محمد البوعزيزي .. حكاية عادية لحدث غير عادي

بروفايلات, قضايا

24  ديسمبر  2017

 الحكاية لتكرارها كان يمكن أن تمر كأي حكاية غيرها. شاب كغالبية أبناء طبقته يقف خارج الكادر، مجرد عدد في تقارير دولية تتحدث عن الفقر، وخطابات محلية تتحدث عن خطط لدعم الفقراء، و”بعبع” سياسيون يحذرون من ثورة للجياع إذ لم يحصلوا على عدد من مقاعد البرلمان، هكذا لقطة لمصور محترف قد تحصل على جائزة كبيرة، لكنه يموت جوعا، أو كمدا.

كان يمكن أن يكون مثل غيره ممن يتعرضون للإهانة يوميا، لكنه فعل ما اعتقد إنه ثأرا لكرامته، فتحول إلى رمزا حتى وإن لم يكن هذا قصده وقتها.

في اللحظة التي أشعل فيها الشاب محمد بوعزيزي نفسه لم يكن يتوقع كل ما حدث، وبالأحرى لم يكن يعرف شيئا عما قاله ماركس بإن “العمال ليس ليهم ما يخسروه سوى أغلالهم”، فأشعل النار في نفسه ليكسر أغلاله وأغلال ملايين حول العالم.بالتأكيد لم يكن يريد الموت حقا- كم حدث- فكما يقول دارسو علم النفس عن الحالة النفسية للمقدم على الانتحار إنه كان في انتظار من ينقذه “أغلب المنتحرين لا يريدون الموت فعلا، بل يريدون صدمة من حولهم ليلتفتون إليهم”.

لكن على أي حال تحول بوعزيزي إلى رمز، وحوله البعض إلى أسطورة، وربما كانت هذه الطعنة الأولى في صدر الثورة، فنحن –الشعوب- لسنا ملائكة، والثوار ليسوا بجناحين كما يصورهم المنافقين للثورات في كتاباتهم، وإنما هم بشر عاديون، الأحداث الكبيرة يقوم بها أشخاص لهم نفس صفات البشر، كما يقول تروتسكي، وهكذا كان بوعزيزي شخصا عاديا، وكان سببا في حدثا غير عادي.

والأزمة لم تكن في بوعزيزي وإنما في أسطرة كل شيء، فذهب البعض للاعتقاد بأن أن الثورة – أي ثورة – لا تبدأ إلا بعد موت مواطن منتحرا بحرق نفسه.

هكذا وجدنا محاولات لمواطنين مصريين أقدموا على حرق أنفسهم على سلم نقابة الصحفيين وسط القاهرة بعد أيام من بداية ثورة تونس، (وهو الحدث الذي تكرر في عدد آخر من العواصم العربية)، أتذكر وقتها فتوى صادرة من الأزهر تقول بحرمة من يشعل النار في جسده، و احتفت وسائل الإعلام المصرية والعربية بتلك الفتوى.ونجحت ثورة تونس ليس في إسقاط نظام بن علي فقط، وإنما في إشعال الرعب في قصور حكم المنطقة العربية كلها، والمتابع للصحف المصرية والعربية وقتها يرى كيف كانت الحكومات (بإيعاز من الرؤساء والملوك) تقدم الرشاوى للشعوب، أعود إلى أرشيفي فأجد نسخة لجريدة الأهرام يتحدث عن 2011 عام تحقيق الأحلام، نشرت الأهرام في 14 يناير 2011 تبشر بأن هذا العام سيكون شاهدا على بناء 11 ألف مسكن للمقيمين في الأماكن العشوائية، بالإضافة إلى 2400 محل، وكل هذه المحلات والمساكن ستسلم بالمجان لهم، بالإضافة إلى خطة لتطوير 30 منطقة عشوائية، في نفس العدد من الأهرام كانت الحكومة تغازل قرابة 2 مليون مواطن يعتمدون على القطارات كوسيلة مواصلات أساسية فبشرتهم باستبدال العربات الحالية بعربات مكيفة.

 الحال في مصر كان متشابها وقتها لما يحدث في عدد من الأقطار العربية وأرشيف وسائل الإعلام شاهدا على ما قاله الحكام العرب عن ثورة تونس، وما فعله حكام الخليج (تحديدا) و إغداقهم على شعوبهم أملا في ألا تتكرر/ تنتقل التجربة/ الثورة.هكذا كان من المفترض أن تمر واقعة صفع شرطي/ة لبائع متجول مرورا عاديا، وهكذا كان يريد الحكام العرب أن تمر ثورة تونس دون أن يسمع عنها أحد لأن مصر ليست تونس، وليبيا ليست تونس ومصر، وسوريا ليست كتونس ومصر وليبيا، واليمن والبحرين ليست كتونس ومصر وليبيا وسوريا. لكن صفعة بوعزيزي لم تمر مرورا عاديا بل أشعلت ثورة، ولم تحبس روحها في تونس بل انتقلت من هناك لهنا، ومن هنا لهناك.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة