سيدي بوزيد مع الذكرى السابعة للثورة (زيارة جديدة لمدينة البوعزيزي)

قراءات, قضايا

25  ديسمبر  2017

هذه هي المرةالخامسة التي أقصد فيها مدينة سيدي بوزيد.الأولى كانت في 26 أكتوبر 2011 بعد أيام معدودة من انتخابات المجلس التأسيسي لتونس وحيث كان السعي للإجابة على السؤال: لماذا أدار الصندوق ظهره للثورة التي انطلقت شرارتها من هنا لتبلغ العديد من المجتمعات العربية مع إحراق الشاب محمد البوعزيزي نفسه صباح 17 ديسمبر 2010؟أما الزيارة السابقة فجاءت قبل عامين بحلول الذكرى الخامسة لاندلاع الثورة من هنا. وقتها أطلّت أمام الزائر أربع ظواهر مجتمعية: تكاثر أعداد المقاهي في الشوارع على نحو يؤشر بدوره إلى البطالة.. وارتفاع عدد من العمارات للسكنى والمكاتبإلى ما فوق الطابقين بل والخمسة طوابق، وهو ما يجرى تفسيره بظهور “أغنياء جدد” تولدت ثرواتهم من بيع البنزين المهرب من الجزائر وليبيا في السوق السوداء والاتجار في المخدرات تلبية لطلب متزايد من شباب عاطل محبط..  وطفرة في قضايا تعاطي الشباب للمخدرات على نحو لم تعرفه تلك المنطقة الريفية من قبل، كما ابلغتني حينها مكاتب محاماة بالمدينة. أما الظاهرة الرابعة فهي أن الحديث عن السلفيين وأمراء الإرهاب وشباب الجهة الذين ذهبوا للقتال مع التنظيمات التكفيرية في سورية والعراق وليبيا له وزنه وحضوره، وإن كان آخذا في الخفوت.وهذا  على الرغم من نجاح حكومة التكنوقراط برئاسة مهدي جمعة عام 2014،وما تلاها من حكومات،في اخراج السلفية الجهادية من المساجد ودفعها ـ محاصرة لأبعد حد ـ إلى الجبال..وهنا تحديدا إلى جبال ومرتفعات تشمل ولايتي سيدي بوزيد والقصرين المجاورة.وإلى الآن تتواتر أنباء اشتباكات مع قوات الجيش وانفجارات ألغام بالمرتفعات الجبلية.وقد حُفرت في الذاكرة الجماعية لأهالى بوزيد والتونسيين عموما واقعتا ذبح الراعي  الصبي “مبروك السلطاني” على سفوح جبل “المغيلة”في أقصى الطرف الغربي للولاية وعلى حدودها مع القصرين في نوفمبر 2015، ثم شقيقه الأكبر الشاب “خليفة” وعلى سفوح الجبل ذاته في يونيو 2017، في رسالة قرأها تونسيون بوصفها استهزاءا بقدرة سلطة الدولة على حماية العائلة ومواطنيها.

هذه المرة أيضا سلكت بي سيارة الأجرة ( اللواج) من محطة “المنصف باي” بالعاصمة إلى مدينة سيدي بوزيد طريق “نصر الله”(250 كيلو مترا باتجاه الوسط الغربي للأراضي التونسية)، لا طريق جلمة الأطول بنحو عشرين كيلو مترا فقط. ولقد تبين لي خلال الرحلة أن  تحسن الطريق الذي عاينته في المرة السابقة تماما عن سابقاتها (ديسمبر 2015) قد انتكس، فأصبحت الطريق تعاني المزيد من المطبات والحفرعلى نحو يطيل زمن الرحلة. لكن ثمة من أبلغني بعد الوصول بأن كافة أحياء المدينة طرأ عليها تحسن ملموس في الخدمات والطرقات حيث جرى “إعادة تهيئتها”، فيما تأخر عنها حي البوعزيزي (حي النور الغربي) وهو الذي زرته قبل عامين. ولقد لاحظت بنفسي فور وصولي ظهيرة يوم 15 ديسمبر 2017  كيف ارتفعت في وسط سيدي بوزيد عمارة بواجهة زجاجية (فيميه)، لعلها الأولى بسيدي بوزيد، فيما  اختفت أو إنمحت صور البوعزيزي العملاقة وهو يصفق بيديه شاخصا للمجهول منواجهة مبنى البريد بوسط المدينة.وبدلا من حضوره،يبرز إعلان تجاري عن شركة اتصالات وخدمات جوال (محمول) باطلالة جانبية على مساحة الطريق الرئيسي الذي يقطع المدينة،والتي تحمل هنا عنوان “ساحة البوعزيزي”.وبعد يومين،ومع صباح يوم الاحتفال بذكرى اندلاع الثورة ستظهر صورة البوعزيزي ذاتها على مقربة مصغرة منزوية على بوستر فوق حامل لا يكاد يلمحها المارة بميدانه،وقد كادت تختفي خلف خيمة تبث منها إذاعة “الكرامة” المحلية المستقلة، وكأنها تتحاشى مواجهة الطريق.

على هذا النحو،أصبح حضور محمد البوعزيزي “محتشما” حتى في ميدانه.إلا أن النصب الحجري المتواضع بالأصل لعربة يده (البرويطة بالتونسية) بقي على حاله،وهذا على الرغم من عنفوان دعاية الثورة المضادة الهازئة بـ “ثورة البرويطة” وببائع الخضروات والفاكهة في العاصمة وكل أنحاء البلاد وبخاصة في جلسات المثقفين وبين الإعلاميين والمشرفين على أنشطة تشغل كل أيام العام وتجعل من تونس “بلدا للمهرجانات”،مع أنها لاتعوم أبدا على بحيرة من نفط أو غاز، هذا التقليد المتوارث عن الدولة البورقيبية والراسخ في زمن بن علي كواجهة لـ “حداثة ترعى الفنون والفنانين” وتمتد بمظلتها إلى خارج تونس. تصادف أن اتخذ الرئيس الأمريكي ترامب قراره بالاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل ونقل سفارته اليها قبل أيام معدودة من حلول الذكرى السابعة لاشعال البوعزيزي جسده، فاستمعت بنفسي في هكذا منتديات بالعاصمة تونس إلى فيض وافر من التهكم على “ثورة البرويطة”، مشفوعا بإلصاق كل نقيصة أو كارثة بها، محلية وطنية كانت أو إقليمية عربية أو حتى عالمية كونية. وتبينت ـ وبالملموس ـكيف تستغل الثورة المضادة كل شعور بكارثة ـ كقرار ترامب  مرشحها المفضل في انتخابات الرئاسة الأمريكية انتقاما من توهم دعم منافسته هيلاري “للربيع العربي” المزموم ـ كي تهيج كوامن السخرية والاستهزاء من “البرويطة”، مع استدعاء كل ما يمكن في الحط من شأن الجهة (سيدي بوزيد) وأهلها. وهي مازالت بدورها الأقل حظوظا  ـ مع غيرها من جهات تونس الأعماق في الوسط والجنوب والشمال الغربي ـ في الاغتراف من “كعكة”: “تونس بلد المهرجانات”.

 لكن مع كل صباح جديد،يبصر المارون بساحة البوعزيزي هنا بمدينة سيدي بوزيد “البرويطة الحجرية” صامدة في مكانها. ومع حلول صباح 17 ديسمبر، بعد سبع سنوات من الحدث المؤسس في 2010، قد ينتبه مارة هنا إلى رمزية اعتلاء أطفال المدينة، وربما القادمين أيضا من المدن والقرى بالجهة، للبرويطة ولهوهم فوقها، وقد حمل عدد منهم أعلام فلسطين.

مع زيارة هذا العام تبين لي أن النصب الحجري أصبح يحمل عبارة “مانيش مسامح” وقد كتبت بخط أسود كيفما اتفق،وبما يفيد بأن الحملة الشبابية التي سعت للتصدي لمبادرة الرئيس السبسي بسن قانون للمصالحة الإقتصادية والمالية مع رجال عهد بن علي مرت من هنا،  وتركت بصماتها. وقد اسهمت الحملة، بوقفات ومسيرات في العاصمة والعديد من المدن التونسية، في تخفيض الطموح الرئاسي من قانون يشمل رجال الأعمال والجرائم الاقتصادية والمالية إلى قانون للمصالحة الإدارية مع كبار موظفي الدولة، مرره بصعوبة البرلمان في سبتمبر الماضي،وبعد عامين من إطلاق الرئيس السبسي مبادرته.

صادف الاحتفال بسيدي بوزيد هذا العام يوم عطلة أسبوعية (الأحد)، فاختلطت بمنح “عطلة عيد 17 ديسمبر”لمصالح الولاية ومدارسها ومختلف مرافقها. وانحسر مع هذا الخلط جدل وسخط استمعت اليه قبل عامين هنا بشأن تمسك سلطة الدولة ومن العاصمة بالتنكر للذكرى،ولفضل الجهة وإصرارها على رفض اعتماد اليوم عيدا وطنيا وعطلة في البلاد كلها.ثمة هنا صراع يحمل رمزيته وتاريخيته بين المركز والهامش وبين تونس الساحل وتونس الأعماق، بل وبين شطارة التاجر وتضحيات الفلاح.وللفلاحين وأبنائهم هنا منطقهم.يقولون:”لاننكر أهمية يوم 14 يناير 2011 حين فر بن علي بعد المظاهرة غير المسبوقة بطول شارع الحبيب بورقيبة بوسط العاصمة وأمام وزارة الداخلية.. لكن كل الثورات يؤرخ لها بيوم بدايتها”.

صباح الذكرى السابعة، وفي الشارع الرئيسي الذي يشق مدينة سيدي بوزيد، وعلى مقربة من نصب “البرويطة” لاحظت هذه المرة كيف أصبح حضور رجال الشرطة أكثر كثافة عن اليوم ذاته قبل عامين. كما بدت لي حواجز أمنية مشددة معززة بالحديد والحرس تحيط بمقر الولاية (مركز السيادة كما يقول التونسيون) لم أتبينهامن قبل. حواجز لا يمكن عبورهاوعلى مرمى البصر من ساحة البوعزيزي وفي نهايتها تظهر عربة للجيش.وثمة هنا وفي اللحظة شعور بالخوف من الناس. في مقر الولاية وال جديد، مازلت صفحته بيضاء. صحيح أنه ليس من سيدي بوزيد، إلا أنه من القيروان المجاورة. لكن في ذاكرة السلطة والجهة أن الأهالى طردوا ثلاثة ولاة بعد الثورة واقتحموا مرارا مقر الولاية واعتصموا به غير مرة مصرين على المطالبة بتحقيق أهداف الثورة (الحق في العمل والتنمية والثروةإلى جانب الحرية والكرامة).كان آخرها في 10 يناير الجاري، أي قبل أسبوع واحد، حين جاء شباب من المكناسي مستأنفين حراكا بين مد وجزر بدا وكأنه دخل مرحلة حاسمة مع بداية  هذا العام (1). وقبل ثلاثة أيام من حلول الذكرى السابعة لاندلاع الثورة، جاء وفد وزاري من العاصمة يضم وزير الشئون الإجتماعية محمد الطرابلسي المحسوب على اتحاد الشغل وتحاور في قاعة مغلقة مع الأهالي ورموز المجتمع المدني.لكن الناس في سيدي بوزيد علموا ـ وعلى نطاق واسع ـبأن الاجتماع كان ساخنا وعاصفا. الوفد القادم من العاصمة كرر وقدم المزيد من الوعود بمشروعات للتنمية ولتحسين الخدمات، لكنه اصطدم بحضور غير مصدِق وبأزمة ثقة. فالناس هنا ملّوا من وعود مابعد الثورة التي لا تتحقق،و”التمييز الإيجابي” للمناطق المحرومة منذ ماقبل  الاستقلال عن فرنسا عام 1956، الذي نص عليه الدستور الجديد في فصله الثاني عشر (دستور 28 يناير 2014) وللمرة الأولى بصيغة “التوازن بين الجهات” مازال حبرا على ورق.

عندما انعقدت بمقربلدية سيدي بوزيد ظهيرة 17 ديسمبر ندوة نظمها اتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن “السياسات  التشغيلية في تونس: الآليات والبدائل”،وفي قاعة اجتماعات اكتظت بالحضور الشباب، تناول متحدثون بتهكم مريرمحاولة وزير التجارة الزائر “عمر الباهي”ـ وهو بالأصل أكاديمي درس في فرنسا وتقلد أيضا مناصب قيادية في اتحاد الفلاحين قبل أن يلتحق بالإدارة في العاصمة ـ تسويق التعويل على رجال الأعمال والقطاع الخاص في انشاء مشروعات لتشغيل الشباب بالولاية،وذلك خلال الاجتماع العاصف هنا قبل أيام. ولقد سألت وتيقنت بأن ولاية سيدي بوزيد لم تعرف بعد مشروعات تنموية فارقة بعد الثورة، وبأن الأمور على حالها منذ زيارة ديسمبر 2015.فقط 15 معملا (مصنعا) صغيرا من بينها مصنع وحيد لبسترة الألبان بعد الثورة. وهذه المصانعأقرب إلى “الورش”، لا يتجاوز عمال أي منها 300 عامل. والمصنع المستحدث بدوره لا يشغّل أعدادا أكبر من هذا المتوسط،وإن كانت منتجاته، بما في ذلك (اليوغورت/الزبادي) قد غزت أسواق تونس،واحتلت موقعا متقدما على رفوف سلاسل “السوبرماركت” العملاقة بالعاصمة وغيرها من  كبريات المدن. ومالكه بالأصل تنافس شهرته علامة مصنعه التجارية.فهو حمدي المؤدب (المدب)، رئيس نادي الترجي الرياضي الذي يحظي فريقه لكرة القدم بأكبر شعبية في البلاد.وعلى أي حال، فقد بقي اقتصاد ولاية سيدي بوزيد ريفيا بامتياز، يقوم على تربية الماشية وزراعة الخضروات والفواكه. وهي زراعة تقوم في الأغلب على الملكيات الصغيرة. وعلى الرغم من افتتاح مصنع رئيس وممول الترجي بعد الثورة فإن الولاية  المشهورة بتربية الماشية لم تتخلص تماما من ظاهرة إلقاء جانب من انتاجها من الألبان في المصارف والطرقات، وهو ما أكدته لي في زيارتي قبل عامين النائبة المنتخبة بالولاية عن الجبهة الشعبية اليسارية “مباركة عوينية” (زوجة الشهيد، النائب السابق محمد البراهمي)، وقد أبلغتني حينها بأن”المستثمرين لايأتون لأن البنية التحتية للولاية ضعيفة عاجزة،والطرقات رديئة ضيقة،والدولة لم تجهز مناطق صناعية، وكل الخطط حبر على ورق”.وهو ما أقر به الوالي السابق “مراد المحجوبي” على استحياء عندما زرته حينها في مقر الولاية. وعندما استفسرت منه عما اذا كانت الولاية عرفت أي مشروعات جديدة باستثمارات عربية أو أجنبية بعد الثورة أجابني بالنفي.قال: “ولا مشروع واحد”. وعلل غياب المستثمرين المحليين وغير المحليين عن الولاية باستمرار ضعف بنيتها الأساسية، خاصة الافتقاد إلى الطرق السريعة الوسيعة التي تربطها بالعاصمة تونس وبصفاقس، الميناء والمدينة الصناعية الأهم في البلاد. كما أشار إلى ضعف شبكة الطرقات داخل الولاية،وتلك التي تربط مواقع الانتاج الزراعي والحيواني بالمراكز الحضرية. لكن هاهو الرجل يغادر موقعه ليشغله والي جديد دون جديد.وواقع الحال، أن الإنفاق الأجنبي الكريم ـ وبخاصة الأوروبي ـ على وافر الأنشطة، بما في ذلك الندوات والمؤتمرات المعتنى بتغطيتها اعلاميا في العاصمة والعديد من المدن وبخاصة الساحل، لا يعرف طريقه إلى التنمية في سيدي بوزيد وغيرها من مناطق الداخل بتونس.

في مقر البلدية وبندوة اتحاد المعطلين جاءت الكلمات صريحة حادة من الشابات والشباب تتهم سلطة الدولة بـ “التهرب من القيام بدورها كقاطرة للتنمية،وبالاستمرار في تبني نمط التنمية نفسه المتبع قبل الثورة ومعه اعادة انتاج خيار الدولة البوليسية التي تنفق بسخاء لقمع احتجاجات العاطلين”.ويتحدث من فوق المنصة “حسين الرحيلي” المتخصص في الاقتصاد عن نسبة بطالة فعلية في سيدي بوزيد تناهز 22 في المائة و48 في المائة بين حملة الشهادات العليا.ويوضح بالإحصاءات على نطاقي  الولاية وتونس بأسرها الخلل بين سياسات التعليم وسوق العمل،وكذا بين الأجور والإعفاءات والامتيازات الضريبية للمستثمرين مقابل زيادات مجنونة في ضريبة القيمة المضافة على السلع، بما في ذلك الاستهلاكية هذا العام.ومع هذا، فإن سيدي بوزيد لا تعد الأسوأ حالا في معدلات البطالة بين ولايات الجمهورية التونسية. آخر تعداد عام للمعهد الوطني للاحصاء بتونس (عن عام 2014) يسجل نسبة بطالة في سيدي بوزيد تصل إلى 17,7 في المائة، فيما تبلغ في عموم تونس 14,8 في المائة، فضلا عن 33,5 في المائة بين شباب الولاية حملة الشهادات العليا، مقابل نحو 21 في المائة في عموم تونس. وقد ارتفع معدل البطالة في البلاد مع اقتراب نهاية عام 2017 ـ وفق احصاءات المعهد نفسه ـإلى 15,3 في المائة.إلا أن الولاية التي اندلعت منها شرارة الثورة التونسية ليست الأسوأ حالا. فتعداد عام 2014 يسجل نسب بطالة 19,9 في المائة في ولاية الكاف بأقصى الشمال الغربي،ونسبا أعلى في الولايات المجاورة لسيدي بوزيد.فهي رسميا 22,7 في المائة بالقصرين، حيث سقط العدد الأكبر من شهداء الثورة في مختلف الولايات و26,7 في المائة بقفصة، أين وقعت انتفاضة الحوض المنجمي عام 2008 واستمرت ستة أشهر حيث إنتاج الفوسفات.ولاشك أن ولاية تطاوين في أقصى جنوب تونس تضرب كل هذه النسب وتسجل الأعلى والأخطر بنحو 26 في المائة وفق تعداد عام 2014. وقد طرحت الاحتجاجات الاجتماعية بهذه الولاية هذا العام 2017 واعتصام شبابها في الربيع وعلى أعتاب الصيف بصحراء “الكامور” قرب منابع انتاج وضخ البترول على النقاش العام بتونس مسألة حق ومطالبات الجهات في نِسب من ثرواتها الطبيعية ومعه مخاوف وتحذيرات مما اطلق عليه “تصاعد النعرات الجهوية المناطقية على وحدة البلاد وتماسك الدولة” (2).

على جدران القاعة بمقر البلدية لافتات علقها المنظمون تدين صندوق النقد الدولي والرأسمالية المتوحشة، وبين المتحدثين من الشابات والشباب من يطرح حلولا في مروحة بدائل من استهداف الاحتجاجات الاجتماعية لمقار البنوكبدلا من مقر الولاية،إلى افتكاك (انتزاع) أراضي المستعمرين الفرنسيين التي ورثتها سلطة الدولة بعد الاستقلال والمسماة عند التونسيين بـ “الأراضي الدولية”كي يزرعها الشباب العاطل عن العمل وينتشلها من الإهمال والبيروقراطية. كما حضر على المنصة من ولاية قبلي الجنوبية “طاهر الطاهري” الذي أصبح خلال سنوات مابعد الثورة، مع رفاقه في جمعية واحات”جمنة”، رمزا لتجربة ناجحة في الاقتصاد التضامني (التعاوني) (3). ومن هنا، وفي هذه اللحظة،يعيد طرح دروس التجربة وصراعها المرير المتواصل مع سلطة وبيروقراطية سعت إلى القضاء عليها لسنوات قبل ان تصل – وقبل أشهر معدودة – إلى  ما يشبه “هدنة” تنطوي على فرصة “اعتراف بالتجربة والسعي لايجاد صيغة قانونية وسياسية لتقبلها”. وثمة في حديث الرجل، الذي تشبه ملامح وجهه الأديب “مكسيم جوركي”، مزيج من مرارة وتفاؤل وثقة. يوجز لأهالي سيدي بوزيد ملامح أهم تجربة في الاقتصاد التعاوني بتونس بعد الثورة بمبادرة من الناس. ويبتسم  ـ وهو اليساري ـ عندما يذكر أن جانبا من عوائد تجربة انتاج التمور بالجمعية ذهب لتحسين المساجد وللأنشطة الدينية بجهتها إلى جانب المدارس والمستشفي وخدمات الصحة والبيئة. لكن لا الطاهري ولا أحد المتحدثين من القاعة طرح للنقاش وبجدية السؤال: لماذا لم تشهد تونس ما بعد الثورة المزيد من تجارب الاقتصاد التعاوني؟

في نشرة أخبار الثامنة مساءا على “الوطنية الأولى” الأهم على مستوى متابعات المشاهدين التونسيين قاطبة بث التلفزيون المملوك للدولة تقريرا لمراسله من سيدي بوزيد، الزميل “نوفل الجمالي” أبرز فيه استياء الأهالى هنا بمناسبة الذكرى السابعة لاندلاع الثورة من غياب الرؤساء  الثلاثة (الدولة والبرلمان والحكومة) ومعظم نواب البرلمان بالولاية عن الاحتفالات،علما بأن نصف المقاعد الثمانية للولاية في البرلمان حصدها نتيجة انتخابات خريف 2014 نداء تونس والنهضة (الحليفان في الحكم حاليا والشريكان الأبرز في تمرير قانون المصالحة) بمقعدين لكل منهما. ولعل الحواجز التي عاينتها في الصباح حول مقر الولاية تحمل في رمزيتها مبرر الغياب. وفي ذاكرة السلطة والناس معا أن آخر زيارة قام بها أي من  الرؤساء الثلاثة بعد الثورة لسيدي بوزيد كانت في 17 ديسمبر 2012، وانتهت على نحو بثته قنوات التلفزيون والإذاعات صوتا وصورة في حالة من الفوضي مع إجلاء الرؤساء الثلاثة (المنصف المرزوقي رئيس الدولة، ومصطفي بن جعفر رئيس المجلس التأسيسي، وحمادي الجبالي رئيس الحكومة) من الاحتفال بالذكرى الثانية، عندما بلغت المنصة أحجار الغضب مع شعارات تطالب باسقاط الحكومة و”ارحل”، سخطا على الإخفاق في تحقيق أهداف الثورة.وثمة تفسير آخر للواقعة لا يأخذ وحسب بسخط أهالي سيدي بوزيد، ويرى للثورة المضادة وشبكات حزب التجمع الحاكم زمن بن على،والمنحل بحكم قضائي بعد الثورة، أياد في استهداف ضيوف الاحتفال.

هذه المرة، وعشية الاحتفال السابع هنا،نشرت صحف العاصمة نبأ اعتزام رئيس الحكومة الشاب “يوسف الشاهد” (42 سنة) ـ والأعلى شعبية بين الشخصيات السياسية في استطلاعات الرأي حتى الآن ـ زيارة سيدي بوزيد والاقامة بها لثلاثة أيام في معايشة ميدانية كان قد قام بها للمرة الأولى قبل أسابيع معدودة بولايةالقيروان. غياب الشاهد “بدوره” حمل عددا من أهالي سيدي بوزيد على وصف زيارة الوفد الوزاري قبل أيام بأنها أشبه “بجس نبض” أو “بمهمة إطفاء” انتهت إلى أن زيارة رئيس الحكومةلن تكون مأمونة العواقب. وهكذا اكتفت الحكومة بايفاد وزيرة السياحة “سلمى اللومي” في زيارة “محتشمة” جرت خلف الحواجز. وكان بالامكان أن أقارن بين ايفاد الحكومة لوزيرة إمرأة أيضا  في احتفالات الذكرى الخامسة (وزيرة الثقافة وقتها الدكتورة لطيفة الأخضر). حينها كان للسيدة الوزيرة أن تتجول بلا حواجز وتضع حجر الأساس لمتحف الثورة على مقربة من مقر الولاية ونُصُب برويطة البوعزيزي. لكن عندما عدت بعد عامين لم أجد أثرا للمتحف. وبدا من الصعب أن أعثر على أثر لحجر الأساس نفسه ظاهرا للعيان.

إلا أن الزائر الأهم الذي جاء في موكب من العاصمة هذه المرة هو الأمين العام لاتحاد الشغل “نور الدين الطبوبي”.استقبله مناصروه بترحاب عند بوابة مقر الاتحاد بشارع جانبي يتفرع من الطريق الرئيسي حيث الاحتفالات في ساحة البوعزيزي، بينما تصدر علم فلسطين واجهة المبنى ولافته تطالب بتجريم التطبيع.وعلى مقهى “الاتحاد” المجاورة مباشرةانصرف أناس عن الاستقبال مع انتقادات طالما ترددت في العاصمة إزاء”البيروقراطية النقابية” و”الدور السياسي الداعم لحكومات اليمين”،وإن أكد “الطبوبي” في كلمته بسيدي بوزيد على الاعتراف بحالة الاحتقان واليأس وخيبة الأمل بين أهالي الجهة، وبخاصة الشباب. وقال:”سبع سنوات بعد الثورة جرى فيها نفس منوال (نمط) التنمية السابق عليها كرست مزيدا من  البطالة والتهميش والتفاوت والإقصاء بالجهة”. وعلى الرغم من الانتقادات التي تناولته وقيادة الاتحاد على مقربة،فقد جاء الرجل هنا بثقة وطمأنينة، وفي سيارة فولكس فاجن سوداء فاخرة حديثة الطراز أضفت على المشهد طابع “الموكب الرئاسي”.ولعل مرجع الثقة والطمأنينة هوإعلان “الطبوبي” قبل أيام عن التوصل إلى اتفاق مع حكومة “الشاهد” لتجميد أي زيادة في أسعار السلع الاساسية خلال العام المقبل (2018)، والى التلقي المرحِب لإعلانه أن اتحاد الشغل  لن يسمح بالتفويت (الخصخصة) في الشركات والمصالح العمومية، واقفا في شرفة مقر الاتحاد المركزي في ساحة “محمد على الحامي” بوسط العاصمة صباح 4 ديسمبر، قبيل الانطلاق في المسيرة السنوية الحاشدة إلى مقبرة الزعيم النقابي المؤسس الشهيد “فرحات حشاد”.

لكن حدثا آخر على مقربة أخرج ـ عند الظهيرة ـ بعض المتجمعين في مقري البلدية والاتحاد عن متابعة الندوة والمؤتمر ولبعض الوقت. فقد اقتحمت المقرين أصوات مظاهرة حاشدة تطوف ساحة البوعزيزي تهتف “الشعب يريد الثورة من جديد”، وتستدعى شعارات الثورة عن الحق في العمل والحرية والكرامة الوطنية والإنسانية.في هذه اللحظة ظهرت الأعداد محتشدة بالآلاف، ولكن كأنها بلا وجهة محددة ومن دون اتجاه واحد.لكنها علىغير ماكان مع المسيرة التي تصدرها في الصباح قادة الحراك الاجتماعي الشبابي في المكناسي بما لايزيد على المائتين. وعلى هذا النحو،بدت شعارات الثورة مازالت قادرة على التعبئة. تصل الجموع إلى الحواجز المحيطة بمقر الولاية من دون أن يقع صدام. وتستمر لبضع دقائق قبل أن يغادر أثرها بالصورة والصوت المكان مخلفا المشهد من جديد لمظاهر احتفال يتصدره أطفال وصبية توافدوا مع الآلاف منذ الصباح الباكر . لكن مع الصباح نفسه كان رواد مقاهي المدينة يتداولون أنباء مصادمات ليلية مع قوات الأمن بحي البوعزيزي (النور الغربي) عرفت،كما هو معتاد،إشعالإطارات السيارات. وعندما سألت من كانوا بين قادة انتفاضة ديسمبر2010- يناير2011، أبلغوني دون كثير اكتراث بأنهم “صبية اعتادوا مناوشة البوليسية من دون دوافع تتعلق بالتنمية والبطالة أو السياسة”.

وقبل مرور أسبوع على الذكرى السابعة، وبحلول يوم 22 ديسمبر،قال المتحدث باسم وزارة الداخلية التونسية أن قوات الأمن “تعاملت سلميا” مع 12 ألف و595 احتجاج خلال 11 شهرا بين الأول من يناير و30 نوفمبر من عام 2017.وإذا ماوضعنا جانبا تزايد شكاوى منظمات حقوقية ومؤسسات مجتمع مدنى كـ “المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية” مما يعتبرونه “إعادة انتاج لأساليب الدولة البوليسية”، ورصد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في منتصف العام لثلاثمائة شاب أمام المحاكم في قضايا تجرم الاحتجاجات الاجتماعية ولبعض وقائع “التعنيف” للمتظاهرين، واعتقال أعداد لساعات هنا وهناك قبل إطلاق سراحهم، فإن الرقم الذي أعلنته الداخلية يؤشر إلى حجم الاحتجاجات في الفضاءات العامة بتونس (4).

ومع هذا فإن شيئا آخر كان علي أن أفكر فيه وأنا في طريقي إلى محطة “اللواج” على مشارف مدينة سيدي بوزيد. فقد لاحظت في تلك الإقامة التي دامت ثلاثة أيام ليس إلا كيف تطور وعي العديد ممن كانوا يعتبون على غيرهم هنا نفاذ الصبر وتعجل تغيير الأحوال بعد الثورة.فقد أصبحوا بدورهم يغادرون مواقعهم المتأنية المتحفظة إلى التعبير عن الضجر وبأن شيئا عزيزا عليهم قد جرى سرقته واستلابه..شئ في منزلة الأبناء الشهداء أو العيون التي فقدها ذووهم برصاص الأمن خلال أيام الثورة.. شئ هو أيضا في مرارة القصاص الذي لم يتحقق بعد.

وبهذه المناسبة انعقدت بقاعة في أحد أطراف المدينة في يوم 17 ديسمبر الجاري ندوة بشأن شهداء وجرحى الثورة نظمتها النقابة الفرعية للمحامين بالولاية، واستقدمت ضيوفا لها من العاصمة،من بينهم”شوقي الطبيب” رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وأعضاء من هيئة الحقيقة والكرامة المكلفة قانونا بملف العدالة الانتقالية. وقد أكد المتحدثون على أن المسار الذي جرت فيه محاكمات قتلة الثوار (المحاكم العسكرية)، ومازال، كرس الإفلات من العقاب،وإن تعلق البعض بأمل احالة هيئة الحقيقة والكرامة لملفات من تقدم إليها من الجرحى وأهالي الشهداء إلى محاكم خاصة في وقت لاحق. تماما مثلما عاينت قبل عامين، تتحول مدينة سيدي بوزيد إلى ورشة نقاش تتفرق على العديد من المؤتمرات والندوات ومختلف الأنشطة السياسية والثقافية والفنية. ولعل ما لاحظته هذا العام هو امتداد هذه الفعاليات إلى قاعات واسعة لأفراح وفنادق،وإن خلا العديد منها من حضور يملأ جنباتها، فضلا عن استضافة العديد من الندوات لرموز إعلامية وثقافية من العاصمة، مشفوعة بعبارات إطراء وانبهار فوق المنصات وأمام الميكرفونات،سرعان ما يعقبها همهمات قبل المغادرة تذكر بماض غير مشرف قبل الثورة.

عندما كنت أنتظر اكتمال ركاب عربة السفر العائدة إلى العاصمة تونس عند عصر يوم 17 ديسمبر 2017، وقبل أن تندر الحركة على الطريق، ويصبح من المحتم الانتظار لفجر اليوم التالي، رأيت “الطاهري” بوجهه الجوركي يتجه إلى اللواج القاصد الجنوب حاملا تحت الإبط أوراق ملف واحات جمنة.وددت أن ألفت انتباهه للوداع في هذه النقطة واللحظة تحديدا. نقرت على زجاج السيارة من الداخل وقد أبي أن يتزحزح لينفتح على هواء بارد، فلوح مبتسما وهو في طريقه تحت سماء تتأهب لاستئناف المطر. وبالطبع كان هذا الوداع مختلفا عن استقبال غير مبشر في الجامع الكبير بوسط المدينة وعلى مقربة من واقعة إهانة البوعزيزي من الشرطية “فادية حمدي” صباح الجمعة 17 ديسمبر 2010، حين صادرت “البرويطة” بما عليها. فقد اصطحبني صديقي المحامي والشاعر القاضي السابق “محمد الجلالي” إلى الجامع ذاته ظهيرة الجمعة أيضا من يوم 15 ديسمبر 2017وأتيحلي أن استمع إلى الخطيب وهو يدعو بالنصر لمسلمي سورية وميانمار.وأبدا لم يذكر فلسطين ولا القدس. وعندما خرجنا،والمصلون يسرعون بالمغادرة، استقبلنا على الباب صياح فتاة تجاهر بالتسول بلهجة أهل الشام وتتوسل بأنها من أسرة سورية مهجرة، تصطحب رجلا عجوزا في ملابس ممزقة وضع عصابة من قماش على إحدى عينية وطفلا لايتجاوز عمره الخامسة.

تخيلت حينها كيف بإمكان مثقفي الثورة المضادة في العاصمة تونسقراءة المشهد. حقا إنه تلخيص بليغ لآثار “الربيع العربي” يلقي بعواقبه الكارثية تماما إلى جوار “برويطة البوعزيزي وثورتها” هنا. لكن “الجلالي” أجابني، عندما استفسرت عن المهاجرين السوريين بالمدينة، بأنهم نادرون، وأن هناك من يتبع هذه الحيلة من أهالى الجهات المجاورة كي يخدع حسني النوايا وطيبي القلوب.منذ عامين،كان “الجلالي” يلوم “نافذي الصبر المتعجلين التغيير وجني ثمار الثورة”.لكنه ـ وهو الذي عارض بن علي في زمنه وعنفوانه ـ أخذ هذه المرةوقد بدا نافذ الصبر ـ يدافع عبر مكبرات الصوت في غير موقع خلال احتفالات الذكرى السابعة عن ثورة البرويطة،وبوصف عربة اليد رمزا للعمل والكد،ومذكرا بأن للثورة السوفيتية رمزها المقدر (مطرقة ومنجل).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*الكاتب مؤلف كتب: ” سيدي بوزيد: حكاية ثورة يرويها أهلها: رواية الأمين بوعزيزي وعبد السلام حيدوري، الصادر من القاهرة 2012،و”نظرتان على تونس من الدكتاتورية إلىالديمقراطية” الصادر في القاهرة وصفاقس 2012، و”الشبيهان: سيرة مزدوجة لمبارك وبن على” الصادر من القاهرة 2014،و”الديمقراطية الصعبة: رؤية مصرية للانتقال التونسي” الصادر من تونس 2016.

(1) للمزيد يمكن العودة إلى التحقيق الميداني: المكناسي الغاضبة المغنية بموقع”نواة” .https://nawaat.org/portail/2017/02/07

(2) للمزيد يمكن العودة إلىالتحقيق الميداني: الرخ لا.. تطاوين ليست على سطح القمر بموقع المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية مايو 2017:https://ftdes.net/ar

(3) للمزيد يمكن العودة إلى التحقيق الميداني: تونس / جنة تجربة تعاضد على مفترق طرق بموقع الحوار المتمدن 8 إبريل 2017:http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=554344

(4) للمزيد حول تنامي الاحتجاجات الاجتماعية بتونس بحلول عام 2017 يمكن العودة إلى مقال: جانفي ( يناير ) شهر لا ينتهى بموقع أورينت 21 في 9 مايو 2017:http://orientxxi.info/magazine/article1848

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

التجريد ضرورة ثورية موضوع المقال هو المنهج الجدلي عند ماركس، وبوجه أخص، "التجريد" كنمط من التفكير يكمن في صميم المنهج الجدلي.

عمر الشافعي

جرامشي والثورة الروسية

دانيللا موسى  ,  ألفارو بيانكي