مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية (4)

قضايا

24  ديسمبر  2017

فلاش باك 2: حزب العمال وحركة العمال

وصف أحدهم لينين بأنه العالم الأهم في تاريخ الحركة الثورية العالمية فيما يمكن أن نسميه بعلم “اللحظة الراهنة” أو science of the Conjuncture، فصيرورة المجتمعات البشرية تحفل بالتناقضات والأزمات، وهذه تظهر لنا دائما في حالة تكثيف بالغ التعقيد والاختلاط، كما انها كالزئبق، في حالة تبدل وتحول مستمر، ويبدو التميز الأهم للينين عن أقرانه ومعاصريه من القيادات الماركسية الثورية وقتها هو ما تمتع به من قدرة فائقة على القبض على اللحظة الراهنة، الكشف عن طبيعتها، والفهم العميق للعلاقات المتشابكة بين تناقضاتها، ومن ثم استخلاص “المهمات الملحة” للحركة الثورية بين لحظة تاريخية وأخرى.

فرص تقدم النضال الثوري إلى أمام تأتي كلحظات تاريخية تنطوي على تكثيف خاص لتناقضات المجتمع القديم، فإذا ما أحسن الثوار فهمها وإدراك كنهها واستخلاص المهمات الملحة للعملية الثورية إزاءها تقدمت الثورة إلى أمام، وإذا ما أضاعوها ضاعت الفرصة واستعاد المجتمع القديم توازنه وإن دوما بأشكال جديدة، عادة ما تشمل توجيه الضربات الساحقة للحركة الشعبية، بالعنف أو بالاحتواء أو بكليهما معا، ولو إلى حين.

ولعل قرار لينين بالانتفاضة المسلحة في أكتوبر 1917، وهو قرار عارضه فيه بداية أغلبية قيادة البلاشفة، مثال بارز على ما نقول. فقد كان أكثرهم إدراكا أن لحظة سانحة لبناء سلطة السوفييت قد حانت. ولكن الأهم إدراكه أن إضاعة تلك اللحظة يعني إضاعة الثورة الروسية بأكملها الممتدة من فبراير في نفس العام. فقد وصلت التناقضات إلى لحظة لم تترك خيارات، فإما الثورة أو الثورة المضادة. وتاريخ النضال الثوري الروسي يحفل بمثل هذه اللحظات وإن بشكل أقل حيوية، وفي كل لحظة من هذه يبدو التميز شديد الخصوصية للينين ناصعا كاشفا، في لحظات الهجوم كما في لحظات التراجع والهزيمة.

لحظة تاريخية من هذا النوع عشناها في سبعينات القرن الماضي، وصلت لذروة هائلة في يناير 1977، وذلك في انتفاضة شعبية كبرى شملت مئات الآلاف من الكادحين في أنحاء البلاد، ويقيني أنها كانت لحظة فارقة، ربما كان من شأنها إجراء تعديلات حاسمة على المسار التاريخي اللاحق في بلادنا.

لا أقصد بطبيعة الحال مجرد لحظة الانتفاضة الكبرى في 18 و19 يناير، التي انتهت بتراجع السادات عن إجراءات رفع الدعم الموصى بها من المؤسسات المالية الدولية، واختيار النظام التوبة عن سياسة الصدمات الساداتية ليختار مسارا أكثر تدريجية بكثير استمر بضعة عقود، بل وانتظر لحظة “الصدمة” (على حد تعبير ناعومي كلاين في كتابها الشهير “عقيدة الصدمة”)، تلك التي اقترنت بانتصار الثورة المضادة، لنشهد تحققاتها النهائية هذه الأيام.

أتوقف لأروي قصة لحظة من مسيرة عشتها مباشرة، أفتخر بها وأتحمل مسؤوليتها مع غيري من “رفاق الخندق” (كما وصفنا وقتها الشاعر المناضل محمد سيف)، وأظنها، مستعيرا قول شهر زاد الشهير “حكاية لو كتبت بالإبر على آماق البصر لصارت عبرة لمن اعتبر”.

تأسس حزب العمال الشيوعي المصري في 8 ديسمبر 69 تحت اسم التنظيم الشيوعي المصري (ت.ش. م.)، وتاريخ التأسيس ليس بلا مغزى، فقد سبق وفاة عبد الناصر، وبالأحرى “ثورة التصحيح” الساداتية في مايو 71، وهي التي رأى فيها أكثر الرعيل الأقدم من الماركسيين المصريين ثورة مضادة انحرفت أو هددت بأن تنحرف بمصر عن “طريق التحول الاشتراكي”. الوثائق التأسيسية لـ ت. ش. م. تكشف عن خط فكري وسياسي راديكالي، شديد التبلور، وهي مازالت موجودة لمن يرغب في الاطلاع عليها وأظنها رغم مرور الزمن جديرة بذلك تماما، ولكنها ليست موضوعنا هنا. فالغرض من هذه الكتابة ليس التباهي بحسناتنا ولكن الكشف عن سوءاتنا.

ثمة مفارقة مهمة، ومحزنة في الوقت نفسه، في تاريخ حزب العمال. فقدنشأ عن وحدة ثلاث حلقات ماركسية ثورية، اثنين منهما من المثقفين بشكل أساسي، والثالثة حلقة عمالية سكندرية، بقيادة المناضل العمالي الرائع فتح الله محروس، وقد رحل عنا منذ عدة شهور. قصة فتح الله محروس جديرة بالرواية في حد ذاتها، وكذا قصة حزب العمال منذ النشأة وحتى الاندثار في أواخر التسعينات (وهو ما تقوم مجموعة من “الكادر القديم” للحزب في الوقت الحالي بمحاولة توثيقه وتأريخه). لكن ما يهمنا هنا هو أن الحزب منذ اللحظة الأولى لنشأته بدا مؤهلا لتجاوز الفُرقة التاريخية بين “المثقفين” والطبقات الكادحة، وبخاصة الطبقة العاملة، أي تجاوز الفُرقة التاريخية بين “الأفندية” و”الدهماء”. ولم تكن المرة الأولى التي شهدنا فيها بدايات مثل ذلك التجاوز، فقد شهدنا مثلها في النصف الثاني من الأربعينيات، بداية من “لجنة العمال والطلبة” في 1946، وكان تحققها الأعلى في منظمة تعددت أسمائها، ولكن نصطلح عليها بأحدها، وهو د. ش. (أو ديمقراطية شعبية)، وقد خرج منها مجموعة من أهم القيادات العمالية وأكثرهم بسالة وصمودا في تاريخ الحركة الشعبية في بلادنا، ومن بينهم فتح الله محروس. ولعلنا لا ننسى في هذا الصدد تذكر أسم يوسف درويش. وكان فتح الله محروس وغيره من أبرز القيادات العمالية الثورية يفتخرون بأنهم “تربية” يوسف درويش، وأعِده النموذج الأهم والأروع للمناضل الماركسي في تاريخ الحركة الماركسية المصرية منذ نشأتها حتى يومنا هذا.

ثلاث لحظات تاريخية يمكننا رصدها، حملت معها إمكانية ساطعة لتجاوز الانفصال التاريخي بين “الأفندية” والكادحين: النصف الثاني من الأربعينيات ولعلها أضيعت بسبب هيمنة فكرة مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية في صفوف الحركة الماركسية المصرية، قبل أن تقطع الطريق عليها ثورة يوليو، ولحظة ثورة يناير، وقد سعيت في هذا المقال وفي مقالات سابقة إلى رصد بعضا من أسبابها، ولحظة السبعينيات وهي موضوعنا هنا.

المفارق، وربما المؤلم، في تجربتنا هو أن أعذارنا أقل كثيرا من أعذار غيرنا في الجيل الذي سبقنا أو الأجيال التي جاءت بعدنا. ولكن يبقى الأمر هو قراءة الأسباب لا كذرائع نتعلل بها ولكن استخلاصا لدروسها.

نشأنا في منظمة ثورية لا يعنيها ما يأتي من موسكو أو بكين، ولم يعنينا ما كنا نُعَاير به من افتقادنا “للاعتراف الأممي” والمقصود به ختم موسكو، بل ونفتخر برفضنا للـ”خطين” السوفيتي والصيني. ننتقدهما معا، وإن، ربما، ليس بما يكفي من حزم وعمق، متحررين تماما من وصمة الاعتراف السوفيتي بتقسيم فلسطين، وننتمي لموجة ثورية شملت العالم العربي كله، تستلهم الكفاح المسلح الفلسطيني وتتبنى شعار النضال من أجل دولة علمانية ديمقراطية على كامل التراب الوطني الفلسطيني. لا أوهام عن النظام الناصري، ونشخصه نظاما سياسيا بونابرتي الطابع، أنشأ رأسمالية دولة سلطوية، تسيدت عبرها برجوازية بيروقراطية، مآلها الحتمي هو خيانة المسألة الوطنية واستعادة أواصر التحالف وعلاقات التبعية السياسية والاقتصادية مع المراكز الرأسمالية العالمية.

من يقرأ الوثائق التأسيسية لـت. ش. م. اليوم لا يملك غير أن يندهش لدقة ما طرحته من نبوءة تاريخية كانت وقتها (عام 1970 وفي حياة عبد الناصر) مازالت تبدو في غياهب مستقبل غير مرئي. من المهم الإشارة هنا إلى أننا كنا ندرك، ومنذ اللحظة الأولى، أن البرجوازية البيروقراطية الحاكمة تتوجه بشكل محتوم وبحكم طبيعتها نفسها للتخلي الكامل عن مساعي الاستقلال الوطني، وتتطلع لا لإنهاء صداماتها مع المراكز الإمبريالية العالمية فحسب، وإنما أيضا لفض “العقد الاجتماعي” بونابرتي الطابع مع الطبقات الشعبية، ولشن عدوان شامل على مكتسباتها الاجتماعية في مختلف الميادين، ولتحويل رأس المال العام للبرجوازية البيروقراطية لملكية خاصة لأفرادها ومجموعاتها. وفي كل هذا لم نر (كما تصور غيرنا) أن ثمة “مجموعة اشتراكية” أو “وطنية” في السلطة، ولم نراهن على “جناح” ما في الطبقة الحاكمة، وتبنينا خطا استراتيجيا قوامه الدمج التام بين المهمات الوطنية والديمقراطية والثورة الاشتراكية، حيث هي مهمات تضطلع بها بالكامل الطبقة العاملة والطبقات الشعبية في مواجهة الرأسمالية وعلى حسابها. (أنظر: “طبيعة السلطة والتحالف الطبقي”، و”طبيعة الثورة المقبلة” في مصر).

ثم ماذا؟

1-  طلبة وعمال، معضلة الوطن والطبقة:

نحن إذن إزاء منظمة ثورية، تنشأ نشأة مبكرة، ممتلكة خطا فكريا وسياسيا ثوريا (مهما كانت أوجه القصور في ذلك الخط، ولعل أهمها رفض الاستفادة من نظرية الثورة الدائمة لتروتسكي وتحليله للتجربة السوفيتية وبخاصة لمرحلتها الستالينية)، وذلك رغم رفضنا لفكرة مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية  وتبنينا للثورة الاشتراكية باعتبارها السبيل الوحيد لكل من انجاز المهمات الوطنية والطبقية معا. ومن ناحية أخرى تنشأ وهي تضم في عضويتها أعدادا من العمال ربما تفوق أعداد المثقفين، والكل منخرطون في كفاح شعبي يومي يشمل المؤثمرالدائم لعمال الغزل والنسيج في الإسكندرية، وروابط مهمة بالحركة العمالية البازغة في حلوان وشبرا الخيمة والمحلة، وكفاحات متعددة ومتنوعة بين المثقفين والطلاب، فماذا حدث؟

موجة كبرى من شباب المثقفين، والطلاب خصوصا، يتحولون تلقائيا للماركسية، بل والماركسية الراديكالية، ردا على هزيمة 67 والتهاوي العنيف للنفوذ الأيديولوجي والسياسي للناصرية؛ متمردون أيضا (أتسمت في تيار حزب العمال بالذات بقسوة بالغة) على الحركة الشيوعية “التقليدية” سوفيتية التوجه. وهي موجة تمتد في واقع الأمر في أنحاء العالم العربي، لنشهد تحول حركة القوميين العرب للماركسية (وبدايات التحول سبقت الهزيمة بقليل، مع نشأة تيار ماركسي النزعة في الحركة بقيادة نايف حواتمة (فلسطين) ومحسن إبراهيم (لبنان) وعبد الفتاح إسماعيل (اليمن الجنوبي تحت الاحتلال وكان يسمى وقتها بعدن). وفي أنحاء العالم العربي تنشأ منظمات ماركسية جديدة تمتد من المغرب إلى الخليج، أبرز ما يميزها جميعا هو تجاوز ونقد (وإن بصور متفاوتة) المشروع القومي العربي بصبغته البعثية والناصرية، والرفض الحاسم لخطيئة قبول قرار تقسيم فلسطين من قبل الحركة الشيوعية العربية “التقليدية” تحت تأثير النفوذ السوفيتي، واستلهام الثورات الكوبية وبالأخص الفيتنامية، وتبني شعار الحرب الشعبية طويلة الأمد سبيلا لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي وتحرير فلسطين.

ولعلنا نتذكر أيضا، إننا كنا إزاء لحظة تاريخية شملت العالم كله، مع صعود حركات اليسار الجديد ومناهضة العدوان الأمريكي على فيتنام في الولايات المتحدة وأوروبا، بما شملته من نهضة جديدة في الفكر الماركسي النقدي، في سياق تاريخي حافل، شمل انتفاضات 68 الكبرى في أمريكا وفرنسا وألمانيا وغيرها من بلدان الغرب الرأسمالي المتقدم، وصعود حركات الأمريكيين السود والحركة النسوية الجديدة، الخ.

سياق تاريخي محلي وإقليمي وعالمي يدفع شباب المثقفين المصريين دفعا نحو الماركسية الراديكالية والنضال الجماهيري الثوري، اهتممت برصده حتى لا نسقط تماما من حسابنا حقيقة أن التراجع الكبير الذي شهدناه وعشناه منذ نهاية السبعينيات وحتى عشية “الربيع العربي” لم يكن منزوع الصلة بتحولات تاريخية كبرى شملت بدورها الإقليم والعالم حيث التراجع عم الجميع.

المشكلة الأهم عندنا – وفي سائر المنطقة العربية وعلى الأخص مشرقها – لا يمكن الاستهانة بها، وتمثلت، ومازالت، في حدة المسألة الوطنية، وهي التي تشكل الخصوصية الأبرز للصراع الطبقي في إقليمنا. كثيرا ما ننسى، وبخاصة زملائنا كثيرو الانتقاد لما يسمونه بالـ”قومجية”، أن عصر ما بعد الاستعمار يبدأ عندنا بأبشع أنواع الاستعمار وأكثرها ضراوة وهو الماثل في غرس قطعة من الغرب الامبريالي في قلب المنطقة العربية، أي في اغتصاب فلسطين وتأسيس دولة إسرائيل المدججة بالسلاح والمدعومة دعما غربيا لا محدود، لا لتشكل خطرا ملموسا داهما على كل جيرانها فحسب، ولكن لتشكل أيضا العنصر الأهم في كامل إستراتيجية الغرب الاستعماري تجاه المنطقة العربية والشرق الأوسط عموما.

لم تكن حدة المسألة الوطنية في عصر ما بعد الاستعمار محض أوهام أو ديماجوجية قومجية، إنما حقيقة راسخة لعلها كانت العنصر الأهم إطلاقا في الصعود الساحق للفكر القومي بكل ما شمله من ديماجوجية وما نجح فيه لعقود من تثبيت لدعائم الاستبداد ومن “تأميم” للصراع الطبقي وفشل مروع في التحرر الوطني انتهى بالاستسلام.

غير أن كلى المسألتين، الوطنية والطبقية، كان لهما وقعا متفاوتا – ربما شديد التفاوت في لحظات تاريخية معينة – على الفئات الاجتماعية المختلفة في مصر وغيرها من البلاد العربية، وبخاصة بين المثقفين من جهة والطبقات العاملة في المدينة والريف من جهة أخرى. مثقفو البرجوازية الصغيرة ينشئون ويتربون منذ القرن التاسع عشر على حلم النهضة الوطنية واستعادة أمجاد الماضي، مصرية قديمة أو عربية إسلامية، ويجمعون بين الانبهار بـ”حضارة الغرب” وتقدمه التكنولوجي والثقافي والمؤسسي حيث “إسلام بلا مسلمين”، وبين كراهية دفينة تمتد جذورها لعهود النهب والقهر الإمبريالي، ولكن تستمد حدتها وعنفوانها وديمومتها في عصر ما بعد الاستعمار من العدوان العسكري المتواصل الماثل في زرع قطعة من الغرب الإمبريالي في قلب المنطقة.

لم يكن الاستغلال الديماجوجي للقضية الوطنية على أيدي أنظمة ما بعد الاستقلال والكثير من الحركات السياسية برجوازية الطابع مجرد زيف في زيف، بل كان يستند إلى حقائق فعلية على الأرض، هي تلك المتجسدة في تهديد عسكري مباشر ومتواصل يكمن في صميم الوجود الصهيوني وفي علاقته الوثيقة بالمصالح والرؤى الجيوسياسية لدى القوى الامبريالية الكبرى للمنطقة، بل ويلعب دورا حاسما في صياغة تلك الرؤى وبلورتها بين مرحلة وأخرى ومازال، خاصة إذا ما أضفنا للمعادلة النفط والطابع الاستراتيجي للموقع الجغرافي بين طرفي الحرب الباردة.

كما لم تكن جماهير الكادحين في مصر وغيرها من البلدان العربية (وبالذات ما سمي ببلدان الطوق) ببعيدين قط عن المشاعر الوطنية والمعادية للامبريالية ولا عن تأثيرات الديماجوجية القومية التي ارتبطت بها (ولعلنا نُذكر بأن مظاهرات 68 احتجاجا على الهزيمة أطلقها العمال المصريين وانضم لها الطلاب)، ولكن – وببساطة – كان وعيهم بها مختلفا، فقد ارتبطت المعارك الوطنية عندهم ارتباطا وثيقا، شديد الارتباط، بإزاحة نير العبودية والمهانة الطبقية عن كاهلهم لهذا الحد أو ذاك، بامتلاكهم لقدر من الكرامة والقوة يمكنهم من التدخل بقدر ما في صيرورة الأحداث وترتيبات توزيع الثروة والنفوذ، حتى وإن أخذ ذلك صورا شتى من الانضباط الصارم والتماهي مع الزعيم و”مصالح الأمة” بما شمل مبادلة حركتها المستقلة بالانضواء تحت التنظيمات النقابية للدولة، ومحاولة تحقيق المصالح المباشرة والملحة من خلالها، حتى ولو عبر سيور توصيل قوامها نقابيين صفر وفاسدين.

نحن إذن أمام تناقض حقيقي بين تركيبتين متميزتين للوعي، عند مثقفي البرجوازية الصغيرة من جهة، والطبقة العاملة وجماهير الكادحين من جهة أخرى، وهو تناقض لا يحله ببساطة تبني الماركسية أو حتى الانضمام لتنظيم شيوعي ثوري، فليس فيهما لوح محفوظ أو صراط مستقيم، وإنما مجرد مدخل لعملية تاريخية بالغة التعقيد وحافلة بالتناقضات لتشكل الوعي الثوري في الممارسة الثورية.

لم يكن تناقضا غير قابل للحل، بل ولعل المنطلقات الفكرية والسياسية الأساسية للتنظيم الشيوعي المصري (حزب العمال لاحقا) كانت توفر للتنظيم الوليد أفضل الأدوات المتاحة وقتها لمعالجة ذلك التناقض، وذلك بالنقد الحازم لأوهام “البرجوازية الوطنية” و”الجناح الوطني” (عند البعض) و”المجموعة الاشتراكية في السلطة” (عند البعض الأخر)، وبتأكيده على أن المهمات الديمقراطية والوطنية المتبقية لن تتحقق إلا بواسطة حلف الطبقة العاملة وجماهير الكادحين في الريف والمدينة، وفي إطار النضال من أجل الثورة الاشتراكية. غير أن النظرية رمادية، على حد قول “جوته”.

ضربة 73 وتأثيراتها

تضافر تطوران مهمان، أحدهما شديد الإيجابية والأخر شديد السلبية، ليدفعا بالمنظمة نحو بدايات طريق مسدود. التطور الأول هو الصعود العارم للحركة الطلابية وحركة المثقفين عموما. ففي غضون عامين دراسيين 71-72 و72-73 نشهد موجتين انتفاضيتين عارمتين يمتد بهما النضال الطلابي الثوري من جامعات القاهرة وعين شمس والإسكندرية ليشمل في العام الدراسي التالي جامعات مصر كلها تقريبا، من الإسكندرية إلى أسوان، ومعهما تُغرس بذور الماركسية الثورية في أنحاء البلاد، وتتسع صفوف التنظيم الشيوعي المصري أضعافا مضاعفة، رغم التشدد البالغ فيما كان يطلق عليه وقتها “معايير التجنيد”، فضلا عن تشدد مماثل وربما أكثر حدة في التقيد بأساليب العمل السري والحفاظ على أمن العمل الحزبي وإخفاءه عن أجهزة الأمن.

أما التطور الثاني فتمثل فيما أطلق عليه وقتها “ضربة 73 التنظيمية”. كانت حركة عمال الغزل والنسيج في الإسكندرية ابتدعت بقيادة الرفيق الراحل والمناضل العمالي الرائع فتح الله محروس شكلا جديدا للتنظيم العمالي أطلق عليه “المؤتمر الدائم لعمال الغزل والنسيج” ضم آلاف العمال، وبلور برنامجا للمطالب العمالية الملحة، بما في ذلك انتزاع العمال لحقوقهم النقابية وتحرير العمل النقابي من سطوة نقابات السلطة، ولحقهم في الإضراب، وكان البرنامج الأول من نوعه منذ “تأميم” العمل النقابي في العهد الناصري، قام بصياغته فتح الله محروس.

وأجد لزاما على هنا التوقف لإجلال الذكرى العطرة للرفيق وصديق العمر فتح الله محروس، ولذكرى واحد من أروع المناضلين الشيوعيين المصريين وأكثرهم إخلاصا وصلابة، الرفيق يوسف درويش، وهو الذي تتلمذ على يديه منذ الصغر فتح الله محروس ونخبة من أبرز المناضلين العماليين المصريين. وجدير بالذكر أن فتح الله بقي على حبه وامتنانه ليوسف درويش طوال عمره، رغم انتمائهما لمنظمتين مختلفتين. (كان يوسف درويش من مؤسسي منظمة عرفت بمنظمة الشروق توحدت في 75 مع مجموعة أصطلح عليها بجماعة حدتو، ليشكلوا الحزب الشيوعي المصري، وهي التي انشقت لاحقا عن الحزب لتشكل حزب الشعب).

شاءت الأقدار أن التشدد في معايير التجنيد والأمن بين الطلاب والمثقفين لم يقابله تشددا مماثلا فيما يتعلق بالحركة العمالية العارمة في الإسكندرية، فكانت اختراقات بوليسية، وكان تمكن أجهزة الأمن من الوصول عبرها إلى قلب اللجنة المركزية المؤسسة محدودة العدد، وجاءت “ضربة” 73 لتطيح بضربة واحدة بكامل الكادر العمالي في الإسكندرية وبأهم قيادة عمالية في المنظمة، فتح الله محروس، وبأغلبية اللجنة المركزية بما فيهم المنظر الماركسي الأبرز للمنظمة حديثة التأسيس، ومؤلف وثائقها التأسيسية، بما فيها: طبيعة السلطة البرجوازية البيروقراطية في مصر، وطبيعة الثورة المقبلة، وطبيعة التحالف الطبقي، وغيرها.

كنا إذن بصدد لحظة تحفل بالتناقض؛ قيادة الحزب ومنظره الأبرز مقبوض عليه، وكذا فتح الله محروس، القائد العمالي الأهم في المنظمة، وكذا قبضة من أبرز مؤسسيها، وجلهم أكبر سنا نسبيا وأكثر خبرة سياسية ومعرفة نظرية، ومعهم صُفي القسم الأكبر من العضوية العمالية للمنظمة، واندثرت تجربة “المؤتمر الدائم لعمال العزل والنسيج” الرائدة. وفي الوقت نفسه شهدت المنظمة تطورا هائلا في العضوية وانتشارا غير مسبوق على المستوى القومي، بحيث لا تكاد تخلو محافظة أو بلدة مصرية مهمة من منظمة محلية للتنظيم الشيوعي المصري.

غير انه كان تطورا “مركبا وغير متكافئ” (إذا جاز لنا استعارة التعبير الاصطلاحي الشهير لتروتسكي في غير سياقه). نهوض عارم في الكفاح الجماهيري وتوسع هائل في العضوية والانتشار والتأثير، ولكنه نهوض على قدم واحدة، أو على الأقل على قدمين إحداهما صارت عرجاء واهنة، بينما الثانية تزداد قوة وعنفوانا يوما بعد يوم.  تحول ت.ش.م ساعتها لمنظمة قوامها الأساسي طلاب في العشرينات الأولى من عمرهم، يناضلون بشجاعة واستماتة في محيط مصري وعربي ملتهب بمشاعر المهانة الوطنية والإصرار على رد الهزيمة، أعينهم على سيناء المحتلة وعلى فلسطين وعلى “الثورة الفلسطينية” وطريق حرب الشعب، وفيتنام البعيدة مصدر الهام مستمر ونموذج يُحتذى.

ومع ذلك، فالضربات البوليسية قدر لا فكاك منه في أي كفاح ثوري، مهما بلغ من كفاءة في العمل السري واحتياطات الأمن، و”ضربة 73 التنظيمية” لا تفسر في حد ذاتها ما تلاها من ميول فكرية وسياسية وتنظيمية. المسألة هي أن هناك تناقضا حقيقيا، يتسم بحدة خاصة وبعمق استثنائي في بلادنا العربية بالذات، بين الوطني والطبقي، مفصله الجوهري اغتصاب فلسطين وغرس إسرائيل في قلب الإقليم، ويتجمع فوقه ركام هائل من تأثيرات النفط والجغرافيا السياسية والأحلاف الاستعمارية والاعتداءات العسكرية وركام أخر من الفكر “النهضوي” بما يشمله من استشراق مستبطن وأساطير “حضارية” ورغبة جامحة في استعادة الأمجاد الغابرة وقد أضفيت عليها مسوح القداسة، تحولت بفضلها من علم للتاريخ إلى عالم الأساطير.

ليس تناقضا مستعصيا وغير قابل للحل، خاصة والحديث هنا عن منظمة منطلقها الاستراتيجي الجوهري هو أن قضايا الوطن والديمقراطية قد صارت وبشكل كامل من بين المهمات الكبرى للطبقة العاملة وجماهير الكادحين، وجزء لا يتجزأ من نضالها للانعتاق الطبقي، أي الثورة الاشتراكية.

لكننا، كما سبق القول، لسنا إزاء لوح محفوظ وإنما عملية تاريخية يندمج فيها الفكر بالممارسة، والاستراتيجي بالتكتيكي، والنظري بالعملي، وبعيد المدى باليومي، وكلها في صيرورة تبدل وتحول متواصل، قوامها إعمال العقل النقدي في معطيات الممارسة، كل منهما يرشد الأخر ويدله.

ما فعلته ضربة 73 هو إحاطة هذه العملية الحافلة بالتعقيد بتعقيد جديد ضاعف من آثارها، وساهم في وضع العراقيل في وجه معالجتها معالجة أقرب إلى الصواب، ويمكن إيجاز هذه في الآتي:

1- طغيان وعي المثقفين بما فيه من “تشوهات خلقية”، إذا جاز التعبير، على الوعي العمالي بما فيه أيضا من “تشوهات خلقية”، وذلك نتيجة للاختلال الفادح في العضوية ومجالات الانتشار والتأثير، كما سبق شرحه. ويمكننا تصور دينامية شديدة الاختلاف لصناعة الوعي الثوري وتبلوره في إطار أقل اختلالا.

2-  بروز ما يشبه “العقدة النفسية” من التوسع في صفوف العمال، كرد فعل تلقائي لواقع أن الاختراقات البوليسية التي تسببت في الضربة التنظيمية الفادحة والإطاحة بمعظم القيادة الحزبية، جاءت من بين صفوف العضوية العمالية في الإسكندرية، وهو ما أنشأ قناعة بأن التوسع في صفوف المثقفين أكثر أمنا من التوسع في صفوف العمال، كما أضفى أولوية طاغية على “الثقافة” (والفهم الشائع لها باعتبارها قراءة واستيعاب أصول النظرية الماركسية، وغيرها من المؤلفات الفكرية والتاريخية) لا فيما يتعلق بالعضوية فحسب، ولكن، وربما بصورة أشد، فيما يتعلق بالمواقع القيادية في التنظيم. ولعلي أضيف بصورة عابرة هنا، مشكلة “القداسة” التي أضفيت على مؤلفات الأولين، بحيث تكاد تكون غير قابلة للنقد أو حتى التساؤل، ولكن مجرد الفهم والاستيعاب.

3- فقدان القسم الأكبر من القيادة المؤسسة للتنظيم، وعلى الأخص قيادته الفكرية الأبرز، وهو نفسه مؤلف وثائقه التأسيسية، أدى بدوره إلى نوع آخر من “العقدة النفسية”، وهي عقدة “البحث عن لينيننا”. فنحن هنا إزاء منظمة تتوسع بسرعة صاروخية، ولكن تتشكل أكثريتها الساحقة من طلاب جامعيين في العشرينات من عمرهم، أكثرهم حديثو العهد بالماركسية بحكم الضرورة، ويقفون مع ذلك على أرض فكرية وبنى إستراتيجية تعكس تفوقا نظريا وخبرة نضالية فائقة يشعرون أن لا قبل لهم بالمساهمة في مواصلتها وتطويرها، فيسيطر على العقول نزوع ملح للبحث عمن يشغل هذا الدور، لينيننا!

وللحديث بقية..

_________________________

للإطلاع على الحلقات السابقة

مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية (1)   http://bit.ly/2kUzybD

مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية (2)   http://bit.ly/2BifJSk

مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية (3)   http://bit.ly/2kTxeS0

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة