وجوههم على امتداد الوطن العربي.
فعلى مدار سبع سنوات مياه كثيرة جرت تحت الجسر، قليل منها كان مترقرقاً جميلاً، وأغلبها كان عكراً إلى حد السواد، سبعة أعوام ظنناها للخير فكانت عجاف، بالأمس هتف الشباب من جديد داخل مدينة “سيدي بوزيد”: “ثورة لتونس من جديد”.
هتاف خرج من “سيدي بو زيد” التي لا زال فيها من يتذكرون الشاب “بو عزيزي” الذي كان يلقبه اصدقاءه بـ”بسبوسة”، وهو  من يستحقها عن جدارة، فهو من ألقم هذا الوطن في فمهقطعة السكر الأولى ثمأطعم النار كل جسده.

بو عزيزي هو بالنسبة لى هو مشعل النار التي اشعلت الثورة في قلوب مئات من شباب تونس، هؤلاء هم الأيقونة الممتدة السارية كسريان المياه والهواء من حولنا وبأرضنان هم من يصنعون المسحيل بكل اعتيادية وأريحية

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (5) شهدت الثورة المصرية اللحظة الرابعة لبزوغ مجال سياسي حي وحيوي من شأنه أن يفتح آفاقا واسعة، رحبة لتطور ديمقراطي غير مسبوق في تاريخنا الحديث كله، مجال سياسي يصنع صنعا في الشوارع والميداين، يصنعه فقراء الوطن وكادحيه في مواجهة صريحة وضارية مع البرجوازية المصرية ودولتها.

هاني شكر الله