مبدأ قيادات اتحاد العمال الحكومي: اللي يتجوز أمي أقوله يا عمي

قضايا

26  ديسمبر  2017

من الواضح أن قيادات اتحاد العمال الحكومي اللذين لم يلتزموا بحقوق العمال اللذين يتحدثون باسمهم، ولا حتي يلتزمون بما يقوله من تصريحات، لديهم مبدأ لم يحيدوا عنه منذ عقود وهو “اللي يتجوز أمي أقوله يا  عمي”، مع الاعتذار لكل الأمهات، وكل ازواج الأمهات. فبعد أن ظل حسني مبارك ونظامه وعائلته عمهم وسيدهم لأكثر من ثلاثين سنة، والحقيقة أنهم كانوا أوفياء له، ودافعوا عنه للنهاية، حتي أنهم اختاروا الوقوف في خندقه ضد الشعب المصري علي أمل أن يصمد ضد الثوار في 2011، ووقتها كان سيكافئهم علي ولائهم له.

ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد استطاعت الثورة إزاحته عن رأس السلطة، وبعدها ظل الاتحاد وقياداته في الظل لأكثر من سنة ونصف. ولكن خلالها لم يقترب منهم أحد فلم تحاسبهم حكومات ما بعد يناير علي الفساد المثبت في تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات. ولم يزحهم أحد من تمثيل العمال في كافة اللجان والصناديق ومجالس إدارة الشركات، بل ظلوا هم من يمثلون العمال رغم ظهور النقابات والاتحادات المستقلة. حتي عندما تم حل مجلس إدارة الاتحاد في عام 2011 ، وتم تشكيل لجنة لإدارة الاتحاد لفترة انتقالية لحين الانتخابات، ظلت هياكل الاتحاد كما هي بنقاباتها العامة ولجانهاالنقابية، وكان لبعض النقابيين القدامى مكان في اللجنة الإدارية، مما مكنهم من التنسيق مع جزء من هذه اللجنة (ممثلي الاخوان المسلمين، وبعض القيادات المستقلة)– وأن لم يدم التنسيق طويلا بسبب محاولة الاخوان إزاحة من تخطي منهم سن الستين، لتخلي أماكنهم للتابعين لها- ، لإزاحة الجزء الآخر (ممثل اليسار) وذلك بعد أن بدأت اللجنة طبقاً لصلاحياتها في قرار التشكيل في حل النقابات العامة والتي صدر بشأنها أحكام قضائية بحلها، وتكوين لجان إدارية لإدارة هذه النقابات لحين الانتخابات.

بعد الانتخابات الرئاسية الأولي بعد الثورة، وانتخاب مرسي رئيساً للجمهورية ووقتها كان الاتحاد قد أعيد تشكيله وفقاً للتحالف بين القيادات القديمة للاتحاد وقيادات الآخوان المسلمين، بدأ الاتحاد في الخروج من بياته الشتوي، وظهر علي الساحة مرة آخري.

فقد ذهب أحمد عبد الظاهر رئيس الاتحاد وقتها ومعه مجلس إدارة الاتحاد العام لنقابات عمال مصر ورؤساء النقابات العمالية (ضمنهم الجبالي وغيره من قيادات الاتحاد الحاليين)لمقابلة مرسي في اجتماعهم الأول معهوذلك بعد يوم واحد من توليه الرئاسة– الأربعاء 25 يوليو 2012- لتقديم رؤية التنظيم النقابي لدفع عجلة العمل والإنتاج. وأشار  أحمد عبد الظاهر، رئيس الاتحاد، إلى أن القيادات العمالية ستقدم للدكتور مرسى وثيقة للتعاون بين ممثلي أطراف الإنتاج من عمال وأصحاب أعمال بما يدعم إقامة علاقات عمل متوازنة وقانونية تحول دون وقوع إضرابات وتؤكد مشاركة العمال في العملية الإنتاجية كشريك قوى وفعال، وكانت هذه أول مبادرة لوقف الإضرابات يتقدم بها الاتحاد ولم تكن الأخيرة.

وبعدها عندما تولي جبالي المراغي رئاسة الاتحاد، ذهب في صحبة وزير القوي العاملة وقتها خالد الازهري  للرئيس مرسي يوم الأحد 28 أبريل 2013 بقصر الاتحادية بمصر الجديدة. وقد أعرب وزير القوى العاملة، ورئيس اتحاد العمال عن تقديرهما البالغ لما يقوم به الرئيس محمد مرسي من دعم ومساندة لعمال مصر،وحرصه على التواصل معهم ومشاركته لهم الاحتفال بعيد العمال وسعادتهم باستضافة هذا الاحتفال بقصر القبةفى تقليد جديد يعكس مدى اهتمام الرئيس بهذه المناسبة.

ولكن بما أن رأس السلطة قد تغير، وأصبح الآخوان المسلمين مغضوب عليهم فقد غير  جبالى المراغى، رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، رئيس لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، رأيه فيهم، فقد قال عنهم في عام 2017 “إن الإخوان أرادوا السيطرة على الحركة العمالية، وانهارت حقوق العمال فى عهدهم، لقد كانت فترة عصيبة وصعبة ولم تكن مرحلة عادية بالمرة، بل كانت أشبه بالحرب، لقد انهارت حقوق العامل وضاعت وسط الأهواء والمصالح الإخوانية التى كانت تهدف للهدم وليس للبناء، للسيطرة والتكويش على كل شىء ومنها النقابات العمالية والاتحاد العام”.

وفي حوار مع الجبالي فيجريدة المصري اليوم عندما أعلن الاتحاد تأييده للسيسي كمرشحاً لرئاسة الجمهورية، سألوه ماذا سيكون موقف الاتحاد إذا لم يحقق برنامج السيسى طموحات العمال ومطالبهم؟

أجاب “من سيقف مع العمال ويحل مشاكلهم نحن معه، سنرى أياً من المرشحين يتوافق برنامجه مع العمال وسنؤيده علناً، وإذا لم يلب برنامج السيسى مطالب العمال، وقتها سنعلن عن تعديل موقفنا، ونقول له لسنا معك وسنكون مع من يحقق مصالح العمال، وموقف الاتحاد بتأييد السيسى غير متسرع، والعمال يرون فيه الزعيم جمال عبدالناصر”.

والحقيقة أن السيسي لم يكن له برنامج لكي نقول أنه يلبي مطالب العمال أم لا، وعلي الرغم من ذلك ظلت قيادات الاتحاد تؤيده.

الآن بعد أن أوشكت فترة رئاسة السيسي الأولي على الانتهاء ولم ينفذ شيء للعمال، علي العكس فقد ركب قطار الليبرالية الجديدة وقاده بأقصي سرعة ماراً علي جثث الشعب المصري كله وفي القلب منه العمال. فقام بتعويم الجنية، مما جعل قيمة الجنية المصري تصبح أقل من نصف قيمتها قبل التعويم، وأضاف للضرائب التي كانت تثقل كاهل المواطنين ضرائب جديدة، ورفع الدعم عن الوقود، وغيرها من السياسات التي جعلت الأسعار تتضاعف في أشهر قليلة. حتي أن نسب التضخم – مع العلم أنها لا تمثل الارتفاع الحقيقي في الأسعار- تتعدي 30%. كل هذا وأجور عمال القطاع الخاص والذي يمثل أكثر من ثلثي العمالة في مصر لم تزد، ففي عهده حذفت من القوانين التي تصدر لإقرار العلاوات الدورية وعلاوات غلاء المعيشة ما يخص العاملين بالقطاع الخاص، وبالتالي أمتنعت الحكومة ممثلة في وزارة القوي العاملة عن إصدار قرارتها بقيمة العلاوة للقطاع الخاص، ولتثبت قيمة أجور عمال القطاع الخاص في الوقت الذي تقفز فيه الأسعار. هذا ناهيك عن عدم إقرار الحد الأدنى للأجور للعمال في القطاع الخاص حتي الآن، رغم إقراره بالنسبة للعاملين بالحكومة بـ 1200 جنيه منذ أربع سنوات، بغض النظر عن عدم مناسبته للأسعار. مما يعني أن أجور العاملين بالقطاع الخاص ثابتة بشكل رسمي منذ سنوات مع تضاعف الأسعار، مما يعني أنها فقدت أكثر من نصف قيمتها علي الأقل.

الحقيقة أن العاملين بالحكومة أفضل حالاً من العاملين بالقطاع الخاص، ولكن أجورهم أيضاً قد قلت قيمتها، لأن العلاوات التي تم إقرارها بالنسبة للعاملين في الحكومة ممن ينطبق عليهم قانون الخدمة المدنية بما فيها علاوة غلاء المعيشة كانت 14% فقط، أي أنها أقل من نصف قيمة التضخم. وبالنسبة للعاملين بالحكومة الآخرين فقد كانت العلاوتين قيمتهما معاً 20% – علماً بأنهم قد حرموا من العلاوة في العام السابق- ليس هذا فقط بل أن معظم الشركات القابضة رفضت تطبقها علي العاملين بشركات القطاعين العام والاعمال.

هذا ناهيك عن ألآف العمال اللذين تعرضوا للفصل سواء بسبب إغلاق مصانعهم وشركاتهم، أو تصفية العمال في شركات القطاع العام سابقاً واللذين كانوا قد استطاعوا إعادة شركاتهم للقطاع العام بأحكام نهائية، مع نص الاحكام علي عودتهم لسابق عهدهم وهو ما لم ينفذ، إلي المفصولين تعسفياً من قبل أصحاب الاعمال في ظل عدم محاسبة الحكومة لهم علي جرائمهم في حق العمال. يبدو أن الاتحاد لا يري كل هؤلاء، وكيف يراهم وقياداته تنظر لأعلي حيث تقبع رأس السلطة فهي من تأتي بهم، وتساعدهم للحفاظ علي مواقعهم النقابية رغماً عن إرادة العمال، عبر إصدار قوانين تثبت اقدامهم، ولا تسمح لآخرين بمزاحمتهم حتي لو كانوا من اختيار العمال. كما أن السلطة هي من أتت بهم لمقاعد البرلمان ليساعدوها في إقرار قوانين ظالمة تضر بمصالح العمال وكافة الشعب المصري، ويعتمدون سياسات تزيد من إفقارهم، مثل قانون الخدمة المدنية، وقانون التأمين الصحي، وقانون النقابات، وقانون القيمة المضافة، وقرار تعويم الجنيه، وإقرار موازنات ظالمة، ناهيك عن الموافقة علي قرض صندوق النقد الدولي، و التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير.

كما لا تري هذه القيادات مئات العمال اللذين تعرضوا للاعتقال بسبب ممارسة حقهم في الاحتجاج السلمي، وفقدان أعمالهم عقاباً لهم علي ممارسة هذا الحق. ففي هيئة النقل العام، والترسانة البحرية، وافكوا، والعاملين بالضرائب والمصرية للاتصالات، وغيرهم تعرض العمال للاعتقال والفصل معاً في الكثير منهم.

بعد كل هذا و قبل أن تنتهي الأربعة سنوات الأولي من حكم السيسي، يبدو أن الجبالي نسي كلامه، فبدأ الاتحاد وقياداته في عقد مؤتمرات يعلنون فيها مطالبتهم للسيسي للترشح لفترة ثانية،  فقد نظم الاتحاد برئاسة النائب جبالي مؤتمرعمالي جماهيريبمقر اتحاد العمال يوم 4 أكتوبر ، وذلك بالاشتراك مع ائتلاف حب الوطن برئاسة النائب محمد وهب الله الأمين العام للاتحاد العام ووكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب. تحدث فيه وهب الله فقال: «لقد جئنا اليوم لنحتفل بنصر لا يقل عن نصر أكتوبر وهو مرور ٤ سنوات على ٣٠ يونيو، وكما تكاتفنا في 1973 وحققنا الانتصار العظيم نتكاتف لنبني وطننا مع القائد والزعيم والبطل عبدالفتاح السيسي، برغم الصعاب وبرغم غلاء الأسعار فإننا مصرون عمالا وفلاحين وقبائل عربية أن يستكمل السيسي مسيرة الوطن”. أضاف وهب الله “أننا كقيادات اتحادات العمال وائتلاف حب الوطن وسكرتارية المرأة نؤكد دعمنا ومساندتنا لما تشهده مصر من إنجازات عملاقة من أجل مواصلة مسيرة التنمية والمشروعات العملاقة، ولذلك نتجه للرئيس ونناشده بالترشح لفترة رئاسية ثانية ونؤكد وقوفنا خلف الرئيس وسنقوم بعمل مؤتمرات بكافة المحافظات لدعم السيسي”. وتم خلال الاحتفالية توزيع استمارة «علشان تبنيها» للمطالبة بترشيح السيسي لفترة ثانية.

بعدها  في نوفمبر عقدت  النقابة العامة للعاملين بالسكك الحديدية جمعيتها العمومية ومؤتمرها تحت شعار “نحن معك من أجل مصر”، لإصدار وثيقة تأييد للرئيس عبد الفتاح السيسي باسم 150 ألف عامل بطوائف التشغيل المختلفة بالسكك الحديدية ومترو الأنفاق، إضافة إلى آلاف الخدمات الأخرى.

وصرح عبد الفتاح فكرى رئيس النقابة العامة للعاملين بالسكك الحديدية والمترو، بأن المؤتمر يستعرض الامتيازات المادية والمعنوية التى حصل عليها العاملون ومشاركتهم فى أعمال تطوير وتحديث آليات التشغيل ومترو الانفاق، مشيرا إلى أن العاملين حصلوا على حوافز مادية ومعنوية منذ تولى الرئيس السيسى الحكم من أهمها زيادة بدلات طبيعة العمل والحماية من المخاطر بحد أقصى 60% ونسب الحوافز والأجور الإضافية بنسبة 10% من الأجر وزيادة مكافأة نهاية الخدمة من صندوق الولاء والانتماء إلى أجر 110 أشهر من أول يوليو الماضى عند حالات التقاعد والعجز والوفاة إضافة إلى تطوير المركز الطبى لعلاج العاملين وأسرهم.

ومن الواضح أن العاملين بالمترو  والسكة الحديد كان لهم رأي آخر فقد اعتصم سائقي وعمال مترو الأنفاقفي نوفمبر 2017 للمطالبة بحقهم بالبدل النقدي لإجازة يوم السبت. وقد افترش  المعتصمون أرصفة المحطة في شبرا الخيمة، ووقفوا على القضبان أمام القطارات لمنع تحركها، ما تسبب في حالة من الشلل بالخط الثاني.

كما كان المئات من عمال النظافة بالسكة الحديد بالإسكندرية قد بدأوا إضرابعن العمل  في يونيو 2017 استمر عدة  أيام،   طالبوا بالعلاوة و بإقالة رئيس مجلس الإدارة الذي يتهمونه بعدم منح حقوق العمال والاستجابة لعودة المفصولين منهم. في نفس الوقت دخل العشرات من العاملين بشركة السكك الحديدية للخدمات المتكاملة، بمحطة قطار منوف، في إضراب مفتوح عن العمل داخل محطة القطار، احتجاجًا على عدم صرف علاوة الـ10%، التي أقرها الرئيس عبدالفتاح السيسي. هذا بخلاف عشرات الاعتصامات والاضرابات في القطاعين خلال الثلاث سنوات الماضية.

هكذا رأينا أن وجهةقيادات الاتحاد الحكومي التي أقرت الحكومة مؤخرا القانون 213  لسنة 2017، البديل لقانون النقابات 35 لسنة 1976،  لكي تمكنهم من احتكار تمثيل العمال وحدهم، وتبعد من هم سواهم، هي السلطة الحاكمة أياً كان من يحكم، وبالتالي تعمل هذه القيادات دائماً علي أن تظل السلطة بأجهزتها المختلفة تتمسك بهم، وتثق في قدرتهم علي العمل لصالحها ضد مصالح العمال.  أنهم بحق ليسوا اتحاد عمال حتي أصفر، ولكنهم جهاز من أجهزة الدولة يعمل لصالحها باسم العمال.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الانتخابات لماذا؟

هاني شكر الله

اثنتا عشرة أطروحة حول تغيير العالم بدون الاستيلاء على السلطة أصبحت الثورة أكثر إلحاحا عن أي وقت مضى. وصارت الأهوال المتصاعدة من التنظيم الرأسمالي للمجتمع أكثر عددا وشدة. وإذا ثبت أن الثورة عن طريق الفوز بسلطة الدولة كانت وهما، فهذا لا يعني أننا يجب أن نهمل سؤال الثورة؛ بل علينا أن نفكر فيه بطرق أخرى: ليس بالاستيلاء على السلطة، بل في تدميرها.

جون هولواي